الزياده فى الخلق كمذهب اسلامى فى الخلق(2)
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه / جامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com
مذاهب تفسير طبيعة الخلق :ورغم ثبوت الخلق كمفهوم قرانى ، إلا انه مفهوم كلى الخلق ، لذا فان إجماع المسلمين على مفهوم الخلق لم يحول دون ظهور مذاهب إسلاميه (جزئية)،تحاول تفسير طبيعة الخلق، وهى في ذات الوقت ذات صله بمفهوم التطور،ومن هذه المذاهب :
مذهب الإيجاد دفعه واحده : هذا المذهب يرى أن الله تعالى اوجد كل الأنواع دفعه واحده ( مطلقا)، ويستند هذا المذهب إلى تفسير الخلق بان (مقصور) على الإيجاد من العدم .
تقويم: غير أن إيجاد الإنسان من العدم على مستوى الخلق ، وطبقا لنمط الخلق (الأمر) ، لا يتعارض مع ايجاده من ماده سابقه وعلى مراحل ، على مستوى الجعل ، وطبقا لأنماط الخلق التسوية والتقدير والهدايه ، حيث وردت الاشاره إلى ماده سابقه خلق منها الإنسان في العديد من النصوص كقوله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)،وقوله تعالى(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأ مَّسْنُونٍ)،وقوله تعالى(الرحمن خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)،وقوله تعالى (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) ،وقوله تعالى (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (ص: 71- 79).كما وردت الاشاره إلى خلق الإنسان خلال مراحل كما فى قوله تعالى(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ) (السجدة : 7-9)،
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ*ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ*ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين ( (نوح: 14). وقد قرر القران الكريم أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام ، قال تعالى(إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في
ستة أيام ثم استوي على العرش) (الأعراف:54) ، وهناك مذهبين في تفسير طبيعة الأيام المذكورة في الايه ، المذهب الأول يرى أنها كأيام الدنيا، والمذهب الثاني يرى أنها أيام غير أيام الدنيا ، يقول ابن كثير في تفسير الايه ( وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّام هَلْ كُلّ يَوْم مِنْهَا كَهَذِهِ الْأَيَّام كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِر إِلَى الْأَذْهَان أَوْ كُلّ يَوْم كَأَلْفِ سَنَة كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مُجَاهِد وَالْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل وَيُرْوَى ذَلِكَ مِنْ رِوَايَة الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس)، ويقول القرطبي ( قَالَ الْقُشَيْرِيّ . وَقَالَ : وَمَعْنَى ( فِي سِتَّة أَيَّام ) أَيْ مِنْ أَيَّام الْآخِرَة , كُلّ يَوْم أَلْف سَنَة ; لِتَفْخِيمِ خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَقِيلَ : مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا )، والمذهب الذي نرجحه هو المذهب الثاني ، لأن الأيام شانها شان اى شيء- تخضع لمفهوم العنيه القرانى، والذي مضمونه أن ذات الشىْ عند الإنسان يختلف عند الله ، لان وجود الإنسان محدود بينما وجود الله تعالى مطلق، قال تعالى (..وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ)(الحج:47)، وفى كل الأحوال فان القران يقرر أن الله تعالى خلق السموات والأرض خلال مده منيه(ستة أيام).
كما أن هذا المذهب يتعارض مع تقرير الكثير من العلماء أن الإنسان هو آخر المخلوقات، يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) (وحكي مُحَمَّد بْن الْجَهْم عَنْ الْفَرَّاء : لَمْ يَكُنْ شَيْئًا قَالَ : كَانَ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا . وَقَالَ قَوْم : النَّفْي يَرْجِع إِلَى الشَّيْء ; أَيْ قَدْ مَضَى مَدَد مِنْ الدَّهْر وَآدَم لَمْ يَكُنْ شَيْئًا يُذْكَر فِي الْخَلِيقَة ; لِأَنَّهُ آخِر مَا خَلَقَهُ مِنْ أَصْنَاف الْخَلِيقَة , وَالْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَأْتِي عَلَيْهِ حِين . وَالْمَعْنَى : قَدْ مَضَتْ عَلَيْهِ أَزْمِنَة وَمَا كَانَ آدَم شَيْئًا وَلَا مَخْلُوقًا وَلَا مَذْكُورًا لِأَحَدٍ مِنْ الْخَلِيقَة . وَهَذَا مَعْنَى قَوْل قَتَادَة وَمُقَاتِل : قَالَ قَتَادَة : إِنَّمَا خُلِقَ الْإِنْسَان حَدِيثًا مَا نَعْلَم مِنْ خَلِيقَة اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلِيقَة كَانَتْ بَعْد الْإِنْسَان)، ويقول ابن القيم في كتابه الفوائد (كان أول المخلوقات القلم ليكتب المقادير قبل كونها , وجعل آدم آخر المخلوقات , وفي ذلك حكم :الأولى : تمهيد الدار قبل الساكن .الثانية : أنه الغاية التي خلق لأجلها ما سواه من السموات والأرض والشمس والقمر والبحر والبر.الثالثة : أن أحذق الصناع يختم عمله بأحسنه وغايته كما يبدؤه بأساسه ومبادئه)
مفهوم الخلق عند ابن تيميه: وهنا يمكن الاشاره إلى تقرير ابن تيميه إلى انه لا تناقض بين الخلق والإيجاد من ماده سابقه حيث يقول(وقد اخبر سبحانه انه استوي إلى السماء وهى دخان ، فخلقت من الدخان وقال أيضا وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء، فقد اخبر انه خلق السماوات والأرض في مده ومن ماده،ولم يذكر القران خلق شي من لاشىْ )(الفتاوى، ج18، ص235-236)، وقد أورد ابن تيميه هذا القول في معرض تناوله لقضية الخلق وصلته بمسالة قدم العالم، حيث بين خطا مذهبين : الأول هو المذهب الذي يتسق منطقيا مع مذهب إيجاد الأنواع دفعه واحده ، وهو مذهب المتكلمين من الاشاعره القائم على أن الله تعالى لم يزل لا يفعل ثم احدث الفعل ، حيث يرى أن هذا القول(لا نص فيه فنسبته إلى رسول الله أو الإسلام او القران كذب )(الفتاوى،ج18، ص222-223)،فهذا المذهب قائم على افتراض أن نفى نوع الفعل(قدم العالم) يقتضى نفى الفاعلية (الفعل المطلق المعبر عنه بالربوبية )، ويرى أن هذا المذهب يتناقض مع دوام الفعل الالهى ، فضلا عن انه يطرح مشكله وجود مرجح رجح هذا الفعل ،. أما المذهب الثاني فهو المذهب الذي يتسق منطقيا مع نظريه التطور العضوي وهو مذهب الفلاسفة القائم على الخلط بين قدم الفاعلية(الفعل المطلق المعبر عنه بالربوبية) وقدم نوع الفعل(قدم العالم)، حيث يرى أن هذا المذهب يؤدى إلى نفى الخلق لأنه يجعل العالم مقارنا لله أزلا وابدأ.
مذهب التطوير الالهى الزيادة في الخلق: أما هذا المذهب فيميز بين الخلق والجعل، وبين أنماط الخلق المتعددة من أمر وتسويه والتقدير والهدايه، وبالتالي يرى أن القول بإيجاد الأنواع دفعه واحده يجب تقييده بمستوى الخلق دون مستوى الجعل ، وبنمط الخلق (الأمر) دون أنماطه الأخرى (التسويه والتقدير والهدايه) ، غير أن هذا المذهب لا يرتب على ذلك الإقرار بصحة القول بحدوث تطور(ذاتي) لنوع إلى آخر ، وبدون تدخل فعل (موضوعي)، كما في نظريه التطور العضوي، بل يقول بحدوث تطوير لهذه الأنواع ككل بواسطة فاعل مطلق ، بمعنى انه لا يوجد نوع تطور من الآخر، بل يوجد نوع أضاف إليه فاعل مطلق ما لم يكن موجودا في آخر . وبتعبير آخر فان هذا المذهب يرى ان إيجاد هذه الأنواع لم يتم من خلال نمو (ذاتي) ، بل من خلال تنميه (موضوعيه) من خلال الاضافه، اى زيادة في الخلق بتعبير القران ، قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقد أشار المفسرين إلى أن الزيادة في الخلق هنا غير مقصورة على الملائكة يقول الطبري (وَقَوْله يَزِيد فِي الْخَلْق مَا يَشَاء وَذَلِكَ زِيَادَته تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي خَلْق هَذَا الْمَلَك مِنَ الْأَجْنِحَة عَلَى الْآخَر مَا يَشَاء , وَنُقْصَانه عَنِ الْآخَر مَا أَحَبَّ , وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي جَمِيع خَلْقه يَزِيد مَا يَشَاء فِي خَلْق مَا شَاءَ مِنْهُ , وَيَنْقُص مَا شَاءَ مِنْ خَلْق مَا شَاءَ , لَهُ الْخَلْق وَالْأَمْر , وَلَهُ الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان ) .
تقرير بعض العلماء المسلمين للمذهب : وقد قرر بعض الباحثين أن بعض العلماء المسلمين سبقوا تشارلس داروين في اكتشاف التطور العضوي،غير أن تركيز هؤلاء الباحثين على إثبات الاسبقيه الزمنية للعلماء المسلمين على علماء الغرب، حال دون أن يتنبهوا إلى أن أقوال هؤلاء العلماء لا يمكن أن تندرج تحت إطار التطور العضوي الطبيعي المادي، لأنها لا تفيد معنى حدوث تطور(ذاتي) لنوع إلى آخر، وبدون تدخل فعل (موضوعي) ، ولكنها يمكن أن تندرج تحت إطار مفهوم التطوير الالهى ، لأنها تفيد معنى حدوث تطوير لهذه الأنواع ككل ، بواسطة فاعل مطلق، والدليل على ذلك أن هؤلاء العلماء يؤمنون- كمسلمين بوجود عالم غيبي مطلق عن الزمان والمكان ، يحد ولا يلغى عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان، كما يؤمنون بمفهوم الخلق القرانى، الذي يجمع بين الإيجاد من العدم الأمر والإيجاد من ماده سابقه وعلى مراحل التسوية والتقدير والهدايه ، وهو الأمر الذي يتأكد من خلال استخدامهم للعديد من المصطلحات التي تتصل بعالم الغيب أو مفهوم الخلق يقول القزويني في كتابه (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) (إن أول مراتب هذه الكائنات تراب وآخرها نفس ملكية طاهرة، فالمعادن متصلة أولها بالتراب أو الماء وآخرها بالنبات. والنبات متصل أوله بالمعادن وآخره بالحيوان، والحيوان متصل أوله بالنبات وآخره بالإنسان، والنفوس الإنسانية متصلة أولها بالحيوان وآخرها بالنفوس الفلكية). ويقول ابن مسكوية في كتابه (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) (أن الموجودات مراتب، وكلها سلسلة متصلة وكل نوع من الموجودات يبدأ بالبساطة ثم لا يزال يترقى ويتعقد حتى يبلغ أفق النوع الذي يليه، فالنبات في أفق الجماد، ثم يترقى حتى يبلغ أعلى درجة، فإذا زاد عليها قبل صورة الحيوان. وكذلك الحيوان يبدأ بسيطاً ثم يترقى حتى يصل إلى مرتبة قريبة من الإنسان.) .ويقول ابن خلدون في مقدمته (إنّا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام، وربط الأسباب بالمسببات واتصال الأكوان بالأكوان، واستحالة بعض الموجودات إلى بعض انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدرج: آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له، وآخر أفق النبات مثل النخيل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط. ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد القريب لأن يصير أول أفق الذي بعده. واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدرج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والروية، ترتفع إليه من عالم القدرة القردة فى بعض النسخ الذي اجتمع فيه الحس والإدراك ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل، وكان ذلك أول أفق الإنسان بعده، وهذا غاية شهودنا.) . ويقول ابن طفيل في (حي بن يقظان) ، وهو يصف كيفيه تشكل جسم حي بن يقطان ( إن بطناً من الأرض تخمرت فيه الطينة على مر السنين والأعوام، حتى امتزج فيها الحار بالبارد والرطب باليابس ، وحدث فيها تكافؤ وتعادل في القوى ، وظهر في الوسط لزوجة ، بجسم لطيف في غاية الاعتدال اى الروح ، فتعلق به عنده أي ارتبط بهيئة كإنسان). ويقول إخوان الصفا وهم يصفون تشكل الكواكب ( ثم تستقر الأجسام على الشكل الكري الكروي ، الذي هو أفضل الأشكال ، فكان منه عالم الأفلاك والكواكب ولما ترتبت هذه الأكر الأجسام كما أراد باريها، دارت الأفلاك بأبراجها وكواكبها ثم تركبت على طول الزمان أنواع التراكيب ، فالنبات أشرف تركيبا من المعادن، والحيوان أشرف تركيبا من النبات، والإنسان أشرف تركيبا من جميع الحيوان). ويقول ابن سينا في كتاب( الإشارات والتنبيهات ) ( وما يحدث في عالمنا, إنما ينتج عنه بمعاضدة الأفلاك وما يبقى في الأرض ووجد امتزاجا تحصل منه المعادن، وإن وجد امتزاجا أكثر يحدث النبات، وإن وجد امتزاجا أعلى يحصل منه الحيوان، وإن وجد امتزاجا أحسن وأعدل يحدث منه الإنسان ) .
.................................................. .....
للإطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة المواقع التالية:
-1الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com
2- د. صبري محمد خليل Google Sites
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه / جامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com
مذاهب تفسير طبيعة الخلق :ورغم ثبوت الخلق كمفهوم قرانى ، إلا انه مفهوم كلى الخلق ، لذا فان إجماع المسلمين على مفهوم الخلق لم يحول دون ظهور مذاهب إسلاميه (جزئية)،تحاول تفسير طبيعة الخلق، وهى في ذات الوقت ذات صله بمفهوم التطور،ومن هذه المذاهب :
مذهب الإيجاد دفعه واحده : هذا المذهب يرى أن الله تعالى اوجد كل الأنواع دفعه واحده ( مطلقا)، ويستند هذا المذهب إلى تفسير الخلق بان (مقصور) على الإيجاد من العدم .
تقويم: غير أن إيجاد الإنسان من العدم على مستوى الخلق ، وطبقا لنمط الخلق (الأمر) ، لا يتعارض مع ايجاده من ماده سابقه وعلى مراحل ، على مستوى الجعل ، وطبقا لأنماط الخلق التسوية والتقدير والهدايه ، حيث وردت الاشاره إلى ماده سابقه خلق منها الإنسان في العديد من النصوص كقوله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)،وقوله تعالى(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأ مَّسْنُونٍ)،وقوله تعالى(الرحمن خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)،وقوله تعالى (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) ،وقوله تعالى (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (ص: 71- 79).كما وردت الاشاره إلى خلق الإنسان خلال مراحل كما فى قوله تعالى(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ) (السجدة : 7-9)،
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ*ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ*ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين ( (نوح: 14). وقد قرر القران الكريم أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام ، قال تعالى(إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في
ستة أيام ثم استوي على العرش) (الأعراف:54) ، وهناك مذهبين في تفسير طبيعة الأيام المذكورة في الايه ، المذهب الأول يرى أنها كأيام الدنيا، والمذهب الثاني يرى أنها أيام غير أيام الدنيا ، يقول ابن كثير في تفسير الايه ( وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّام هَلْ كُلّ يَوْم مِنْهَا كَهَذِهِ الْأَيَّام كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِر إِلَى الْأَذْهَان أَوْ كُلّ يَوْم كَأَلْفِ سَنَة كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مُجَاهِد وَالْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل وَيُرْوَى ذَلِكَ مِنْ رِوَايَة الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس)، ويقول القرطبي ( قَالَ الْقُشَيْرِيّ . وَقَالَ : وَمَعْنَى ( فِي سِتَّة أَيَّام ) أَيْ مِنْ أَيَّام الْآخِرَة , كُلّ يَوْم أَلْف سَنَة ; لِتَفْخِيمِ خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَقِيلَ : مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا )، والمذهب الذي نرجحه هو المذهب الثاني ، لأن الأيام شانها شان اى شيء- تخضع لمفهوم العنيه القرانى، والذي مضمونه أن ذات الشىْ عند الإنسان يختلف عند الله ، لان وجود الإنسان محدود بينما وجود الله تعالى مطلق، قال تعالى (..وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ)(الحج:47)، وفى كل الأحوال فان القران يقرر أن الله تعالى خلق السموات والأرض خلال مده منيه(ستة أيام).
كما أن هذا المذهب يتعارض مع تقرير الكثير من العلماء أن الإنسان هو آخر المخلوقات، يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) (وحكي مُحَمَّد بْن الْجَهْم عَنْ الْفَرَّاء : لَمْ يَكُنْ شَيْئًا قَالَ : كَانَ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا . وَقَالَ قَوْم : النَّفْي يَرْجِع إِلَى الشَّيْء ; أَيْ قَدْ مَضَى مَدَد مِنْ الدَّهْر وَآدَم لَمْ يَكُنْ شَيْئًا يُذْكَر فِي الْخَلِيقَة ; لِأَنَّهُ آخِر مَا خَلَقَهُ مِنْ أَصْنَاف الْخَلِيقَة , وَالْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَأْتِي عَلَيْهِ حِين . وَالْمَعْنَى : قَدْ مَضَتْ عَلَيْهِ أَزْمِنَة وَمَا كَانَ آدَم شَيْئًا وَلَا مَخْلُوقًا وَلَا مَذْكُورًا لِأَحَدٍ مِنْ الْخَلِيقَة . وَهَذَا مَعْنَى قَوْل قَتَادَة وَمُقَاتِل : قَالَ قَتَادَة : إِنَّمَا خُلِقَ الْإِنْسَان حَدِيثًا مَا نَعْلَم مِنْ خَلِيقَة اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلِيقَة كَانَتْ بَعْد الْإِنْسَان)، ويقول ابن القيم في كتابه الفوائد (كان أول المخلوقات القلم ليكتب المقادير قبل كونها , وجعل آدم آخر المخلوقات , وفي ذلك حكم :الأولى : تمهيد الدار قبل الساكن .الثانية : أنه الغاية التي خلق لأجلها ما سواه من السموات والأرض والشمس والقمر والبحر والبر.الثالثة : أن أحذق الصناع يختم عمله بأحسنه وغايته كما يبدؤه بأساسه ومبادئه)
مفهوم الخلق عند ابن تيميه: وهنا يمكن الاشاره إلى تقرير ابن تيميه إلى انه لا تناقض بين الخلق والإيجاد من ماده سابقه حيث يقول(وقد اخبر سبحانه انه استوي إلى السماء وهى دخان ، فخلقت من الدخان وقال أيضا وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء، فقد اخبر انه خلق السماوات والأرض في مده ومن ماده،ولم يذكر القران خلق شي من لاشىْ )(الفتاوى، ج18، ص235-236)، وقد أورد ابن تيميه هذا القول في معرض تناوله لقضية الخلق وصلته بمسالة قدم العالم، حيث بين خطا مذهبين : الأول هو المذهب الذي يتسق منطقيا مع مذهب إيجاد الأنواع دفعه واحده ، وهو مذهب المتكلمين من الاشاعره القائم على أن الله تعالى لم يزل لا يفعل ثم احدث الفعل ، حيث يرى أن هذا القول(لا نص فيه فنسبته إلى رسول الله أو الإسلام او القران كذب )(الفتاوى،ج18، ص222-223)،فهذا المذهب قائم على افتراض أن نفى نوع الفعل(قدم العالم) يقتضى نفى الفاعلية (الفعل المطلق المعبر عنه بالربوبية )، ويرى أن هذا المذهب يتناقض مع دوام الفعل الالهى ، فضلا عن انه يطرح مشكله وجود مرجح رجح هذا الفعل ،. أما المذهب الثاني فهو المذهب الذي يتسق منطقيا مع نظريه التطور العضوي وهو مذهب الفلاسفة القائم على الخلط بين قدم الفاعلية(الفعل المطلق المعبر عنه بالربوبية) وقدم نوع الفعل(قدم العالم)، حيث يرى أن هذا المذهب يؤدى إلى نفى الخلق لأنه يجعل العالم مقارنا لله أزلا وابدأ.
مذهب التطوير الالهى الزيادة في الخلق: أما هذا المذهب فيميز بين الخلق والجعل، وبين أنماط الخلق المتعددة من أمر وتسويه والتقدير والهدايه، وبالتالي يرى أن القول بإيجاد الأنواع دفعه واحده يجب تقييده بمستوى الخلق دون مستوى الجعل ، وبنمط الخلق (الأمر) دون أنماطه الأخرى (التسويه والتقدير والهدايه) ، غير أن هذا المذهب لا يرتب على ذلك الإقرار بصحة القول بحدوث تطور(ذاتي) لنوع إلى آخر ، وبدون تدخل فعل (موضوعي)، كما في نظريه التطور العضوي، بل يقول بحدوث تطوير لهذه الأنواع ككل بواسطة فاعل مطلق ، بمعنى انه لا يوجد نوع تطور من الآخر، بل يوجد نوع أضاف إليه فاعل مطلق ما لم يكن موجودا في آخر . وبتعبير آخر فان هذا المذهب يرى ان إيجاد هذه الأنواع لم يتم من خلال نمو (ذاتي) ، بل من خلال تنميه (موضوعيه) من خلال الاضافه، اى زيادة في الخلق بتعبير القران ، قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقد أشار المفسرين إلى أن الزيادة في الخلق هنا غير مقصورة على الملائكة يقول الطبري (وَقَوْله يَزِيد فِي الْخَلْق مَا يَشَاء وَذَلِكَ زِيَادَته تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي خَلْق هَذَا الْمَلَك مِنَ الْأَجْنِحَة عَلَى الْآخَر مَا يَشَاء , وَنُقْصَانه عَنِ الْآخَر مَا أَحَبَّ , وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي جَمِيع خَلْقه يَزِيد مَا يَشَاء فِي خَلْق مَا شَاءَ مِنْهُ , وَيَنْقُص مَا شَاءَ مِنْ خَلْق مَا شَاءَ , لَهُ الْخَلْق وَالْأَمْر , وَلَهُ الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان ) .
تقرير بعض العلماء المسلمين للمذهب : وقد قرر بعض الباحثين أن بعض العلماء المسلمين سبقوا تشارلس داروين في اكتشاف التطور العضوي،غير أن تركيز هؤلاء الباحثين على إثبات الاسبقيه الزمنية للعلماء المسلمين على علماء الغرب، حال دون أن يتنبهوا إلى أن أقوال هؤلاء العلماء لا يمكن أن تندرج تحت إطار التطور العضوي الطبيعي المادي، لأنها لا تفيد معنى حدوث تطور(ذاتي) لنوع إلى آخر، وبدون تدخل فعل (موضوعي) ، ولكنها يمكن أن تندرج تحت إطار مفهوم التطوير الالهى ، لأنها تفيد معنى حدوث تطوير لهذه الأنواع ككل ، بواسطة فاعل مطلق، والدليل على ذلك أن هؤلاء العلماء يؤمنون- كمسلمين بوجود عالم غيبي مطلق عن الزمان والمكان ، يحد ولا يلغى عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان، كما يؤمنون بمفهوم الخلق القرانى، الذي يجمع بين الإيجاد من العدم الأمر والإيجاد من ماده سابقه وعلى مراحل التسوية والتقدير والهدايه ، وهو الأمر الذي يتأكد من خلال استخدامهم للعديد من المصطلحات التي تتصل بعالم الغيب أو مفهوم الخلق يقول القزويني في كتابه (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) (إن أول مراتب هذه الكائنات تراب وآخرها نفس ملكية طاهرة، فالمعادن متصلة أولها بالتراب أو الماء وآخرها بالنبات. والنبات متصل أوله بالمعادن وآخره بالحيوان، والحيوان متصل أوله بالنبات وآخره بالإنسان، والنفوس الإنسانية متصلة أولها بالحيوان وآخرها بالنفوس الفلكية). ويقول ابن مسكوية في كتابه (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) (أن الموجودات مراتب، وكلها سلسلة متصلة وكل نوع من الموجودات يبدأ بالبساطة ثم لا يزال يترقى ويتعقد حتى يبلغ أفق النوع الذي يليه، فالنبات في أفق الجماد، ثم يترقى حتى يبلغ أعلى درجة، فإذا زاد عليها قبل صورة الحيوان. وكذلك الحيوان يبدأ بسيطاً ثم يترقى حتى يصل إلى مرتبة قريبة من الإنسان.) .ويقول ابن خلدون في مقدمته (إنّا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام، وربط الأسباب بالمسببات واتصال الأكوان بالأكوان، واستحالة بعض الموجودات إلى بعض انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدرج: آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له، وآخر أفق النبات مثل النخيل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط. ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد القريب لأن يصير أول أفق الذي بعده. واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدرج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والروية، ترتفع إليه من عالم القدرة القردة فى بعض النسخ الذي اجتمع فيه الحس والإدراك ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل، وكان ذلك أول أفق الإنسان بعده، وهذا غاية شهودنا.) . ويقول ابن طفيل في (حي بن يقظان) ، وهو يصف كيفيه تشكل جسم حي بن يقطان ( إن بطناً من الأرض تخمرت فيه الطينة على مر السنين والأعوام، حتى امتزج فيها الحار بالبارد والرطب باليابس ، وحدث فيها تكافؤ وتعادل في القوى ، وظهر في الوسط لزوجة ، بجسم لطيف في غاية الاعتدال اى الروح ، فتعلق به عنده أي ارتبط بهيئة كإنسان). ويقول إخوان الصفا وهم يصفون تشكل الكواكب ( ثم تستقر الأجسام على الشكل الكري الكروي ، الذي هو أفضل الأشكال ، فكان منه عالم الأفلاك والكواكب ولما ترتبت هذه الأكر الأجسام كما أراد باريها، دارت الأفلاك بأبراجها وكواكبها ثم تركبت على طول الزمان أنواع التراكيب ، فالنبات أشرف تركيبا من المعادن، والحيوان أشرف تركيبا من النبات، والإنسان أشرف تركيبا من جميع الحيوان). ويقول ابن سينا في كتاب( الإشارات والتنبيهات ) ( وما يحدث في عالمنا, إنما ينتج عنه بمعاضدة الأفلاك وما يبقى في الأرض ووجد امتزاجا تحصل منه المعادن، وإن وجد امتزاجا أكثر يحدث النبات، وإن وجد امتزاجا أعلى يحصل منه الحيوان، وإن وجد امتزاجا أحسن وأعدل يحدث منه الإنسان ) .
.................................................. .....
للإطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة المواقع التالية:
-1الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com
2- د. صبري محمد خليل Google Sites