فلسفة الابتلاء:الابتلاء كمفهوم فلسفى اسلامى لتفسير طبيعه الوجود الانسانى ومفاهيم الخير والشر(1)
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
تمهيد: تهدف هذه الدراسه الى بيان الابتلاء كمفهوم فلسفى اسلامى كلى ، يساهم فى تفسير طبيعه الوجود الانسانى ومفاهيم الخير والشر، ويستند الى المفاهيم الفلسفيه الاسلاميه الاكثر كليه ، والتى تشكل معا فلسفه الاستخلاف كفلسفه اسلاميه- ذات طبيعه دينيه "روحيه" / انسانيه - والتى تفسر الوجود العام، ( وهذه المفاهيم هى : مفهوم التوحيد لتفسير الوجود الالهى " المستخلف بكسر اللام" ، ومفهوم التسخير لتفسير الوجود الطبيعى "المستخلف فيه"، ومفهوم الاستخلاف لتفسيرالوجود الانسانى"المستخلف بفتح اللام".)
مفهوم التوحيد وانفراد لله تعالى بالخير المطلق: مضمون مفهوم التوحيد ان الله تعالى ينفرد بالوجود المطلق غايه "الالوهيه " وفعلا "الربوبيه " ". وبالتالى فانه يترتب عليه ان الله تعالى ينفرد بكونه الخير المطلق . ونسبة الخير المطلق لاى وجود سواه هو شرك "اعتقادي يتصل بالعقيدة عند المشركين، او عملى يتصل بالسلوك عند المسلمين".
رفض مذاهب نسبه الخير المطلق لسواه تعالى : فالمنظور القيمى الإسلامي، على مستوى أصوله النصيه الثابتة ، يرفض نسبه الخير المطلق لاى وجود سواه( سواء كان وجود مادى- كما فى مذاهب الفلسفات المادية الغربية ومثالها اعتبار الطبيعه او المنفعه الماديه خير مطلق "، او معنوى"كما فى مذاهب الفلسفات المثالية الغربيه ومثالها اعتبار العقل هو الخير المطلق" ، او انساني "كما فى النزعه الانسانيه الغربية - التى تتطرف فى اثبات الوجود الانسانى لدرجه الغاء الوجود الالهى- والتى تجعل الوجود الانسانى خير مطلق.
رفض مذهب وحدة الوجود وما يلزم منه من انكار وجود الشر: كما ان المنظور القيمى الإسلامي يرفض تعريف الخير بانه الوجود ، كما يلزم من المناظير القيمية التى تستند الى مذهب وحده الوجود،والذى يترتب عليه إنكار وجود الشر"اى القول بانه ليس للشر وجود حقيقي ".بينما المنظور القيمى الإسلامي يرى ان للشر وجود حقيقي ولكنه محدود.
اقرار الوجود الحقيقى المحدود للشر: فالمنظور القيمى الاسلامى يقر بالوجود الحقيقي للشر ، حيث يقرر القران حتى اقرب الاقربين كمصدر للشر كالاب
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) ، والاخوه : ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِين ) والزوجه: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) ورد فى تفسير الطبرى( ذُكر أن خيانة امرأة نوح زوجها أنها كانت كافرة، وكانت تقول للناس: إنه مجنون. وأن خيانة امرأة لوط ، أن لوطًا كان يُسِرّ الضيف، وتَدُلّ عليه( . ولكن المنظور القيمى الاسلامى يقرر فى ذات الوقت ان الشر ذو وجود محدود ولا يملك خاصية الاستمرارية مالانهايه ( قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقا(..
ظهور الخير الالهى المطلق : ولهذا الخير الالهى المطلق شكلين من أشكال الظهور:
ظهور صفاتي: في عالم الشهادة " الحياة الدنيا": وله شكلين:
شكل تكويني " الخير التكويني: " يتمثل في الوجود الشهادى ، الشامل للكون المسخر والإنسان المستخلف ، والسنن الالهيه " الكليه او النوعيه " التى تضبط حركته ، والتى معرفتها والتزمها شرط لتحقيق الانسان ما فيه صلاحه فى زمان ومكان معينين.
شكل التكليفي "الخير التكليفي" : ويتمثل في الوحى ومفاهيمه وقيمه وقواعده الكلية ، والتى تهدى الإنسان لما فيه صلاحه فى كل مكان وزمان .لذا كان من معاني الخير فى النص القرانى القران ذاته قال تعالى(وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) ، قال القرطبي(المراد: القرآن( .
المستوى التسخيرى : مضمونه ان الظواهر والأشياء والكائنات التي لها درجة التسخير تظهر الخير المطلق الذى ينفرد به الله تعالى على وجه الإجبار، فهي دائماً آيات دالة على الخير المطلق الذى ينفرد به الله تعالى . ومن مظاهر هذا الاظهار- والتى اشرنا الي بعضها سابقا الاتى:اولا: تسخير الله تعالى لها للانسان ، ويالتالى فان من غايات خلقها تحقيق منفعته ومصلحته ) : أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ . (ورد فى تفسير الطبرى( يجري ذلك كله لمنافعكم ومصالحكم...) ثانيا: ان معرفه والتزم السنن الالهيه التى تضبط حركتها ، شرط لتحقيق الانسان ما فيه صلاحه فى زمان ومكان معينين . ثالثا: فالطبيعة فى المنظور القيمى الاسلامى ليست شر فى ذاتها ، ولكن فى حالة تأثيرها السلبى على الوجود الانسانى" وفى الحاله الاخيره هو جزء من الابتلاء الالهى للإنسان"
المستوى الاستخلافي: مضمونه إظهار الإنسان للخير الالهى المطلق في الأرض ، بتحديد- وليس الغاء- وجوده بالوجود الالهى المطلق تكوينيا وتكليفيا،وطبقا لشرطي الوعى والحريه ، وهو ما يتضمن اتساق عدم تناقض- الإرادة الإنسانية المحدودة مع اراده الالهيه المطلقه تكوينيا "بالالتزام بالسنن الالهيه"، وتكليفيا "بالالتزام بمفاهيم وقيم وقواعد الوحى الكليه" . لذا كان من معاني الخير فى القرآن الطاعة كما فى قوله تعالى (وأوحينا إليهم فعل الخيرات) ، قال القرطبي(أي: أن يفعلوا الطاعات)
وجود ابتلائى: فالوجود الانسانى "المستخلف " وجود ابتلائى " اختبارى " مضمونه اختيار الإنسان المستمر بين الخير ،لأنه هو الوجود المخلوق الوحيد " المكلف "، طبقا لشرطي الوعي والحرية والشر
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (.
تصحيح الفهم الخاطى لمصطلح الابتلاء : وهنا نصحح الفهم الخاطى لمصطلح الابتلاء، الذى يقصره على دلاله الابتلاء بالشر،لانه دلالته تشمل الابتلاء بالشر والخير معا كما اشرنا اعلاه - وبهدف فرز وتمييز الانسان الخير- الذى يصبر فى الخير ويشكر فى الشر- عن الانسان الشرير- الذى يسخط فى الشر و يجحد النعمه فى الخير- قالَ (صلى الله عليه وسلم)( عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ) رواه مسلم) . كما ان النصوص تقرر ان الابتلاء بالشر لا يكون بالضروره عقاب الالهى للاشرار، بل قد يكون محبه الهيه للصالحين، قال ( صلى الله عليه وسلم)( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.)( رواه الترمذي)، وسئل النبي ( صلى الله عليه وسلم ): أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمْثَلُ فالأمثل، يُبتلَى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زِيدَ صلابةً، وإن كان في دينه رقَّةٌ خُفِّف عنه، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ما له خطيئة) (أحمد :1494، والترمذي : 3289(.
شمول مفهوم الابتلاء: وهذا الابتلاء الالهى يشمل كافة مجالات الحياة ومستوياتها وعلاقاتها، قال تعالى كالابناء والأموال مثلا (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة )، ورد فى تفسير ابن كثير ( أي : اختبار وامتحان منه لكم ؛ إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها ، أو تشتغلون بها عنه ، وتعتاضون بها منه(
الغايه من الابتلاء الرجوع من الشر الى الخير: والغايه من الابتلاء بالشر ليس بالضروره عقاب للمذنبين- فعقابهم ليس دنيوى فقط ، بل اخروى ايضا وهو الاصل - بل رجوع الناس من الشر الى الخير( وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، نقل ابن كثير عن ابن عباس ( يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها ، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه(.
سنه الكدح الى الله والجدل القيمى " الصراع المستمر بين الخير والشر" : ومن السنن الالهيه النوعيه التى تضبط حركه الوجود الانسانى المستخلف سنه "الكدح الى الله" التى اشارت اليها النصوص ، كما فى قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) ومضمونها ان تاخذ حركه الانسان شكل فعل غائى محدود بفعل مطلق "الربوبيه بالمصطلح الفرانى "وغايه مطلقه "الالوهيه بالمصطلح القرانى"، وهذه السنه يلزم منها على المستوى القيمى ان حركه الوجود الانسانى المستخلف عباره عن صراع مستمر بين الخير والشر ، على المستويات المتعدده لهذا الوجود(الذاتيه والموضوعيه/الفرديه والجماعيه / الماديه والروحيه المعنويه )، لا يتوقف الا بتوقف هذه الحركه، بانتهاء هذا الوجود بالموت ، ورد فى تفسير الطبرى( يقول تعالى ذكره : يأيُّها الإنسان إنك عامل إلى ربك عملا فملاقيه به خيرًا كان عملك ذلك أو شرًا). وهذا الصراع فى المنظور القيمى الاسلامى له بعد غيبى ، اى تساهم فيه- بدون اجبار - كائنات غيبية . وهى الشيطان بالوسوسة اى تزيين فعل الشر
من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، . والملائكه بالاعانه على فعل الخير( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) ، ورد فى تفسير ابن كثير (وأما الصلاة من الملائكة، فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار(.
نقض مذهب إمكانية توقف الصراع بين الخير والشر:فالمنظور القيمى الاسلامى، على مستوى أصوله النصية الثابته، يتناقض مع المذاهب التى يلزم منها القول بإمكانية توقف هذا الصراع بين الخير والشر، قبل انتهاء الوجود الانسانى الفردى " بتخيل إمكانية وجود فرد معصوم عن الخطأ ، كما فى مذاهب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، التى يلزم منها سقوط التكاليف" ، والجماعى" بتخيل وجود مجتمع خالى من الشر، كما فى التصورات اليوتوبية "الخيالية" للمجتمع ". فالعصمة فى الامه الإسلامية مقصورة على الرسول (صلى الله عليه وسلم)،والعصمه بعده للجماعة وليست لفرد معين، يقول الإمام ابن تيمية (والقاعدة الكلية في هذا ألا نعتقد أن أحداً معصوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم-)( منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية: ج6 / ص196 ). كما ان انتفاء الشرط مطلقا غير ممكن ، الا فى الجنه المرتبطة بالوجود الاخروى، لان فيها يتجلى الخير المطلق "الذى ينفرد به الله تعالى ".
شمول الجدل القيمى للوجود الجماعى والفردى: فالوجود الانسانى يجمع بين الاشتراك والتفرد ،لذا فان هذا الجدل القيمى والصراع بين الخير والشر يشمل الوجود الجماعى - بمعنى خضوع النوع الانسانى ككل له - والوجود الفردى- بمعنى خضوع كل افراد النوع الانسانى له- فاستمرار هذا الصراع تاكيد لهذا الشمول ، وليس دليل على ان التاريخ تكرارى كما فى مذهب التفسير الدائرى التكرارى للتاريخ ، وانصار مقولة " التاريخ يعيد نفسه ".
الخير والشر غير مقصورين على البعد المادى او الروحى للوجود الانسانى: والوجود الانسانى المستخلف فى التصور الاسلامى للوجود وجود مركب من أبعاد ماديه" حسية شهاديه" و روحية" غيبيه" متفاعلة ، اتساقا مع هذا يقرر المنظور القيمى الاسلامى ، على مستوى أصوله النصية الثابتة ، ضرورة تحقيق التوازن بين هذه الأبعاد المتعددة ، فهو يرفض إشباع حاجاته المادية وتجاهل حاجاته الروحية، كما ترفض إشباع حاجاته الروحية وتجاهل حاجاته المادية ،وتدعو إلى إشباع حاجاته المادية والروحية معا قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص:77]. وقال تعالى(قلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). [الأعراف:32]. وهنا يجب تقرير أن علماء الإسلام قد قالوا بأولوية إشباع حاجات الإنسان المادية ، على إشباع حاجاته الروحية، اولويه ترتيب وليس أولوية تفضيل ، يقول الإمـام الغزالي(صلاح الأبدان مقدم على صلاح الأديان(.
الامكانيه المفتوحة للتردى والترقى القيمى للوجود الانسانى: فالمنظور القيمى الإسلامي يقرر ان الوجود الانسانى " المستخلف"، ذو امكانية مفتوحه للترقى والتردى القيمى قال تعالى ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِيَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ). ورد فى تفسير القرطبى ( " في أحسن تقويم" قال ابن العربي : ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن اللّه خلقه حيا عالما، قادرا مريدا متكلما، سميعا بصيرا، مدبرا حكيما... ".... "ثم رددناه أسفل سافلين" روى ابن أبي نجيح عن مجاهد إلى النار يعني الكافر). فله امكانيه للترقى القيمى حتى يتجاوز درجة الملائكة . ينقل ابن القيم عن الإمام ابن تيميه تقريره انه رغم ان الملائكة أفضل حتى من صالحي البشر باعتبار البداية ، فان صالحي البشر أفضل من الملائكه باعتبار كمال النهاية)(بدائع الفوائد : ج 3 / ص 140). كما ان للوجود الانسانى "المستخلف" امكانية للتردى والانحطاط القيمى حتى ينحط عن درجة الانعام ( انْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) ( الفرقان: 44.(.
معيار الوجود الانسانى كمى وكيفى:فارتباط الوجود الانسانى بالشر لا يقلل من قيمته - ككل - والدرجة العالية التى وهبها الله تعالى له - ككل - فى سلم الوجود " وهى درجه الاستخلاف" (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ * قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ).وذلك لاسباب اهمها ان معيار هذا الوجود ليس كمى"عددي" فقط كيفي ايضا ، بالتالى فان مجرد فعل جزء منه وليس كله للخير كافى لاثبات هذه القيمة حتى لو فعل أغلبه الشر- لان فعل الخير هنا جاء محصلة اختبار حر واعى وهو غير متحقق فى درجات الوجود الاخرى غير درجه الوجود الانسانى . فالكثره والقلة ليستا معيار مطلق ووحيد فى المنظور القيمى الاسلامى ، بمعنى ان هناك كثره محموده تلتزم بالخيركما فى قوله (صلى الله عليه وسلم) (علَيكُم بالجماعةِ َ)(الراوي : عمر بن الخطاب - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي) . كما ان هناك وكثره مذمومة تلتزم بالشر، كما فى قوله تعالى : (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ )(سبأ: 13)،وقوله تعالى( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين )(الذاريات : 36)،وقوله تعالى (ُقل لَّا يَسْتَوِي الْـخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْـخَبِيثِ )( المائدة: 100(. وفى هذا السياق تقرركثير من النصوص ان الدرجات العليا من سلم الترقى الروحى والقيمى والمعرفى... من نصيب قله (وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ)، بنقل الطبرى فى تفسيره ( وَقَلِيل الَّذِينَ هُمْ كَذَلِكَ , بِمَعْنَى : الَّذِينَ لَا يَبْغِي بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ).غير ان ذلك لا يعنى ان هذه القلة نخب معزوله عن مجتمعاتها، بل طلائع لتغييرها عن طريق الاقتداء بها بدليل- وهو مضمون مفهوم الامامه: ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (.
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
تمهيد: تهدف هذه الدراسه الى بيان الابتلاء كمفهوم فلسفى اسلامى كلى ، يساهم فى تفسير طبيعه الوجود الانسانى ومفاهيم الخير والشر، ويستند الى المفاهيم الفلسفيه الاسلاميه الاكثر كليه ، والتى تشكل معا فلسفه الاستخلاف كفلسفه اسلاميه- ذات طبيعه دينيه "روحيه" / انسانيه - والتى تفسر الوجود العام، ( وهذه المفاهيم هى : مفهوم التوحيد لتفسير الوجود الالهى " المستخلف بكسر اللام" ، ومفهوم التسخير لتفسير الوجود الطبيعى "المستخلف فيه"، ومفهوم الاستخلاف لتفسيرالوجود الانسانى"المستخلف بفتح اللام".)
مفهوم التوحيد وانفراد لله تعالى بالخير المطلق: مضمون مفهوم التوحيد ان الله تعالى ينفرد بالوجود المطلق غايه "الالوهيه " وفعلا "الربوبيه " ". وبالتالى فانه يترتب عليه ان الله تعالى ينفرد بكونه الخير المطلق . ونسبة الخير المطلق لاى وجود سواه هو شرك "اعتقادي يتصل بالعقيدة عند المشركين، او عملى يتصل بالسلوك عند المسلمين".
رفض مذاهب نسبه الخير المطلق لسواه تعالى : فالمنظور القيمى الإسلامي، على مستوى أصوله النصيه الثابتة ، يرفض نسبه الخير المطلق لاى وجود سواه( سواء كان وجود مادى- كما فى مذاهب الفلسفات المادية الغربية ومثالها اعتبار الطبيعه او المنفعه الماديه خير مطلق "، او معنوى"كما فى مذاهب الفلسفات المثالية الغربيه ومثالها اعتبار العقل هو الخير المطلق" ، او انساني "كما فى النزعه الانسانيه الغربية - التى تتطرف فى اثبات الوجود الانسانى لدرجه الغاء الوجود الالهى- والتى تجعل الوجود الانسانى خير مطلق.
رفض مذهب وحدة الوجود وما يلزم منه من انكار وجود الشر: كما ان المنظور القيمى الإسلامي يرفض تعريف الخير بانه الوجود ، كما يلزم من المناظير القيمية التى تستند الى مذهب وحده الوجود،والذى يترتب عليه إنكار وجود الشر"اى القول بانه ليس للشر وجود حقيقي ".بينما المنظور القيمى الإسلامي يرى ان للشر وجود حقيقي ولكنه محدود.
اقرار الوجود الحقيقى المحدود للشر: فالمنظور القيمى الاسلامى يقر بالوجود الحقيقي للشر ، حيث يقرر القران حتى اقرب الاقربين كمصدر للشر كالاب
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) ، والاخوه : ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِين ) والزوجه: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) ورد فى تفسير الطبرى( ذُكر أن خيانة امرأة نوح زوجها أنها كانت كافرة، وكانت تقول للناس: إنه مجنون. وأن خيانة امرأة لوط ، أن لوطًا كان يُسِرّ الضيف، وتَدُلّ عليه( . ولكن المنظور القيمى الاسلامى يقرر فى ذات الوقت ان الشر ذو وجود محدود ولا يملك خاصية الاستمرارية مالانهايه ( قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقا(..ظهور الخير الالهى المطلق : ولهذا الخير الالهى المطلق شكلين من أشكال الظهور:
ظهور صفاتي: في عالم الشهادة " الحياة الدنيا": وله شكلين:
شكل تكويني " الخير التكويني: " يتمثل في الوجود الشهادى ، الشامل للكون المسخر والإنسان المستخلف ، والسنن الالهيه " الكليه او النوعيه " التى تضبط حركته ، والتى معرفتها والتزمها شرط لتحقيق الانسان ما فيه صلاحه فى زمان ومكان معينين.
شكل التكليفي "الخير التكليفي" : ويتمثل في الوحى ومفاهيمه وقيمه وقواعده الكلية ، والتى تهدى الإنسان لما فيه صلاحه فى كل مكان وزمان .لذا كان من معاني الخير فى النص القرانى القران ذاته قال تعالى(وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) ، قال القرطبي(المراد: القرآن( .
المستوى التسخيرى : مضمونه ان الظواهر والأشياء والكائنات التي لها درجة التسخير تظهر الخير المطلق الذى ينفرد به الله تعالى على وجه الإجبار، فهي دائماً آيات دالة على الخير المطلق الذى ينفرد به الله تعالى . ومن مظاهر هذا الاظهار- والتى اشرنا الي بعضها سابقا الاتى:اولا: تسخير الله تعالى لها للانسان ، ويالتالى فان من غايات خلقها تحقيق منفعته ومصلحته ) : أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ . (ورد فى تفسير الطبرى( يجري ذلك كله لمنافعكم ومصالحكم...) ثانيا: ان معرفه والتزم السنن الالهيه التى تضبط حركتها ، شرط لتحقيق الانسان ما فيه صلاحه فى زمان ومكان معينين . ثالثا: فالطبيعة فى المنظور القيمى الاسلامى ليست شر فى ذاتها ، ولكن فى حالة تأثيرها السلبى على الوجود الانسانى" وفى الحاله الاخيره هو جزء من الابتلاء الالهى للإنسان"
المستوى الاستخلافي: مضمونه إظهار الإنسان للخير الالهى المطلق في الأرض ، بتحديد- وليس الغاء- وجوده بالوجود الالهى المطلق تكوينيا وتكليفيا،وطبقا لشرطي الوعى والحريه ، وهو ما يتضمن اتساق عدم تناقض- الإرادة الإنسانية المحدودة مع اراده الالهيه المطلقه تكوينيا "بالالتزام بالسنن الالهيه"، وتكليفيا "بالالتزام بمفاهيم وقيم وقواعد الوحى الكليه" . لذا كان من معاني الخير فى القرآن الطاعة كما فى قوله تعالى (وأوحينا إليهم فعل الخيرات) ، قال القرطبي(أي: أن يفعلوا الطاعات)
وجود ابتلائى: فالوجود الانسانى "المستخلف " وجود ابتلائى " اختبارى " مضمونه اختيار الإنسان المستمر بين الخير ،لأنه هو الوجود المخلوق الوحيد " المكلف "، طبقا لشرطي الوعي والحرية والشر
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (.تصحيح الفهم الخاطى لمصطلح الابتلاء : وهنا نصحح الفهم الخاطى لمصطلح الابتلاء، الذى يقصره على دلاله الابتلاء بالشر،لانه دلالته تشمل الابتلاء بالشر والخير معا كما اشرنا اعلاه - وبهدف فرز وتمييز الانسان الخير- الذى يصبر فى الخير ويشكر فى الشر- عن الانسان الشرير- الذى يسخط فى الشر و يجحد النعمه فى الخير- قالَ (صلى الله عليه وسلم)( عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ) رواه مسلم) . كما ان النصوص تقرر ان الابتلاء بالشر لا يكون بالضروره عقاب الالهى للاشرار، بل قد يكون محبه الهيه للصالحين، قال ( صلى الله عليه وسلم)( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.)( رواه الترمذي)، وسئل النبي ( صلى الله عليه وسلم ): أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمْثَلُ فالأمثل، يُبتلَى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زِيدَ صلابةً، وإن كان في دينه رقَّةٌ خُفِّف عنه، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ما له خطيئة) (أحمد :1494، والترمذي : 3289(.
شمول مفهوم الابتلاء: وهذا الابتلاء الالهى يشمل كافة مجالات الحياة ومستوياتها وعلاقاتها، قال تعالى كالابناء والأموال مثلا (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة )، ورد فى تفسير ابن كثير ( أي : اختبار وامتحان منه لكم ؛ إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها ، أو تشتغلون بها عنه ، وتعتاضون بها منه(
الغايه من الابتلاء الرجوع من الشر الى الخير: والغايه من الابتلاء بالشر ليس بالضروره عقاب للمذنبين- فعقابهم ليس دنيوى فقط ، بل اخروى ايضا وهو الاصل - بل رجوع الناس من الشر الى الخير( وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، نقل ابن كثير عن ابن عباس ( يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها ، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه(.
سنه الكدح الى الله والجدل القيمى " الصراع المستمر بين الخير والشر" : ومن السنن الالهيه النوعيه التى تضبط حركه الوجود الانسانى المستخلف سنه "الكدح الى الله" التى اشارت اليها النصوص ، كما فى قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) ومضمونها ان تاخذ حركه الانسان شكل فعل غائى محدود بفعل مطلق "الربوبيه بالمصطلح الفرانى "وغايه مطلقه "الالوهيه بالمصطلح القرانى"، وهذه السنه يلزم منها على المستوى القيمى ان حركه الوجود الانسانى المستخلف عباره عن صراع مستمر بين الخير والشر ، على المستويات المتعدده لهذا الوجود(الذاتيه والموضوعيه/الفرديه والجماعيه / الماديه والروحيه المعنويه )، لا يتوقف الا بتوقف هذه الحركه، بانتهاء هذا الوجود بالموت ، ورد فى تفسير الطبرى( يقول تعالى ذكره : يأيُّها الإنسان إنك عامل إلى ربك عملا فملاقيه به خيرًا كان عملك ذلك أو شرًا). وهذا الصراع فى المنظور القيمى الاسلامى له بعد غيبى ، اى تساهم فيه- بدون اجبار - كائنات غيبية . وهى الشيطان بالوسوسة اى تزيين فعل الشر
من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، . والملائكه بالاعانه على فعل الخير( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) ، ورد فى تفسير ابن كثير (وأما الصلاة من الملائكة، فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار(.نقض مذهب إمكانية توقف الصراع بين الخير والشر:فالمنظور القيمى الاسلامى، على مستوى أصوله النصية الثابته، يتناقض مع المذاهب التى يلزم منها القول بإمكانية توقف هذا الصراع بين الخير والشر، قبل انتهاء الوجود الانسانى الفردى " بتخيل إمكانية وجود فرد معصوم عن الخطأ ، كما فى مذاهب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، التى يلزم منها سقوط التكاليف" ، والجماعى" بتخيل وجود مجتمع خالى من الشر، كما فى التصورات اليوتوبية "الخيالية" للمجتمع ". فالعصمة فى الامه الإسلامية مقصورة على الرسول (صلى الله عليه وسلم)،والعصمه بعده للجماعة وليست لفرد معين، يقول الإمام ابن تيمية (والقاعدة الكلية في هذا ألا نعتقد أن أحداً معصوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم-)( منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية: ج6 / ص196 ). كما ان انتفاء الشرط مطلقا غير ممكن ، الا فى الجنه المرتبطة بالوجود الاخروى، لان فيها يتجلى الخير المطلق "الذى ينفرد به الله تعالى ".
شمول الجدل القيمى للوجود الجماعى والفردى: فالوجود الانسانى يجمع بين الاشتراك والتفرد ،لذا فان هذا الجدل القيمى والصراع بين الخير والشر يشمل الوجود الجماعى - بمعنى خضوع النوع الانسانى ككل له - والوجود الفردى- بمعنى خضوع كل افراد النوع الانسانى له- فاستمرار هذا الصراع تاكيد لهذا الشمول ، وليس دليل على ان التاريخ تكرارى كما فى مذهب التفسير الدائرى التكرارى للتاريخ ، وانصار مقولة " التاريخ يعيد نفسه ".
الخير والشر غير مقصورين على البعد المادى او الروحى للوجود الانسانى: والوجود الانسانى المستخلف فى التصور الاسلامى للوجود وجود مركب من أبعاد ماديه" حسية شهاديه" و روحية" غيبيه" متفاعلة ، اتساقا مع هذا يقرر المنظور القيمى الاسلامى ، على مستوى أصوله النصية الثابتة ، ضرورة تحقيق التوازن بين هذه الأبعاد المتعددة ، فهو يرفض إشباع حاجاته المادية وتجاهل حاجاته الروحية، كما ترفض إشباع حاجاته الروحية وتجاهل حاجاته المادية ،وتدعو إلى إشباع حاجاته المادية والروحية معا قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص:77]. وقال تعالى(قلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). [الأعراف:32]. وهنا يجب تقرير أن علماء الإسلام قد قالوا بأولوية إشباع حاجات الإنسان المادية ، على إشباع حاجاته الروحية، اولويه ترتيب وليس أولوية تفضيل ، يقول الإمـام الغزالي(صلاح الأبدان مقدم على صلاح الأديان(.
الامكانيه المفتوحة للتردى والترقى القيمى للوجود الانسانى: فالمنظور القيمى الإسلامي يقرر ان الوجود الانسانى " المستخلف"، ذو امكانية مفتوحه للترقى والتردى القيمى قال تعالى ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِيَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ). ورد فى تفسير القرطبى ( " في أحسن تقويم" قال ابن العربي : ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن اللّه خلقه حيا عالما، قادرا مريدا متكلما، سميعا بصيرا، مدبرا حكيما... ".... "ثم رددناه أسفل سافلين" روى ابن أبي نجيح عن مجاهد إلى النار يعني الكافر). فله امكانيه للترقى القيمى حتى يتجاوز درجة الملائكة . ينقل ابن القيم عن الإمام ابن تيميه تقريره انه رغم ان الملائكة أفضل حتى من صالحي البشر باعتبار البداية ، فان صالحي البشر أفضل من الملائكه باعتبار كمال النهاية)(بدائع الفوائد : ج 3 / ص 140). كما ان للوجود الانسانى "المستخلف" امكانية للتردى والانحطاط القيمى حتى ينحط عن درجة الانعام ( انْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) ( الفرقان: 44.(.
معيار الوجود الانسانى كمى وكيفى:فارتباط الوجود الانسانى بالشر لا يقلل من قيمته - ككل - والدرجة العالية التى وهبها الله تعالى له - ككل - فى سلم الوجود " وهى درجه الاستخلاف" (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ * قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ).وذلك لاسباب اهمها ان معيار هذا الوجود ليس كمى"عددي" فقط كيفي ايضا ، بالتالى فان مجرد فعل جزء منه وليس كله للخير كافى لاثبات هذه القيمة حتى لو فعل أغلبه الشر- لان فعل الخير هنا جاء محصلة اختبار حر واعى وهو غير متحقق فى درجات الوجود الاخرى غير درجه الوجود الانسانى . فالكثره والقلة ليستا معيار مطلق ووحيد فى المنظور القيمى الاسلامى ، بمعنى ان هناك كثره محموده تلتزم بالخيركما فى قوله (صلى الله عليه وسلم) (علَيكُم بالجماعةِ َ)(الراوي : عمر بن الخطاب - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي) . كما ان هناك وكثره مذمومة تلتزم بالشر، كما فى قوله تعالى : (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ )(سبأ: 13)،وقوله تعالى( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين )(الذاريات : 36)،وقوله تعالى (ُقل لَّا يَسْتَوِي الْـخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْـخَبِيثِ )( المائدة: 100(. وفى هذا السياق تقرركثير من النصوص ان الدرجات العليا من سلم الترقى الروحى والقيمى والمعرفى... من نصيب قله (وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ)، بنقل الطبرى فى تفسيره ( وَقَلِيل الَّذِينَ هُمْ كَذَلِكَ , بِمَعْنَى : الَّذِينَ لَا يَبْغِي بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ).غير ان ذلك لا يعنى ان هذه القلة نخب معزوله عن مجتمعاتها، بل طلائع لتغييرها عن طريق الاقتداء بها بدليل- وهو مضمون مفهوم الامامه: ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (.