يا أيها الذين أمنوا أنفقوا في سبيل الله

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال علي الجهاني
    خادم أهل العلم
    • Jun 2003
    • 4020

    #1

    يا أيها الذين أمنوا أنفقوا في سبيل الله

    يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم

    الحمد لله الواحد الأحد العزيز الماجد المتفرد بالتوحيد والمنفرد بالتمجيد، الذي لا تبلغه صفات العبيد، ليس له مثل ولا نديد، وهو المبدئ المعيد الفعال لما يريد، جل عن اتخاذ الصواحب والأولاد، وتقدس عن ملابسة الأجناس والأرجاس، ليست له عثرة تقال ولا حد يضرب له مثال، لم يزل بصفاته أولاً قديراً، ولا يزال عالماً خبيراً، استوفى الأشياءَ علمُه، ونفذت فيها إرادتُه، فلم تعزب عليه خفيات الأمور، ولم تغيره سوالف صروف الدهور، ولم يلحقه في خلق شيء مما خلق كلالٌ ولا تعبٌ، ولا مسه لغوب ولا نصب، خلق الأشياء بقدرته ودبرها بمشيئته وقهرها بجبروته وذللها بعزته، فذل لعظمته المتكبرون واستكان لعز ربوبيته المتعظمون، وانقطع دون الرسوخ في علمه العالمون، وذلَّت له الرقاب وحارت في ملكوته فطن ذوى الألباب، وقامت بكلمته السماوات السبع واستقرت الأرض المهاد وثبتت الجبال الرواسي وجرت الرياح اللواقح وسار في جو السماء السحاب وقامت على حدودها البحار وهو الله الواحد القهار.

    فنحمده كما حمد نفسه وكما هو أهله ومستحقه وكما حمده الحامدون من جميع خلقه، ونستعينه استعانة من فوَّض الأمر إليه وأقرَّ أنه لا منجى ولا ملجأ إلا إليه، ونستغفره استغفار مقر بذنبه معترف بخطيئته.

    ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بوحدانيته، وإخلاصاً لربوبيته، وأنه العالم بما تظن الضمائر وتنطوي عليه السرائر، وما تخفيه النفوس وما تجن البحار وما تواريه الأسراب، ( وما تفيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار ) لا تُوارَى عنه كلمة، ولا تغيب عنه غائبة ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) ويعلم ما يعمل العاملون وما ينقلب إليه المنقلبون.

    ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ونبيه وأمينه وصفيه أرسله إلى خلقه بالنور الساطع، والسراج اللامع، والحجج الظاهرة والبراهين والآيات الباهرة والأعاجيب القاهرة، فبلَّغ رسالة ربه ونصح لأمته، وجاهد في الله حق جهاده حتى تمت كلمة الله عز وجل، وظهر أمره وانقاد الناس إلى الحق خاضعين حتى أتاه اليقين لا وانيا ولا مقصراً.

    فصلوات الله عليه من قائدٍ إلى هدى مبين، وعلى أهل بيته الطيبين، وعلى أصحابه المنتخبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين.
    عرفنا الله به الشرائع والأحكام والحلال والحرام وبين لنا به شريعة الإسلام حتى انجلت عنا طخياء الظلام وانحسرت عنا به الشبهات وانكشفت عنا به الغيابات وظهرت لنا به البينات
    وجاءنا بـ ( كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) جمع فيه علم الأولين والآخرين وأكمل به الفرائض والدين فهو صراط الله المستقيم وحبل الله المتين فمن تمسك به نجا ومن خالفه ضل وغوى وفي الجهل تردى.

    أما بعد، فأوصيكم إخواني وأخواتي وأوصي نفسي بتقوى الله تعالى، ومما يلزم عن هذه التقوى التقيد بالأوامر الإلهية، واجتناب النواهي الربانية. ومما جاءنا به كتاب ربنا في هذا الباب ما كرره في خطاب المؤمنين ثلاث مرات، وذلك قوله تعالى:

    (يا أيها الذين امنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خله ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون).البقرة (آية 254)
    (يا أيها الذين امنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين) البقرة (آية 264) (يا أيها الذين امنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد).البقرة (آية 267)


    يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (254)
    254 - { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم } ما أوجب عليكم إنفاقه { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فرطتم والخلاص من عذابه إذ لا بيع فيه فتحصلون ما تنفقونه أو تفتدون به من العذاب ولا خلة حتى يعينكم عليه أخلاؤكم أو يسامحوكم به ولا شفاعة { إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا } حتى تتكلموا على شفعاء تشفع لكم في حط ما في ذممكم وإنما رفعت ثلاثتها مع قصد التعميم لأنها في التقدير جواب : هل فيه بيع ؟ أو خلة ؟ أو شفاعة ؟ وقد فتحها ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب على الأصل { والكافرون هم الظالمون } يريد والتاركون للزكاة هم ظالمون الذين ظلموا أنفسهم أو وضعوا المال في غيره موضعه وصرفوه على غير وجهه فوضع الكافرون موضعه تغليظا لهم وتهديدا كقوله : { ومن كفر } مكان ومن لم يحج وإيذانا بأن ترك الزكاة من صفات الكفار لقوله تعالى : { وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة }


    يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين (264)
    264 - { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } لا تحبطوا أجرها بكل واحد منهما { كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر } كإبطال المنافق الذي يرائي بإنفاقه ولا يريد به رضا الله تعالى ولا ثواب الآخرة أو مماثلين الذي ينفق رئاء الناس والكاف في محل النصب على المصدر أو الحال و { رئاء } نصب على المفعول له أو الحال بمعنى مرائيا أو المصدر أي إنفاق { رئاء } { فمثله } أي فمثل المرائي في إنفاقه ز { كمثل صفوان } كمثل حجر أملس. { عليه تراب فأصابه وابل } مطر عظيم القطر { فتركه صلدا } أملس نقيا من التراب { لا يقدرون على شيء مما كسبوا } لا ينتفعون بما فعلوا رئاء ولا يجدون له ثوابا
    { والله لا يهدي القوم الكافرين } إلى الخير والرشاد وفيه تعريض بأن الرئاء والمن والأذى على الإنفاق من صفات الكفار ولا بد للمؤمن أن يتجنب عنها


    يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد (267)
    267 - { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } من حلاله أو جياده { ومما أخرجنا لكم من الأرض } أي ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمرات والمعادن فحذف المضاف لتقدم ذكره { ولا تيمموا الخبيث منه } أي ولا تقصدوا الرديء منه أي من المال أو مما أخرجنا لكم وتخصيصه بدلك لأن التفاوت فيه أكثر وقرئ ولا تؤمموا ولا تيمموا بضم التاء { تنفقون } حال مقدرة من فاعل تيمموا ويجوز أن يتعلق به منه ويكون الضمير للخبيث والجملة حالا منه { ولستم بآخذيه } أي وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم لردائته { إلا أن تغمضوا فيه } إلا أن تتسامحوا فيه مجاز من أغمض بصره إذا غضه وقرئ { تغمضوا } أي تحملوا على الإغماض أو توجدوا مغمضين وعن ابن عباس رضي الله عنه : كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه { واعلموا أن الله غني } عن إنفاقكم وإنما بأمركم به لانتفاعكم { حميد } بقبوله وإثابته


    الخطبة الثانية:
    روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي أمامة صُدَيّ بن عجلان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى).
    وعن أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((ثلاثة أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: قال : ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظُلِمَ عبدٌ مظلمةً فصبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتحَ عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، أو كلمة نحوها.
    وأحدثكم حديثا فاحفظوه قال : إنما الدنيا لأربعة نفر : عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل.
    وعبد رزقه الله علما، ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية يقول : لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء.
    وعبد رزقه الله مالا، ولم يرزقه علما، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل.
    وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول : لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء


    الدعاء:
    اللهم إنا نسألك لسانا رطباً بذكرك، وقلباً منعماً بشكرك، وبدنا هيناً ليناً بطاعتك، وأعطنا مع ذلك: ما لا عين رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ، كما اختبر به رسولك r حسب ما علمته بعلمك، إنك على كلِّ شيء قديرٌ.
    اللهم إنَّا نسألك إيماناً دائماً، ونسألك قلباً خاشعاً، ونسألك علماً نافعاً، ونسألك يقيناً صادقاً، ونسألك ديناً قيماً، ونسألك العافية من كل بلية، ونسألك تمام العافية، ونسألك دوام العافية، ونسألك الشكر على العافية، ونسألك الغنى عن الناس.
    اللهم إنَّا نسألك التوبةَ الكاملة، والمغفرة الشاملة، والمحبة الكاملة الجامعة، والـخُـلَّة الصافية، والمعرفة الواسعة، والأنوار الساطعة، والشفاعة القائمة والحجة البالغة والدرجة العالية، وفَكَّ وثاقنا من المعصية ورهاننا من النعمة بمواهب المنَّة.
    اللهم أرضنا بقضائك، وصبرِّنا على طاعتك، وعن معصيتك وعن الشهوات الموجبات للنقص أو البعد عنك. وهب لنا حقيقة الإيمان بك، حتى لا نخاف غيرك ولا نرجو غيرك، ولا نُحب غيرك ولا نعبد شيئاً سوِاك، وأوزِعنا شكرَ نعمائك وغطِّنا برداء عافيتك، وانصرنا باليقين والتوكل عليك، وأسفر وجوهنا بنور صفاتك، وأضحكنا وبشِّرنا يوم القيامة بين أوليائك، واجعل يدك مبسوطةً علينا وعلى أهلينا وأولادنا ومن معنا برحمتك، ولاتكلنا إلى أنفسنا طرفة عينٍ ولا أقلَّ من ذلك، يا نعم المجيب، يا نعم المجيب، يا نعم المجيب.
    اللهم إنَّا نسألك التوبة ودوامها، ونعوذ بك من المعصية وأسبابها، وذكرنا بالخوف منك قبل هجوم خطراتها، واحملنا على النجاة منها ومن التفكُّر في طرائقها، وامح من قلوبنا حلاوة ما اجتنيناه منها، واستبدلها بالكراهة لها، والطعم لما هو بضدها، وأفضْ علينا من بحر كرمك وعفوك، حتى نخرج من الدنيا على السلامة من وبالها، واجعلنا عند الموت ناطقين بالشهادة عالمين بها، وارأف بنا رأفة الحبيب بحبيبه عند الشدائد ونزولها، وأرحنا من هموم الدنيا وغمومها بالروح والريحان إلى الجنة ونعيمها.
    (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)
    الملفات المرفقة
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا
يعمل...