الحمد لله رب العالمين ، أكرمنا بالإيمان بسيد النبيين والمرسلين ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لاشريك له ، أنزل في كتابه المبين ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله ، وصفيه وخليليه ، السراج المنير ، البشير النذير ، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على عبدك ورسولك سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه المهاجرين منهم والأنصار ، ما تعاقب الليل والنهار ، وهاجر مهاجر في سيبل الله .
أما بعد فيا عباد الله : أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، ( وَمَن يَتّقِ اللّهَ يَجْعَل لّهُ مَخْرَجاً ) .
أيها المؤمنون : لقد سجل التاريخ منذ أربعة عشر قرنا حدثا عظيما ، جليل القدر عظيم الأثر ، انتصارا لدين الله ، واحتفاظا للحق أن يضيع بين قوم لم يقيموه ، إن لنا مع هذا الحدث العظيم ، وقفات تأمل ، تبصرة وذكرى لأولي الألباب ، وهذا الحدث العظيم هو الهجرة الخالدة ، هجرة سيد الأولين والآخرين ، الهجرة التي كانت فرقانا بين الحق والباطل ،وإيذانا بنور الإسلام أن يتسع وينتشر .
أيها الأحبة : لما سمعت قريش مبايعة الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم يدافعون عنه ويمنعونه مما يمنعون منه نسائهم وأبناءهم ، ساءهم ذلك جداً ، فاجتمع نفر من قريش من أشراف كل قبيلة، فدخلوا دار الندوة ، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل ، فلما رأوه قالوا له من أنت ؟ قال شيخ من أهل نجد, سمعت أنكم اجتمعتم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم رأيي ونصحي. قالوا: أجل, ادخل, فدخل معهم, فقال: انظروا في شأن هذا الرجل, والله ليوشكن أن يواثبكم أي ينقض عليكم في أمركم بأمره. فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير والنابغة إنما هو كأحدهم. قال: فصرخ عدو الله الشيخ النجدي فقال: والله ما هذا لكم برأي والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه (أي يجتمعوا تحت أمره )حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم, فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم , قالوا: صدق الشيخ فانظروا في غير هذا. قال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم وكان أمره في غيركم. فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه. وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه ؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعُن عليه ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق والله, فانظروا رأياً غير هذا. قال: فقال أبو جهل لعنه الله, والله لأشيرن عليكم برأي ما أركم أبصرتموه بعد, لا أرى غيره. قالوا: وما هو ؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاماً شاباً وسيطاً نهدا( أي قوياً), ثم يعطى كل غلام منهم سيفاً صارماً, ثم يضربونه ضربة رجل واحد, فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها, فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها. فإنهم إذا رأوا ذلك, قبلوا العقل أي الدية واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. قال: فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي, القول ما قال الفتى, لا أرى غيره. قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له.
ولقد سجل القرآن هذا الاجتماع الآثم ، قال تعالى : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) ليثبتوك ليقيدوك, ليحبسوك, والإثبات هو الحبس والوثاق ، وقال تعالى : ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً ) .
فعند ئذ أعلم الله عز وجل نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بما دبره له أعداؤه ، وأمره بالهجرة إلى المدينة ليتشرف به المكان ، كما تشرف به الزمان ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه في وقت الظهيرة ، وأخبره بأن الله قد أذن له بالهجرة ، فسأله أبو بكر الصحبة ، فقال نعم ، فبكى أبو بكر فرحا بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم اتفقا على المقابلة ليلا خارج مكة ، وكانت هذه الليلة ليلة استعداد شباب قريش لتنفيذ الخطة التي رسموها لقتله صلى الله عليه وسلم فلما كان الليل اجتمعوا على بابه وبيد كل واحد منهم سيف لقتله قتلة رجل واحد ، والنبي صلى الله عليه وسلم داخل الدار، فلما أراد الخروج أمر ابن عمه علي بن أبي طالب أن يبيت مكانه على فراشه ، ويتغطي ببرد للنبي أخضراً ففعل ، فكان أول من شرى نفسه وفداها في الله ، فألقى الله على أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم النوم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدار , ووضع على رأس كل واحد منهم التراب وهو يقرأ مطلع سورة يس : ( يسَ * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْماً مّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقّ الْقَوْلُ عَلَىَ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ إِنّا جَعَلْنَا فِيَ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُم مّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ) . ولم يزل عليه الصلاة والسلام سائرا حتى تقابل مع أبي بكر الصديق فسارا معا حتى بلغا غار ثور فاختفيا فيه ، وفي تلك اللحظات نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة وقال والله إنك لأحب أرض الله إلى الله, و أحب بلاد الله إلي, ولولا أن المشركين أخرجوني منك ما خرجت.
وفي الطريق إلى الغار لقي النبي صلى الله عليه وسلم شدائد عظيمة ، منها أنه خلع نعليه ومشى على أطراف أصابعه لئلا يظهر أثرهما على الأرض ، حتى حفيت رجلاه ، فلما رآه أبو بكر وقد حفيت رجلاه حمله على كاهله وجعل يشتد حتى أتى الغار .(كذا في دلائل النبوة ). فلما وصلا قال أبو بكر رضي الله عنه مكانك يا رسول الله حتى أستبريء ا لغار، وكان الغار مشهوراً بكونه مسكن الهوام والوحش ، فدخل قبل النبي صلى الله عليه وسلم وكان الغار مظلماً فجلس وجعل يلتمس بيده كلما وجد جُحراً أدخل فيه إصبعه حتى انتهى إلى جُحر كبير فأدخل رجله إلى فخذه فجرح ، ثم شق ثوبه وألقمه في الجُحور حتى فعل ذلك بثوبه كله فبقي جُحراً فألقمه عقبه لئلا يخرج منه ما يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال أبو بكر: ادخل يا رسول الله فقد سويت لك مكانا ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم واضطجع ووضع رأسه في حَجر(أي عبَّ ) أبي بكر ونام من شدة التعب، وفي أثناء نوم النبي صلى الله عليه وسلم ، لدغت أبا بكر حية في رجله من الجُحر فآلمته ألما شديدا حتى تورمت قدمه رضى الله عنه ، ومع هذا لم يتحرك لئلا يزعج النبي صلى الله عليه وسلم ، فسقطت دموعه على وجه النبي صلى الله عليه وسلم ،فاستيقظ صلى الله عليه وسلم فقال : مالك يا أبا بكر فقال لُدغت فداك أبي وأمي فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكان اللدغ ومسح فذهب ما يجده من الورم والألم .
ولما أصبحا قال :النبي صلى الله عليه وسلم أين ثوبك يا أبا بكر؟ فأخبره بما فعل ، فعند ذلك رفع النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال :اللهم اجعل أبا بكر في درجتي يوم القيامة . فأوحي إليه أن قد استجاب الله لك .وعن ابن عباس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمك الله صدقتني حين كذبني الناس ، ونصرتني حين خذلني الناس ، وآمنت بي حين كفر بي الناس ، وآنستني في وحشتي فأي منة لأحد علي مثلك : ( انظر التاريخ القويم ج1 ص /243 )
عباد الله : ومن الغار نعود إلى مكة حيث ترك النبي صلى الله عليه وسلم المشركين وهم نائمون فحينما استيقظوا ووجدوا التراب على رؤوسهم علموا أن محمداً قد خرج من الدار ، فدخلوها فوجدوا عليا على الفراش فلم يتعرضوا له وقالوا: أين صاحبك هذا ؟ قال لا أدري, فطلبوه بمكة أعلاها وأسفلها، وذهبوا إلى دار أبي بكر الصديق فسألوا أسماء فقالوا لها : أين أبوك يا بنت أبي بكر فقالت لا أدري والله أين أبي قالت : فرفع أبو جهل يده وكان فاحشاً خبيثا فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي أي خرصي ، وبعثوا القافة إثره في كل وجهة وجعلوا مائة ناقة لمن رده فلم يظفروا به ، ولقد وصلوا إلى الغار الذي اختفى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ، فحين رآهم أبو بكر اشتد خوفه على النبي صلى الله عليه وسلم وبكى وقال له : إن قتلتُ فإنما أنا رجل واحد ، وإن قتلتَ أنت هلكت الأمة .فطمأنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) وأنزل الله السكينة على أبي بكر .
أيها الأحباب : إن أمر اختباء رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر رضي الله عنه في غار ثور في ظاهره أمر عادي يمكن حصوله لأي أحد ، لكنه في الحقيقة أمر غير عادي ، بل فيه العديد من المعجزات للنبي صلى الله عليه وسلم ، فجبل ثور أيها المؤمنون هو الجبل الشاهق الواقع في حي الهجرة ويبعد هذا الجبل عن المسجد الحرام بأربعة كيلو مترات ، وارتفاعه (759) مترا ، وقد تسلقه النبي صلى الله عليه وسلم في سن الثالثة والخمسين ، وفي هذا من المعجزات النبوية الشي ء الكثير وهي كما يلي :
أولا: إن الاهتداء في ظلام الليل إلى هذا الجبل بالنفس أمر صعب ، بينما أن كثيرا من أهالي مكة اليوم لا يهتدون إليه بالنهار إلا بدليل لأنه تكتنفه عدة جبال ، فليس من السهل الاهتداء إليه .
ثانيا: وكذلك الاهتداء في ظلام الليل إلى نفس الغار في رأس الجبل ، بينما لا نعرفه إلا بدليل يدلنا عليه .
ثالثا / الطلوع إلى هذا الغار ومن طريق خاص معروف ، يحتاج إلى نحو ساعتين من الزمن ، بمعنى أن الإنسان إذا بدأ في طلوع الجبل من أذان العصر فإنه يصل إلى الغار مع غروب الشمس تقريبا ، كما يحتاج في نزوله من الجبل إلى مثل هذا الوقت أيضا ، فتصوروا كيف تيسر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلام الليل .
رابعا / الدخول من باب الغار الضيق وسعته خمسة أشبار وارتفاعه من الوسط شبر ، ومن طرفيه ثلثا شبر ، ولا يدخله الداخل إلا إذا انبطح على الأرض وزحف قليلا،، قليلا ، فدخول الغار صعب بالنهار ، فكيف بمن يدخله في ظلام الليل .
خامسا/ وصول المشركين إلى فم الغار نهارا يبحثون عن رسول الله صلى الله عيه وسلم ، وصاحبه فلم يروهما مع أنهما كانا أمامهم وفي صحيح مسلم : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا * رواه مسلم عن أنس برقم (2381 ) .لكن الله أعمى أبصارهم .
سادسا / أمر الله تعالى العنكبوت فنسجت سريعا على باب الغار حتى قال بعضهم إن عليه عنكبوتا من قبل ميلاد محمد.
سابعا/ أمر الله تعالى حمامتين وحشيتين فعششتا وباضتا على فم الغار تضليلا للمشركين ويذكر أهل السير أن حمام الحرم من نسل تلك الحمامتين .
ثامنا/ وأنبت الله شجرة أم الغيلان على باب الغار فسدته بفروعها الدقيقة وخيطانها الرقيقة وزهرها الأبيض فحجبت باطن الغار عن أعين الكفار ، إلى غير ذلك من المعجزات .
وما أحلى كلام بعض الشعراء رحمه الله تعالى يقول :
وما حوى الغارُ من خيرٍ ومن كرمٍ *وكلُّ طرفٍ من الكفار عنه عمي
ومكث النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار ثلاث ليال وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ،فيخرج من عندهما بالسحر فيصبح بمكة يتسمع ما يقال بمكة وحين يختلط الظلام يأتيهما بخبر ذلك اليوم ليحترزان منه . ويروح عليهما بعد العشاء عامر بن فهيرة مولى أبي بكر بغنم فيكتفيان من لبنها ، وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تحمل لهما الطعام بسفرتيهما إلى الغار، ونسيت أن تجعل لها رباطا ، فلما أردا الرحيل ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها رباط فحلت نطاقها أي ما تربطه على وسطها نصفين فعلقت السفرة بواحد وانتطقت بواحد فسماها النبي صلى الله عليه وسلم ذات النطاقين .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىَ عَلَىَ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ مِنْهُم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً).
جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
أما بعد فيا عباد الله : أوصيكم ونفسي بملازمة تقوى الله ، فالبتقوى ينال المسلم الخير في الدنيا وفي الآخرة .
أيها المؤمنون : ومما سمعنا نستلهم دروسا عظيمة ، فوقاية الله وتدبيره لنبيه أعظم وقاية حيث سخر له أضعف الدواب كالعنكبوت والحمام ، فأغنته عن حمل السلاح والدروع ، ومن الدروس أيضاً عظيم توكل النبي صلى الله عليه وسلم تعليما لأمته ، والصبر على البلاء، وتحمل المشقة في سبيل نُصرة الدين الإسلامي ، ومن الدروس أيضا فضل سورة يس وبركة نفعها لمن خاف عدوا يتربص به ، ومنها بركة ريق النبي صلى الله عليه وسلم ومشروعية الرقية للملدوغ وأن ذلك سبب من أسباب الشفاء بإذن الله تعالى ، ومنها فضل خدمة التابع الحر للمتبوع في يقظته ، والذب عنه عند نومه، وخدمة التلميذ لشيخه وأستاذه ، وما تثمره من المزايا في المآل لما حصل للصديق من الفضل في الدنيا والآخرة ، وفضل سيدنا عليّ بن أبي طالب حيث عرض نفسه للقتل في سبيل الله ، وفضل آل أبي بكر الصديق عبد الله ، وعائشة ، وأسماء، وعامر بن فهيرة ، وما قاموا به من خدمةٍ لتهيئة الرحلة من مراقبة وإعداد رضي الله عنهم أجمعين وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ، ومن الدروس أيضا لؤم إبليس وكيده لهذا الدين وأهله وكيف أنه لا يدع أي فرصة لهدم الإسلام وإبطال انتشاره .
أيها المؤمنون وفي الأسبوع القادم إن شاء الله أكمل لكم الحديث عن مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغار إلى قباء وما حصل له في الطريق من معجزات .
أما بعد فيا عباد الله : أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، ( وَمَن يَتّقِ اللّهَ يَجْعَل لّهُ مَخْرَجاً ) .
أيها المؤمنون : لقد سجل التاريخ منذ أربعة عشر قرنا حدثا عظيما ، جليل القدر عظيم الأثر ، انتصارا لدين الله ، واحتفاظا للحق أن يضيع بين قوم لم يقيموه ، إن لنا مع هذا الحدث العظيم ، وقفات تأمل ، تبصرة وذكرى لأولي الألباب ، وهذا الحدث العظيم هو الهجرة الخالدة ، هجرة سيد الأولين والآخرين ، الهجرة التي كانت فرقانا بين الحق والباطل ،وإيذانا بنور الإسلام أن يتسع وينتشر .
أيها الأحبة : لما سمعت قريش مبايعة الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم يدافعون عنه ويمنعونه مما يمنعون منه نسائهم وأبناءهم ، ساءهم ذلك جداً ، فاجتمع نفر من قريش من أشراف كل قبيلة، فدخلوا دار الندوة ، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل ، فلما رأوه قالوا له من أنت ؟ قال شيخ من أهل نجد, سمعت أنكم اجتمعتم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم رأيي ونصحي. قالوا: أجل, ادخل, فدخل معهم, فقال: انظروا في شأن هذا الرجل, والله ليوشكن أن يواثبكم أي ينقض عليكم في أمركم بأمره. فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير والنابغة إنما هو كأحدهم. قال: فصرخ عدو الله الشيخ النجدي فقال: والله ما هذا لكم برأي والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه (أي يجتمعوا تحت أمره )حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم, فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم , قالوا: صدق الشيخ فانظروا في غير هذا. قال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم وكان أمره في غيركم. فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه. وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه ؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعُن عليه ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق والله, فانظروا رأياً غير هذا. قال: فقال أبو جهل لعنه الله, والله لأشيرن عليكم برأي ما أركم أبصرتموه بعد, لا أرى غيره. قالوا: وما هو ؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاماً شاباً وسيطاً نهدا( أي قوياً), ثم يعطى كل غلام منهم سيفاً صارماً, ثم يضربونه ضربة رجل واحد, فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها, فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها. فإنهم إذا رأوا ذلك, قبلوا العقل أي الدية واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. قال: فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي, القول ما قال الفتى, لا أرى غيره. قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له.
ولقد سجل القرآن هذا الاجتماع الآثم ، قال تعالى : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) ليثبتوك ليقيدوك, ليحبسوك, والإثبات هو الحبس والوثاق ، وقال تعالى : ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً ) .
فعند ئذ أعلم الله عز وجل نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بما دبره له أعداؤه ، وأمره بالهجرة إلى المدينة ليتشرف به المكان ، كما تشرف به الزمان ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه في وقت الظهيرة ، وأخبره بأن الله قد أذن له بالهجرة ، فسأله أبو بكر الصحبة ، فقال نعم ، فبكى أبو بكر فرحا بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم اتفقا على المقابلة ليلا خارج مكة ، وكانت هذه الليلة ليلة استعداد شباب قريش لتنفيذ الخطة التي رسموها لقتله صلى الله عليه وسلم فلما كان الليل اجتمعوا على بابه وبيد كل واحد منهم سيف لقتله قتلة رجل واحد ، والنبي صلى الله عليه وسلم داخل الدار، فلما أراد الخروج أمر ابن عمه علي بن أبي طالب أن يبيت مكانه على فراشه ، ويتغطي ببرد للنبي أخضراً ففعل ، فكان أول من شرى نفسه وفداها في الله ، فألقى الله على أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم النوم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدار , ووضع على رأس كل واحد منهم التراب وهو يقرأ مطلع سورة يس : ( يسَ * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْماً مّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقّ الْقَوْلُ عَلَىَ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ إِنّا جَعَلْنَا فِيَ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُم مّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ) . ولم يزل عليه الصلاة والسلام سائرا حتى تقابل مع أبي بكر الصديق فسارا معا حتى بلغا غار ثور فاختفيا فيه ، وفي تلك اللحظات نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة وقال والله إنك لأحب أرض الله إلى الله, و أحب بلاد الله إلي, ولولا أن المشركين أخرجوني منك ما خرجت.
وفي الطريق إلى الغار لقي النبي صلى الله عليه وسلم شدائد عظيمة ، منها أنه خلع نعليه ومشى على أطراف أصابعه لئلا يظهر أثرهما على الأرض ، حتى حفيت رجلاه ، فلما رآه أبو بكر وقد حفيت رجلاه حمله على كاهله وجعل يشتد حتى أتى الغار .(كذا في دلائل النبوة ). فلما وصلا قال أبو بكر رضي الله عنه مكانك يا رسول الله حتى أستبريء ا لغار، وكان الغار مشهوراً بكونه مسكن الهوام والوحش ، فدخل قبل النبي صلى الله عليه وسلم وكان الغار مظلماً فجلس وجعل يلتمس بيده كلما وجد جُحراً أدخل فيه إصبعه حتى انتهى إلى جُحر كبير فأدخل رجله إلى فخذه فجرح ، ثم شق ثوبه وألقمه في الجُحور حتى فعل ذلك بثوبه كله فبقي جُحراً فألقمه عقبه لئلا يخرج منه ما يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال أبو بكر: ادخل يا رسول الله فقد سويت لك مكانا ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم واضطجع ووضع رأسه في حَجر(أي عبَّ ) أبي بكر ونام من شدة التعب، وفي أثناء نوم النبي صلى الله عليه وسلم ، لدغت أبا بكر حية في رجله من الجُحر فآلمته ألما شديدا حتى تورمت قدمه رضى الله عنه ، ومع هذا لم يتحرك لئلا يزعج النبي صلى الله عليه وسلم ، فسقطت دموعه على وجه النبي صلى الله عليه وسلم ،فاستيقظ صلى الله عليه وسلم فقال : مالك يا أبا بكر فقال لُدغت فداك أبي وأمي فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكان اللدغ ومسح فذهب ما يجده من الورم والألم .
ولما أصبحا قال :النبي صلى الله عليه وسلم أين ثوبك يا أبا بكر؟ فأخبره بما فعل ، فعند ذلك رفع النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال :اللهم اجعل أبا بكر في درجتي يوم القيامة . فأوحي إليه أن قد استجاب الله لك .وعن ابن عباس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمك الله صدقتني حين كذبني الناس ، ونصرتني حين خذلني الناس ، وآمنت بي حين كفر بي الناس ، وآنستني في وحشتي فأي منة لأحد علي مثلك : ( انظر التاريخ القويم ج1 ص /243 )
عباد الله : ومن الغار نعود إلى مكة حيث ترك النبي صلى الله عليه وسلم المشركين وهم نائمون فحينما استيقظوا ووجدوا التراب على رؤوسهم علموا أن محمداً قد خرج من الدار ، فدخلوها فوجدوا عليا على الفراش فلم يتعرضوا له وقالوا: أين صاحبك هذا ؟ قال لا أدري, فطلبوه بمكة أعلاها وأسفلها، وذهبوا إلى دار أبي بكر الصديق فسألوا أسماء فقالوا لها : أين أبوك يا بنت أبي بكر فقالت لا أدري والله أين أبي قالت : فرفع أبو جهل يده وكان فاحشاً خبيثا فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي أي خرصي ، وبعثوا القافة إثره في كل وجهة وجعلوا مائة ناقة لمن رده فلم يظفروا به ، ولقد وصلوا إلى الغار الذي اختفى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ، فحين رآهم أبو بكر اشتد خوفه على النبي صلى الله عليه وسلم وبكى وقال له : إن قتلتُ فإنما أنا رجل واحد ، وإن قتلتَ أنت هلكت الأمة .فطمأنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) وأنزل الله السكينة على أبي بكر .
أيها الأحباب : إن أمر اختباء رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر رضي الله عنه في غار ثور في ظاهره أمر عادي يمكن حصوله لأي أحد ، لكنه في الحقيقة أمر غير عادي ، بل فيه العديد من المعجزات للنبي صلى الله عليه وسلم ، فجبل ثور أيها المؤمنون هو الجبل الشاهق الواقع في حي الهجرة ويبعد هذا الجبل عن المسجد الحرام بأربعة كيلو مترات ، وارتفاعه (759) مترا ، وقد تسلقه النبي صلى الله عليه وسلم في سن الثالثة والخمسين ، وفي هذا من المعجزات النبوية الشي ء الكثير وهي كما يلي :
أولا: إن الاهتداء في ظلام الليل إلى هذا الجبل بالنفس أمر صعب ، بينما أن كثيرا من أهالي مكة اليوم لا يهتدون إليه بالنهار إلا بدليل لأنه تكتنفه عدة جبال ، فليس من السهل الاهتداء إليه .
ثانيا: وكذلك الاهتداء في ظلام الليل إلى نفس الغار في رأس الجبل ، بينما لا نعرفه إلا بدليل يدلنا عليه .
ثالثا / الطلوع إلى هذا الغار ومن طريق خاص معروف ، يحتاج إلى نحو ساعتين من الزمن ، بمعنى أن الإنسان إذا بدأ في طلوع الجبل من أذان العصر فإنه يصل إلى الغار مع غروب الشمس تقريبا ، كما يحتاج في نزوله من الجبل إلى مثل هذا الوقت أيضا ، فتصوروا كيف تيسر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلام الليل .
رابعا / الدخول من باب الغار الضيق وسعته خمسة أشبار وارتفاعه من الوسط شبر ، ومن طرفيه ثلثا شبر ، ولا يدخله الداخل إلا إذا انبطح على الأرض وزحف قليلا،، قليلا ، فدخول الغار صعب بالنهار ، فكيف بمن يدخله في ظلام الليل .
خامسا/ وصول المشركين إلى فم الغار نهارا يبحثون عن رسول الله صلى الله عيه وسلم ، وصاحبه فلم يروهما مع أنهما كانا أمامهم وفي صحيح مسلم : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا * رواه مسلم عن أنس برقم (2381 ) .لكن الله أعمى أبصارهم .
سادسا / أمر الله تعالى العنكبوت فنسجت سريعا على باب الغار حتى قال بعضهم إن عليه عنكبوتا من قبل ميلاد محمد.
سابعا/ أمر الله تعالى حمامتين وحشيتين فعششتا وباضتا على فم الغار تضليلا للمشركين ويذكر أهل السير أن حمام الحرم من نسل تلك الحمامتين .
ثامنا/ وأنبت الله شجرة أم الغيلان على باب الغار فسدته بفروعها الدقيقة وخيطانها الرقيقة وزهرها الأبيض فحجبت باطن الغار عن أعين الكفار ، إلى غير ذلك من المعجزات .
وما أحلى كلام بعض الشعراء رحمه الله تعالى يقول :
وما حوى الغارُ من خيرٍ ومن كرمٍ *وكلُّ طرفٍ من الكفار عنه عمي
فالصدقُ في الغارِ والصديق لم يَرِمَا(يتركا) * وهم يقولون ما بالغار من أرم (أحد)
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على * خير الأنام لم تنسج ولم تحم
وقاية الله أغنت عن مضاعفة * من الدروع وعن عال من الأطم
وما ألطف قول بعضهم : ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على * خير الأنام لم تنسج ولم تحم
وقاية الله أغنت عن مضاعفة * من الدروع وعن عال من الأطم
ودود القز إن نسجت حريرا* يجمل لبسه في كل شي
فإن العنكبوت أجل منها * بما نسجت على غار النبي
عباد الله : ويسجل القرآن مشهد الغار آيات تتلى إلى يوم القيامة (إِلاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيّدَهُ بِجُنُودٍ لّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الّذِينَ كَفَرُواْ السّفْلَىَ وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ).فإن العنكبوت أجل منها * بما نسجت على غار النبي
ومكث النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار ثلاث ليال وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ،فيخرج من عندهما بالسحر فيصبح بمكة يتسمع ما يقال بمكة وحين يختلط الظلام يأتيهما بخبر ذلك اليوم ليحترزان منه . ويروح عليهما بعد العشاء عامر بن فهيرة مولى أبي بكر بغنم فيكتفيان من لبنها ، وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تحمل لهما الطعام بسفرتيهما إلى الغار، ونسيت أن تجعل لها رباطا ، فلما أردا الرحيل ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها رباط فحلت نطاقها أي ما تربطه على وسطها نصفين فعلقت السفرة بواحد وانتطقت بواحد فسماها النبي صلى الله عليه وسلم ذات النطاقين .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىَ عَلَىَ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ مِنْهُم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً).
جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ، أحمده حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده ، وأشهد ألا إله إلا الله الملك الحق المببن ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين ، صبر وصابر ورابط في سبيل الله لتبليغ دعوة الله ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبد ورسولك سيدنا محمد واجزه عن المسلمين خير ما جزيت نبيا عن قومه ، ورسولا عن أمته ، وابعثه مقاما محموداً يغبطه به الأولون والآخرون ، وأعلِّ اللهم درجته على درجات النبيين ، وكثر اللهم تابعيه من المسلمين ، واجمعنا به في أعلى درجات الفردوس يا أكرم الأكرمين .أما بعد فيا عباد الله : أوصيكم ونفسي بملازمة تقوى الله ، فالبتقوى ينال المسلم الخير في الدنيا وفي الآخرة .
أيها المؤمنون : ومما سمعنا نستلهم دروسا عظيمة ، فوقاية الله وتدبيره لنبيه أعظم وقاية حيث سخر له أضعف الدواب كالعنكبوت والحمام ، فأغنته عن حمل السلاح والدروع ، ومن الدروس أيضاً عظيم توكل النبي صلى الله عليه وسلم تعليما لأمته ، والصبر على البلاء، وتحمل المشقة في سبيل نُصرة الدين الإسلامي ، ومن الدروس أيضا فضل سورة يس وبركة نفعها لمن خاف عدوا يتربص به ، ومنها بركة ريق النبي صلى الله عليه وسلم ومشروعية الرقية للملدوغ وأن ذلك سبب من أسباب الشفاء بإذن الله تعالى ، ومنها فضل خدمة التابع الحر للمتبوع في يقظته ، والذب عنه عند نومه، وخدمة التلميذ لشيخه وأستاذه ، وما تثمره من المزايا في المآل لما حصل للصديق من الفضل في الدنيا والآخرة ، وفضل سيدنا عليّ بن أبي طالب حيث عرض نفسه للقتل في سبيل الله ، وفضل آل أبي بكر الصديق عبد الله ، وعائشة ، وأسماء، وعامر بن فهيرة ، وما قاموا به من خدمةٍ لتهيئة الرحلة من مراقبة وإعداد رضي الله عنهم أجمعين وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ، ومن الدروس أيضا لؤم إبليس وكيده لهذا الدين وأهله وكيف أنه لا يدع أي فرصة لهدم الإسلام وإبطال انتشاره .
أيها المؤمنون وفي الأسبوع القادم إن شاء الله أكمل لكم الحديث عن مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغار إلى قباء وما حصل له في الطريق من معجزات .