الحمد لله رب العالمين ، أحمده حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد ه ورسوله ، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
أما بعد فيا عباد الله اتقوا الله تعالى واصبروا ( إِنّهُ مَن يَتّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) يوسف آية ( 90).
أيها الإخوة في الله : قد سبق في الجمعة الماضية أن استمعتم حفظكم الله ورعاكم إلى المعجزات التي وقعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى المدينة وفي هذا ليوم أكمل لكم الحديث عن دخول النبي إلى قباء وبناء مسجدها واستقبال المدينة له وما وقع في ذلك من معجزات .
لما سمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، كانوا يفدون كل غداة إلى الحرة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة ، فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم ، أوفى رجل من اليهود على حصن عالٍ لأمر ينظر إليه ، فأبصر قوما قادمين يزول بهم السراب عليهم ثياب بيض فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا بني قيلة - يعني الأنصار - هذا صاحبكم الذي تنتظرونه ، فخرج إليه الأنصار سِراعا ، وقد حملوا سلاحهم تطمينا لنفسه الشريفة ، وإظهار للقوة التي أعدوها للدفاع عنه ، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة ، فاستقبلهما زهاء خمسمائة، فعدل بهم ذات اليمين نحو قباء ، حتى نزل أعلا المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف ، وهم أهل قباء ، والحكمة في نزوله صلى الله عليه وسلم قباء، التفاؤل له ولدينه بالعلو ، وقباء من عوالى المدينة ، وذلك يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول نهارا ، ثم جلس النبي صلى الله عليه وسلم ، تحت شجرة صامتا ، وقام أبو بكر يتلقى الناس ، وكان فريق من الأنصار قد أسلم ولم يكونوا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحيوا أبا بكر ورحبوا به ، ومنعهم الحياء والأدب عن الاستفسار حتى أصابت الشمسُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه ، فعرف الناسُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت مدة إقامته صلى الله عليه وسلم في قباء أربع عشرة ليلة .
وسأل أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يبني لهم مسجدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليقم بعضكم فليركب الناقة ، فقام أبو بكر فركبها فحركها فلم تنبعث ( أي لم تتحرك ) ، فرجع فقعد، فقام عمر فركبها فلم تنبعث ، فرجع فقعد ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ليقم بعضكم فيركب الناقة ، فقام علي ، فلما وضع رجله في غرز الركاب وثبت به ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أرخ زمامها وابتنوا على مدارها فإنها مأمورة ، وفي الكبير عن جابر بن سمرة .فلما أرادوا البناء قال : صلى الله عليه وسلم ، يا أهل قباء ائتوني بأحجار من الحرة ، فجمعت عنده أحجار كثيرة ، ومعه عنزة (أي عصى صغيرة في رأسها زج من حديد ) فحد قبلتهم قال صلى الله عليه وسلم فأقام رهط على زوايا المسجد ليعدلوا القبلة ، فأتاه جبرائيل فقال ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، فوضع تربــيع المسجد وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون بصره شيء، فلما فرغ قال جبريل بيده فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها, فأخذ صلى الله عليه وسلم حجرا فوضعه ، ثم قال : يا أبا بكر خذ حجرا فضعه إلى جنب حجري ، ثم قال : يا عمر خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر أبي بكر ، ثم قال : يا عثمان خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر عمر ، وبفعله هذا صلى الله عليه وسلم كأنه أشار إلى ترتيب الخلافة ، وهذا من أعلام نبوته . رواه الطبري عن جابر.
وكان صلى الله عليه وسلم يحمل الحجارة مع الصحابة وقد أثر التراب على بطنه فيأتي الرجل من أصحابه فيقول : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، أعطني أكْفِكَ فيقول ، لا ، خذ مثله ، حتى أسسه صلى الله عليه وسلم ، وكانوا يرتجزون وهم يبنون مسجد قباء ويقولون :
أفلح من يعالج المساجدا * يتلوا الكتاب قائما وقاعدا
ولا يبيت الليل عنه راقدا
فكان صلى الله عليه وسلم يعجبه ذلك ، ولما أتموا بناء مسجد قباء صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين جماعة ، فكان أول مسجد صلى فيه المسلمون صلاة جماعة ، ومعلنين بها آمنين من أذى المشركين ، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم بعد إقامته بالمدينة يحن إلى مسجد قباء ويزوره كل يوم سبت من كل أسبوع راكبا أو ماشيا فيصلى فيه ما تيسر له ويقول : مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ *رواه ابن ماجه (1412 ) ، وفي عهد خادم الحرمين وسع مسجد قباء توسعة كبيرة فجزاه الله خيرا ورحمه الله رحمة واسعه .
ثم لما أراد صلى الله عليه وسلم الانتقال إلى المدينة ، أرسل إلى بني النجار فجاؤا متقلدين السيوف ، فسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى أبي بكر وقالوا : اركبا آمنين مطاعين ، فركب يوم الجمعة ، فلما خرج صلى الله عليه وسلم من قباء ، اجتمعت بنو عمرو بن عوف فقالوا : أخرجت ملالةً منا ، أم تريد دارا خيرا من دارنا ؟ قال
أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى ) البخاري ( 1871 ) ومعنى ( أمرت بقرية تأكل القرى ) أي تَفتح القرى فيفتح أهلها القرى وينتشر منها نور الإسلام ، ثم قال لهم فخلوها ، أي ناقته القصواء. فلما أتى مسجد بني سالم في وادي رانوناء ،أدركته الجمعةَ هناك فصلاها فيه ، وكانت أول جمعة صلاها في المدينة (وهذا المسجد قد نال من رعاية خادم الحرمين الملك فهد ووسع وبني بناية جديدة جعله الله في صحائف أعماله)،
ثم دعا صلى الله عليه وسلم براحلته يوم الجمعة وحشد المسلمون ولبسوا السلاح إظهاراً للعزة والدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فركب صلى الله عليه وسلم والناس عن يمينه وعن شماله وعن خلفه ، منهم الماشي والراكب ، فاعترضته الأنصار، فما يمر بدار إلا قالوا هلم إلى العز والمنعة والثروة ، فيقول لهم خيرا ، ويدعو لهم ويقول : إنها مأمورة خلوا سبيلها ، ثم تلقاه الناس فخرجوا في الطرقات وصار الرجال والنساء والغلمان يقولون (( الله أكبر جاء رسول الله ،، جاء محمد ،،الله أكبر )) ، (( الله أكبر جاء رسول الله ،، جاء محمد ،،الله أكبر )) ، (( الله أكبر جاء رسول الله ،، جاء محمد ،،الله أكبر )) ،
قَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامَ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ اسْتَشْرَفَهُ النَّاسُ فَقَالُوا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ فَخَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ فَكَانَ أَوَّلُ مَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصِلُوا الأرْحَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ *الدارمي(1460 ).
قال أنس إني أسعى مع الغلمان إذ قالوا جاء محمد حتى أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراء ينه يقلن أيهم هو ؟ فما رأينا منظراً شبيهاً به يومئذ.
وفرح أهل المدينة بقدومه ، عليه الصلاة والسلام ،و أشرقت بحلوله فيها وسرى السرور إلى القلوب ، قَالَ أَنَسٌ فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ أَنْوَرَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْ يَوْمِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ الْمَدِينَةَ رواه البخاري وصعدت ذوات الخدور على، السطوح عند قدومه ، صلى الله عليه وسلم يقلن :
ولما تنازع القوم عليه صلى الله عليه وسلم ، على أيهم ينزل عنده ، وكلٌ منهم لعل أن يكون دارُه له المنزل ، فقال صلى الله عليه وسلم : دعوا الناقة فإنها مأمورة قال : فبركت عند موضع المنبر من المسجد، فنزل عنها صلى الله عليه وسلم ، فقال أي الدور أقرب ، فأتاه أبو أيوب فقال : منزلي أقرب المنازل ، أتأذن لي أن انقل رحلك ؟ قال صلى الله عليه وسلم : نعم ، فنقل رحله وأناخ الناقة في منزله ، فسأل صلى الله عليه وسلم عن المِرْبَد( المكان الذي يجفف فيه التمر ) فقال معاذ : هو ليتيمين لي وسأرضيهما فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم خرج جوار من بني النجار يضربن بالدف ويقلن :
عباد الله: وبعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة لحق به آل بيته و من بقي بمكة من المسلمين ، فمنهم أمير المؤمنين على بن أبي طالب ، مكث في مكة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام في رد الودائع ، فلما أتم مهمته التي كلّفه بها النبي صلى الله عليه وسلم ، هاجر وحده إلى المدينة ، وكان يسير بالليل ويختفي بالنهار في مغارات الجبال ، خوفا من لحاق المشركين به ، حتى وصل إلى قباء ، ففرح بمقدمه النبي صلى الله عليه وسلم ، ورآه يشكو ألما شديدا بقدميه مما عاناه في ذلك السفر الطويل ماشيا حتى تثقبت قدماه ، فمسهما النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له فشفاه الله ، وما اشتكاهما بعد ذلك اليوم قط .
وممن لحق به صلى الله عليه وسلم ابنته زينب خرجت تريد الهجرة إلى المدينة ، فخرج كفار قريش في طلبها ، فأدركها هبار ابن الأسود ، فلم يزل يطعن بعيرها برمحه، حتى صرعها ، وكانت رضي الله عنها حاملا فألقت مافي بطنها ، ولم تزل تشكو المرض من تلك الدفعة حتى ماتت من ذلك الوجع ، فكانوا يرون أنها شهيدة رضي الله عنها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هي خير بناتي أصيبت فيّ ).انظر در السحابة في مناقب القرابة والصحابة ص : 280
وممن لحق به أم المؤمنين عائشة ، وأخوها عبد الله ، وأختها أسماء ، حيث بعث النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة ليأتوا بهم ولما وصلوا إلى قباء وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق حاملا فأجاها المخاض في قباء ، قالت كنت حاملا بِعَبْدِاللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَنَزَلْتُ قُبَاءً فَوَلَدْتُ بِقُبَاءٍ ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ حَنَّكَهُ بِالتَّمْرَةِ ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَّكَ عَلَيْهِ وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا لِأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ إِنَّ الْيَهُودَ قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلَا يُولَدُ لَكُمْ *رواه البخاري (5469) .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (( وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مرا غما كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً))
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة سيدِ أنبيائه وأحبابه أقول قولي هذا واستغفروا الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
أما بعد فيا عباد الله اتقوا لله وخذوا العظات و العبر من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلها دروس عظيمة ، وعبر كريمة ، ومعينها لا ينضب ، نسأل الله عزّ وجل أن يرزقنا حبه وحب كتابه وحب حبيبه وسنته والاقتداء به صلى الله عليه وسلم .
أما بعد فيا عباد الله اتقوا الله تعالى واصبروا ( إِنّهُ مَن يَتّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) يوسف آية ( 90).
أيها الإخوة في الله : قد سبق في الجمعة الماضية أن استمعتم حفظكم الله ورعاكم إلى المعجزات التي وقعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى المدينة وفي هذا ليوم أكمل لكم الحديث عن دخول النبي إلى قباء وبناء مسجدها واستقبال المدينة له وما وقع في ذلك من معجزات .
لما سمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، كانوا يفدون كل غداة إلى الحرة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة ، فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم ، أوفى رجل من اليهود على حصن عالٍ لأمر ينظر إليه ، فأبصر قوما قادمين يزول بهم السراب عليهم ثياب بيض فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا بني قيلة - يعني الأنصار - هذا صاحبكم الذي تنتظرونه ، فخرج إليه الأنصار سِراعا ، وقد حملوا سلاحهم تطمينا لنفسه الشريفة ، وإظهار للقوة التي أعدوها للدفاع عنه ، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة ، فاستقبلهما زهاء خمسمائة، فعدل بهم ذات اليمين نحو قباء ، حتى نزل أعلا المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف ، وهم أهل قباء ، والحكمة في نزوله صلى الله عليه وسلم قباء، التفاؤل له ولدينه بالعلو ، وقباء من عوالى المدينة ، وذلك يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول نهارا ، ثم جلس النبي صلى الله عليه وسلم ، تحت شجرة صامتا ، وقام أبو بكر يتلقى الناس ، وكان فريق من الأنصار قد أسلم ولم يكونوا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحيوا أبا بكر ورحبوا به ، ومنعهم الحياء والأدب عن الاستفسار حتى أصابت الشمسُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه ، فعرف الناسُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت مدة إقامته صلى الله عليه وسلم في قباء أربع عشرة ليلة .
وسأل أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يبني لهم مسجدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليقم بعضكم فليركب الناقة ، فقام أبو بكر فركبها فحركها فلم تنبعث ( أي لم تتحرك ) ، فرجع فقعد، فقام عمر فركبها فلم تنبعث ، فرجع فقعد ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ليقم بعضكم فيركب الناقة ، فقام علي ، فلما وضع رجله في غرز الركاب وثبت به ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أرخ زمامها وابتنوا على مدارها فإنها مأمورة ، وفي الكبير عن جابر بن سمرة .فلما أرادوا البناء قال : صلى الله عليه وسلم ، يا أهل قباء ائتوني بأحجار من الحرة ، فجمعت عنده أحجار كثيرة ، ومعه عنزة (أي عصى صغيرة في رأسها زج من حديد ) فحد قبلتهم قال صلى الله عليه وسلم فأقام رهط على زوايا المسجد ليعدلوا القبلة ، فأتاه جبرائيل فقال ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، فوضع تربــيع المسجد وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون بصره شيء، فلما فرغ قال جبريل بيده فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها, فأخذ صلى الله عليه وسلم حجرا فوضعه ، ثم قال : يا أبا بكر خذ حجرا فضعه إلى جنب حجري ، ثم قال : يا عمر خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر أبي بكر ، ثم قال : يا عثمان خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر عمر ، وبفعله هذا صلى الله عليه وسلم كأنه أشار إلى ترتيب الخلافة ، وهذا من أعلام نبوته . رواه الطبري عن جابر.
وكان صلى الله عليه وسلم يحمل الحجارة مع الصحابة وقد أثر التراب على بطنه فيأتي الرجل من أصحابه فيقول : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، أعطني أكْفِكَ فيقول ، لا ، خذ مثله ، حتى أسسه صلى الله عليه وسلم ، وكانوا يرتجزون وهم يبنون مسجد قباء ويقولون :
أفلح من يعالج المساجدا * يتلوا الكتاب قائما وقاعدا
ولا يبيت الليل عنه راقدا
فكان صلى الله عليه وسلم يعجبه ذلك ، ولما أتموا بناء مسجد قباء صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين جماعة ، فكان أول مسجد صلى فيه المسلمون صلاة جماعة ، ومعلنين بها آمنين من أذى المشركين ، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم بعد إقامته بالمدينة يحن إلى مسجد قباء ويزوره كل يوم سبت من كل أسبوع راكبا أو ماشيا فيصلى فيه ما تيسر له ويقول : مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ *رواه ابن ماجه (1412 ) ، وفي عهد خادم الحرمين وسع مسجد قباء توسعة كبيرة فجزاه الله خيرا ورحمه الله رحمة واسعه .
ثم لما أراد صلى الله عليه وسلم الانتقال إلى المدينة ، أرسل إلى بني النجار فجاؤا متقلدين السيوف ، فسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى أبي بكر وقالوا : اركبا آمنين مطاعين ، فركب يوم الجمعة ، فلما خرج صلى الله عليه وسلم من قباء ، اجتمعت بنو عمرو بن عوف فقالوا : أخرجت ملالةً منا ، أم تريد دارا خيرا من دارنا ؟ قال
أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى ) البخاري ( 1871 ) ومعنى ( أمرت بقرية تأكل القرى ) أي تَفتح القرى فيفتح أهلها القرى وينتشر منها نور الإسلام ، ثم قال لهم فخلوها ، أي ناقته القصواء. فلما أتى مسجد بني سالم في وادي رانوناء ،أدركته الجمعةَ هناك فصلاها فيه ، وكانت أول جمعة صلاها في المدينة (وهذا المسجد قد نال من رعاية خادم الحرمين الملك فهد ووسع وبني بناية جديدة جعله الله في صحائف أعماله)، ثم دعا صلى الله عليه وسلم براحلته يوم الجمعة وحشد المسلمون ولبسوا السلاح إظهاراً للعزة والدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فركب صلى الله عليه وسلم والناس عن يمينه وعن شماله وعن خلفه ، منهم الماشي والراكب ، فاعترضته الأنصار، فما يمر بدار إلا قالوا هلم إلى العز والمنعة والثروة ، فيقول لهم خيرا ، ويدعو لهم ويقول : إنها مأمورة خلوا سبيلها ، ثم تلقاه الناس فخرجوا في الطرقات وصار الرجال والنساء والغلمان يقولون (( الله أكبر جاء رسول الله ،، جاء محمد ،،الله أكبر )) ، (( الله أكبر جاء رسول الله ،، جاء محمد ،،الله أكبر )) ، (( الله أكبر جاء رسول الله ،، جاء محمد ،،الله أكبر )) ،
قَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامَ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ اسْتَشْرَفَهُ النَّاسُ فَقَالُوا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ فَخَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ فَكَانَ أَوَّلُ مَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصِلُوا الأرْحَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ *الدارمي(1460 ).
قال أنس إني أسعى مع الغلمان إذ قالوا جاء محمد حتى أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراء ينه يقلن أيهم هو ؟ فما رأينا منظراً شبيهاً به يومئذ.
وفرح أهل المدينة بقدومه ، عليه الصلاة والسلام ،و أشرقت بحلوله فيها وسرى السرور إلى القلوب ، قَالَ أَنَسٌ فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ أَنْوَرَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْ يَوْمِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ الْمَدِينَةَ رواه البخاري وصعدت ذوات الخدور على، السطوح عند قدومه ، صلى الله عليه وسلم يقلن :
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا مادعا لله داع
أيها المبعوث فينا جثت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع
وعن أنس : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، لعبت الحبشة بحرابهم فرحا بقدومه ، وكان من عادة أهل الحبشة المقيمين بجزيرة العرب أن يمثلوا حركات حربية بالدرق والسيوف والحراب في أيام الأعياد ،وأوقات الصفاء ، ويسمون ذلك ألعاب الحبشة ، وهي تمثيل الحركات الحربية ، ففعلوا ذلك يوم قدومه صلى الله عليه وسلم فرحا وسرورا . وجب الشكر علينا مادعا لله داع
أيها المبعوث فينا جثت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع
ولما تنازع القوم عليه صلى الله عليه وسلم ، على أيهم ينزل عنده ، وكلٌ منهم لعل أن يكون دارُه له المنزل ، فقال صلى الله عليه وسلم : دعوا الناقة فإنها مأمورة قال : فبركت عند موضع المنبر من المسجد، فنزل عنها صلى الله عليه وسلم ، فقال أي الدور أقرب ، فأتاه أبو أيوب فقال : منزلي أقرب المنازل ، أتأذن لي أن انقل رحلك ؟ قال صلى الله عليه وسلم : نعم ، فنقل رحله وأناخ الناقة في منزله ، فسأل صلى الله عليه وسلم عن المِرْبَد( المكان الذي يجفف فيه التمر ) فقال معاذ : هو ليتيمين لي وسأرضيهما فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم خرج جوار من بني النجار يضربن بالدف ويقلن :
نحن جوار من بني النجارِ يا حبذا محمد من جارِ
فقال لهن النبي صلى الله عليه وسلم : أتحببنني ؟ قلن : نعم يا رسول الله ، فقال : والله وأنا أحبكن ، قالها ثلاثة ، وعن أبي أيوب الأنصاري : لما نزل علي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في بيتي نزل في السُفْل ، وأنا وأم أيوب في العلو فقلت : يا نبي الله ، بأبي أنت وأمي ، إني أكره وأُعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي ، فاظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن في السفل . فقال : يا أبا أيوب ، إن الأرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في السفل من البيت . قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في سفله وكنا فوقه في المسكن فلقد انكسر إناء لنا فيه ماء ، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ، ما لنا لحاف غيرُها ، ننشف بها الماء ، تخوفا من أن يقطر على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه ، وما زال أبا أيوب يتضرع للنبي عليه الصلاة والسلام حتى تحول للعلو وأبو أيوب في السفل ، قال أبو أيوب وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة قال زيد فلقد كنا في بني مالك ما من ليلة إلا على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم منا الثلاثة والأربعة يحملون الطعام للنبي صلى الله عليه وسلم وقد أقام عليه الصلاة والسلام ، بهذه الدار سبعة أشهر . عباد الله: وبعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة لحق به آل بيته و من بقي بمكة من المسلمين ، فمنهم أمير المؤمنين على بن أبي طالب ، مكث في مكة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام في رد الودائع ، فلما أتم مهمته التي كلّفه بها النبي صلى الله عليه وسلم ، هاجر وحده إلى المدينة ، وكان يسير بالليل ويختفي بالنهار في مغارات الجبال ، خوفا من لحاق المشركين به ، حتى وصل إلى قباء ، ففرح بمقدمه النبي صلى الله عليه وسلم ، ورآه يشكو ألما شديدا بقدميه مما عاناه في ذلك السفر الطويل ماشيا حتى تثقبت قدماه ، فمسهما النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له فشفاه الله ، وما اشتكاهما بعد ذلك اليوم قط .
وممن لحق به صلى الله عليه وسلم ابنته زينب خرجت تريد الهجرة إلى المدينة ، فخرج كفار قريش في طلبها ، فأدركها هبار ابن الأسود ، فلم يزل يطعن بعيرها برمحه، حتى صرعها ، وكانت رضي الله عنها حاملا فألقت مافي بطنها ، ولم تزل تشكو المرض من تلك الدفعة حتى ماتت من ذلك الوجع ، فكانوا يرون أنها شهيدة رضي الله عنها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هي خير بناتي أصيبت فيّ ).انظر در السحابة في مناقب القرابة والصحابة ص : 280
وممن لحق به أم المؤمنين عائشة ، وأخوها عبد الله ، وأختها أسماء ، حيث بعث النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة ليأتوا بهم ولما وصلوا إلى قباء وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق حاملا فأجاها المخاض في قباء ، قالت كنت حاملا بِعَبْدِاللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَنَزَلْتُ قُبَاءً فَوَلَدْتُ بِقُبَاءٍ ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ حَنَّكَهُ بِالتَّمْرَةِ ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَّكَ عَلَيْهِ وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا لِأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ إِنَّ الْيَهُودَ قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلَا يُولَدُ لَكُمْ *رواه البخاري (5469) .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (( وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مرا غما كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً))
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة سيدِ أنبيائه وأحبابه أقول قولي هذا واستغفروا الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
**********
الحمد لله رب العالمين ،وأشهد ألا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله إمام الأنبياء والمرسلين ، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .أما بعد فيا عباد الله اتقوا لله وخذوا العظات و العبر من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلها دروس عظيمة ، وعبر كريمة ، ومعينها لا ينضب ، نسأل الله عزّ وجل أن يرزقنا حبه وحب كتابه وحب حبيبه وسنته والاقتداء به صلى الله عليه وسلم .