الحمد لله رب العالمين ، حمى هذا الدين برسوله الأمين ، وجعل من بعده الخلفاء الراشدين ،أبر الأمة قلوبا بعد رسولها ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ ) أحمد (3589 ) ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله ، أشرف بني آدم نسبا ، وأرفعهم عند الله مقاما ، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، ما تعاقب الليل والنهار .
أما بعد فيا عباد الله : اتقوا الله الذي لا تخفى عليه خافية ،ولتكن التقوى لباسكم .هذا وقد كنت حدثتكم في الخطبة الماضية ، عن أحداث إسلام سيدنا أبو بكر الصديق ، وفي يومنا هذا أتمم لكم الحديث عن الصديق ..
أسلم " أبو بكر " الرجل الذي اصطفاه الله ليكون لرسوله الصديق ، وثاني اثنين وغدا يكون الخليفة ...أسلم الرجل الذي وإن لم يكن نبيا، فإنه سيكمل دور النبي ..
وفي زيارته التالية لرسو ل الله لم يكن وحده ،بل كان معه وفي صحبته خمسة من أشرف قريش ، أقنعهم أبو بكر بالإسلام فجاء ويبايعون الرسول ، أولئك هم :
عثمان بن عفان ، والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ،وسعد بن أبي وقاص ، و طلحة بن عبيد الله .. أجل هؤلاء الخمسة الأعلام مرة واحدة ، وكانت هذه أولى بركات أبي بكر .. فعما قليل تنمو صفوف المقبلين على الإسلام ... وسيقبل الناس بعضهم على بعض قائلين : " محمد " و " أبو بكر " ؟!!..والله لا يجتمع مثلهما على ضلالة أبدا ..
ومهمة أبو بكر تتلخص في أن يجعل من حياته كلها درعا يحمى به الدعوة والداعي ..الدين والرسول ..وحين يوفق في مهمته هذه ، فتلك عند هي الحظوظ الوافية التي يرجوها ، وينتشي حبورا بها ، ويحس كلما تزيدت أهوالها وأخطارها ، أنه أعظم أهل الأرض حظا ، وأوفاهم سعادة وغنما ..؟!
أيها المؤمنون : إن إيمان الصديق إيمان فريد من نوعه ، إذن : فمن أي طراز كان إيمانه ؟؟
إن مواقفه العظيمة في الإسلام تشهد برسوخه في إيمانه ، بل إن إيمانه يعدل إيمان الأمة ، كما وردت بذلك الأحاديث ، ومن مواقفه العظيمة ،،، يوم " بدر " وقد جاءت قريش بحدها وحديدها وصناديدها، وكبريائها وبأسها ، ونزلت عند العُدوة القصوى من الوادي .وخرج المسلمون مع رسول الله وعِدَّتهم يومئذ ثلثمائة ، لا يملكون من سلاح المقاومة إلا نَزْرا يسيرا .. والتقى الجمعان ، وتتلظى أرض المعركة فجأة ..ورسول الله جالس في عريشه ، حيث توسل إليه أصحابه ألا يغادر خيمته مهما تدور رحى الحرب ، وأبو بكر معه ..بَصُر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعركة المحتدمة الحافلة ، ورأى أصحابه وهم قليلون ، يكادون يذوبون وسط الخضم الوثني المجنون ..! وكلما رأى شهيدا يسقط ، طار معه قلبه حنانا وأسىً ..وبلغ القتال ذروته الفاصلة ، ولم يعد يسمع إلا صليل سيوف متوهجة تعزف لحن الموت والدم ، وأحس الرسول صلى الله عليه وسلم ، أن كل مقدرات الدين قد صارت في الكفة المرجوحة ، لا الكفة الراجحة وخرج من خيمته باسطا إلى السماء ذراعيه ، مثل شراعي سفينة دهمها موج عنيد عتيد ..!!وراح يناجي ربه في ابتهالات عالية :" اللهم إن تَهْلِك هذه العصابة من أهل الإسلام ، فلن تُعبد في الأرض .." ، " اللهم أنجز لي ما وعدتني .." وتوالت ابتهالاته ..وبحت نبراته ..وفاضت عبراته ، وسقط رداؤه من فوق منكبه ...
وهنا ..اقترب أبو بكر في هدؤ ، فرفع رداء الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأعاده إلى مكانه فوق المنكبين اللتين كانتا آنئذ تحملان أعظم أعباء الحياة ..وفي كلمات متوسلة ، قال أبو بكر : " يا رسول الله ، كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك " ..
عباد الله : لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم في شك من نصر الله القريب .. فقبيل المعركة قال لأصحابه : " إن الله وعدني النصر " ، وقال لهم : " إني أرى مصارع القوم " !!!
ولكن مسؤلية المباشرة عن أصحابه وعن الدين الذي يواجه أول معركة مع خصومه ، عكست على مشاعره حماس المعركة وقلقها ..
أيها المؤمنون : ومن شاء أن يرى إيمان أبي بكر في أحفل ساعاته ..من شاء أن يرى الإيمان العُلْوىَّ الموصولَ بقيُّوم السموات والأرض ..فلْيَرى هذا الإيمان يوم دعي الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، فأجاب داعي الله إلى الدار الآخرة ، والقرب من الرحمن ، وسكنى أعلى الجنان .
يومَ تلفَّت المسلمون فجأة ، فلم يروا بينهم " الحبيب المصطفى " و " الأب الرحيم " الذي كان يمل جوانحهم حنانا ، و" النور " الذي كان يملأ وجودهم ضياء ..يومئذ تكشَّف جوهر الإيمان ..
إيمان رجل صِدِّيق ، أعطى الله موثقه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا " انتقل رسول الله " بالموت ، فإن هذا الإيمان لا يضعف ،بل يتفوَّق ، ولا يجزع ، بل يَحْتَشِد ويتجمع ..ولايَنُوء "يثقل كاهله " تحت وقع الضربة ، بل ينهض أيِّداً صامدا رشيداً ثابتا ، ليحمل مسؤلياته وتبعاته ..!!
وهكذا وقف " أبو بكر " أو بتعبير أدق ، وقف إيمان أبي بكر يوم وفاة الرسول وقفة ما كان يقدر عليها سواه ..!!
يومئذ ، وبعد أن صلى أبو بكر بالمسلمين ، عاد الرسول في حجرته واستأذن أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يغيب عنه بعض الوقت ، وذهب أبو بكر إلى داره بالعالية في أقصى المدينة ..ومضى وقت ليس بالطويل قضى فيه بعض حاجات أهله ..وإذا هو يتـهـيـأ للعودة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا الناعي يقطع الأرض إليه وثبا، ويلقى عليه النبأ الذي تخر له الجبال هدا ..
حمد واسترجع ، واختلطت دموعه الهاطلة بكلماته وهو يقول : " إنا لله وإنا إليه راجعون " ..
وسار نحو بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رابط الجأش ، قوي الجَلَد ، ولم يكد يقترب من المسجد حتى رأى الفاجعة الكبرى ..
لقد فقد المسلمين صوابهم ...!! حتى ابن الخطاب القوىَّ الراسخ ، وقف بين الناس شاهرا سيفه صائحا: " إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله مات ، وإنه ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران "
" والله ليرجعن رسول الله ، فليقطعن أيدي رجال زعموا أنه مات " ، " ألا لا أسمع أحد يقول إن رسول الله مات ، إلا فلقتُ هامته بسيفي هذا " ..!!تلك كانت حال عمر ، فكيف كان حال سواه ..؟؟
لقد كان موت رسول الله فاجعة عظيمة للمسلمين ، على الرغم من سابق مرضه صلى الله عليه وسلم .كأنهم ما تصورا أبدا أن يقال لهم ذات يوم : مات الرسول ..!!فلما أنفذ الله أمره ، واختار لجواره رسولَه ، وكتب على الناس أن يسمعوا في لجج من الهول والأسى كلمة الموت مقترنة بكلمة الرسول ، طار منهم صوابهم ..
ولقد كان أبو بكر أحقَّ الناس بأكبر قدرٍ من الأسى والذهول والكمد على حبيبه ..فهو " صَدِيق " العمر لمحمد منذ طفولة الحياة وشبابها ، وهو " صِدِّيقُه " منذ أول أيام الوحي والدين .. وهو قد أحبه حبا ، وآخاه مؤاخاةً تجعل الصبر على فراقه فوق طاقات البشر، لكن أبا بكر كان يبدوا كأنه لا تحركه طاقات بشرية ، بل حركته إمدادات إلهية ، فتنزلت على قلبه سكينة عظيمة ، كما تنزلت عليه يوم الغار السكينة .
ولْندع شاهد عيان يصف لنا ثبات أبي بكر عند الصدمة الأولى : " أقبل أبو بكر ، يكلم الناس ، فلم يلتفت إلى شىء ، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مسجًّى في ناجية البيت ، عليه بُردُ حَبَرة ، فكشف عن وجهه ، ثم قبله وقال :" بأبي أنت وأمي ، طبت حيا وميتا إن الموتة التي كتبها الله عليك قد مِتَّها ،
" ثم خرج ، وعمر يكلم الناس فدعاه للسكوت ، فأبى عمر إلا أن يسترسل في قوله ، " فلما رآه أبو بكر لا ينصت ، أقبل على الناس يكلمهم ، فلما سمعوه أقبلوا عليه منصتين ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " أيها الناس : من كان يعبد محمداً ، فإن محمداً قد مات ،" ومن كان يعبد الله ، فإن الله حي لايموت " ثم تلا قول الله تعالى : } وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين { آل عمران (144).فوالله لكأن الناس يسمعون هذه الآية لأول مرة ، " أما عمر فقد وقع على الأرض ، حين علم من كلمات أبي بكر أنه الموت حقاً "..!
أفي هذه اللحظات الذاهلة ، والفاجعة المزلزلة يكون مثل هذا الثبات ..؟ " من كان يعبد محمد اً ، فإن محمداً قد مات "ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت "....؟
إنها كلمات توصى بالصبر ، وتمنح العزاء لمن حضروا ذلك اليوم ، وللأمة كلِّها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصَابَهُ بِي فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ ) الدارمي ( 85 ) .
ولقد أحسن أبو العتاهية رحمه الله في نظمه موافقا لهذا الحديث حيث يقول :
اصبِر لكلِّ مصيبةٍ وتجلَّد *واعلم بأنَّ المرءَ غيرُ مخلدِ
أَوَ ما ترى أنَّ المصائبَ جمةٌ*وترى المنييةَ للعبادِ بمرصدِ
من لم يُصَبْ ممن ترى بمصيبةٍ *هذا سبيلٌ لستَ عنه بأوحدِ
فإذا ذكرت محمداً ومصابَه * فاجعلْ مصابَك بالنبيِّ محمدِ
أقول قولي هذا ،،،،،،
الحمد لله رب العالمين ، حمد في الكتاب نفسه ، واستفتح بالحمد كتابه ، ورضي بالحمد من عباده دليلا على شكره ، فلك الحمد يا ربنا حتى ترضى ، ولك الحمد بعد الرضى ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته إلى يوم الدين .
أما بعد أيها المؤمنون : لقد عشنا لحظات مع أبي بكر وإيمانه بالله ، فلنتخذ من هذا الإيمان قبسا ، ولنستفد من مناقبه دروسا في حب الله ورسوله وكيف يكون هذا الحب والإيمان ، و دروسا في التقوى ، ودروسا في الصبر ، ودروسا في الثبات ،ودروسا في الحلم والأناة ،ودروسا في الزهد والورع وترك الحرام والبعد عن الشبهات ، ودروسا الاهتمام بأمر المسلمين ، وخدمة الدين وتعليمه للناس ، وليكن الفرد منا مقتديا بالصحابة الكرام قدر وسعه وطاقته ، الذين قال الله في حقهم : } مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىَ عَلَىَ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ مِنْهُم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً { الفتح : 29 .
وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( إِنِّي لَا أَدْرِي مَا بَقَائِي فِيكُمْ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) الترمذي (3663 ).
أما بعد فيا عباد الله : اتقوا الله الذي لا تخفى عليه خافية ،ولتكن التقوى لباسكم .هذا وقد كنت حدثتكم في الخطبة الماضية ، عن أحداث إسلام سيدنا أبو بكر الصديق ، وفي يومنا هذا أتمم لكم الحديث عن الصديق ..
أسلم " أبو بكر " الرجل الذي اصطفاه الله ليكون لرسوله الصديق ، وثاني اثنين وغدا يكون الخليفة ...أسلم الرجل الذي وإن لم يكن نبيا، فإنه سيكمل دور النبي ..
وفي زيارته التالية لرسو ل الله لم يكن وحده ،بل كان معه وفي صحبته خمسة من أشرف قريش ، أقنعهم أبو بكر بالإسلام فجاء ويبايعون الرسول ، أولئك هم :
عثمان بن عفان ، والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ،وسعد بن أبي وقاص ، و طلحة بن عبيد الله .. أجل هؤلاء الخمسة الأعلام مرة واحدة ، وكانت هذه أولى بركات أبي بكر .. فعما قليل تنمو صفوف المقبلين على الإسلام ... وسيقبل الناس بعضهم على بعض قائلين : " محمد " و " أبو بكر " ؟!!..والله لا يجتمع مثلهما على ضلالة أبدا ..
ومهمة أبو بكر تتلخص في أن يجعل من حياته كلها درعا يحمى به الدعوة والداعي ..الدين والرسول ..وحين يوفق في مهمته هذه ، فتلك عند هي الحظوظ الوافية التي يرجوها ، وينتشي حبورا بها ، ويحس كلما تزيدت أهوالها وأخطارها ، أنه أعظم أهل الأرض حظا ، وأوفاهم سعادة وغنما ..؟!
أيها المؤمنون : إن إيمان الصديق إيمان فريد من نوعه ، إذن : فمن أي طراز كان إيمانه ؟؟
إن مواقفه العظيمة في الإسلام تشهد برسوخه في إيمانه ، بل إن إيمانه يعدل إيمان الأمة ، كما وردت بذلك الأحاديث ، ومن مواقفه العظيمة ،،، يوم " بدر " وقد جاءت قريش بحدها وحديدها وصناديدها، وكبريائها وبأسها ، ونزلت عند العُدوة القصوى من الوادي .وخرج المسلمون مع رسول الله وعِدَّتهم يومئذ ثلثمائة ، لا يملكون من سلاح المقاومة إلا نَزْرا يسيرا .. والتقى الجمعان ، وتتلظى أرض المعركة فجأة ..ورسول الله جالس في عريشه ، حيث توسل إليه أصحابه ألا يغادر خيمته مهما تدور رحى الحرب ، وأبو بكر معه ..بَصُر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعركة المحتدمة الحافلة ، ورأى أصحابه وهم قليلون ، يكادون يذوبون وسط الخضم الوثني المجنون ..! وكلما رأى شهيدا يسقط ، طار معه قلبه حنانا وأسىً ..وبلغ القتال ذروته الفاصلة ، ولم يعد يسمع إلا صليل سيوف متوهجة تعزف لحن الموت والدم ، وأحس الرسول صلى الله عليه وسلم ، أن كل مقدرات الدين قد صارت في الكفة المرجوحة ، لا الكفة الراجحة وخرج من خيمته باسطا إلى السماء ذراعيه ، مثل شراعي سفينة دهمها موج عنيد عتيد ..!!وراح يناجي ربه في ابتهالات عالية :" اللهم إن تَهْلِك هذه العصابة من أهل الإسلام ، فلن تُعبد في الأرض .." ، " اللهم أنجز لي ما وعدتني .." وتوالت ابتهالاته ..وبحت نبراته ..وفاضت عبراته ، وسقط رداؤه من فوق منكبه ...
وهنا ..اقترب أبو بكر في هدؤ ، فرفع رداء الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأعاده إلى مكانه فوق المنكبين اللتين كانتا آنئذ تحملان أعظم أعباء الحياة ..وفي كلمات متوسلة ، قال أبو بكر : " يا رسول الله ، كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك " ..
عباد الله : لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم في شك من نصر الله القريب .. فقبيل المعركة قال لأصحابه : " إن الله وعدني النصر " ، وقال لهم : " إني أرى مصارع القوم " !!!
ولكن مسؤلية المباشرة عن أصحابه وعن الدين الذي يواجه أول معركة مع خصومه ، عكست على مشاعره حماس المعركة وقلقها ..
أيها المؤمنون : ومن شاء أن يرى إيمان أبي بكر في أحفل ساعاته ..من شاء أن يرى الإيمان العُلْوىَّ الموصولَ بقيُّوم السموات والأرض ..فلْيَرى هذا الإيمان يوم دعي الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، فأجاب داعي الله إلى الدار الآخرة ، والقرب من الرحمن ، وسكنى أعلى الجنان .
يومَ تلفَّت المسلمون فجأة ، فلم يروا بينهم " الحبيب المصطفى " و " الأب الرحيم " الذي كان يمل جوانحهم حنانا ، و" النور " الذي كان يملأ وجودهم ضياء ..يومئذ تكشَّف جوهر الإيمان ..
إيمان رجل صِدِّيق ، أعطى الله موثقه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا " انتقل رسول الله " بالموت ، فإن هذا الإيمان لا يضعف ،بل يتفوَّق ، ولا يجزع ، بل يَحْتَشِد ويتجمع ..ولايَنُوء "يثقل كاهله " تحت وقع الضربة ، بل ينهض أيِّداً صامدا رشيداً ثابتا ، ليحمل مسؤلياته وتبعاته ..!!
وهكذا وقف " أبو بكر " أو بتعبير أدق ، وقف إيمان أبي بكر يوم وفاة الرسول وقفة ما كان يقدر عليها سواه ..!!
يومئذ ، وبعد أن صلى أبو بكر بالمسلمين ، عاد الرسول في حجرته واستأذن أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يغيب عنه بعض الوقت ، وذهب أبو بكر إلى داره بالعالية في أقصى المدينة ..ومضى وقت ليس بالطويل قضى فيه بعض حاجات أهله ..وإذا هو يتـهـيـأ للعودة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا الناعي يقطع الأرض إليه وثبا، ويلقى عليه النبأ الذي تخر له الجبال هدا ..
حمد واسترجع ، واختلطت دموعه الهاطلة بكلماته وهو يقول : " إنا لله وإنا إليه راجعون " ..
وسار نحو بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رابط الجأش ، قوي الجَلَد ، ولم يكد يقترب من المسجد حتى رأى الفاجعة الكبرى ..
لقد فقد المسلمين صوابهم ...!! حتى ابن الخطاب القوىَّ الراسخ ، وقف بين الناس شاهرا سيفه صائحا: " إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله مات ، وإنه ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران "
" والله ليرجعن رسول الله ، فليقطعن أيدي رجال زعموا أنه مات " ، " ألا لا أسمع أحد يقول إن رسول الله مات ، إلا فلقتُ هامته بسيفي هذا " ..!!تلك كانت حال عمر ، فكيف كان حال سواه ..؟؟
لقد كان موت رسول الله فاجعة عظيمة للمسلمين ، على الرغم من سابق مرضه صلى الله عليه وسلم .كأنهم ما تصورا أبدا أن يقال لهم ذات يوم : مات الرسول ..!!فلما أنفذ الله أمره ، واختار لجواره رسولَه ، وكتب على الناس أن يسمعوا في لجج من الهول والأسى كلمة الموت مقترنة بكلمة الرسول ، طار منهم صوابهم ..
ولقد كان أبو بكر أحقَّ الناس بأكبر قدرٍ من الأسى والذهول والكمد على حبيبه ..فهو " صَدِيق " العمر لمحمد منذ طفولة الحياة وشبابها ، وهو " صِدِّيقُه " منذ أول أيام الوحي والدين .. وهو قد أحبه حبا ، وآخاه مؤاخاةً تجعل الصبر على فراقه فوق طاقات البشر، لكن أبا بكر كان يبدوا كأنه لا تحركه طاقات بشرية ، بل حركته إمدادات إلهية ، فتنزلت على قلبه سكينة عظيمة ، كما تنزلت عليه يوم الغار السكينة .
ولْندع شاهد عيان يصف لنا ثبات أبي بكر عند الصدمة الأولى : " أقبل أبو بكر ، يكلم الناس ، فلم يلتفت إلى شىء ، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مسجًّى في ناجية البيت ، عليه بُردُ حَبَرة ، فكشف عن وجهه ، ثم قبله وقال :" بأبي أنت وأمي ، طبت حيا وميتا إن الموتة التي كتبها الله عليك قد مِتَّها ،
" ثم خرج ، وعمر يكلم الناس فدعاه للسكوت ، فأبى عمر إلا أن يسترسل في قوله ، " فلما رآه أبو بكر لا ينصت ، أقبل على الناس يكلمهم ، فلما سمعوه أقبلوا عليه منصتين ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " أيها الناس : من كان يعبد محمداً ، فإن محمداً قد مات ،" ومن كان يعبد الله ، فإن الله حي لايموت " ثم تلا قول الله تعالى : } وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين { آل عمران (144).فوالله لكأن الناس يسمعون هذه الآية لأول مرة ، " أما عمر فقد وقع على الأرض ، حين علم من كلمات أبي بكر أنه الموت حقاً "..!
أفي هذه اللحظات الذاهلة ، والفاجعة المزلزلة يكون مثل هذا الثبات ..؟ " من كان يعبد محمد اً ، فإن محمداً قد مات "ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت "....؟
إنها كلمات توصى بالصبر ، وتمنح العزاء لمن حضروا ذلك اليوم ، وللأمة كلِّها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصَابَهُ بِي فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ ) الدارمي ( 85 ) .
ولقد أحسن أبو العتاهية رحمه الله في نظمه موافقا لهذا الحديث حيث يقول :
اصبِر لكلِّ مصيبةٍ وتجلَّد *واعلم بأنَّ المرءَ غيرُ مخلدِ
أَوَ ما ترى أنَّ المصائبَ جمةٌ*وترى المنييةَ للعبادِ بمرصدِ
من لم يُصَبْ ممن ترى بمصيبةٍ *هذا سبيلٌ لستَ عنه بأوحدِ
فإذا ذكرت محمداً ومصابَه * فاجعلْ مصابَك بالنبيِّ محمدِ
أقول قولي هذا ،،،،،،
الحمد لله رب العالمين ، حمد في الكتاب نفسه ، واستفتح بالحمد كتابه ، ورضي بالحمد من عباده دليلا على شكره ، فلك الحمد يا ربنا حتى ترضى ، ولك الحمد بعد الرضى ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته إلى يوم الدين .
أما بعد أيها المؤمنون : لقد عشنا لحظات مع أبي بكر وإيمانه بالله ، فلنتخذ من هذا الإيمان قبسا ، ولنستفد من مناقبه دروسا في حب الله ورسوله وكيف يكون هذا الحب والإيمان ، و دروسا في التقوى ، ودروسا في الصبر ، ودروسا في الثبات ،ودروسا في الحلم والأناة ،ودروسا في الزهد والورع وترك الحرام والبعد عن الشبهات ، ودروسا الاهتمام بأمر المسلمين ، وخدمة الدين وتعليمه للناس ، وليكن الفرد منا مقتديا بالصحابة الكرام قدر وسعه وطاقته ، الذين قال الله في حقهم : } مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىَ عَلَىَ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ مِنْهُم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً { الفتح : 29 .
وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( إِنِّي لَا أَدْرِي مَا بَقَائِي فِيكُمْ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) الترمذي (3663 ).
جمع وترتيب طالب العلم ببلد الله الحرام
أسامة بن سعيد العنقاوي الشريف
الجمعة، 05 شعبان، 1418
أسامة بن سعيد العنقاوي الشريف
الجمعة، 05 شعبان، 1418