الحمد لله رب العالمين ، أحمده حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله ، إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة ، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ومولانا محمد وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار ، ما تعاقب الليل والنهار .
أما بعد فيا عباد الله فقد قص الله سبحانه وتعالى على رسوله في كتابه الكريم قصص النبيين عليهم السلام ، وذلك شدا لعزمه صلى الله عليه وسلم ، وتثبيتا لفؤاده الكريم صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ((تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)) هود (49) ، وقال تعالى ((وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ )) هود (120) ، وقال تعالى ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) يوسف (111) ، وقال تعالى ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)) إبراهيم (5) ، وقال تعالى ((كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ ءَاتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا )) طه (99) ، وقال تعالى ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ)) الشعراء (69) ، وقال سبحانه ((نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )) القصص (3) .
وإنه ليحسن بالمسلمين التذكر والافتخار بأيامهم المجيدة لا سيما ما يتعلق بعقيدتهم ودينهم ، ومن أيام الله المجيدة ميلاد سيد رسل الله صلى الله عليه وسلم في الثاني عشر من ربيع الأول ، وابتعاثه يوم الإثنين ، لثمان مضت من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل ، وجاءه جبريل عليه السلام ، يأمره بالهجرة ، في الثاني من ربيع الأول ، وكان دخوله المدينة مهاجرا ، يوم الجمعة لاثنتي عشر من ربيع الأول ، وتوفي يوم الاثنين ، لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة ، فهذه أيام الله لا تعظم لذاتها وإنما تعظم الوقائع التي حدثت فيها ، وفي ذلك تذكيرا للمؤمنين وتثبيتا لقلوبهم ، وداعوة لهم على التمسك بكتاب ربهم ، وسنة نبيهم ، والصبر على إقامة شعائر الدين ، والتأدب بآدابه ، فإن البيئة الإسلامية المعاصرة ، تشكوا، من تفتح شبابها ، ونسائها ، على ما لم يكن من قبل ، ولا أظن ذلك حدث لهم ، إلا بالبعد عن تعاليم الإسلام ، ولو رجع الشباب ، والنساء ، إلى سيرة رسول الله ، وسيرة أنبياء الله ، وسيرة أصحاب رسول الله ، لأغناهم ذلك عن تتبع كل ناعق من الشرق أو الغرب .
عباد الله : في يومنا هذا يطيب لي أن أطيب أسماعكم بشيء يسير من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو سيد ولد آدم ، أبو القاسم محمد ، وأحمد ، والماحي الذي يمحى به الكفر ، والحاشر الذي يُحْشَرُ الناس ( أي أن الناس يحشرون على أثره وزمتن نبوته )، والعاقب الذي ليس بعده نبي ، والمقفي ( أي الذي قفا من قبله من الرسل وجاء بعدهم فهو خاتمهم وآخرهم ) ، ونبي الرحمة ( أي الذي أرسله الله رحمة للعالمين ) ونبي التوبة ( أي النبي الذي فتح الله به باب التوبة على أهل الأرض ) ، ونبي الملحمة ( أي الذي بعث بجهاد أعداء الله ) ، بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان . صلى الله عليه وسلم .
وأمه صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة .
ولد صلى الله عليه وسلم بمكة في شهر ربيع الأول يوم الإثنين عام الفيل . وإن أمه آمنة حين وضعته خرج منها نور أضات له قصور بُصرى ، ومات أبوه وهو حمل ، واسترضع له في بني سعد فأرضعته حليمة السعدية ، وأقام عندها في بني سعد نحوا من أربع سنين ، وشق عن فؤاده هناك فردته إلى أمه ، فخرجت به أمه إلى المدينة تزور أخواله بالمدينة فتوفيت بالأبواء وهي راجعة إلى مكة ، وله من العمر ست سنين . فلما ماتت أمه حضنته أم أيمن وهي مولاته ورثها من أبيه ، وكفله جده عبد المطلب فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من العمر ثماني سنين توفي جده ، وأوصى به إلى عمه أبى طالب لأنه كان شقيق عبدالله ، فكفله وحاطه أتم حياطة ، ونصره حين بعثه الله أعز نصر ، وخرج به عمه إلى الشام في تجارة وهو ابن ثنتي عشرة سنة ، وذلك من تمام لطفه به لعدم من يقوم به إذا تركه بمكة ، فرأى هو وأصحابه ممن خرج معه إلى الشام من الآيات فيه صلى الله عليه وسلم ، ما زاد عمه في الوصاة والحرص عليه ، كما رواه الترمذي في جامعه بإسناد رجاله كلُّهم ثقات ، من تظليل الغمامة له ، وميل الشجرة بظلها عليه ، وتبشير بحيرا الراهب به ، وأمره لعمه بالرجوع به لئلا يراه اليهود فيرمونه سوءا .
ثم خرج ثانيا إلى الشام في تجارة لخديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها مع غلامها ميسرة على سبيل القراض ، فرأى ميسرة ما بهره من شأنه ، فرجع فأخبر سيدته بما رأى ، فرغبت إليه أن يتزوجها ، لما رجت في ذلك من الخير الذي جمعه الله لها ، وفوق ما يخطر ببال بشر ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وله خمس وعشرون سنة .
وكان الله سبحانه قد صانه وحماه من صغره ، وطهره من دنس الجاهلية ومن كل عيب ، ومنحه كل خلق جميل حتى لم يعرف بين قومه إلا بالأمين ، لما شاهدوا من طهارته وصدق حديثه وأمانته ، حتى إنه لما بنت قريش الكعبة في سنة خمس وثلاثين من عمره فوصلوا إلى موضع الحجر الأسود ، اشتجروا فيمن يضع الحجر موضعه ، فقالت كل قبيلة : نحن نضعه ، ثم اتفقوا على أن يضعه أول داخل عليهم ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : جاء الأمين ، فرضوا به ، فأمر بثوب ، فوضع الحجر في وسطه ، وأمر كل قبيلة أن ترفع بجانب من جوانب الثوب ، ثم أخذ الحجر فوضعه موضعه صلى الله عليه وسلم .
ولما أراد الله تعالى رحمه العباد وكرامته بإرساله العالمين ؛ حبب إليه الخلاء ، فكان يتحنث في غار حراء بالذكر ، وصار لا يمر على شجر ولا حجر إلا قال له بلسان فصيح : السلام عليك يا رسول الله . فينظر يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ، فينما هو كذلك إذ فجأه الحق وهو بغار حراء في رمضان ، وله من العمر أربعون سنة ، فجاءه الملك فقال : له اقرأ ، فقال لست بقارئ ، فغته ( أي حبس أنفاسه وضمه وعصره عصرا شديدا ) حتى بلغ منه الجهد ، ثم أرسله فقال له : اقرأ قال لست بقارئ ثلاثا ، ثم قال (( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم )) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره ( وبوادره : هي اللحمة التي بين المنكب والعنق ) ، فأخبر بذلك خديجة رضي الله تعالى عنها ، وقال : قد خشيت على عقلي ، فثبتته ، وقالت : أبشر ، كلا والله لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتَصدُق الحديث ، وتحمل الكل ، وتُكسب المعدوم ، وتَقرى الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، في أوصاف أخر جميلة عددتها من أخلاقه صلى الله عليه وسلم ، وتصديقا منها له وتثبيتا وإعانة على الحق فهي ، أول صدِّيق له رضي الله تعالى عنها وأكرمها، ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يمكث لا يرى شيئا ، وفتر عنه الوحي ، فاغتم لذلك وذهب مرارا ليتردى من رؤوس الجبال ، وذلك من شوقه إلى ما رأى أول مرة ، من حلاوة ما شاهده من وحي الله إليه ، ثم تبدى له الملك بين السماء والأرض على كرسي ، وثبته وبشره بأنه رسول الله حقا ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فَرِق منه ، وذهب إلى خديجة وقال : زملوني . دثروني فأنزل الله عليه (( يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر )) ، وكانت الحالة الأولى حال نبوة وإيحاء ، ثم أمره في هذه الآية أن ينذر قومه ويدعوهم إلى الله ، فشَّمر صلى الله عليه وسلم عن ساق التكليف ، وقام في طاعة الله أتم قيام ، يدعو إلى الله سبحانه الكبير والصغير ، والحر والعبد ، والرجال والنساء ، والأسود والأحمر ، فاستجاب له عباد الله من كل قبيلة .
وكان حائز سبقهم من الرجال أبو بكر رضي الله عنه ، عبد الله بن عثمان التيمي ، وآزره في دين الله ، ودعا معه إلى الله على بصيرة ، فاستجاب لأبي بكر عثمان بن عفان ، وطلحة ، وسعد بم أبي وقاص . وأما علي فأسلم صغيرا ، ابن ثماني سنين ، ومن النساء أم المؤمنين خديجة . وأسلم القس ورقةُ بن نوفل فصدق بما وجد من وحي الله ، وتمنى أن لو كان جذعا أي شابا .
ودخل من شرح الله صدره للإسلام على نور وبصيرة ومعاينة ، فأخذهم سفهاء مكة بالأذى والعقوبة ، وصان الله رسوله وحماه بعمه أبي طالب ، لأنه كان شريفاً مطاعاً فيهم ، نبيلاً بينهم ، لا يتجاسرون على مفاجأته بشيء في أمر محمد صلى الله عليه وسلم لما يعلمون من محبته له ، هذا ورسول الله يدعو إلى الله ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً لا يصده عن ذلك صاد ولا يرده عنه راد ، ولا يأخذه في الله لومة لائم .
ولما اشتد أذى المشركين على من آمن وفتنوا جماعة إنهم كانوا يحبسونهم ) ، ويلقونهم في الحر ويضعون الصخرة العظيمة على صدر أحدهم في شدة الحر ، حتى إن أحدهم إذا أطلق لا يستطيع أن يجلس من شدة الألم ، فيقولون لأحدهم اللات إلهك من دون الله . فيقول مكرها : نعم ، وحتى إن الجعل ليمر فيقولون : وهذا إلهك من دون الله . فيقول : نعم ، ومر الخبيثُ عدوُّ الله أبو جهل عمرو بن هشام بسُمَّية أمِّ عمَّار هي تُعَذَبُ وزوجُها وابنُها فطعنها بحربة في فرجها فقتلها رضي الله عنها وعن ابنها وزوجها .
وكان الصديق رضي الله تعالى عنه إذا مر بأحد من الموالي يعذب يشتريه من مواليه ويعتقه ، منهم بلال وأمه حمامة ، وعامر بن فهيرة وأم عبس وزِنِّيرة ، والنهدية وابنتُها ، وجارية بني عدي ، كان عمر يعذبها على الإسلام قبل أن يسلم ، حتى قال له أبوه أبو قحافة يا بني : أراك تُعْتِقُ رقابا ضعافا ، فلو أعتقت قوما جُلْدا يمنعونك ، فقال له أبو بكر : إني أريد ما أريد . فيقال إنه نزلت فيه (( وسيجنبها الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى ))
فلما اشتد البلاء أذن الله سبحانه وتعالى في الهجرة إلى أرض الحبشة ، فكان أولَ من خرج فارَّاً بدينه إلى الحبشة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتبعه الناس ، وقيل بل أول من هاجر إلى أرض الحبشة أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نضر بن مالك ، ثم خرج جعفر بن أبي طالب ، وجماعات رضي الله عنهم وأرضاهم ، وكانوا قريبا من ثمانين رجلا .
فانحاز المهاجرون إلى مملكة أصحمة النجاشي ( ومعنى أصحمة بالعربية عطية ) فآواهم وأكرمهم فكانوا عنده آمنين ، فلما علمت قريش بذلك بعثت في إثرهم عبد الله بن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص ، بهدايا وتحف من بلادهم إلى النجاشي ليردهم عليهم ، فأبى ذلك عليهم وتشفعوا إليه بالقواد من جنده ، فلم يجبهم إلى ما طلبوا ، فوشوا إليه إن هؤلاء يقولون في عيسى قولا عظيما ، يقولون : إنه عبد ، فأحضر المسلمون إلى مجلسه ، وزعيمهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال : ما يقول هؤلاء إنكم تقولون في عيسى ؟ فتلا عليه جعفر سورة ((كهيعص )) فلما فرغ أخذ النجاشي عودا من الأرض فقال : ما زاد هذا على ما في التوراة ولا هذا العود ، ثم قال اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي ( وشيوم كلمة حبشية مهنها آمنون ) من سبَّكم غَرِمَ ، وقال لعمرو وعبدالله، لو أعطيتموني دبرا أي جبلا من ذهب ما سلمتهم إليكما ، ثم أمر فردت عليهما هداياهما ، ورجعا مقبوحين بشر خيبة وأسوئها .
ثم أسلم حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة كثيرون وفشا الإسلام ، فلما رأت قريش ذلك ساءها ، وأجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف : ألا يبايعوهم ، ولا يناكحوهم ، ولا يكلموهم ، ولا يجالسوهم حتى يُسْلِموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة ، ويقال إن الذي كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف ، ويقال بل النضر بن الحارث ، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت يده .
وانحاز إلى الشعب بنو هاشم ، وبنو المطلب ، مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهب لعنه الله فإنه ظاهر قريشا ، وبقوا على تلك الحال لا يدخل عليهم أحد نحوا من ثلاث سنين . ثم سعى أبو طالب في نقض الصحيفة ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه أن الله قد أرسل على تلك الصحيفة الأرضة ، فأكلت جميع ما فيها إلا ذكر الله عز وجل ، فكان كذلك ، ثم رجع بنو هاشم وبنو المطلب الى مكة وحصل الصلح برغمٍ من أبي جهل عمرو بن هشام .
واتصل الخبر بالذين هم بالحبشة أن قريشا أسلموا ، فقدم مكة منهم جماعة فوجدوا البلاء والشدة كما كانا ، فاستمروا بمكة إلى أن هاجروا إلى المدينة إلا من حبس من المستضعفين .
فلما نقضت الصحيفة وافق موت خديجة رضي الله عنها ، وموت أبي طالب وكان بينهما ثلاثة أيام ، فاشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفهاء قومه ، واجترؤوا عليه ، فخرج رسول اله صلى الله عليه وسلم الى الطائف لكي يؤوه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم ، ودعاهم إلى الله عزوجل ، فلم يجيبوه إلى شيء من الذي طلب ، وآذوه أذى عظيما لم ينل قومُه منه أكثر مما نالوا منه ، فرجع عنهم ودخل مكة في جوار الُمْطعِم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، وجعل يدعو إلى الله عز وجل ، فأسلم الطفيل بن عمرو الدوسي ، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له آية ، فجعل الله في وجهه نورا ، فقال : يا رسول الله أخشى أن يقولوا هذا مُثْلَةً ، فدعا له فصار النور في سوطه فهو المعروف بذي النور ، ودعا الطفيلُ قومَه إلى الله فأسلم بعضهم وأقام في بلاده فلما فتح الله على رسوله خيبر قدم بهم في نحو من ثمانين بيتا .
وأسرى برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بروحه وجسده من المسجد الحرام إلى بيت المقدس راكبا البراق في صحبة جبريل عليه السلام ، فنزل ثم أم بالأنبياء ببيت المقدس فصلى ثم عرج به تلك الليلة من هناك إلى السماء الدنيا ثم للتي تليها ثم الثالثة ثم إلى التي تليها ثم الخامسة ثم التي تليها ثم السابعة ، ورأى الأنبياء في السموات على منازلهم ، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى ، ورأى عندها جبريل على الصورة التي خلقه الله عليها ، وفرض عليه الصلوات تلك الليلة ، ورأى ربه سبحانه وتعالى .
فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرهم بما أراه الله من آياته الكبرى ، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم ، واستجراؤهم عليه .
وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل أيام الموسم ويقول : من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي ، هذا وعمه أبو لهب لعنه الله وراءه يقول للناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب . فكان أحياء العرب يتحامونه لِمـا يسمعون من قريش عنه : إنه كاذب ، إنه ساحر ، إنه كاهن ، إنه شاعر ، أكاذيب يقذفونه بها من تلقاء أنفسهم ، فيُصغي إليهم من لا تمييز له من الأحياء ، وأما الَألِبَّاءُ فإنهم إذا سمعوا كلامه وتفهموه شهدوا بأن ما يقولُه حق ، وأنهم مفترون عليه فيسلمون .
وكان مما صنع الله لأنصاره من الأوس والخزرج أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة أن نبيا مبعوثٌ في هذا الزمن ، ويتوعدونهم به إذا حاربوهم ، ويقولون : إنا سنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، وكان الأنصار يحجُّون البيتَ ( كما كانت العرب تحجه ) وأما اليهود فلا . فلما رأى الأنصارُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناسَ الى الله تعالى ، ورأوا أمارات الصدق عليه قالوا : والله هذا الذي توعدكم يهود به فلا يسبقُنُّكم إليه .
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عند العقبة في الموسم نفرا من الأنصار ، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ، فأسلموا مبادرة إلى الخير ، ثم رجعوا إلى المدينة فدعوا إلى الإسلام ، ففشا الإسلام فيها حتى لم تبق دار إلا وقد دخلها الإسلام .
فلما كان العام المقبل جاء منهم اثنا عشر رجلا ؛ فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما تمت هذه البيعة ، أذن للمسلمين بعدها من أهل مكة في الهجرة إلى المدينة .
عباد الله : هذه خلاصة موجزة لحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة ، ولعلى إنشاء الله تعالى أخصص خطبة أخرى عن حياته بالمدينة لا حقا . فاتقوا الله عباد الله وسيروا على نهج رسول الله ، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقني وإياكم والمسلمين العمل بكتاب الله وسنة رسول الله وأن يملأ قلوبنا بحب الله وحب رسوله وحب آله وأصحابه إنه على كل شيء قدير ، وبالإجابة جدير .
أما بعد فيا عباد الله فقد قص الله سبحانه وتعالى على رسوله في كتابه الكريم قصص النبيين عليهم السلام ، وذلك شدا لعزمه صلى الله عليه وسلم ، وتثبيتا لفؤاده الكريم صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ((تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)) هود (49) ، وقال تعالى ((وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ )) هود (120) ، وقال تعالى ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) يوسف (111) ، وقال تعالى ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)) إبراهيم (5) ، وقال تعالى ((كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ ءَاتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا )) طه (99) ، وقال تعالى ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ)) الشعراء (69) ، وقال سبحانه ((نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )) القصص (3) .
وإنه ليحسن بالمسلمين التذكر والافتخار بأيامهم المجيدة لا سيما ما يتعلق بعقيدتهم ودينهم ، ومن أيام الله المجيدة ميلاد سيد رسل الله صلى الله عليه وسلم في الثاني عشر من ربيع الأول ، وابتعاثه يوم الإثنين ، لثمان مضت من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل ، وجاءه جبريل عليه السلام ، يأمره بالهجرة ، في الثاني من ربيع الأول ، وكان دخوله المدينة مهاجرا ، يوم الجمعة لاثنتي عشر من ربيع الأول ، وتوفي يوم الاثنين ، لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة ، فهذه أيام الله لا تعظم لذاتها وإنما تعظم الوقائع التي حدثت فيها ، وفي ذلك تذكيرا للمؤمنين وتثبيتا لقلوبهم ، وداعوة لهم على التمسك بكتاب ربهم ، وسنة نبيهم ، والصبر على إقامة شعائر الدين ، والتأدب بآدابه ، فإن البيئة الإسلامية المعاصرة ، تشكوا، من تفتح شبابها ، ونسائها ، على ما لم يكن من قبل ، ولا أظن ذلك حدث لهم ، إلا بالبعد عن تعاليم الإسلام ، ولو رجع الشباب ، والنساء ، إلى سيرة رسول الله ، وسيرة أنبياء الله ، وسيرة أصحاب رسول الله ، لأغناهم ذلك عن تتبع كل ناعق من الشرق أو الغرب .
عباد الله : في يومنا هذا يطيب لي أن أطيب أسماعكم بشيء يسير من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو سيد ولد آدم ، أبو القاسم محمد ، وأحمد ، والماحي الذي يمحى به الكفر ، والحاشر الذي يُحْشَرُ الناس ( أي أن الناس يحشرون على أثره وزمتن نبوته )، والعاقب الذي ليس بعده نبي ، والمقفي ( أي الذي قفا من قبله من الرسل وجاء بعدهم فهو خاتمهم وآخرهم ) ، ونبي الرحمة ( أي الذي أرسله الله رحمة للعالمين ) ونبي التوبة ( أي النبي الذي فتح الله به باب التوبة على أهل الأرض ) ، ونبي الملحمة ( أي الذي بعث بجهاد أعداء الله ) ، بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان . صلى الله عليه وسلم .
وأمه صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة .
ولد صلى الله عليه وسلم بمكة في شهر ربيع الأول يوم الإثنين عام الفيل . وإن أمه آمنة حين وضعته خرج منها نور أضات له قصور بُصرى ، ومات أبوه وهو حمل ، واسترضع له في بني سعد فأرضعته حليمة السعدية ، وأقام عندها في بني سعد نحوا من أربع سنين ، وشق عن فؤاده هناك فردته إلى أمه ، فخرجت به أمه إلى المدينة تزور أخواله بالمدينة فتوفيت بالأبواء وهي راجعة إلى مكة ، وله من العمر ست سنين . فلما ماتت أمه حضنته أم أيمن وهي مولاته ورثها من أبيه ، وكفله جده عبد المطلب فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من العمر ثماني سنين توفي جده ، وأوصى به إلى عمه أبى طالب لأنه كان شقيق عبدالله ، فكفله وحاطه أتم حياطة ، ونصره حين بعثه الله أعز نصر ، وخرج به عمه إلى الشام في تجارة وهو ابن ثنتي عشرة سنة ، وذلك من تمام لطفه به لعدم من يقوم به إذا تركه بمكة ، فرأى هو وأصحابه ممن خرج معه إلى الشام من الآيات فيه صلى الله عليه وسلم ، ما زاد عمه في الوصاة والحرص عليه ، كما رواه الترمذي في جامعه بإسناد رجاله كلُّهم ثقات ، من تظليل الغمامة له ، وميل الشجرة بظلها عليه ، وتبشير بحيرا الراهب به ، وأمره لعمه بالرجوع به لئلا يراه اليهود فيرمونه سوءا .
ثم خرج ثانيا إلى الشام في تجارة لخديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها مع غلامها ميسرة على سبيل القراض ، فرأى ميسرة ما بهره من شأنه ، فرجع فأخبر سيدته بما رأى ، فرغبت إليه أن يتزوجها ، لما رجت في ذلك من الخير الذي جمعه الله لها ، وفوق ما يخطر ببال بشر ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وله خمس وعشرون سنة .
وكان الله سبحانه قد صانه وحماه من صغره ، وطهره من دنس الجاهلية ومن كل عيب ، ومنحه كل خلق جميل حتى لم يعرف بين قومه إلا بالأمين ، لما شاهدوا من طهارته وصدق حديثه وأمانته ، حتى إنه لما بنت قريش الكعبة في سنة خمس وثلاثين من عمره فوصلوا إلى موضع الحجر الأسود ، اشتجروا فيمن يضع الحجر موضعه ، فقالت كل قبيلة : نحن نضعه ، ثم اتفقوا على أن يضعه أول داخل عليهم ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : جاء الأمين ، فرضوا به ، فأمر بثوب ، فوضع الحجر في وسطه ، وأمر كل قبيلة أن ترفع بجانب من جوانب الثوب ، ثم أخذ الحجر فوضعه موضعه صلى الله عليه وسلم .
ولما أراد الله تعالى رحمه العباد وكرامته بإرساله العالمين ؛ حبب إليه الخلاء ، فكان يتحنث في غار حراء بالذكر ، وصار لا يمر على شجر ولا حجر إلا قال له بلسان فصيح : السلام عليك يا رسول الله . فينظر يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ، فينما هو كذلك إذ فجأه الحق وهو بغار حراء في رمضان ، وله من العمر أربعون سنة ، فجاءه الملك فقال : له اقرأ ، فقال لست بقارئ ، فغته ( أي حبس أنفاسه وضمه وعصره عصرا شديدا ) حتى بلغ منه الجهد ، ثم أرسله فقال له : اقرأ قال لست بقارئ ثلاثا ، ثم قال (( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم )) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره ( وبوادره : هي اللحمة التي بين المنكب والعنق ) ، فأخبر بذلك خديجة رضي الله تعالى عنها ، وقال : قد خشيت على عقلي ، فثبتته ، وقالت : أبشر ، كلا والله لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتَصدُق الحديث ، وتحمل الكل ، وتُكسب المعدوم ، وتَقرى الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، في أوصاف أخر جميلة عددتها من أخلاقه صلى الله عليه وسلم ، وتصديقا منها له وتثبيتا وإعانة على الحق فهي ، أول صدِّيق له رضي الله تعالى عنها وأكرمها، ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يمكث لا يرى شيئا ، وفتر عنه الوحي ، فاغتم لذلك وذهب مرارا ليتردى من رؤوس الجبال ، وذلك من شوقه إلى ما رأى أول مرة ، من حلاوة ما شاهده من وحي الله إليه ، ثم تبدى له الملك بين السماء والأرض على كرسي ، وثبته وبشره بأنه رسول الله حقا ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فَرِق منه ، وذهب إلى خديجة وقال : زملوني . دثروني فأنزل الله عليه (( يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر )) ، وكانت الحالة الأولى حال نبوة وإيحاء ، ثم أمره في هذه الآية أن ينذر قومه ويدعوهم إلى الله ، فشَّمر صلى الله عليه وسلم عن ساق التكليف ، وقام في طاعة الله أتم قيام ، يدعو إلى الله سبحانه الكبير والصغير ، والحر والعبد ، والرجال والنساء ، والأسود والأحمر ، فاستجاب له عباد الله من كل قبيلة . وكان حائز سبقهم من الرجال أبو بكر رضي الله عنه ، عبد الله بن عثمان التيمي ، وآزره في دين الله ، ودعا معه إلى الله على بصيرة ، فاستجاب لأبي بكر عثمان بن عفان ، وطلحة ، وسعد بم أبي وقاص . وأما علي فأسلم صغيرا ، ابن ثماني سنين ، ومن النساء أم المؤمنين خديجة . وأسلم القس ورقةُ بن نوفل فصدق بما وجد من وحي الله ، وتمنى أن لو كان جذعا أي شابا .
ودخل من شرح الله صدره للإسلام على نور وبصيرة ومعاينة ، فأخذهم سفهاء مكة بالأذى والعقوبة ، وصان الله رسوله وحماه بعمه أبي طالب ، لأنه كان شريفاً مطاعاً فيهم ، نبيلاً بينهم ، لا يتجاسرون على مفاجأته بشيء في أمر محمد صلى الله عليه وسلم لما يعلمون من محبته له ، هذا ورسول الله يدعو إلى الله ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً لا يصده عن ذلك صاد ولا يرده عنه راد ، ولا يأخذه في الله لومة لائم .
ولما اشتد أذى المشركين على من آمن وفتنوا جماعة إنهم كانوا يحبسونهم ) ، ويلقونهم في الحر ويضعون الصخرة العظيمة على صدر أحدهم في شدة الحر ، حتى إن أحدهم إذا أطلق لا يستطيع أن يجلس من شدة الألم ، فيقولون لأحدهم اللات إلهك من دون الله . فيقول مكرها : نعم ، وحتى إن الجعل ليمر فيقولون : وهذا إلهك من دون الله . فيقول : نعم ، ومر الخبيثُ عدوُّ الله أبو جهل عمرو بن هشام بسُمَّية أمِّ عمَّار هي تُعَذَبُ وزوجُها وابنُها فطعنها بحربة في فرجها فقتلها رضي الله عنها وعن ابنها وزوجها .
وكان الصديق رضي الله تعالى عنه إذا مر بأحد من الموالي يعذب يشتريه من مواليه ويعتقه ، منهم بلال وأمه حمامة ، وعامر بن فهيرة وأم عبس وزِنِّيرة ، والنهدية وابنتُها ، وجارية بني عدي ، كان عمر يعذبها على الإسلام قبل أن يسلم ، حتى قال له أبوه أبو قحافة يا بني : أراك تُعْتِقُ رقابا ضعافا ، فلو أعتقت قوما جُلْدا يمنعونك ، فقال له أبو بكر : إني أريد ما أريد . فيقال إنه نزلت فيه (( وسيجنبها الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى ))
فلما اشتد البلاء أذن الله سبحانه وتعالى في الهجرة إلى أرض الحبشة ، فكان أولَ من خرج فارَّاً بدينه إلى الحبشة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتبعه الناس ، وقيل بل أول من هاجر إلى أرض الحبشة أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نضر بن مالك ، ثم خرج جعفر بن أبي طالب ، وجماعات رضي الله عنهم وأرضاهم ، وكانوا قريبا من ثمانين رجلا .
فانحاز المهاجرون إلى مملكة أصحمة النجاشي ( ومعنى أصحمة بالعربية عطية ) فآواهم وأكرمهم فكانوا عنده آمنين ، فلما علمت قريش بذلك بعثت في إثرهم عبد الله بن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص ، بهدايا وتحف من بلادهم إلى النجاشي ليردهم عليهم ، فأبى ذلك عليهم وتشفعوا إليه بالقواد من جنده ، فلم يجبهم إلى ما طلبوا ، فوشوا إليه إن هؤلاء يقولون في عيسى قولا عظيما ، يقولون : إنه عبد ، فأحضر المسلمون إلى مجلسه ، وزعيمهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال : ما يقول هؤلاء إنكم تقولون في عيسى ؟ فتلا عليه جعفر سورة ((كهيعص )) فلما فرغ أخذ النجاشي عودا من الأرض فقال : ما زاد هذا على ما في التوراة ولا هذا العود ، ثم قال اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي ( وشيوم كلمة حبشية مهنها آمنون ) من سبَّكم غَرِمَ ، وقال لعمرو وعبدالله، لو أعطيتموني دبرا أي جبلا من ذهب ما سلمتهم إليكما ، ثم أمر فردت عليهما هداياهما ، ورجعا مقبوحين بشر خيبة وأسوئها .
ثم أسلم حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة كثيرون وفشا الإسلام ، فلما رأت قريش ذلك ساءها ، وأجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف : ألا يبايعوهم ، ولا يناكحوهم ، ولا يكلموهم ، ولا يجالسوهم حتى يُسْلِموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة ، ويقال إن الذي كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف ، ويقال بل النضر بن الحارث ، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت يده .
وانحاز إلى الشعب بنو هاشم ، وبنو المطلب ، مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهب لعنه الله فإنه ظاهر قريشا ، وبقوا على تلك الحال لا يدخل عليهم أحد نحوا من ثلاث سنين . ثم سعى أبو طالب في نقض الصحيفة ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه أن الله قد أرسل على تلك الصحيفة الأرضة ، فأكلت جميع ما فيها إلا ذكر الله عز وجل ، فكان كذلك ، ثم رجع بنو هاشم وبنو المطلب الى مكة وحصل الصلح برغمٍ من أبي جهل عمرو بن هشام .
واتصل الخبر بالذين هم بالحبشة أن قريشا أسلموا ، فقدم مكة منهم جماعة فوجدوا البلاء والشدة كما كانا ، فاستمروا بمكة إلى أن هاجروا إلى المدينة إلا من حبس من المستضعفين .
فلما نقضت الصحيفة وافق موت خديجة رضي الله عنها ، وموت أبي طالب وكان بينهما ثلاثة أيام ، فاشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفهاء قومه ، واجترؤوا عليه ، فخرج رسول اله صلى الله عليه وسلم الى الطائف لكي يؤوه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم ، ودعاهم إلى الله عزوجل ، فلم يجيبوه إلى شيء من الذي طلب ، وآذوه أذى عظيما لم ينل قومُه منه أكثر مما نالوا منه ، فرجع عنهم ودخل مكة في جوار الُمْطعِم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، وجعل يدعو إلى الله عز وجل ، فأسلم الطفيل بن عمرو الدوسي ، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له آية ، فجعل الله في وجهه نورا ، فقال : يا رسول الله أخشى أن يقولوا هذا مُثْلَةً ، فدعا له فصار النور في سوطه فهو المعروف بذي النور ، ودعا الطفيلُ قومَه إلى الله فأسلم بعضهم وأقام في بلاده فلما فتح الله على رسوله خيبر قدم بهم في نحو من ثمانين بيتا .
وأسرى برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بروحه وجسده من المسجد الحرام إلى بيت المقدس راكبا البراق في صحبة جبريل عليه السلام ، فنزل ثم أم بالأنبياء ببيت المقدس فصلى ثم عرج به تلك الليلة من هناك إلى السماء الدنيا ثم للتي تليها ثم الثالثة ثم إلى التي تليها ثم الخامسة ثم التي تليها ثم السابعة ، ورأى الأنبياء في السموات على منازلهم ، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى ، ورأى عندها جبريل على الصورة التي خلقه الله عليها ، وفرض عليه الصلوات تلك الليلة ، ورأى ربه سبحانه وتعالى .
فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرهم بما أراه الله من آياته الكبرى ، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم ، واستجراؤهم عليه .
وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل أيام الموسم ويقول : من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي ، هذا وعمه أبو لهب لعنه الله وراءه يقول للناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب . فكان أحياء العرب يتحامونه لِمـا يسمعون من قريش عنه : إنه كاذب ، إنه ساحر ، إنه كاهن ، إنه شاعر ، أكاذيب يقذفونه بها من تلقاء أنفسهم ، فيُصغي إليهم من لا تمييز له من الأحياء ، وأما الَألِبَّاءُ فإنهم إذا سمعوا كلامه وتفهموه شهدوا بأن ما يقولُه حق ، وأنهم مفترون عليه فيسلمون .
وكان مما صنع الله لأنصاره من الأوس والخزرج أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة أن نبيا مبعوثٌ في هذا الزمن ، ويتوعدونهم به إذا حاربوهم ، ويقولون : إنا سنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، وكان الأنصار يحجُّون البيتَ ( كما كانت العرب تحجه ) وأما اليهود فلا . فلما رأى الأنصارُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناسَ الى الله تعالى ، ورأوا أمارات الصدق عليه قالوا : والله هذا الذي توعدكم يهود به فلا يسبقُنُّكم إليه .
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عند العقبة في الموسم نفرا من الأنصار ، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ، فأسلموا مبادرة إلى الخير ، ثم رجعوا إلى المدينة فدعوا إلى الإسلام ، ففشا الإسلام فيها حتى لم تبق دار إلا وقد دخلها الإسلام .
فلما كان العام المقبل جاء منهم اثنا عشر رجلا ؛ فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما تمت هذه البيعة ، أذن للمسلمين بعدها من أهل مكة في الهجرة إلى المدينة .
عباد الله : هذه خلاصة موجزة لحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة ، ولعلى إنشاء الله تعالى أخصص خطبة أخرى عن حياته بالمدينة لا حقا . فاتقوا الله عباد الله وسيروا على نهج رسول الله ، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقني وإياكم والمسلمين العمل بكتاب الله وسنة رسول الله وأن يملأ قلوبنا بحب الله وحب رسوله وحب آله وأصحابه إنه على كل شيء قدير ، وبالإجابة جدير .
كتبها / أسامة سعيد العنقاوي المكي المالكي