تكثير معاني القرآن في تفسيرات المعاصرين.. دعوة للتأمل!

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد يوسف رشيد
    طالب علم
    • Sep 2003
    • 601

    #1

    تكثير معاني القرآن في تفسيرات المعاصرين.. دعوة للتأمل!

    بسم الله الرحمن الرحيم


    يلحظ القارئ في كتابات المعاصرين حول تفسير القرآن، أنهم يكثرون من الاعتراض على كثير من تفسيرات المتقدمين؛ لأنها - في ميزانهم - قد ضيقت المعنى، أو سذجته، أو أن ما قد أتى به المعاصرون من المعاني هو أغزر في المعنى واشمل وأنسب للحياة الإنسانية المتقدمة.

    مثال ذلك: أن يرفض بعض المعاصرين تفسير الجمهور لقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) بأنه استقامة القامة، ورفعة العقل، وقوله تعالى (ثم رددناه أسفل سافلين) أنه الرد إلى أرذل العمر كما فسره ابن عباس وايده الطبري؛ فيرون في ذلك تضييقا للمعاني، وأن الأولى حمله على استقامة الحياة على الدين، واستعداد الفطرة لأن تقبل المنهج الإصلاحي المصاحب للإنسان طيلة عمره، ويكون الرد إلى أسفل سافلين هو الانتكاس في كل ذلك، والفساد بالعيش على غير هدى.

    أقول: تأملت هذا الصنيع فبانت لي علته؛ وذلك : أن المعاصرين لا يقع تعاطيهم إلا في المعاني الظاهرة، فهي - فقط - دائرتهم ومجالهم، وأقصد بها التفسير الذي لا يعذر أحد بجهله، أو التفسير المأخوذ من الظواهر اللغوية للألفاظ العربية والذي يتحصل لكل من عرف المعاني المدلول عليها بالالفاظ، وإن كانت هي أدنى معرفة للقارئ العادي، فلما نظروا إلى الآيات بتلك المرتبة من المعرفة واشتركوا فيها مع العامة شعروا بضيق المعاني، وبضرورة توسعتها نظرا إلى عظمة النص القرآني وشموله، فباتوا يبحثون عن معان أكثر يضمنونها تحت جناح تلك النصوص، فمن هنا بدأ التوسع في المعاني بحسب أفهامهم، بل بحسب ثقافاتهم.

    إننا لو نظرنا إلى القرآن بذلك الميزان، لظهر القرآن كله ضيقا محدود المعنى، مهما توسعوا فيه توسعاتهم تلك، فهو كتاب متوسط الحجم محدود المواضيع المطروقة تحت كل حال، فهل سيعملون على توسيع القرآن ليشمل الفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك وسائر علوم البشر؟

    إن مشكلة هؤلاء المعاصرين هي أنهم (غير عرب) لذلك فهم لا يفهمون من الكلمات العربية سوى مدلولات الألفاظ، ولا يدركون منها أبعاد التركيب في البيان العربي، والذي يجعل من بعض البيان سحرا، ولذا فإنني أجزم أن المتناولين للنصوص القرآنية بذلك الميزان لسوف يتناولون الشعر العربي كذلك، ولن يدركوا مرامي الشاعر من قصيدته القصيرة التي ربما يستخرج الأديب المفلق منها كل حياة الشاعر!

    أما العرب الفصحاء الذين نزل فيهم القرآن، فلم يحتاجوا إلى هذه التوسيعات (الأفقية) في المعاني؛ لأنهم بسليقتهم العربية التي بلغوها قد رأوا بأعينهم بُعْدا آخر لمعاني تلك النصوص، وهو البعد (الرأسي) والذي محله لا مجرد الألفاظ المفردة، وإنما التركيب البياني، فلم يحتاجوا في تكثير المعاني أن يوسعوا قاعدة الظاهر، ذلك أنهم أدركوا من التركيب ما لا يمكن أن يدركه المعاصرون بسبب ضعف عربيتهم، وهو التركيب الذي صار به القرآن معجزا، ولو علم المعاصرون عمق المعاني التي يقف عليها العربي من النص القرآني لأدرك قدر على ما عليه توسعته المعاصرة من السطحية وضعف البناء، أي بناء المعاني على النصوص.

    هذا، وإن مسلك التكثير للظاهر الناتج عن ضعف العربية عند المعاصرين، يؤول بهم في أحيان كثيرة إلى (التعسف) في تحميل النص ما لا دلالة فيه عليه؛ وذلك لاقتصار الظواهر على المعاني المشتركة بين البليغ وغير البليغ، فقوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم) لا يحتمل في ذهن القارئ العادي أكثر من وجوب القطع لأن الله عزيز حكيم، وقوله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) لا يحتمل في ذهن القارئ العادي أكثر من حكم الزنا المعروف في مصنفات الفروع.. بينما العربي البليغ يقف من هذه النصوص على عجائب نظم ومعنى دون إخلال بالظاهر ودون الحاجة إلى تكثير ذلك الظاهر. تأمل.
يعمل...