المجاز لغة : مشتق من جاز الشيء اذا تعدى الى غيره , ويسمى به اللفظ الذى يعدل به عما يوجبه اصل الوضع لانهم جازوا به موضعه الاصلى
والمجاز اصطلاحا : هو اللفظ المستعمل فى غير ما وضع له لعلاقه مع قرينه مانعة من ارادة المعنى الاصلى
ومسألة الحقيقة والمجاز مسألة مهمة للغاية ولا بد من دراستها جيدا قبل التكلم فيها , والفرق بين منكرى المجاز ومثبتيه ليس فرقا لفظيا , وانما هو فرق حقيقى وجوهرى , وقد افاض السيوطى فى كتابه المزهر,-- فى بيان هذه النقطة وتوضيحها , وللدكتور عبد العظيم المطعنى رسالة دكتوراة مهمة جدا , وله بحث صغير اثبت فيه ان ابن تيمية متناقض فى نفيه للمجاز حيث نفاه تماما فى كتابه [الايمان ] واستعمله بتوسع فى باقى كتبه وان لم يسمه بهذا الاسم , وهذه النقطة هى التى يغلط فيها الناس ويقولوا بأن الخلاف بينه وبين معارضيه لفظى , لأنه يرفض فقط ان يسمى هذا مجازا مع انه يستعمله وهذا يدخل فى باب العناد والتدليس , فاما ان تعترف بوجود المجاز وتستعمله صراحة باسمه الذى سماه به العرب وعلماء اللغة او تنكره فلا تستعمله تحت اى مسمى , وهذا لا يمكن ان يكون لأنه جهل فاضح بلغة العرب
وكذلك فعل ابن القيم نفس ما فعله شيخه , انكر المجاز تماما فى اللغة والقرآن والحديث فى كتاب [الصواعق المرسلة ] لدرجة انه سمى المجاز بالطاغوت, وتوسع فى استعمال المجاز فى باقى كتبه , وهذا هو عين التناقض
وعلى نفس الطريق سار اتباعهما مغمضى العينين يرددون نفس الكلام بلا تدبر , وينكرون المجاز ايضا ويستعملونه بتوسع رغما عنهم لأن لغة العرب لا مفر فيها من المجاز
امثلة لابن تيمية
في القرآن آيات كثيرة تقرر أن الأصنام - وكل معبود من دون الله - لا تنفع ولا تضر - وفي سورة الحج وردت آيتان أولاهما تنفي النفع والضرر عن الأصنام ، وهي قوله تعالى :
{يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ}
والأخرى تثبت للاصنام ضراً ونفعاً من حيث الظاهر ، وهي قوله تعالى :
{يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ}
والطاعنون في القرآن أدَّعَوْا أن في القرآن تناقضا , مرة اثبت لهم النفع والضر ومرة نفى عنهم ذلك , فكيف رد ابن تيمية ؟
قال:
[ المنفي هو فعلهم بقوله : {مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ} والمثبت اسم مضاف إليه ، فإنه لم يقل : يضر أعظمَ مما ينفع ، بل قال : {لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسة ، فلا يجب أن يكون الضر والنفع المضافان من باب إضافة المصدر للفاعل.
بل قد يضاف المصدر من جهة كونه اسماً كما تضاف سائر الأسماء ، وقد يضاف إلى محله وزمانه ومكانه وسبب حدوثه وإن لم يكن فاعلاً ، كقوله : {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} ولا ريب ان بين المعبود من دون الله ، وبين ضرر عابديه تعلق يقتضي الإضافة".
هذا التخريج الذي ذكره ابن تيمية هو بعينه الذي يقوله البلاغيون في هذا النص الكريم وفيما ماثله ، وكل ما في الأمر أن البلاغيين يسمونه مجازاً اسنادياً أو حكمياً وابن تيمية يتوقف عن هذه التسمية ، والتسمية لا تأثير لها على حقيقة المسمى : سلباً أو إيجاباً وقد فطن إلى أن النسب الإضافية مثل النسب الوقوعية والنسب الإيقاعية في العلاقات الإسنادية ، وهذا موضع اتفاق عند البلاغيين في مبحث المجاز الحكمي.
كما أنه ذكر من علاقات هذا المجاز ثلاثاً : هي المكانية والزمانية والسببية ، وطبق علاقة السببية على الآية الحكيمة ، فالضر الواقع على عابدي الأصنام هو فِعلُ الله وحده. أما اضافته إلى ضمير الصنم فلأن الله أضر المشرك بسبب عبادته لمن دونه.
وصفوة القول : أن ابن تيمية مقر بالتأويل المجازي وإن لم يسمه مجازاً. وأنه أتخذ منه وسيلة للدفاع عن سلامة العقيدة ، وتبرئة ساحة كتاب الله العزيز من المطاعن.
واستشهاده بآية {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} والتنظير بينها وبين آية {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ} يتسق تماماً مع مجوزي المجاز من بلاغيين وأصوليين ومفسرين.
وقد حلل نصوصاً شرعية أخرى على هذا المنوال ، منها قول الخليل
عليه السلام : {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ....} وقوله تعالى : {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ}.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - "أهلك الناسَ الدرهم والدينار ، وأهلك النساء الأحمران : الذهب والحرير".
كل هذه النصوص حللها على أن إسناد الإضلال وزيادة التتبيب ، وإهلاك الناس والنساء إلى الأصنام والدرهم والدينار ، والذهب والحرير روعي فيها أن هذه المذكورات أسباب أما الفاعل الحقيقي فهو الله - عز وجل -.
ومجوزوا المجاز من البلاغيين يحللونها هذا التحليل بلا نقص ولا زيادة عما قاله ، اللهم إلا إطلاق مصطلح المجاز الحكمي عليها.
فابن تيمية بلاغي مجازي - هنا - بلا نزاع.]
ثم يستخلص الدكتور المطعنى هذه النتائج :
أولاً - إقرار ابن تيمية بالوضع اللغوي الأول ثم اقراره بالنقل منه إلى الاستعمال المجازي
ثانياً - إقراره بتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز.
ثالثاً - إقراره بالقرائن المجازية وأثرها في تبيين ما هو مجاز مما هو حقيقة.
رابعاً - ثم إقراره بالمجاز جملة وتفصيلاً وعزوه الخلاف بين مجوزي المجاز ومانعيه في اللغة أو في القرآن إلى الخلاف اللفظي.[لاحظ ان كلمة الخلاف اللفظى معناها ان المجاز ثابت وان منكره يلعب بالالفاظ]
وهذه الأمور جميعاً كانت موضع إنكار فيما كتبه في كتاب الإيمان.
ونتساءل : هل يعتبر هذا رجوعاً منه عما كتبه هناك أم ما كتبه هناك رجوع عما كتبه هنا ؟ هذا التساؤل كان من الممكن الإجابة عليه لو كنا نعلم السابق واللاحق من تأليفه. مع ملاحظة أنه يرجح الرجوع عما سجله في كتاب الإيمان.
والذي يفهم جلياً من هذا النص أن ابن تيمية من مجوزي المجاز في اللغة وفي القرآن.
أين اتباعه الذين يتطاولون على الاشاعرة , وهم لم يدرسوا كتب شيخهم ولم يفهموا ما فيها ؟ ام ان بضاعتهم مجرد السب والتهجم ؟
المجاز عند ابن القيم
موقف ابن قيم الجوزية من المجاز مثل موقف شيخه ابن تيمية ، والتشابه بين موقفيهما يكاد يبلغ حد المماثلة التامة في كل الوجوه.
فقد أنكر ابن القيم المجاز بشدة في كتابه "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" وسماه الطاغوت الاكبر الذى يعبده الاشاعرة , وحشد أكثر من خمسين وجهاً لإنكار المجاز. كما أنكره شيخه ابن تيمية في كتابه "الإيمان" وبذل جهداً جدلياً نظرياً بالغ المدى في إنكاره كما كتب فصلاً ضافياً في قسم أصول الفقه ردد فيه ما قاله في كتابه "الإيمان".
وكما أقر الشيخ بالمجاز تأويلاً وتصريحاً في مواضع متعددة من مؤلفاته.
كذلك التلميذ أقر بالمجاز تأويلاً وتصريحاً في مواضع مختلفة من مؤلفاته الأخرى ومعنى هذا أن لابن القيم مذهبين في المجاز ، مذهباً متعارفاً مشهوراً هو الإنكار ، ومذهباً غير مشهور وهو الإقرار.
ولنا على مذهب الإقرار بالمجاز عنده دليلان لا يتطرق إليهما شك وهما : -
الأول : تأويلات مجازية مستفيضة وردت في كتبه غير الصواعق.
الثاني : ورود المجاز صريحاً في حر كلامه ، وهو في هذين الدليلين أطول باعاً ، وأكثر لهجاً من شيخه ابن تيمية
ولو تتبعنا التأويلات المجازية عند ابن القيم وأرجعنا كثيراً منها إلى أصولها البلاغية لوجدناها موزعة على جميع أنواع المجاز فمنها :
* تأويلات مجازية من قبيل المجاز العقلي.
* وتأويلات مجازية من قبيل المجاز اللغوي المرسل.
* وتأويلات مجازية من قبيل المجاز اللغوي الإستعاري
مثال:
ومن أوضح تأويلاته المفضية - قطعاً - إلى المجاز العقلي حديثه عن فاعل تزيين الأعمال السيئة في نفوس فاعليها ففي القرآن الكريم جاء إسناد هذا التزيين
إلى الله في مواضع ، ثم إلى الشيطان في مواضع أخرى ، كما أسندت إلى فاعليها من العباد أحيانأً ، أو يُبني الفعل للمفعول ويُطوى ذكر فاعله.
فمن الإسناد إلى الله - سبحانه - قوله تعالى في سورة الأنعام آية (108) {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} ومن الإسناد إلى الشيطان قوله تعالى في سورة العنكبوت آية (38) {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ..} ومن الإسناد إلى العبد قوله تعالى في سورة يوسف آية (18) {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا...} ومن الإسناد إلى المجهول قوله تعالى في سورة فاطر آية (8) {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ...}.
وقد تعرض ابن القيم لتوجيه اختلاف الإسناد في هذه المواضع فقال :
"فاضاف التزيين إليه - سبحانه - خلقاً ومشيئة ونسبه إلى سببه - يعني الشيطان - ومن أجراه على يديه تارة".
أما الإسناد إلى العبد فلأنه أحب تزيين الشيطان. وردت هذه التأويلات المجازية للرد على القدرية الذين يمنعون اسناد ما فيه قبح إلى الله ، ويدفع هذا القول بأنها من الشيطان ومن العبد قبيحة. أما من الله فلا قبح لأنه فعله عقاباً فهو منه جميل.
ولا ريب أن إسناد التزيين إلى الله حقيقة إذ هو خالقه ومشيؤه كما يقول في الموضع المشار إليه من كتابه : شفاء العليل.
أما الإسناد إلى الشيطان فلأنه سبب داع ومؤثر أما العبد فلأنه مباشر للفعل.
والإسناد إلى الشيطان والعبد إسناد مجازي عقلي حيث جُعِل غير الفاعل فاعلاً ، وهذا هو المجاز العقلي عند علماء البيان ، فلم يترك ابن القيم إلا تسمية هذا التأويل مجازاً.
يقول ابن القيم فى كتابه [الفوائد ] صفحة 50:
[ اذا علقت شروش [جذور ] المعرفة فى ارض القلب , نبتت فيه شجرة المحبة , فاذا تمكنت وقويت اثمرت الطاعة , فلا تزال الشجرة تؤتى اكلها كل حين باذن ربها ]
اذا لم نسمى هذا مجازا فماذا نسميه ؟
لماذا المكابرة والعناد ؟ مع العلم ان منكرى المجاز ثلاثة او اربعة على طول التاريخ الاسلامى كله فماذا يساوى انكارهم ؟ واى وزن له فى مواجهة كل علماء الاسلام ؟
والسؤال الذى يجب ان يجيب عليه ادعياء السلفية هو:
ما الفرق بين تقليدكم لابن تيمية حتى فى العقيدة تقليدا اعمى , لدرجة البحث عن اوهى الحجج والاعذار للدفاع عنه وعدم تخطئته , وبين كفار مكة حينما قلدوا آباءهم فى عبادة الاصنام وبحثوا عن كل الحجج والاعذار الواهية حتى لا يعترفوا بالحق ؟ [ اذا حزنتم لهذا التشبيه فان الكثير ممن تسمونهم علماء سلفيون يشبهون الاشاعرة بافظع من هذا ]
هذا هو ابن تيمية متناقض , وهذا هو ابن القيم متناقض فماذا انتم فاعلون ؟
والمجاز اصطلاحا : هو اللفظ المستعمل فى غير ما وضع له لعلاقه مع قرينه مانعة من ارادة المعنى الاصلى
ومسألة الحقيقة والمجاز مسألة مهمة للغاية ولا بد من دراستها جيدا قبل التكلم فيها , والفرق بين منكرى المجاز ومثبتيه ليس فرقا لفظيا , وانما هو فرق حقيقى وجوهرى , وقد افاض السيوطى فى كتابه المزهر,-- فى بيان هذه النقطة وتوضيحها , وللدكتور عبد العظيم المطعنى رسالة دكتوراة مهمة جدا , وله بحث صغير اثبت فيه ان ابن تيمية متناقض فى نفيه للمجاز حيث نفاه تماما فى كتابه [الايمان ] واستعمله بتوسع فى باقى كتبه وان لم يسمه بهذا الاسم , وهذه النقطة هى التى يغلط فيها الناس ويقولوا بأن الخلاف بينه وبين معارضيه لفظى , لأنه يرفض فقط ان يسمى هذا مجازا مع انه يستعمله وهذا يدخل فى باب العناد والتدليس , فاما ان تعترف بوجود المجاز وتستعمله صراحة باسمه الذى سماه به العرب وعلماء اللغة او تنكره فلا تستعمله تحت اى مسمى , وهذا لا يمكن ان يكون لأنه جهل فاضح بلغة العرب
وكذلك فعل ابن القيم نفس ما فعله شيخه , انكر المجاز تماما فى اللغة والقرآن والحديث فى كتاب [الصواعق المرسلة ] لدرجة انه سمى المجاز بالطاغوت, وتوسع فى استعمال المجاز فى باقى كتبه , وهذا هو عين التناقض
وعلى نفس الطريق سار اتباعهما مغمضى العينين يرددون نفس الكلام بلا تدبر , وينكرون المجاز ايضا ويستعملونه بتوسع رغما عنهم لأن لغة العرب لا مفر فيها من المجاز
امثلة لابن تيمية
في القرآن آيات كثيرة تقرر أن الأصنام - وكل معبود من دون الله - لا تنفع ولا تضر - وفي سورة الحج وردت آيتان أولاهما تنفي النفع والضرر عن الأصنام ، وهي قوله تعالى :
{يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ}
والأخرى تثبت للاصنام ضراً ونفعاً من حيث الظاهر ، وهي قوله تعالى :
{يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ}
والطاعنون في القرآن أدَّعَوْا أن في القرآن تناقضا , مرة اثبت لهم النفع والضر ومرة نفى عنهم ذلك , فكيف رد ابن تيمية ؟
قال:
[ المنفي هو فعلهم بقوله : {مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ} والمثبت اسم مضاف إليه ، فإنه لم يقل : يضر أعظمَ مما ينفع ، بل قال : {لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسة ، فلا يجب أن يكون الضر والنفع المضافان من باب إضافة المصدر للفاعل.
بل قد يضاف المصدر من جهة كونه اسماً كما تضاف سائر الأسماء ، وقد يضاف إلى محله وزمانه ومكانه وسبب حدوثه وإن لم يكن فاعلاً ، كقوله : {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} ولا ريب ان بين المعبود من دون الله ، وبين ضرر عابديه تعلق يقتضي الإضافة".
هذا التخريج الذي ذكره ابن تيمية هو بعينه الذي يقوله البلاغيون في هذا النص الكريم وفيما ماثله ، وكل ما في الأمر أن البلاغيين يسمونه مجازاً اسنادياً أو حكمياً وابن تيمية يتوقف عن هذه التسمية ، والتسمية لا تأثير لها على حقيقة المسمى : سلباً أو إيجاباً وقد فطن إلى أن النسب الإضافية مثل النسب الوقوعية والنسب الإيقاعية في العلاقات الإسنادية ، وهذا موضع اتفاق عند البلاغيين في مبحث المجاز الحكمي.
كما أنه ذكر من علاقات هذا المجاز ثلاثاً : هي المكانية والزمانية والسببية ، وطبق علاقة السببية على الآية الحكيمة ، فالضر الواقع على عابدي الأصنام هو فِعلُ الله وحده. أما اضافته إلى ضمير الصنم فلأن الله أضر المشرك بسبب عبادته لمن دونه.
وصفوة القول : أن ابن تيمية مقر بالتأويل المجازي وإن لم يسمه مجازاً. وأنه أتخذ منه وسيلة للدفاع عن سلامة العقيدة ، وتبرئة ساحة كتاب الله العزيز من المطاعن.
واستشهاده بآية {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} والتنظير بينها وبين آية {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ} يتسق تماماً مع مجوزي المجاز من بلاغيين وأصوليين ومفسرين.
وقد حلل نصوصاً شرعية أخرى على هذا المنوال ، منها قول الخليل
عليه السلام : {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ....} وقوله تعالى : {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ}.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - "أهلك الناسَ الدرهم والدينار ، وأهلك النساء الأحمران : الذهب والحرير".
كل هذه النصوص حللها على أن إسناد الإضلال وزيادة التتبيب ، وإهلاك الناس والنساء إلى الأصنام والدرهم والدينار ، والذهب والحرير روعي فيها أن هذه المذكورات أسباب أما الفاعل الحقيقي فهو الله - عز وجل -.
ومجوزوا المجاز من البلاغيين يحللونها هذا التحليل بلا نقص ولا زيادة عما قاله ، اللهم إلا إطلاق مصطلح المجاز الحكمي عليها.
فابن تيمية بلاغي مجازي - هنا - بلا نزاع.]
ثم يستخلص الدكتور المطعنى هذه النتائج :
أولاً - إقرار ابن تيمية بالوضع اللغوي الأول ثم اقراره بالنقل منه إلى الاستعمال المجازي
ثانياً - إقراره بتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز.
ثالثاً - إقراره بالقرائن المجازية وأثرها في تبيين ما هو مجاز مما هو حقيقة.
رابعاً - ثم إقراره بالمجاز جملة وتفصيلاً وعزوه الخلاف بين مجوزي المجاز ومانعيه في اللغة أو في القرآن إلى الخلاف اللفظي.[لاحظ ان كلمة الخلاف اللفظى معناها ان المجاز ثابت وان منكره يلعب بالالفاظ]
وهذه الأمور جميعاً كانت موضع إنكار فيما كتبه في كتاب الإيمان.
ونتساءل : هل يعتبر هذا رجوعاً منه عما كتبه هناك أم ما كتبه هناك رجوع عما كتبه هنا ؟ هذا التساؤل كان من الممكن الإجابة عليه لو كنا نعلم السابق واللاحق من تأليفه. مع ملاحظة أنه يرجح الرجوع عما سجله في كتاب الإيمان.
والذي يفهم جلياً من هذا النص أن ابن تيمية من مجوزي المجاز في اللغة وفي القرآن.
أين اتباعه الذين يتطاولون على الاشاعرة , وهم لم يدرسوا كتب شيخهم ولم يفهموا ما فيها ؟ ام ان بضاعتهم مجرد السب والتهجم ؟
المجاز عند ابن القيم
موقف ابن قيم الجوزية من المجاز مثل موقف شيخه ابن تيمية ، والتشابه بين موقفيهما يكاد يبلغ حد المماثلة التامة في كل الوجوه.
فقد أنكر ابن القيم المجاز بشدة في كتابه "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" وسماه الطاغوت الاكبر الذى يعبده الاشاعرة , وحشد أكثر من خمسين وجهاً لإنكار المجاز. كما أنكره شيخه ابن تيمية في كتابه "الإيمان" وبذل جهداً جدلياً نظرياً بالغ المدى في إنكاره كما كتب فصلاً ضافياً في قسم أصول الفقه ردد فيه ما قاله في كتابه "الإيمان".
وكما أقر الشيخ بالمجاز تأويلاً وتصريحاً في مواضع متعددة من مؤلفاته.
كذلك التلميذ أقر بالمجاز تأويلاً وتصريحاً في مواضع مختلفة من مؤلفاته الأخرى ومعنى هذا أن لابن القيم مذهبين في المجاز ، مذهباً متعارفاً مشهوراً هو الإنكار ، ومذهباً غير مشهور وهو الإقرار.
ولنا على مذهب الإقرار بالمجاز عنده دليلان لا يتطرق إليهما شك وهما : -
الأول : تأويلات مجازية مستفيضة وردت في كتبه غير الصواعق.
الثاني : ورود المجاز صريحاً في حر كلامه ، وهو في هذين الدليلين أطول باعاً ، وأكثر لهجاً من شيخه ابن تيمية
ولو تتبعنا التأويلات المجازية عند ابن القيم وأرجعنا كثيراً منها إلى أصولها البلاغية لوجدناها موزعة على جميع أنواع المجاز فمنها :
* تأويلات مجازية من قبيل المجاز العقلي.
* وتأويلات مجازية من قبيل المجاز اللغوي المرسل.
* وتأويلات مجازية من قبيل المجاز اللغوي الإستعاري
مثال:
ومن أوضح تأويلاته المفضية - قطعاً - إلى المجاز العقلي حديثه عن فاعل تزيين الأعمال السيئة في نفوس فاعليها ففي القرآن الكريم جاء إسناد هذا التزيين
إلى الله في مواضع ، ثم إلى الشيطان في مواضع أخرى ، كما أسندت إلى فاعليها من العباد أحيانأً ، أو يُبني الفعل للمفعول ويُطوى ذكر فاعله.
فمن الإسناد إلى الله - سبحانه - قوله تعالى في سورة الأنعام آية (108) {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} ومن الإسناد إلى الشيطان قوله تعالى في سورة العنكبوت آية (38) {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ..} ومن الإسناد إلى العبد قوله تعالى في سورة يوسف آية (18) {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا...} ومن الإسناد إلى المجهول قوله تعالى في سورة فاطر آية (8) {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ...}.
وقد تعرض ابن القيم لتوجيه اختلاف الإسناد في هذه المواضع فقال :
"فاضاف التزيين إليه - سبحانه - خلقاً ومشيئة ونسبه إلى سببه - يعني الشيطان - ومن أجراه على يديه تارة".
أما الإسناد إلى العبد فلأنه أحب تزيين الشيطان. وردت هذه التأويلات المجازية للرد على القدرية الذين يمنعون اسناد ما فيه قبح إلى الله ، ويدفع هذا القول بأنها من الشيطان ومن العبد قبيحة. أما من الله فلا قبح لأنه فعله عقاباً فهو منه جميل.
ولا ريب أن إسناد التزيين إلى الله حقيقة إذ هو خالقه ومشيؤه كما يقول في الموضع المشار إليه من كتابه : شفاء العليل.
أما الإسناد إلى الشيطان فلأنه سبب داع ومؤثر أما العبد فلأنه مباشر للفعل.
والإسناد إلى الشيطان والعبد إسناد مجازي عقلي حيث جُعِل غير الفاعل فاعلاً ، وهذا هو المجاز العقلي عند علماء البيان ، فلم يترك ابن القيم إلا تسمية هذا التأويل مجازاً.
يقول ابن القيم فى كتابه [الفوائد ] صفحة 50:
[ اذا علقت شروش [جذور ] المعرفة فى ارض القلب , نبتت فيه شجرة المحبة , فاذا تمكنت وقويت اثمرت الطاعة , فلا تزال الشجرة تؤتى اكلها كل حين باذن ربها ]
اذا لم نسمى هذا مجازا فماذا نسميه ؟
لماذا المكابرة والعناد ؟ مع العلم ان منكرى المجاز ثلاثة او اربعة على طول التاريخ الاسلامى كله فماذا يساوى انكارهم ؟ واى وزن له فى مواجهة كل علماء الاسلام ؟
والسؤال الذى يجب ان يجيب عليه ادعياء السلفية هو:
ما الفرق بين تقليدكم لابن تيمية حتى فى العقيدة تقليدا اعمى , لدرجة البحث عن اوهى الحجج والاعذار للدفاع عنه وعدم تخطئته , وبين كفار مكة حينما قلدوا آباءهم فى عبادة الاصنام وبحثوا عن كل الحجج والاعذار الواهية حتى لا يعترفوا بالحق ؟ [ اذا حزنتم لهذا التشبيه فان الكثير ممن تسمونهم علماء سلفيون يشبهون الاشاعرة بافظع من هذا ]
هذا هو ابن تيمية متناقض , وهذا هو ابن القيم متناقض فماذا انتم فاعلون ؟