الرد على كتاب درء تعارض العقل والنقل [3]
الوجه الثالث [ نفى قاعدة ان العقل اصل النقل ]
هذا الوجه استغرق ما يقرب من خمسين صفحة ,ناقش فيها قضايا مختلفة, تربك من يقرأها , ولا يخرج منها بنتيجة محددة , مجرد رص للقضايا والمعلومات , حتى يظن من يقرأها انه قد اوفى الموضوع حقه , والحقيقة غير ذلك , ويصدق عليه تماما قول القائل [ علمه اكبر من عقله ]
الدليل على الكلام السابق , انه ذكر فى هذا الوجه وحده هذه القضايا :
1- هل العقل اصل فى ثبوت النقل فى نفس الامر ؟
2- هل العقل اصل فى علمنا بصحة النقل ؟ -----------3- انواع العلم -----------4-هل العقل هو الغريزة ام انه هو المعلومات العقلية ؟ ---------5-هل جميع المعقولات اصلا للنقل ؟ ------------هذه النقاط وردت فى خمس صفحات , والباقى قال المحقق فى الهامش [ من هنا الى صفحة 133 مكتوب فى تخريجة [س] فهو استطراد خارج الموضوع ذكر فيه القضايا التالية :
1- افتراض كلام للاشاعرة ورد على هذا الافتراض من وجهين ----------2- نقل كلام لابى الحسن الاشعرى فى اربع صفحات ----------3-الوجه الرابع والخامس والسادس على الكلام المفترض السابق
3- ناقش موضوع ان الانبياء لم يدعو الناس بطريقة علماء الكلام ----------5-ناقش لفظ الجسم وهل يطلق على الله تعالى ؟ ----------6-نقض استدلال الاشاعرة بقصة سيدنا ابراهيم عليه السلام على منع تغير الله تعالى وعدم قيام الحوادث به -------7-الرد على من استدل بلفظ واحد وأحد على نفى الجسمية ----------8- مناقشة لفظ الصمد -------------9-مناقشة لفظ الكفء -----------10-اين فى القرآ ن ما يدل على ان كل متحرك محدث او ممكن , واين نفى الجسم ------------11- مسألة حوادث لا اول لها
هذا الكم من المسائل فى وجه واحد يدل على الاضطراب فى التفكير , ورص المعلومات الكثيرة التى لا رابط بينها , وكان الاولى ان يركز فى كل وجه على نقطة واحدة ويوفيها حقها من البحث والمناقشة , فكل نقطة من هذه تحتاج الى مجلد لبحثها حق البحث
تنبه يا أخى واعلم ان هذا هو اسلوب اللف والدوران وقطع انفاس القارئ , وهذا يحتم علينا الاختصار ,
نبدأ ان شاء الله تعالى بالنقطة الاولى وهى : هل العقل اصل فى ثبوت النقل فى نفس الامر ؟
ما معنى كلمة[ نفس الامر ] معناها وجود الشيء فعلا فى الواقع خارج الذهن , فالشمس موجودة فى الخارج , سواء اعترفت بوجودها او لم تعترف , والله تعالى موجود حقيقة , سواء آمن به الناس او لم يؤمنوا , لا يتوقف وجوده على وجود شيء من مخلوقاته , فهو سبحانه الغنى ونحن الفقراء اليه ,
يقول ابن تيمية [ ما هو ثابت فى نفس الامر بالسمع او بغيره ثابت , سواء علمنا بالعقل او بغير العقل ثبوته او لم نعلم بثبوته لا بعقل ولا بغيره , اذ عدم العلم ليس علما بالعدم , وعدم علمنا بالحقائق لا ينفى ثبوتها , فى انفسها , فما اخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم , هو ثابت فى نفس الامر , سواء علمنا صدقه او لم نعلمه , ومن ارسله الله تعالى الى الناس فهو رسوله , سواء علم الناس او لم يعلموا وما اخبر به فهو حق وان لم يصدقه الناس [ لاحظ تكرار الكلام بالفاظ متقاربة والمعنى واحد وكلمة واحدة تغنى عن هذا كله ] فثبوت الرسالة فى نفسها ليس موقوفا على وجودنا , فضلا عن ان يكون موقوفا على عقولنا , او على الادلة التى نعلمها بعقولنا ]
الرد
هذا كلام صواب من جانب وخطأ من جانب آخر ورد على ابن تيمية من جانب ثالث
اما انه صواب , فانه فعلا وحقيقة وجود الله تعالى واسمائه وصفاته ليس متوقفا على وجودنا ولا على تفكيرنا العقلى , فهو خالق ولا مخلوق , ورب ولا مربوب , ليس بعد الخلق استفاد اسم الخالق , ولا بعد البرية استفاد اسم البارىء , [ كما عبر صاحب الطحاوية ] فليس هذا الكلام من كيس ابن تيمية , فالله تعالى قادر على ان يذهبنا ويأتى بآخرين [ ان يشأ يذهبكم ويأت بآخرين ]
ولكن هذا الكلام ليس على اطلاقه [ وهذا جانب الخطأ ] فالله عز وجل هو الذى خلق العقل وهو الذى اسجد له الملائكة , وهو الذى وضع القوانين العقلية التى تحكم حياتنا , وتفكيرنا , { سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا , } فلا رسالة ولا رسول الا بعد خلق العقل ووجود التفكير العقلى , لأن العقل هو المخاطب , فمن اجله انزلت الكتب وارسلت الرسل وشرعت الشرائع فهى عملية متلازمة , قال تعالى { الرحمن , علم القرآن , خلق الانسان , علمه البيان } فقدم تعليم القرآن على خلق الانسان ثم علم الانسان البيان ليفهم القرآن , [ المصيبة الكبرى ان اتباع ابن تيمية تركوا القرآن وهجروا تدبره بحجة انه حمال اوجه وان اهل البدع يستدلون به على بدعهم , كأن القرآن منبع البدع , ورفعوا السنة فوق القرآن مع انها خادمة له ]
--واما كون هذا الكلام يرد على ابن تيمية
فاولا هذا كلام عقلى صرف , فاماذا تعيب على الاشاعرة التفكير العقلى ؟
وثانيا : اذا الامر هكذا والله تعالى موجود بصرف النظر عن وجودنا , او وجود اى كائن فمن اين لك حوادث لا اول لها ؟ ومن اين لك قدم العالم بالنوع ؟ والعقل لم يكن موجودا حتى يشهد على هذا الكلام ؟ وخاصة انه ليس معك دليل نقلى على هذا الكلام ؟
--يقول ابن تيمية بعد هذا الكلام [ وهذا كما ان وجود الرب تعالى وما يستحقه من الاسماء والصفات ثابت فى نفس الامر سواء علمناه او لم نعلمه ] فمن اين لك حمل المتشابهات على الظاهر ؟ [ اليد والوجه والعين والمجئ والنزول والهرولة والضحك والغضب , وغيرها ] من لك انها على الحقيقة ؟ لماذا خالفت الصحابة الذين سكتوا ولم يسألوا ولم يفسروا وكل ما ورد عنهم التفويض الاجمالى , وبعض التأويل , اليسوا هم القائلين [ سمعنا واطعنا ] بلا سؤال , بالله عليك هل قالوا [ على الظاهر ] او [ على الحقيقة ]
ثم يقول [ فتبين ان العقل ليس اصلا لثبوت الشرع فى نفسه , ولا معطيا له صفة لم تكن له , ولا مفيدا له صفة كمال , اذ العلم مطابق للمعلوم المستغنى عن العلم , تابع له , ليس مؤثرا فيه [ واتحدى اتباعه ان يفهموا هذا الكلام ]
ثم يتحول الى النقطة الثانية { انواع العلم }
الاول : علم عملى ,[ وهو ما كان شرطا فى حصول المعلوم ,] مثل ان نفكر فى صنع سيارة او طائرة , ونصممها على الورق ثم نقوم بالتنفيذ , فالعلم هنا سابق على وجود المعلوم فى الواقع ,
الثانى : العلم النظرى [ هو ما كان المعلوم غير مفتقر اليه ] مثل علمنا بوحدانية الله تعالى , ورسله وملائكته وكتبه , فان هذه المعلومات ثابتة , فى الواقع سواء علمنا بها او لم نعلم , والشرع مع العقل من هذا الباب
انتبه اخى الكريم , اراد ابن تيمية فى هذا الجزء من كلامه اثبات ان الشرع فى الحقيقة وفى الواقع موجود قبل العقل فلا يؤثر فيه , وليس العقل بهذا المفهوم اصلا للنقل , ورغم بعض التحفظات فان هذا الكلام فى الواقع صحيح ولا غبار عليه ونوافقه عليه تماما
ولكن تنبه جيدا اخى الكريم , هذا الكلام نقله ابن تيمية بالكامل من كتب ابن سينا الملقب بالشيخ الرئيس , ولم يصرح ابن تيمية بهذا النقل اى لم ينسبه الى قائله كما هى عادة العلماء الكبار , ولكنه بدل ذلك كفر ابن سينا وحكم عليه بالالحاد والزندقة ولم يترك وصفا سيئا الا وصفه به , وحذر من قراءة كتبه , لأنها كتب الكفر والزندقة , حتى لا نكتشف انه ينقل من كتبه ما يحلو له
اقرأ هذا الكلام لابن سينا فى كتاب [ تسع رسايل فى الحكمة والطبيعيات الطبعة الثانية دار العرب القاهرة ]
{ الرسالة الخامسة , فى اقسام العلوم العقلية , فصل فى ماهية الحكمة , [ وركز جيدا لأنه كلام يحتاج الى شرح ] الحكمة صناعة نظر , يستفيد منها الانسان تحصيل ما عليه الوجود كله فى نفسه , وما عليه الواجب , مما ينبغى ان يكسبه فعله لتشرف بذلك نفسه , وتستكمل وتصير عالما معقولا مضاهيا للعالم الموجود , وتستعد للسعادة القصوى بالآخرة وذلك بحسب الطاقة البشرية
فصل فى اول اقسام الحكمة [ وهذا ما نقله ابن تيمية بالتمام ] الحكمة تنقسم الى قسم نظرى مجرد [ الذى سماه ابن تيمية بالعلم النظرى ] وقسم عملى [ الذى سما ابن تيمية بالعلم العملى ] والقسم النظرى هو الذى الغاية فيه حصول الاعتقاد اليقينى بحال الموجودات التى لا يتعلق وجودها بحال الانسان , ويكون المقصود انما هو حصول رأى فقط , مثل علم التوحيد وعلم الهيئة [ اى علم الفلك ] والقسم العملى هو الذى ليس الغاية فيه حصول الاعتقاد اليقينى بالموجودات , بل بما يكون المقصود فيه حصول صحة رأى فى امر يحصل بكسب الانسان ليكتسب ما هو الخير منه , فلا يكون المقصود حصول رأى فقط بل حصول رأى لاجل عمل , فغاية النظرى هو الحق , وغاية العملى هو الخير } انتهى كلام ابن سينا
وانظر الى هذه المفاجأة
نفس الكلام نقله ابن تيمية من كتاب الشفاء لابن سينا , [ كتاب الشفاء قسم المنطق طبعة وزارة المعارف العمومية القاهرة بمناسبة الذكرى الالفية للشيخ الرئيس سنة 1952 ]
{ ان الغرض من الفلسفة ان يوقف على حقائق الاشياء كلها على قدر ما يمكن الانسان ان يقف عليه , والاشياء الموجودة , اما اشياء موجودة ليس وجودها باختيارنا وفعلنا , واما اشياء وجودها باختيارنا وفعلنا , ومعرفة الامور التى من القسم الاول تسمى فلسفة نظرية , ومعرفة الامور التى من القسم الثانى تسمى فلسفة عملية , والفلسفة النظرية انما الغاية منها تكميل النفس بأن تعلم فقط ,والفلسفة العملية انما الغاية منها تكميل النفس لا بان تعلم فقط بل بان تعلم ما يعمل به فتعمل , فالنظرية غايتها اعتقاد رأى ليس بعمل , والعملية معرفة رأى هو عمل , فالنظرية اولى بان تنسب الى الرأى } انتهى كلام ابن سينا
وهو مطابق لكلامه السابق وهو نفسه الذى نقله ابن تيمية , وانا قلت على هذا الكلام مفاجأة لأنه منقول من كتاب الشفاء الذى يشنع به ابن تيمية على الاشاعرة وخاصة الغزالى , فدائما ينقل كلاما منسوبا الى ابى بكر بن العربى [ ان الشفاء امرض الغزالى وان الغزالى دخل فى بطون الفلاسفة ولم يستطع ان يخرج ] مع ان محقق كتاب قانون التأويل لابن العربى كتب فى هامشه انه قرأ كتب بن العربى كلها فلم يجد هذه العبارة ,
فمن الذى نقل من الشفاء ؟ ومن الذى امرضه الشفاء ؟ ومن الذى دخل فى بطون الفلاسفة فلم يخرج ؟
اين الكتاب والسنة بفهم سلف الامة ؟ اذا كان ينقل كلام الفلاسفة فلماذا يكفرهم ؟ انا لا ادافع عنهم ولكنه اخذ احكامه على الفلاسفة فرمى بها الاشاعرة , وابتدع البدعة الكبرى ان الاشاعرة يقدمون العقل على النقل ,
هل حذر من الفلاسفة وابن سينا بالذات حتى ينقل منهم على هواه ولا نكتشف ذلك ؟
يتبع ان شاء الله تعالى
الوجه الثالث [ نفى قاعدة ان العقل اصل النقل ]
هذا الوجه استغرق ما يقرب من خمسين صفحة ,ناقش فيها قضايا مختلفة, تربك من يقرأها , ولا يخرج منها بنتيجة محددة , مجرد رص للقضايا والمعلومات , حتى يظن من يقرأها انه قد اوفى الموضوع حقه , والحقيقة غير ذلك , ويصدق عليه تماما قول القائل [ علمه اكبر من عقله ]
الدليل على الكلام السابق , انه ذكر فى هذا الوجه وحده هذه القضايا :
1- هل العقل اصل فى ثبوت النقل فى نفس الامر ؟
2- هل العقل اصل فى علمنا بصحة النقل ؟ -----------3- انواع العلم -----------4-هل العقل هو الغريزة ام انه هو المعلومات العقلية ؟ ---------5-هل جميع المعقولات اصلا للنقل ؟ ------------هذه النقاط وردت فى خمس صفحات , والباقى قال المحقق فى الهامش [ من هنا الى صفحة 133 مكتوب فى تخريجة [س] فهو استطراد خارج الموضوع ذكر فيه القضايا التالية :
1- افتراض كلام للاشاعرة ورد على هذا الافتراض من وجهين ----------2- نقل كلام لابى الحسن الاشعرى فى اربع صفحات ----------3-الوجه الرابع والخامس والسادس على الكلام المفترض السابق
3- ناقش موضوع ان الانبياء لم يدعو الناس بطريقة علماء الكلام ----------5-ناقش لفظ الجسم وهل يطلق على الله تعالى ؟ ----------6-نقض استدلال الاشاعرة بقصة سيدنا ابراهيم عليه السلام على منع تغير الله تعالى وعدم قيام الحوادث به -------7-الرد على من استدل بلفظ واحد وأحد على نفى الجسمية ----------8- مناقشة لفظ الصمد -------------9-مناقشة لفظ الكفء -----------10-اين فى القرآ ن ما يدل على ان كل متحرك محدث او ممكن , واين نفى الجسم ------------11- مسألة حوادث لا اول لها
هذا الكم من المسائل فى وجه واحد يدل على الاضطراب فى التفكير , ورص المعلومات الكثيرة التى لا رابط بينها , وكان الاولى ان يركز فى كل وجه على نقطة واحدة ويوفيها حقها من البحث والمناقشة , فكل نقطة من هذه تحتاج الى مجلد لبحثها حق البحث
تنبه يا أخى واعلم ان هذا هو اسلوب اللف والدوران وقطع انفاس القارئ , وهذا يحتم علينا الاختصار ,
نبدأ ان شاء الله تعالى بالنقطة الاولى وهى : هل العقل اصل فى ثبوت النقل فى نفس الامر ؟
ما معنى كلمة[ نفس الامر ] معناها وجود الشيء فعلا فى الواقع خارج الذهن , فالشمس موجودة فى الخارج , سواء اعترفت بوجودها او لم تعترف , والله تعالى موجود حقيقة , سواء آمن به الناس او لم يؤمنوا , لا يتوقف وجوده على وجود شيء من مخلوقاته , فهو سبحانه الغنى ونحن الفقراء اليه ,
يقول ابن تيمية [ ما هو ثابت فى نفس الامر بالسمع او بغيره ثابت , سواء علمنا بالعقل او بغير العقل ثبوته او لم نعلم بثبوته لا بعقل ولا بغيره , اذ عدم العلم ليس علما بالعدم , وعدم علمنا بالحقائق لا ينفى ثبوتها , فى انفسها , فما اخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم , هو ثابت فى نفس الامر , سواء علمنا صدقه او لم نعلمه , ومن ارسله الله تعالى الى الناس فهو رسوله , سواء علم الناس او لم يعلموا وما اخبر به فهو حق وان لم يصدقه الناس [ لاحظ تكرار الكلام بالفاظ متقاربة والمعنى واحد وكلمة واحدة تغنى عن هذا كله ] فثبوت الرسالة فى نفسها ليس موقوفا على وجودنا , فضلا عن ان يكون موقوفا على عقولنا , او على الادلة التى نعلمها بعقولنا ]
الرد
هذا كلام صواب من جانب وخطأ من جانب آخر ورد على ابن تيمية من جانب ثالث
اما انه صواب , فانه فعلا وحقيقة وجود الله تعالى واسمائه وصفاته ليس متوقفا على وجودنا ولا على تفكيرنا العقلى , فهو خالق ولا مخلوق , ورب ولا مربوب , ليس بعد الخلق استفاد اسم الخالق , ولا بعد البرية استفاد اسم البارىء , [ كما عبر صاحب الطحاوية ] فليس هذا الكلام من كيس ابن تيمية , فالله تعالى قادر على ان يذهبنا ويأتى بآخرين [ ان يشأ يذهبكم ويأت بآخرين ]
ولكن هذا الكلام ليس على اطلاقه [ وهذا جانب الخطأ ] فالله عز وجل هو الذى خلق العقل وهو الذى اسجد له الملائكة , وهو الذى وضع القوانين العقلية التى تحكم حياتنا , وتفكيرنا , { سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا , } فلا رسالة ولا رسول الا بعد خلق العقل ووجود التفكير العقلى , لأن العقل هو المخاطب , فمن اجله انزلت الكتب وارسلت الرسل وشرعت الشرائع فهى عملية متلازمة , قال تعالى { الرحمن , علم القرآن , خلق الانسان , علمه البيان } فقدم تعليم القرآن على خلق الانسان ثم علم الانسان البيان ليفهم القرآن , [ المصيبة الكبرى ان اتباع ابن تيمية تركوا القرآن وهجروا تدبره بحجة انه حمال اوجه وان اهل البدع يستدلون به على بدعهم , كأن القرآن منبع البدع , ورفعوا السنة فوق القرآن مع انها خادمة له ]
--واما كون هذا الكلام يرد على ابن تيمية
فاولا هذا كلام عقلى صرف , فاماذا تعيب على الاشاعرة التفكير العقلى ؟
وثانيا : اذا الامر هكذا والله تعالى موجود بصرف النظر عن وجودنا , او وجود اى كائن فمن اين لك حوادث لا اول لها ؟ ومن اين لك قدم العالم بالنوع ؟ والعقل لم يكن موجودا حتى يشهد على هذا الكلام ؟ وخاصة انه ليس معك دليل نقلى على هذا الكلام ؟
--يقول ابن تيمية بعد هذا الكلام [ وهذا كما ان وجود الرب تعالى وما يستحقه من الاسماء والصفات ثابت فى نفس الامر سواء علمناه او لم نعلمه ] فمن اين لك حمل المتشابهات على الظاهر ؟ [ اليد والوجه والعين والمجئ والنزول والهرولة والضحك والغضب , وغيرها ] من لك انها على الحقيقة ؟ لماذا خالفت الصحابة الذين سكتوا ولم يسألوا ولم يفسروا وكل ما ورد عنهم التفويض الاجمالى , وبعض التأويل , اليسوا هم القائلين [ سمعنا واطعنا ] بلا سؤال , بالله عليك هل قالوا [ على الظاهر ] او [ على الحقيقة ]
ثم يقول [ فتبين ان العقل ليس اصلا لثبوت الشرع فى نفسه , ولا معطيا له صفة لم تكن له , ولا مفيدا له صفة كمال , اذ العلم مطابق للمعلوم المستغنى عن العلم , تابع له , ليس مؤثرا فيه [ واتحدى اتباعه ان يفهموا هذا الكلام ]
ثم يتحول الى النقطة الثانية { انواع العلم }
الاول : علم عملى ,[ وهو ما كان شرطا فى حصول المعلوم ,] مثل ان نفكر فى صنع سيارة او طائرة , ونصممها على الورق ثم نقوم بالتنفيذ , فالعلم هنا سابق على وجود المعلوم فى الواقع ,
الثانى : العلم النظرى [ هو ما كان المعلوم غير مفتقر اليه ] مثل علمنا بوحدانية الله تعالى , ورسله وملائكته وكتبه , فان هذه المعلومات ثابتة , فى الواقع سواء علمنا بها او لم نعلم , والشرع مع العقل من هذا الباب
انتبه اخى الكريم , اراد ابن تيمية فى هذا الجزء من كلامه اثبات ان الشرع فى الحقيقة وفى الواقع موجود قبل العقل فلا يؤثر فيه , وليس العقل بهذا المفهوم اصلا للنقل , ورغم بعض التحفظات فان هذا الكلام فى الواقع صحيح ولا غبار عليه ونوافقه عليه تماما
ولكن تنبه جيدا اخى الكريم , هذا الكلام نقله ابن تيمية بالكامل من كتب ابن سينا الملقب بالشيخ الرئيس , ولم يصرح ابن تيمية بهذا النقل اى لم ينسبه الى قائله كما هى عادة العلماء الكبار , ولكنه بدل ذلك كفر ابن سينا وحكم عليه بالالحاد والزندقة ولم يترك وصفا سيئا الا وصفه به , وحذر من قراءة كتبه , لأنها كتب الكفر والزندقة , حتى لا نكتشف انه ينقل من كتبه ما يحلو له
اقرأ هذا الكلام لابن سينا فى كتاب [ تسع رسايل فى الحكمة والطبيعيات الطبعة الثانية دار العرب القاهرة ]
{ الرسالة الخامسة , فى اقسام العلوم العقلية , فصل فى ماهية الحكمة , [ وركز جيدا لأنه كلام يحتاج الى شرح ] الحكمة صناعة نظر , يستفيد منها الانسان تحصيل ما عليه الوجود كله فى نفسه , وما عليه الواجب , مما ينبغى ان يكسبه فعله لتشرف بذلك نفسه , وتستكمل وتصير عالما معقولا مضاهيا للعالم الموجود , وتستعد للسعادة القصوى بالآخرة وذلك بحسب الطاقة البشرية
فصل فى اول اقسام الحكمة [ وهذا ما نقله ابن تيمية بالتمام ] الحكمة تنقسم الى قسم نظرى مجرد [ الذى سماه ابن تيمية بالعلم النظرى ] وقسم عملى [ الذى سما ابن تيمية بالعلم العملى ] والقسم النظرى هو الذى الغاية فيه حصول الاعتقاد اليقينى بحال الموجودات التى لا يتعلق وجودها بحال الانسان , ويكون المقصود انما هو حصول رأى فقط , مثل علم التوحيد وعلم الهيئة [ اى علم الفلك ] والقسم العملى هو الذى ليس الغاية فيه حصول الاعتقاد اليقينى بالموجودات , بل بما يكون المقصود فيه حصول صحة رأى فى امر يحصل بكسب الانسان ليكتسب ما هو الخير منه , فلا يكون المقصود حصول رأى فقط بل حصول رأى لاجل عمل , فغاية النظرى هو الحق , وغاية العملى هو الخير } انتهى كلام ابن سينا
وانظر الى هذه المفاجأة
نفس الكلام نقله ابن تيمية من كتاب الشفاء لابن سينا , [ كتاب الشفاء قسم المنطق طبعة وزارة المعارف العمومية القاهرة بمناسبة الذكرى الالفية للشيخ الرئيس سنة 1952 ]
{ ان الغرض من الفلسفة ان يوقف على حقائق الاشياء كلها على قدر ما يمكن الانسان ان يقف عليه , والاشياء الموجودة , اما اشياء موجودة ليس وجودها باختيارنا وفعلنا , واما اشياء وجودها باختيارنا وفعلنا , ومعرفة الامور التى من القسم الاول تسمى فلسفة نظرية , ومعرفة الامور التى من القسم الثانى تسمى فلسفة عملية , والفلسفة النظرية انما الغاية منها تكميل النفس بأن تعلم فقط ,والفلسفة العملية انما الغاية منها تكميل النفس لا بان تعلم فقط بل بان تعلم ما يعمل به فتعمل , فالنظرية غايتها اعتقاد رأى ليس بعمل , والعملية معرفة رأى هو عمل , فالنظرية اولى بان تنسب الى الرأى } انتهى كلام ابن سينا
وهو مطابق لكلامه السابق وهو نفسه الذى نقله ابن تيمية , وانا قلت على هذا الكلام مفاجأة لأنه منقول من كتاب الشفاء الذى يشنع به ابن تيمية على الاشاعرة وخاصة الغزالى , فدائما ينقل كلاما منسوبا الى ابى بكر بن العربى [ ان الشفاء امرض الغزالى وان الغزالى دخل فى بطون الفلاسفة ولم يستطع ان يخرج ] مع ان محقق كتاب قانون التأويل لابن العربى كتب فى هامشه انه قرأ كتب بن العربى كلها فلم يجد هذه العبارة ,
فمن الذى نقل من الشفاء ؟ ومن الذى امرضه الشفاء ؟ ومن الذى دخل فى بطون الفلاسفة فلم يخرج ؟
اين الكتاب والسنة بفهم سلف الامة ؟ اذا كان ينقل كلام الفلاسفة فلماذا يكفرهم ؟ انا لا ادافع عنهم ولكنه اخذ احكامه على الفلاسفة فرمى بها الاشاعرة , وابتدع البدعة الكبرى ان الاشاعرة يقدمون العقل على النقل ,
هل حذر من الفلاسفة وابن سينا بالذات حتى ينقل منهم على هواه ولا نكتشف ذلك ؟
يتبع ان شاء الله تعالى