[SIZE=6]الحوار الصوفى السلفى: موجباته وموجهاته(3)
د.صبرى محمد خليل /استاذ بجامعه الخرطوم/ تخصص فلسفه القيم الاسلاميه
sabri.khalil@hotmail.com
الاولى يجب ان يتم طبقا للضوابط الشرعيه فى الامر بالمعروف والنهى عن منكر، من هذه الضوابط قاعده " سد الذرائع "،اى جعل حكم الفعل الذى يلزم منه الضررالمنع ، ومن ادلتها عدم هدم الرسول (صلى الله عليه وسلم) الكعبه لاعاده بناءها على قواعدها الصحيحه لان الناس كانوا حديثى العهد بالاسلام . ومنها قاعده العذر بالجهل ودليلها في السنة قوله(صلى الله عليه وسلم)(اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون). يقول ابن القيم ( أما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول كالرافضة والقدرية ونحوهم فهؤلاء أقسام: أحدهما الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادراً على تعلم الهدى وحكمه حكم المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يغفر عنهم)( ابن القيم، الطرق الحكمية، ص174).
التوسل:كما اختلف العلماء فى حكم التوسل إلى مذهبين: الاول هو المنع استنادا إلى العديد من الادله منها قوله تعالى( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر: 3 )، والمذهب الثاني هو جواز التوسل بالأحياء والأموات من الأنبياء والصالحين استنادا إلى العديد من الادله منها قوله تعالى( أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) ، وقوله صلى الله عليه ويسلم( الله الذي يحيى ويميت وهو حى لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين )( رواه الطبراني في الكبير والأوسط )، وما رواه البخاري في صحيحة من أن عمر ( رضي الله عنه ) استسقى عام الرمادة بالعباس فقال :اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون(البخاري كتاب الاستسقاء فتح ج3 ص182).أما مذهب التفصيل فيقوم على التمييز بين كيفيتين للتوسل:الأولى
تقوم على التوسل الذى لا يتضمن اى شكل من أشكال الشرك ، وأشارت له النصوص كالتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته كما فى قوله تعالى(ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) (الأعراف 180 . ) ، او بالأعمال الصالحة، كما فى قوله تعالى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ، او بدعاء من ترجى إجابته من المؤمنين كقوله تعالى( قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) ، او بذكر حال الداعي المبينة لاضطراره وحاجته كقول موسى (عليه السلام) : رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(القصص 24 )، وهذه الكيفية حكمها الاباحه.أما الكيفية الثانية فتقوم على التوسل القائم على الشرك باى شكل من أشكاله كإسناد صفات الربوبية من إحياء واماته و رزق وضرر ونفع... لغيره تعالى ، او جعل وسيط بين الله تعالى وخلقه( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى( ، او التقرب الله تعالى بعمل مخالف للكتاب والسنة ، وهذه الكيفية حكمها المنع. وهنا نستأنس بقول ابن تيميه فى تعقيبه على واقعه ان عمر(رضي الله عنه) استسقى بالعباس بن عبد المطلب، ( فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي "صلى الله عليه وسلم" في حياته، وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم فيدعو لهم، ويدعون معه كالإمام والمأمومين من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق)( اقتضاء الصراط المستقيم ، ص359 دار الحديث-القاهرة-بدون تاريخ.).
المفاهيم من الإثبات و النفي المطلقين إلى الإثبات المقيد:ومن هذه الموجهات تجاوز مذهبي الإثبات المطلق او النفي المطلق للمفاهيم إلى مذهب الإثبات والنفي المقيدين.اى تقييد المفاهيم تكليفيا بالأوامر والنواهي التي مصدرها الوحي، وتكوينيا بالسنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشامل للكون المسخر والإنسان المستخلف.
مفهوم الكرامات: ومثال لذلك كرامات الأولياء التي اثبتها أهل السنة بفرقهم المختلفة ، غير أن هناك مذهبين في إثباتها، و بالتالي تفسيرها:
الاول:مذهب الإثبات المطلق:اى إثبات الكرامة دون تقييد مضمونها:
أولا:تكليفيا: فالكرامة يمكن أن تحدث للشخص مع عدم التزامه بأوامر ونواهي الشريعة ،وهو رأى رفضه أهل التصوف السني،ولم يقل به إلا أهل التصوف القائم على مفاهيم الحلول والاتحاد ووحده الوجود، لأنه يلزم من هذه المفاهيم القول بسقوط التكاليف.
ثانيا: تكوينيا: فالكرامة يمكن أن تتم بانقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،وهو ما عبر عنه أصحاب هذا التفسير بتعريف الكرامة بأنها " خرق للعادة"، والمقصود بالعادة عند أصحاب هذا التفسير العادة المضطرة اى السنن الالهيه. غير أن هذا التفسير لا يوضح الفرق بين الكرامة والمعجزة، لذا رفضه عدد من متأخري الاشاعرة و المتصوفة منهم السبكي القائل )معاذ الله أن يتحدى نبي بكرامه تكررت على ولي، بل لا بد أن يأتي النبي بما لا يوقعه الله على يد الولي ،و إن جاز وقوعه فليس كل جائز في قضايا العقول واقعا . و لما كانت مرتبة النبي أعلى و أرفع من مرتبة الولي كان الولي ممنوعا مما يأتي به النبي على الإعجاز و التحدي ، أدبا مع النبي )( طبقات الشافعية 2/320 ).
الثانى:مذهب الإثبات المقيد: اى إثبات الكرامة مع تقييد مضمونها:
اولا: تكليفيا :بالتزام الأوامر والنواهي ، وقال بهذا الحنابلة والاشاعره وأهل التصوف السني يقول ابن تيميه (فأما المستقيمون من السالكين كجمهورمشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر [الجيلاني]، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم) ( مجموع الفتاوى (ج10. ص516ـ517).
ثانيا:تكوينيا: بالتزام حتمية السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود ، وبالتالي فان الكرامة هي تكريم الله تعالى لشخص صالح ،دون انقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود.يقول الاسفرائينى (إن الكرامة لا تبلغ مبلغ خرق العادة وإنما هي إجابة دعوة أو موافاة ماء في.غير موقع المياه أو ما ضاهي ذلك، وكل ما جاز معجزة لنبي لم يجز كرامة لولي)( الاسفرائينى، الموافقات، ص25.) ،وهو يقارب رأى عدد من العلماء الذين فرقوا بين الكرامة والمعجزة بان ما جاز معجزه لنبي لا يجوز كرامه لولى ، يقول الإمام النووي (قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين الذي صار إليه أهل الحق جواز انخراق العادة في حق الأولياء ... قال وصار بعض أصحابنا إلي أن ما وقع معجزة للنبي لا يجوز تقدير وقوعة كرامه لولي فيمتنع عند هؤلاء أن ينفلق البحر وينقلب العصا ثعبان ويحي الموتى إلي غير ذلك من آيات الأنبياء كرامة لولي )( الإمام النووي، بستان العارفين، ص 30.)، و رفض أبو محمد بن أبي زيد المالكي الكرامة طبقا للتفسير الأول إلا بشرط حدوثها في المنام , وتبعه في هذا الراى عددا من العلماء منهم أبا الحسن علي القابسي (ت 403هـ) وأبا جعفر أحمد الداودي (402هـ). وجوز الإمام ابن حزم من أهل الظاهر الكرامة طبقا للتفسير الأول في حياة الرسول أما بعد موته صلى الله عليه وسلم فيرى انه لا سبيل إلى شيء من هذا. (ابن حزم،الأصول والفروع،دار الكتب العلمية،بيروت،1984.)، وطبقا لهذا التفسير يجوز الأخذ بالتعريف الكرامة بأنها"خرق للعادة".بشرط أن يكون المقصود بالعادة ما اعتاد عليه الناس لا العادة المضطردة، ورد في شرح العقيدة الطحاويه"فالمعجزة في اللغة كل أمر خارق للعادة ،وكذلك الكرامة في عرف ألائمه أهل العلم المتقدمين، ولكن كثير من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما...وجماعها الأمر الخارق للعادة...وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله ،ويعلمه ماعلمه الله إياه، ويستغنى عما أغناه الله ،ويقدر على ما اقدره الله عليه من الأمور المخالفة للعادة المضطردة أو لعاده اغلب الناس ،فجميع المعجزات والكرامات لا تخرج عن هذه الأنواع )( شرح العقيدة الطحاويه ،مكتبه الدعوة الاسلاميه،القاهرة،ص 499.)
مفهوم الشهود: ومثال اخرمفهوم الشهود، حيث نجد مذهبين فى اثباته:
اولا:مذهب الاثبات المطلق: ويقوم على اعتبار ان الشهود هو الادراك مطلق للذات الالهيه فى الحياه الدنيا لغير الانبياء ، ويقول به اصحاب مذاهب الحلول واتحاد ووحده الوجود ، وقد رفضه علماء اهل السنه لانه يتعارض مع المعنى الشرعى للشهود الذى يقصر ادراك الذات الالهيه فى الحياه الدنيا على الانبياء(فى حاله الوحى)، وهوادراك محدود وليس مطلق، ولانه يترتب عليه القول بالحلول اوالاتحاد او الوحده بين الذات الانسانيه والذات الالهيه.
ثانيا:مذهب الاثبات المقيد: ويقوم على ا نرؤيته تعالى ثابته للمؤمنين فى الاخره قال تعالى (وجوه يؤمئذ ناضره* الى ربها ناظره) ، غير انها غير ممكنه فى الحياه الدنيا لقوله تعالى(لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) وقوله تعالى لَن تَرَانِي) (سورة الأعراف:143)..وبالتالى ان المعنى الشرعى للشهود هو معرفه الله تعالى - وليس رؤيته- لان المعرفه اشمل من الرؤيه ، يقول ابن تيميه( الفرق الثاني وهو أن يشهد أن المخلوقات قائمة بالله، مدبرة بأمره، ويشهد كثرتها معدومة بوحدانية الله -سبحانه وتعالى- وأنه -سبحانه- رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها. فيكون مع اجتماع قلبه على الله إخلاصا، ومحبة وخوفا، ورجاء، واستعانة، وتوكلا على الله، وموالاة فيه، ومعاداة فيه، وأمثال ذلك، ناظرا إلى الفرق بين الخالق والمخلوق، مميزا بين هذا وهذا، يشهد تفرق المخلوقات وكثرتها مع شهادته أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه هو الله لا إله إلا هو، وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم. ، وذلك واجب في علم القلب، وشهادته، وذكره ومعرفته، وفي حال القلب، وعبادته، وقصده، وإرادته، ومحبته، وموالاته، وطاعته، وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تنفي عن قلبه ألوهية ما سوى الحق، وتثبت في قلبه ألوهية الحق) (كتاب العبوديه) ،ويقول ابن القيم (ولم يهتدوا إلى الشهود الصحيح الذي يميز به صاحبه بين وجود الخالق ووجود المخلوق)(مدارج السالكين). كما يقسم هذا المذهب الشهود الشرعى عالى قسمين:
اولا: صفاتى: مضمونه معرفه مادل على وجوده تعالى، وينقسم الى قسمين:
ا/ تكليفى: يتمثل في معرفه الوحى من حيث انه ايات تكليفيه- داله على الله تعالى يقول ابن القيم( القران كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته) (ابن القيم ، مدارج السالكين، ج3، ص399).
ب/ تكويني: يتمثل في معرفه عالم الشهادة و السنن الالهيه التى تضبط حركته من حيث أنه وجود محدود بالوجود المطلق لله تعالى، فهو بمثابة آيات- تكوينيه- داله على وجوده تعالى ( فالكون كما هو محل الخلق والأمر مظهر الأسماء والصفات فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده الى النظر فيها) (ابن القيم، مدارج السالكين، ج3، 198).
والعلاقه بينهما هى علاقه الكل بالجزء ، يحده فيكمله ولكن لا يلغيه، يقول ابن القيم (وهذا البيان نوعان: بيان بالآيات المسموعة المتلوة، وبيان بالآيات المشهودة المرتبة، وكلاهما أدلة وآيات على توحيد الله وأسمائه وصفاته وكلامه).
ثانيا: ذاتى: مضمونه معرفه عين وجوده تعالى، وينقسم الى قسمين: شهود محدود ((مقيد) فى الحياه الدنيا وهو مقصورعلى الانبياء ويتمثل فى الوحى . وشهود مطلق فى الحياه الاخره وهو مقصور على المؤمنين وهو ماعبر عنه أهل السنة برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة.
المصطلحات من التضييق الى التوسيع: ومن هذه الموجهات انتقال من التضييق الى التوسيع فى استخدام المصطلحات، من خلال تقرير ان المصطلح المعين قد تكون له دلالات متعدده خاصه وعامه.
مصطلح السلفية: مثال لذلك يقصر البعض مصطلح السلفيه على مذهب معين " المذهب الحنبلى مثلا " وهو ما يعنى الغاء لعموم دعوه القران والسنة لجميع المسلمين للاقتداء بالسلف الصالح، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه) (التوبة:الآية100).وقال (صلى الله عليه وسلم)(خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجئ أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته)( رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم).
كما يعنى إنكار خصوبة المنهج الاسلامى(والذى تشكل السلفيه جزء منه، وليس منهج مستقل عنه) وقابليته للتطبيق على أمكنه وازمنه متعددة،و بالتالي إنتاج مذهب متعددة. ويترتب على ما سبق
انه إذا كان من الممكن ان نطلق صفه السلفية على مذهب معين على وجه الخصوص، فانه لا يصح ان نقصرها عليه، بل يجوز إطلاقها على غيره من المذاهب على وجه العموم، بشرط تقيدها بضوابط المصطلح الشرعية.
أهل السنة: ومثال آخر مصطلح أهل السنة ،الذى من الممكن ان نصف به مذهب معين على وجه الخصوص، لكن لا يصح ان نقصره علي هذا المذهب، بل يجوز ان نصف به غيره من المذاهب على وجه العموم، مادامت هذه المذاهب مقيده بضوابط المصطلح الشرعية.وتأكيدا لما سبق فان ائمه المذهب الحنبلي أوردوا تعريفا عاما لمصطلح أهل السنة،يمكن ان ينطبق على العديد من المذاهب يقول ابن تيمية في تعريفه لأهل السنة: (هم المتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان)(جموع الفتاوى (3/375). ويقول(فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى (3/346). وأورد الإمام ابن تيميه دلالتين للمصطلح ،الأولى هي الدلالة العامة له ويمكن ان يندرج تحتها المذاهب الفقهية : الحنبلي والشافعي والمالكي...والمذاهب الاعتقاديه الكلامية: الاشعرى والماتريدي والطحاوي وأهل الظاهر-وكما هو معلوم فان بعض هذه المذاهب تشكل الأساس الفقهي والاعتقادى للتصوف السني- حيث يقول ابن تيمية ( فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة )(منهاج السنة 2/ 221). والثانية هي الدلالة الخاصة لمصطلح أهل السنة كما فى قوله ( وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة فلا
يدخل فيه إلا من أثبت الصفات لله تعالى، ويقول : إن القرآن غير
مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة ، ويثبت القدر وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة)وطبقا لما سبق فانه يمكن القول ان ابن تيميه يعتبر ان التصوف السني او جزء غالب منه، يندرج تحت الدلالة العامة لمصطلح أهل السنة ، حيث يقول انه نقل التكلم بالتصوف عددا من ائمه أهل السنة ) أما لفظ الصوفية فانه لم يكن مشهورا فى القرون الثلاثة وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام احمد بن حنبل وأبى سليمان الدارانى وغيرهما وقد روى عن سفيان الثوري أنه تكلم به وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصرى) (مجموع الفتاوى "جزء 11 صفحة5 )،كما يضع التصوف مع باقي مذاهب وفرق أهل السنة فى كثير من النصوص كما فى قوله(وأما جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه والتصوف فعلى ما جاءت به الرسل وما جاء عنهم من الكتب والاثارة من العلم وهم المتبعون للرسالة إتباعا محضا لم يشوبوه بما يخالفه) ( مجموع الفتاوى "جزء 12 صفحة 36).
الاصطلاحات من اللفظ إلى المعنى:ومن هذه الموجهات الانتقال من رفض المصطلح لمجرد ان اللفظ المستخدم للتعبير عنه محدث، إلى تقييم معناه طبقا لمدى اتساقه او تناقضه مع قواعد الوحي المطلقة ، لان العلماء قالوا انه لا مشاجه في الاصطلاح، والعبرة بالمضمون لا الشكل، كما ان القران الكريم احتوى على عشرات الكلمات ذات الأصول الاعجميه كسندس وكرسي وإستبرق ..(عدنان سعد الدين ، الحركة الاسلاميه رؤية مستقبليه ،مكتبه مدبولى، ص271 )، يقول ابن تيمية عن المصطلحات الكلامية مثلا (فالسلف والأئمة لم يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ الجوهر والعرض والجسم وغير ذلك؛ بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معاني مجملة في النفي والإثبات ... فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووزنت بالكتاب والسنة، بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة، وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة كان ذلك هو الحق)( مجموع الفتاوى، المجلد الثالث).وتطبيقا لما سبق يقول ابن تيمية
(وفي كلام أهل التصوف عبارات موهمة في ظاهرها بل وموحشة أحيانًا، ولكن تحتمل وجهًا صحيحًا يمكن حملها عليه، فمن الإنصاف أن تحمل على الوجه الصحيح كالفناء، والشهود، والكشف ، ونحو ذلك ) (مجموع الفتاوى /ص337).
- للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة العنوان http://drsabrikhalil.wordpress.com) ) .[/SIZE]
د.صبرى محمد خليل /استاذ بجامعه الخرطوم/ تخصص فلسفه القيم الاسلاميه
sabri.khalil@hotmail.com
الاولى يجب ان يتم طبقا للضوابط الشرعيه فى الامر بالمعروف والنهى عن منكر، من هذه الضوابط قاعده " سد الذرائع "،اى جعل حكم الفعل الذى يلزم منه الضررالمنع ، ومن ادلتها عدم هدم الرسول (صلى الله عليه وسلم) الكعبه لاعاده بناءها على قواعدها الصحيحه لان الناس كانوا حديثى العهد بالاسلام . ومنها قاعده العذر بالجهل ودليلها في السنة قوله(صلى الله عليه وسلم)(اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون). يقول ابن القيم ( أما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول كالرافضة والقدرية ونحوهم فهؤلاء أقسام: أحدهما الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادراً على تعلم الهدى وحكمه حكم المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يغفر عنهم)( ابن القيم، الطرق الحكمية، ص174).
التوسل:كما اختلف العلماء فى حكم التوسل إلى مذهبين: الاول هو المنع استنادا إلى العديد من الادله منها قوله تعالى( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر: 3 )، والمذهب الثاني هو جواز التوسل بالأحياء والأموات من الأنبياء والصالحين استنادا إلى العديد من الادله منها قوله تعالى( أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) ، وقوله صلى الله عليه ويسلم( الله الذي يحيى ويميت وهو حى لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين )( رواه الطبراني في الكبير والأوسط )، وما رواه البخاري في صحيحة من أن عمر ( رضي الله عنه ) استسقى عام الرمادة بالعباس فقال :اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون(البخاري كتاب الاستسقاء فتح ج3 ص182).أما مذهب التفصيل فيقوم على التمييز بين كيفيتين للتوسل:الأولى
تقوم على التوسل الذى لا يتضمن اى شكل من أشكال الشرك ، وأشارت له النصوص كالتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته كما فى قوله تعالى(ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) (الأعراف 180 . ) ، او بالأعمال الصالحة، كما فى قوله تعالى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ، او بدعاء من ترجى إجابته من المؤمنين كقوله تعالى( قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) ، او بذكر حال الداعي المبينة لاضطراره وحاجته كقول موسى (عليه السلام) : رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(القصص 24 )، وهذه الكيفية حكمها الاباحه.أما الكيفية الثانية فتقوم على التوسل القائم على الشرك باى شكل من أشكاله كإسناد صفات الربوبية من إحياء واماته و رزق وضرر ونفع... لغيره تعالى ، او جعل وسيط بين الله تعالى وخلقه( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى( ، او التقرب الله تعالى بعمل مخالف للكتاب والسنة ، وهذه الكيفية حكمها المنع. وهنا نستأنس بقول ابن تيميه فى تعقيبه على واقعه ان عمر(رضي الله عنه) استسقى بالعباس بن عبد المطلب، ( فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي "صلى الله عليه وسلم" في حياته، وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم فيدعو لهم، ويدعون معه كالإمام والمأمومين من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق)( اقتضاء الصراط المستقيم ، ص359 دار الحديث-القاهرة-بدون تاريخ.).
المفاهيم من الإثبات و النفي المطلقين إلى الإثبات المقيد:ومن هذه الموجهات تجاوز مذهبي الإثبات المطلق او النفي المطلق للمفاهيم إلى مذهب الإثبات والنفي المقيدين.اى تقييد المفاهيم تكليفيا بالأوامر والنواهي التي مصدرها الوحي، وتكوينيا بالسنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشامل للكون المسخر والإنسان المستخلف.
مفهوم الكرامات: ومثال لذلك كرامات الأولياء التي اثبتها أهل السنة بفرقهم المختلفة ، غير أن هناك مذهبين في إثباتها، و بالتالي تفسيرها:
الاول:مذهب الإثبات المطلق:اى إثبات الكرامة دون تقييد مضمونها:
أولا:تكليفيا: فالكرامة يمكن أن تحدث للشخص مع عدم التزامه بأوامر ونواهي الشريعة ،وهو رأى رفضه أهل التصوف السني،ولم يقل به إلا أهل التصوف القائم على مفاهيم الحلول والاتحاد ووحده الوجود، لأنه يلزم من هذه المفاهيم القول بسقوط التكاليف.
ثانيا: تكوينيا: فالكرامة يمكن أن تتم بانقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،وهو ما عبر عنه أصحاب هذا التفسير بتعريف الكرامة بأنها " خرق للعادة"، والمقصود بالعادة عند أصحاب هذا التفسير العادة المضطرة اى السنن الالهيه. غير أن هذا التفسير لا يوضح الفرق بين الكرامة والمعجزة، لذا رفضه عدد من متأخري الاشاعرة و المتصوفة منهم السبكي القائل )معاذ الله أن يتحدى نبي بكرامه تكررت على ولي، بل لا بد أن يأتي النبي بما لا يوقعه الله على يد الولي ،و إن جاز وقوعه فليس كل جائز في قضايا العقول واقعا . و لما كانت مرتبة النبي أعلى و أرفع من مرتبة الولي كان الولي ممنوعا مما يأتي به النبي على الإعجاز و التحدي ، أدبا مع النبي )( طبقات الشافعية 2/320 ).
الثانى:مذهب الإثبات المقيد: اى إثبات الكرامة مع تقييد مضمونها:
اولا: تكليفيا :بالتزام الأوامر والنواهي ، وقال بهذا الحنابلة والاشاعره وأهل التصوف السني يقول ابن تيميه (فأما المستقيمون من السالكين كجمهورمشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر [الجيلاني]، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم) ( مجموع الفتاوى (ج10. ص516ـ517).
ثانيا:تكوينيا: بالتزام حتمية السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود ، وبالتالي فان الكرامة هي تكريم الله تعالى لشخص صالح ،دون انقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود.يقول الاسفرائينى (إن الكرامة لا تبلغ مبلغ خرق العادة وإنما هي إجابة دعوة أو موافاة ماء في.غير موقع المياه أو ما ضاهي ذلك، وكل ما جاز معجزة لنبي لم يجز كرامة لولي)( الاسفرائينى، الموافقات، ص25.) ،وهو يقارب رأى عدد من العلماء الذين فرقوا بين الكرامة والمعجزة بان ما جاز معجزه لنبي لا يجوز كرامه لولى ، يقول الإمام النووي (قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين الذي صار إليه أهل الحق جواز انخراق العادة في حق الأولياء ... قال وصار بعض أصحابنا إلي أن ما وقع معجزة للنبي لا يجوز تقدير وقوعة كرامه لولي فيمتنع عند هؤلاء أن ينفلق البحر وينقلب العصا ثعبان ويحي الموتى إلي غير ذلك من آيات الأنبياء كرامة لولي )( الإمام النووي، بستان العارفين، ص 30.)، و رفض أبو محمد بن أبي زيد المالكي الكرامة طبقا للتفسير الأول إلا بشرط حدوثها في المنام , وتبعه في هذا الراى عددا من العلماء منهم أبا الحسن علي القابسي (ت 403هـ) وأبا جعفر أحمد الداودي (402هـ). وجوز الإمام ابن حزم من أهل الظاهر الكرامة طبقا للتفسير الأول في حياة الرسول أما بعد موته صلى الله عليه وسلم فيرى انه لا سبيل إلى شيء من هذا. (ابن حزم،الأصول والفروع،دار الكتب العلمية،بيروت،1984.)، وطبقا لهذا التفسير يجوز الأخذ بالتعريف الكرامة بأنها"خرق للعادة".بشرط أن يكون المقصود بالعادة ما اعتاد عليه الناس لا العادة المضطردة، ورد في شرح العقيدة الطحاويه"فالمعجزة في اللغة كل أمر خارق للعادة ،وكذلك الكرامة في عرف ألائمه أهل العلم المتقدمين، ولكن كثير من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما...وجماعها الأمر الخارق للعادة...وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله ،ويعلمه ماعلمه الله إياه، ويستغنى عما أغناه الله ،ويقدر على ما اقدره الله عليه من الأمور المخالفة للعادة المضطردة أو لعاده اغلب الناس ،فجميع المعجزات والكرامات لا تخرج عن هذه الأنواع )( شرح العقيدة الطحاويه ،مكتبه الدعوة الاسلاميه،القاهرة،ص 499.)
مفهوم الشهود: ومثال اخرمفهوم الشهود، حيث نجد مذهبين فى اثباته:
اولا:مذهب الاثبات المطلق: ويقوم على اعتبار ان الشهود هو الادراك مطلق للذات الالهيه فى الحياه الدنيا لغير الانبياء ، ويقول به اصحاب مذاهب الحلول واتحاد ووحده الوجود ، وقد رفضه علماء اهل السنه لانه يتعارض مع المعنى الشرعى للشهود الذى يقصر ادراك الذات الالهيه فى الحياه الدنيا على الانبياء(فى حاله الوحى)، وهوادراك محدود وليس مطلق، ولانه يترتب عليه القول بالحلول اوالاتحاد او الوحده بين الذات الانسانيه والذات الالهيه.
ثانيا:مذهب الاثبات المقيد: ويقوم على ا نرؤيته تعالى ثابته للمؤمنين فى الاخره قال تعالى (وجوه يؤمئذ ناضره* الى ربها ناظره) ، غير انها غير ممكنه فى الحياه الدنيا لقوله تعالى(لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) وقوله تعالى لَن تَرَانِي) (سورة الأعراف:143)..وبالتالى ان المعنى الشرعى للشهود هو معرفه الله تعالى - وليس رؤيته- لان المعرفه اشمل من الرؤيه ، يقول ابن تيميه( الفرق الثاني وهو أن يشهد أن المخلوقات قائمة بالله، مدبرة بأمره، ويشهد كثرتها معدومة بوحدانية الله -سبحانه وتعالى- وأنه -سبحانه- رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها. فيكون مع اجتماع قلبه على الله إخلاصا، ومحبة وخوفا، ورجاء، واستعانة، وتوكلا على الله، وموالاة فيه، ومعاداة فيه، وأمثال ذلك، ناظرا إلى الفرق بين الخالق والمخلوق، مميزا بين هذا وهذا، يشهد تفرق المخلوقات وكثرتها مع شهادته أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه هو الله لا إله إلا هو، وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم. ، وذلك واجب في علم القلب، وشهادته، وذكره ومعرفته، وفي حال القلب، وعبادته، وقصده، وإرادته، ومحبته، وموالاته، وطاعته، وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تنفي عن قلبه ألوهية ما سوى الحق، وتثبت في قلبه ألوهية الحق) (كتاب العبوديه) ،ويقول ابن القيم (ولم يهتدوا إلى الشهود الصحيح الذي يميز به صاحبه بين وجود الخالق ووجود المخلوق)(مدارج السالكين). كما يقسم هذا المذهب الشهود الشرعى عالى قسمين:
اولا: صفاتى: مضمونه معرفه مادل على وجوده تعالى، وينقسم الى قسمين:
ا/ تكليفى: يتمثل في معرفه الوحى من حيث انه ايات تكليفيه- داله على الله تعالى يقول ابن القيم( القران كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته) (ابن القيم ، مدارج السالكين، ج3، ص399).
ب/ تكويني: يتمثل في معرفه عالم الشهادة و السنن الالهيه التى تضبط حركته من حيث أنه وجود محدود بالوجود المطلق لله تعالى، فهو بمثابة آيات- تكوينيه- داله على وجوده تعالى ( فالكون كما هو محل الخلق والأمر مظهر الأسماء والصفات فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده الى النظر فيها) (ابن القيم، مدارج السالكين، ج3، 198).
والعلاقه بينهما هى علاقه الكل بالجزء ، يحده فيكمله ولكن لا يلغيه، يقول ابن القيم (وهذا البيان نوعان: بيان بالآيات المسموعة المتلوة، وبيان بالآيات المشهودة المرتبة، وكلاهما أدلة وآيات على توحيد الله وأسمائه وصفاته وكلامه).
ثانيا: ذاتى: مضمونه معرفه عين وجوده تعالى، وينقسم الى قسمين: شهود محدود ((مقيد) فى الحياه الدنيا وهو مقصورعلى الانبياء ويتمثل فى الوحى . وشهود مطلق فى الحياه الاخره وهو مقصور على المؤمنين وهو ماعبر عنه أهل السنة برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة.
المصطلحات من التضييق الى التوسيع: ومن هذه الموجهات انتقال من التضييق الى التوسيع فى استخدام المصطلحات، من خلال تقرير ان المصطلح المعين قد تكون له دلالات متعدده خاصه وعامه.
مصطلح السلفية: مثال لذلك يقصر البعض مصطلح السلفيه على مذهب معين " المذهب الحنبلى مثلا " وهو ما يعنى الغاء لعموم دعوه القران والسنة لجميع المسلمين للاقتداء بالسلف الصالح، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه) (التوبة:الآية100).وقال (صلى الله عليه وسلم)(خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجئ أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته)( رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم).
كما يعنى إنكار خصوبة المنهج الاسلامى(والذى تشكل السلفيه جزء منه، وليس منهج مستقل عنه) وقابليته للتطبيق على أمكنه وازمنه متعددة،و بالتالي إنتاج مذهب متعددة. ويترتب على ما سبق
انه إذا كان من الممكن ان نطلق صفه السلفية على مذهب معين على وجه الخصوص، فانه لا يصح ان نقصرها عليه، بل يجوز إطلاقها على غيره من المذاهب على وجه العموم، بشرط تقيدها بضوابط المصطلح الشرعية.
أهل السنة: ومثال آخر مصطلح أهل السنة ،الذى من الممكن ان نصف به مذهب معين على وجه الخصوص، لكن لا يصح ان نقصره علي هذا المذهب، بل يجوز ان نصف به غيره من المذاهب على وجه العموم، مادامت هذه المذاهب مقيده بضوابط المصطلح الشرعية.وتأكيدا لما سبق فان ائمه المذهب الحنبلي أوردوا تعريفا عاما لمصطلح أهل السنة،يمكن ان ينطبق على العديد من المذاهب يقول ابن تيمية في تعريفه لأهل السنة: (هم المتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان)(جموع الفتاوى (3/375). ويقول(فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى (3/346). وأورد الإمام ابن تيميه دلالتين للمصطلح ،الأولى هي الدلالة العامة له ويمكن ان يندرج تحتها المذاهب الفقهية : الحنبلي والشافعي والمالكي...والمذاهب الاعتقاديه الكلامية: الاشعرى والماتريدي والطحاوي وأهل الظاهر-وكما هو معلوم فان بعض هذه المذاهب تشكل الأساس الفقهي والاعتقادى للتصوف السني- حيث يقول ابن تيمية ( فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة )(منهاج السنة 2/ 221). والثانية هي الدلالة الخاصة لمصطلح أهل السنة كما فى قوله ( وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة فلا
يدخل فيه إلا من أثبت الصفات لله تعالى، ويقول : إن القرآن غير
مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة ، ويثبت القدر وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة)وطبقا لما سبق فانه يمكن القول ان ابن تيميه يعتبر ان التصوف السني او جزء غالب منه، يندرج تحت الدلالة العامة لمصطلح أهل السنة ، حيث يقول انه نقل التكلم بالتصوف عددا من ائمه أهل السنة ) أما لفظ الصوفية فانه لم يكن مشهورا فى القرون الثلاثة وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام احمد بن حنبل وأبى سليمان الدارانى وغيرهما وقد روى عن سفيان الثوري أنه تكلم به وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصرى) (مجموع الفتاوى "جزء 11 صفحة5 )،كما يضع التصوف مع باقي مذاهب وفرق أهل السنة فى كثير من النصوص كما فى قوله(وأما جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه والتصوف فعلى ما جاءت به الرسل وما جاء عنهم من الكتب والاثارة من العلم وهم المتبعون للرسالة إتباعا محضا لم يشوبوه بما يخالفه) ( مجموع الفتاوى "جزء 12 صفحة 36).
الاصطلاحات من اللفظ إلى المعنى:ومن هذه الموجهات الانتقال من رفض المصطلح لمجرد ان اللفظ المستخدم للتعبير عنه محدث، إلى تقييم معناه طبقا لمدى اتساقه او تناقضه مع قواعد الوحي المطلقة ، لان العلماء قالوا انه لا مشاجه في الاصطلاح، والعبرة بالمضمون لا الشكل، كما ان القران الكريم احتوى على عشرات الكلمات ذات الأصول الاعجميه كسندس وكرسي وإستبرق ..(عدنان سعد الدين ، الحركة الاسلاميه رؤية مستقبليه ،مكتبه مدبولى، ص271 )، يقول ابن تيمية عن المصطلحات الكلامية مثلا (فالسلف والأئمة لم يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ الجوهر والعرض والجسم وغير ذلك؛ بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معاني مجملة في النفي والإثبات ... فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووزنت بالكتاب والسنة، بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة، وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة كان ذلك هو الحق)( مجموع الفتاوى، المجلد الثالث).وتطبيقا لما سبق يقول ابن تيمية
(وفي كلام أهل التصوف عبارات موهمة في ظاهرها بل وموحشة أحيانًا، ولكن تحتمل وجهًا صحيحًا يمكن حملها عليه، فمن الإنصاف أن تحمل على الوجه الصحيح كالفناء، والشهود، والكشف ، ونحو ذلك ) (مجموع الفتاوى /ص337).
- للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة العنوان http://drsabrikhalil.wordpress.com) ) .[/SIZE]