[SIZE=6]الحوار الصوفى السلفى: موجباته وموجهاته(2)
د.صبرى محمد خليل /استاذ بجامعه الخرطوم/ تخصص فلسفه القيم الاسلاميه
sabri.khalil@hotmail.com
فَأَمَّا " صُوفِيَّةُ الْحَقَائِقِ " : فَهُمْ الَّذِينَ وَصَفْنَاهُمْ . وَأَمَّا " صُوفِيَّةُ الأَرْزَاقِ " فَهُمْ الَّذِينَ وُقِفَتْ عَلَيْهِمْ الْوُقُوفُ . كالخوانك فَلا يُشْتَرَطُ فِي هَؤُلاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْحَقَائِقِ...
وَأَمَّا " صُوفِيَّةُ الرَّسْمِ " فَهُمْ الْمُقْتَصِرُونَ عَلَى النِّسْبَةِ فَهَمُّهُمْ فِي اللِّبَاسِ وَالآدَابِ الْوَضْعِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَؤُلاءِ فِي الصُّوفِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَقْتَصِرُ عَلَى زِيِّ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْجِهَادِ وَنَوْعٌ مَا مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ بِحَيْثُ يَظُنُّ الْجَاهِلُ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ .) (مجموع الفتاوى :14/176).
ويقول ( وأنت تجد كثيراً من المتفقهة، إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئاً ولا يعدهم إلا جهالاً ضلالاً، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئاً، وترى كثيراً من المتصوفة، والمتفقرة لا يرى الشريعة ولا العلم شيئاً، بل يرى المتمسك بها منقطعاً عن الله وأنه ليس عند أهلها مما ينفع عند الله شيئاً.وإنما الصواب: أن ما جاء به الكتاب والسنة، من هذا وهذا: حق، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا: باطل)( اقتضاء الصراط المستقيم 3 19 ) ،وبناء على هذا الموقف يصف ابن تيمية كثير من شيوخ التصوف بشيوخ الإسلام وأئمة هدي(أنهمْ مشائخ الإسلام وأئمة الهدى الَّذيْن جعلَ اللّهُ تعالَى لهم لسْان صدق في الأمةِ،مثْلَ سعْيد بنُ المسيبِ، والحسْن البصريِّ، وعمرْ بنُ عبد العزيز، ومالْك بنُ أنسْ، والأوزاعي، وإبراهيْم بنْ أدهم، وسفْيان الثوري،والفضيّل بنُ عياض، ومعروف الكرّخْي، والشافعي،وأبي سليْمان، وأحمد بنَ حنبل،وبشرُ الحافي، وعبد اللّهِ بنُ المبارك، وشقيّق البلّخِي، ومن لا يحصَّى كثرة.إلى مثْلَ المتأخرينَ: مثْلَ الجنيد بن محمد القواريري، وسهَلْ بنُ عبد اللّهِ التسْتري، وعمرُ بنُ عثمان المكي، ومن بعدهم ـإلى أبي طالبَ المكي إلى مثْل الشيْخ عبد القادرِ الكيلاني، والشّيْخ عدّي، والشيْخ أبي البيْان، والشيخ أبي مدين، والشيخ عقيل، والشيخ أبي الوفاء، والشيخ رسلان، والشيخ عبد الرحيم، والشيخ عبد الله اليونيني، والشيخ القرشي، وأمثال هؤلاء المشايخ الذين كانوا بالحجْازِ والشّام والعرْاق، ومصْر والمغرْب وخرّاسْان، من الأوليْنِ والآخريْنِ).( مجموع الفتاوي:ج2 ص452)
كما أنه الموقف الحقيقي لابن القيم الذي يقول "(فاعلم إن في لسان القوم من الاستعارات وإطلاق العالم وإرادة الخاص وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ما ليس على لسان أحد من الطوائف غيرهم ولهذا يقولون "نحن أصحاب عبارة" و"الإشارة لنا والعبارة لغيرنا" وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد ويريدون بها معنى لا فساد فيه وصار هذا سبباً لفتنة طائفتين: طائفة تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم فبدعوهم وظلموهم. والطائفة الثانية حجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائهم وحسن معاملتهم عن رؤية شطحاتهم ونقصانها فسحبوا عليها زيل المحاسن وأجروا حكم القبول وهؤلاء أيضاً معتدون مفرطون.والطائفة الثالثة: وهم أهل العدل والإنصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد)(مدارج السالكين، ج3). وبناء على هذا الموقف يورد ابن القيم تعريفاُ ايجابيا للتصوف فيقول (... والتصوف زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتسعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومحبة فإن المرء مع من أحب). كما يورد تعريفاً آخراً فيقول "والدين كله خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد في الدين وكذلك التصوف قال الكتبي: التصوف هو الخلق فمن زاد في الخلق فقد زاد عليك في التصوف).
كما ان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رغم ما هو معروف من حمله على كثير من عقائد وسلوكيات الصوفية ، فان بعض النصوص المنقولة عنه تتضمن إشارات إلى جوانب ايجابيه عند الصوفية ، ففي القسم الثالث من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب جزء (فتاوى ومسائل) قام بجمعها الشيخ صالح بن عبد الرحمن الأطرم ومحمد عبد الرازق الدويسي والصفحة رقم (31) المسألة الخامسة "اعلم أرشدك الله أن الله سبحانه وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى الذي هو العلم النافع ودين الحق الذي العمل الصالح إذا كان من ينسب إلى الدين: منهم من يتعانى بالعلم والفقه ويقول به كالفقهاء ومنهم من يتعانى بالعبادة طلب الآخرة كالصوفية. وبعث الله بنبيه بهذا الدين الجامع للنوعين) ( عبد الحفيظ بن عبد الحق المكي، موقف أئمة الحركة السلفية من التصوف والتصوف، دار لسلام القاهرة، ط 1988م، ص15). وفي القسم الثاني من مؤلفاته (الفقه) المجلد الثاني ص (4) في رسالة (أربع قواعد تدور الأحكام عليها) يقول " اعلم رحمك الله إن أربع هذه الكلمات يدور عليها الدين سواء كان المتكلم يتكلم في علم التفسير أو في علم الأصول أو في علم أعمال القلوب الذي يسمى علم السلوك..." وفي (لحق المصنفات) "هذه مسألة" صفحة (124) قال " فنفس محبته أصل عبادته والشرك فيها أصل الشرك في عبادته ولهذا كان مشايخ الصوفية العارفون يوصون كثيراً بمتابعة العلم قال بعضهم "ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبره في نفسه".
واتساقا مع الموقف الحقيقى لائمه المذهب الحنبلى من التصوف ، والقائم على الموقف النقدى (التقويمى)، وليس الموقف الرفض المطلق ، فانه ينقل انتماء بعض ائمه المذهب الحنبلى التصوف او تاثرهم به، فمن من انتمى منهم الى التصوف الشيخ عبد القادر الجيلاني البغدادي(ت561 هـ) ، والفقيه هبة الله بن حبيش البغدادي(ت563 هـ)، وعثمان بن مرزوق المصري(ت564 هـ) ،والفقيه جاكير محمد بن دشم الكردي(ت590 هـ)، والفقيه عمر بن مسعود الفراس البغدادي(ت608 هـ، والمقرئ عفيف الدين بن دلف البغدادي(ت637 هـ) ،و الحافظ محمد بن أبي الحسن اليونيني(ت658 هـ) ،و أبو القاسم بن يوسف الحواري(ت663 هـ) و الفقيه احمد بن الشيخ العماد المقدسي )ت688 هـ) ،والمؤرخ قطب الدين موسى بن الصوفي محمد اليونيني (ت726 ه) .ومن من تاثر بالتصوف الواعظ سعد الله بن نصر الدجاجي البغدادي (ت564 ه) ،والأديب يحيّ بن يوسف الصرصري البغدادي الضرير (ت656 ه) ،و الطبيب أبو اسحق بن أحمد الرقي الدمشقي (ت703 ه)، والمؤرخ عبد الرزاق بن الفوّطي البغدادي (ت723 هـ) (الدكتور خالد كبير علال ، الحركة العلمية الحنبلية و أثرها في المشرق الإسلامي ،رسالة الدكتوراه) .
النقد الذاتى:ويتضمن الموقف النقدى النقد الذاتى الذى يتضمن تصحيح كل مذهب لمفاهيمه لقوله تعالى ( وما أبرّئ نفسي أنّ النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربّي )(يوسف: 53) وقوله صلى الله عليه وسلم( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا )،وتطبيقا لهذا النقد الذاتى نجد من ائمه التصوف من دعا الى وجوب تصحبح مفاهيم التصوف والتمييز بين اهل التصوف ومدعى التصوف ورد فى كتاب اللمع( وكل من ترسم برسوم التصوف ولم يحكم اساسه ثلاثة اشياء فهو مخدوع ولو مشى فى الهواء ونطق بالحكمة او وقع له قبول عند العامة والخاصة-اجتناب جميع المحارم- اداء جميع الفرائض-ترك الدنيا لاهلها قليلها وكثيرها الا ما لابد للمؤمن منه)،كما ورد فى كتاب الانوار للشعرانى ( وقد ادركنا بحمد الله جملة من اشياخ الطريق كانوا على قدم عظيم من العبادة والنسك وكان للطريق حرمة وهيبة ،فلما ذهبوا زالت حرمة الطريق واهلها وصار الناس يسخرون باحدهم ويقولون لبعضهم مادريتم ماجرى؟ فلان الاخر عمل شيخا !- كأنهم لايسلمون له مايدعيه لما هو عليه من محبة الدنيا).كما نجد تصريح كثير من أئمة الصوفية برفضهم للكثير من المفاهيم التى تتعارض مع الاسلام كمفاهيم وحدة الوجود والحلول والاتحاد ، يقول الشعراني( ولعمري إِذا كان عُبَّاد الأوثان لم يتجرؤوا على أن يجعلوا آلهتهم عين الله؛ بل قالوا: ما نعبدهم إِلا ليقربونا إِلى الله زلفى، فكيف يُظَن بأولياء الله تعالى أنهم يدَّعون الاتحاد بالحق على حدٌّ ما تتعقله العقول الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم رضي الله تعالى عنهم، إِذ ما مِن وليٌّ إِلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق، وأنها خارجة عن جميع معلومات الخلائق، لأن الله بكل شيء محيط)، ويقول أبو حامد الغزالي( وأما القسم الرابع وهو الاتحاد فذلك أيضا أظهر بطلانا لأن قول القائل إن العبد صار هو الرب كلام متناقض في نفسه، بل ينبغي أن ينزه الرب سبحانه وتعالى عن أن يجري اللسان في حقه بأمثال هذه المحالات...فالاتحاد بين شيئين مطلقا محال...فأصل الاتحاد إذا باطل... وأما القسم الخامس وهو الحلول فذلك يتصور أن يقال إن الرب تبارك وتعالى حل في العبد أو العبد حل في الرب، تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين) . ويقول جلال الدين السيوطي (... فإِذن أصل الاتحاد باطل محال، مردود شرعاً وعقلاً وعرفاً بإِجماع الأنبياء ومشايخ الصوفية وسائر العلماء والمسلمين، وليس هذا مذهب الصوفية، وإِنما قاله طائفة غلاة لقلة علمهم وسوء حظهم من الله تعالى، فشابهوا بهذا القولِ النصارى الذين قالوا في عيسى : اتَّحَد ناسوتُهُ بلاهوتِهِ. وأما مَنْ بالعناية، فإِنهم لم يعتقدوا اتحاداً ولا حلولاً، وإِن وقع منهم لفظ الاتحاد فإِنما يريدون به محو أنفسهم، وإِثبات الحق سبحانه).وتطبيقا لهذا النقد الذاتى نجد ايضا تقربركثير من ائمه التصوف السنى وجوب تقييد التصوف اعتقادا وسلوكا بالكتاب والسنه.يقول القشيري) وبناء هذا الأمر وملاكه على حفظ آداب الشريعة وصون اليد عن امتدادها إلى الحرام والشبهة ، وحفظ الحواس عن المحظورات ، وعدّ الأنفاس مع الله تعالى عن الغفلات )( الرسالةالقشيريه ص : 63 ط دار الخير)،ويقول التستري ( أصولنا سبعة أشياء : التمسك بكتاب الله تعالى ، والاقتداء سنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ، وأكل الحلال ، وكف الأذى ، واجتناب الآثام ، والتوبة ، وأداء الحقوق )..ويقول أبو سليمان الداراني ( ربما تقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين : الكتاب والسنة)..ويقول سري السقطي( المتصوّف اسم لثلاث معاني : هو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يتكلّم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة ، ولا تحمله الكرامات على هتك أسرار محارم الله تعالى) .
المذاهب من الاجمال الى التفضيل: ومن هذه الموجهات تجاوزمذاهب الاجمال الى مذهب التفضيل ، والتفصيل لغه التبيين( لسان العرب)، أما اصطلاحا فان مذهب التفصيل هو المذهب الذى لا يضع حكما كليا(سواء بالمنع بدرجاته من كراهة"ما يثاب تاركه و لا يعاقب فاعله" ،اوالتحريم" ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله"، او الإيجاب(الطلب)بدرجاته من اباحه"ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه"،او ندب(السنه)"ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه" ،اووجوب(الفرض)" ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه") ينطبق على جميع كيفيات الفعل المعين ، بل يميز بين هذه الكيفيات المختلفة لهذا الفعل، وبالتالي يميز فى الحكم علي هذه الكيفيات. هذا التمييز بين الكيفيات المختلفه للفعل يكون على المستويين : المستوى الاعتقادى ممثلا فى خضوع الفعل او عدم خضوعه لضابط ذاتى هومدى اتفاق النيه مع مقاصد الشرع فى الفعل المعين" انما الاعمال بالنيات"، يقول ابن تيميه (والفعل الواحد في الظاهر يثاب الإنسان على فعله مع النية الصالحة ويعاقب على فعله مع النية الفاسدة)( مجموع الفتاوى2138): )،والمستوى العملى ممثلا فى خضوع الفعل او عدم خضوعه لضابط موضوعى هو مدى اتفاق السلوك مع ضوابط الشرع . وطبقا للتعريف السابق فان مذهب التفصيل يقابل مذهب الاجمال، وهو المذهب الذى يضع حكما كليا (سواء بالمنع بدرجاته من كراهة وتحريم او الإيجاب بدرجاته من اباحه وندب ووجوب)على الفعل المعين على وجه الإجمال ، دون تمييز بين كيفياته المختلفة.
الاحتفال بالمولد النبوي : ومثال لمذاهب الاجمال ومذهب التفصيل فى مساله حكم الاحتفال بالمولد النبوى ، فقد اختلف السلفيون والصوفيه فى الحكم على الاحتفال بالمولد النبوي إلى مذهبين الاول: هو مذهب المنع،وهو مذهب اغلب السلفيين، ويستند إلى العديد من الادله أهمها: أن الاحتفال بالمولد النبوي حادث بعد القرون الثلاثة، فهو بدعه، وإن الاحتفال بالمولد النبوى يشتمل على أمور محرّمة في الغالب. أما الثاني فهو مذهب الاباحه،وهو مذهب اغلب الصوفيه، وهو يرد على الدليل الاول بالقول بأن الاحتفال بالمولد النبوي حادث ، فهو بدعة ولكنها بدعه حسنه ، فهو يميز بين البدعة السيئة والبدعة الحسنه ،استنادا إلى قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عن صلاه التراويح جماعه(نعم البدعة هي)، وقول الشافعي ( البدعة بدعتان : بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود ، وما خالف السنة فهو مذموم )، وهناك من أنصار هذا المذهب من يرى ان الاحتفال بالمولد النبوي هو سنه حسنه. كما يرد على الدليل الثاني بالقول بانه اذا اشتمل الاحتفال بالمولد على أمور محرمه فيجب تحريمها، لكن التحريم متعلق بتلك الأمور لا بأصل الاحتفال بالمولد .
كما يورد العديد من الادله التى تفيد جواز الاحتفال بالمولد النبوى منها انه إظهار لمحبه الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره،وهما الأمران اللذان أشارت لهم كثير من النصوص،و ان الرسول( صلى الله عليه وسلم ) كان يعظم يوم مولده كما جاء في حديث أبي قتادة و أن المولد أمر استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد . أما مذهب التفصيل:فيميز بين كيفيتين أساسيتين للاحتفال بالمولد النبوي:الكيفية الأولى: تقوم على المستوى الاعتقادى على اعتبار ان الاحتفال بالمولد النبوي هو من اصول الدين، وان الاحتفال بالمولد النبوي على سبيل الخصوص،كما تقوم على المستوى السلوكي على كثير من الأفعال التي وردت النصوص بمنعها كراهة او تحريما.وهذه الكيفية طبقا لمستوها الاعتقادى هي بدعه و طبقا لمستواها السلوكي تتضمن ما هو محرم او مكروه. أما الكيفية الثانية: فتقوم على المستوى الاعتقادى على اعتبار ان الاحتفال بالمولد النبوي ليس من الدين وأصوله،فهو من العرف الذى يمكن ان يعتبر مصدرا من مصادر الشريعة التبعية فى حال تقيده بالقواعد الامره الناهية التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، وان الاحتفال بالمولد النبوي على سبيل التذكير لا الخصوص،كما تقوم على المستوى السلوكي على رفض الأفعال التي وردت النصوص بمنعها كراهة او تحريما. وهذه الكيفية طبقا لمستوها الاعتقادى ليست بدعه وطبقا لمستواها السلوكي لا تتضمن ما هو محرم او مكروه، وهنا يمكن الاستئناس بقول ابن تيميه انه قد يثاب بعض الناس على فعل المولد لحسن نيتهم وقصدهم - رغم تقريره ان ان الاحتفال بالمولد بدعه - حيث يقول (قَدْ يُثاب بعض الناس على فعل المولد، وكذلك مَا يُحْدِثُهُ بَعضُ النَّاس إمَّا مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام وإما مَحبَّةً للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمًا له، والله قد يُثيبهم على هذه المحبَّة والاجتهاد، لاَ عَلَى البِدَعِ...) ( اقتضاء الصراط المستقيم في ص 297 ) .. كما ان مذهب التفصيل يميز بين الحكم الشرعي على الكيفية الأولى للاحتفال بالمولد النبوي(باعتبارها بدعه)،وبين الحكم على مخالف هذا الحكم فلا يكفر المخالف او يبيح دمه استنادا إلى قاعدة العذر بالجهل ودليلها في السنة قوله(صلى الله عليه وسلم)(اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون).
حكم بناء الاضرحه وزيارتها: ومثال اخراختلف العلماء فى مساله حكم بناء وزياره الاضرحه ،الى مذهبين :الاول مذهب المنع، ويقول بتحريم بناء الاضرحه والمقامات او زيارتها، استنادا الى العديد من الادله، ومن اهم القائلين به الامام ابن القيم الذى ينقل ادله المنع فى قوله( ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد ، وإيقاد السرج عليها ، واشتد نهيه في ذلك حتى لعن فاعليه ، ونهى عن الصلاة إلى القبور ، ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيداً ، ولعن زوارات القبور . وكان هديه أن لا تهان القبور وتوطأ ، وأن لا يجلس عليها ، ويتكأ عليها، ولا تعظم بحيث تتخذ مساجد فيصلى عندها وإليها ، وتتخذ أعيادا وأوثانا ) ( زاد المعاد 1/524)، وبناءا على هذا يقرر ان بناء الاضرحه بدعه وان سنته صلى الله عليه سلم تسويتها( ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تعلية القبور ولا بناؤها بآجر ، ولا بحجر ولبن ، ولا تشييدها ، ولا تطيينها ، ولا بناء القباب عليها ، فكل هذا بدعة مكروهة ، مخالفة لهديه صلى الله عليه وسلم. وقد بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى اليمن ، ألا يدع تمثالاً إلا طمسه ، ولا قبراً مشرفاً إلا سواه" رواه مسلم. فسنته صلى الله عليه وسلم تسوية هذه القبور المشرفة كلها)، ثم يقرر وجوب هدم المسجد الذى يبنى على قبر ( وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر ، كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد. نص على ذلك الإمام أحمد وغيره ، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر) (زاد المعاد 3/572) ، ثم ينكر الإمام أبن القيم الذين يزورون القبور ويسألون الأموات الحوائج ، أو يتوسلون بهم في قضائها ، أو يدعون الله عند قبورهم ( وكان هديه صلى الله عليه وسلم أن يقول ويفعل عند زيارتها ، من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت ، من الدعاء والترحم ، والاستغفار.
فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به ، والإقسام على الله به ، وسؤاله الحوائج والاستعانة به ، والتوجه إليه ، بعكس هديه صلى الله عليه وسلم ، فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت ، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم ، وإلى الميت ، وهم ثلاثة أقسام : إما أن يدعو الميت ، أو يدعو به ، أو عنده ، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد ، ومن تأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، تبين له الفرق بين الأمرين وبالله التوفيق.) [زاد المعاد: 1/526]
.اما المذهب الثانى فيقول بجواز بناء الاضرحه واتخاذ المساجد قبور، وزيارتها استنادا إلى العديد من الادله منها: قوله تعالى { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتَّخذن عليهم مسجداً }[الكهف:21]، وتقرير الرسول (صلى الله عليه وسلم) صاحبه أبا جندل (رضي الله تعالى عنه)على بناء مسجد على قبر أبي بصير (رضي الله تعالى عنه) فيما يرويه عبد الرزَّاق وغيره عن الحديبية، وما روى من أن جماعة من المرسلين والأنبياء عليهم السلام مدفونون في المسجد الحرام، ما بين زمزم والمقام، منهم نوح وهود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام، حيث ينقل الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن قول ابن عباس( في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما: قبر إسماعيل، وقبر شعيب عليهما السلام) ، و اتخاذ المسجد على قبر الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك بعلمه وندبه إليه؛ فقد ثبت في الصحاح قوله: { ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنَّة }،ودفن أبو بكر الصديق وعمر بين الخطاب (رضي الله عنهما) مع الرسول (صلى الله عليه وسلم). كما يرى هذا المذهب ان المقصود من الحديث " لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "[متفق عليه]. انهم اتخذوا قبور أنبيائهم قِبلة يسجدون إليها وهو محظور باتفاق.و ان النهي عن رفع القبور، نحو خبر" لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته "[مسلم وغيره] مقصود به لا تدع قبراً مشرفاً من قبور المشركين ومن في معناهم إلا سويته (حكم بناء الأضرحة واتخاذ المساجد على القبور،الشيخ طارق السعدي).اما مذهب التفصيل فيميز بين كيفتين لبناء المساجد على القبور وزيارتها، الأولى: البناء بقصد عباده صاحب القبراو تقديسه،والزياره التى تتضمن ماهو محرم من دعاء وتوسل يتضمن الشرك بالله، وحكمها المنع، والثانيه البناء بدون قصد عباده صاحب القبراو تقديسه، والزياره بقصد الدعاء والترحم والاستغفاروما وافق السنه وحكمها الاباحه.مع ملاحظه ان الانكار على الكيفيه
د.صبرى محمد خليل /استاذ بجامعه الخرطوم/ تخصص فلسفه القيم الاسلاميه
sabri.khalil@hotmail.com
فَأَمَّا " صُوفِيَّةُ الْحَقَائِقِ " : فَهُمْ الَّذِينَ وَصَفْنَاهُمْ . وَأَمَّا " صُوفِيَّةُ الأَرْزَاقِ " فَهُمْ الَّذِينَ وُقِفَتْ عَلَيْهِمْ الْوُقُوفُ . كالخوانك فَلا يُشْتَرَطُ فِي هَؤُلاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْحَقَائِقِ...
وَأَمَّا " صُوفِيَّةُ الرَّسْمِ " فَهُمْ الْمُقْتَصِرُونَ عَلَى النِّسْبَةِ فَهَمُّهُمْ فِي اللِّبَاسِ وَالآدَابِ الْوَضْعِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَؤُلاءِ فِي الصُّوفِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَقْتَصِرُ عَلَى زِيِّ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْجِهَادِ وَنَوْعٌ مَا مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ بِحَيْثُ يَظُنُّ الْجَاهِلُ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ .) (مجموع الفتاوى :14/176).
ويقول ( وأنت تجد كثيراً من المتفقهة، إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئاً ولا يعدهم إلا جهالاً ضلالاً، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئاً، وترى كثيراً من المتصوفة، والمتفقرة لا يرى الشريعة ولا العلم شيئاً، بل يرى المتمسك بها منقطعاً عن الله وأنه ليس عند أهلها مما ينفع عند الله شيئاً.وإنما الصواب: أن ما جاء به الكتاب والسنة، من هذا وهذا: حق، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا: باطل)( اقتضاء الصراط المستقيم 3 19 ) ،وبناء على هذا الموقف يصف ابن تيمية كثير من شيوخ التصوف بشيوخ الإسلام وأئمة هدي(أنهمْ مشائخ الإسلام وأئمة الهدى الَّذيْن جعلَ اللّهُ تعالَى لهم لسْان صدق في الأمةِ،مثْلَ سعْيد بنُ المسيبِ، والحسْن البصريِّ، وعمرْ بنُ عبد العزيز، ومالْك بنُ أنسْ، والأوزاعي، وإبراهيْم بنْ أدهم، وسفْيان الثوري،والفضيّل بنُ عياض، ومعروف الكرّخْي، والشافعي،وأبي سليْمان، وأحمد بنَ حنبل،وبشرُ الحافي، وعبد اللّهِ بنُ المبارك، وشقيّق البلّخِي، ومن لا يحصَّى كثرة.إلى مثْلَ المتأخرينَ: مثْلَ الجنيد بن محمد القواريري، وسهَلْ بنُ عبد اللّهِ التسْتري، وعمرُ بنُ عثمان المكي، ومن بعدهم ـإلى أبي طالبَ المكي إلى مثْل الشيْخ عبد القادرِ الكيلاني، والشّيْخ عدّي، والشيْخ أبي البيْان، والشيخ أبي مدين، والشيخ عقيل، والشيخ أبي الوفاء، والشيخ رسلان، والشيخ عبد الرحيم، والشيخ عبد الله اليونيني، والشيخ القرشي، وأمثال هؤلاء المشايخ الذين كانوا بالحجْازِ والشّام والعرْاق، ومصْر والمغرْب وخرّاسْان، من الأوليْنِ والآخريْنِ).( مجموع الفتاوي:ج2 ص452)
كما أنه الموقف الحقيقي لابن القيم الذي يقول "(فاعلم إن في لسان القوم من الاستعارات وإطلاق العالم وإرادة الخاص وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ما ليس على لسان أحد من الطوائف غيرهم ولهذا يقولون "نحن أصحاب عبارة" و"الإشارة لنا والعبارة لغيرنا" وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد ويريدون بها معنى لا فساد فيه وصار هذا سبباً لفتنة طائفتين: طائفة تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم فبدعوهم وظلموهم. والطائفة الثانية حجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائهم وحسن معاملتهم عن رؤية شطحاتهم ونقصانها فسحبوا عليها زيل المحاسن وأجروا حكم القبول وهؤلاء أيضاً معتدون مفرطون.والطائفة الثالثة: وهم أهل العدل والإنصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد)(مدارج السالكين، ج3). وبناء على هذا الموقف يورد ابن القيم تعريفاُ ايجابيا للتصوف فيقول (... والتصوف زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتسعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومحبة فإن المرء مع من أحب). كما يورد تعريفاً آخراً فيقول "والدين كله خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد في الدين وكذلك التصوف قال الكتبي: التصوف هو الخلق فمن زاد في الخلق فقد زاد عليك في التصوف).
كما ان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رغم ما هو معروف من حمله على كثير من عقائد وسلوكيات الصوفية ، فان بعض النصوص المنقولة عنه تتضمن إشارات إلى جوانب ايجابيه عند الصوفية ، ففي القسم الثالث من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب جزء (فتاوى ومسائل) قام بجمعها الشيخ صالح بن عبد الرحمن الأطرم ومحمد عبد الرازق الدويسي والصفحة رقم (31) المسألة الخامسة "اعلم أرشدك الله أن الله سبحانه وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى الذي هو العلم النافع ودين الحق الذي العمل الصالح إذا كان من ينسب إلى الدين: منهم من يتعانى بالعلم والفقه ويقول به كالفقهاء ومنهم من يتعانى بالعبادة طلب الآخرة كالصوفية. وبعث الله بنبيه بهذا الدين الجامع للنوعين) ( عبد الحفيظ بن عبد الحق المكي، موقف أئمة الحركة السلفية من التصوف والتصوف، دار لسلام القاهرة، ط 1988م، ص15). وفي القسم الثاني من مؤلفاته (الفقه) المجلد الثاني ص (4) في رسالة (أربع قواعد تدور الأحكام عليها) يقول " اعلم رحمك الله إن أربع هذه الكلمات يدور عليها الدين سواء كان المتكلم يتكلم في علم التفسير أو في علم الأصول أو في علم أعمال القلوب الذي يسمى علم السلوك..." وفي (لحق المصنفات) "هذه مسألة" صفحة (124) قال " فنفس محبته أصل عبادته والشرك فيها أصل الشرك في عبادته ولهذا كان مشايخ الصوفية العارفون يوصون كثيراً بمتابعة العلم قال بعضهم "ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبره في نفسه".
واتساقا مع الموقف الحقيقى لائمه المذهب الحنبلى من التصوف ، والقائم على الموقف النقدى (التقويمى)، وليس الموقف الرفض المطلق ، فانه ينقل انتماء بعض ائمه المذهب الحنبلى التصوف او تاثرهم به، فمن من انتمى منهم الى التصوف الشيخ عبد القادر الجيلاني البغدادي(ت561 هـ) ، والفقيه هبة الله بن حبيش البغدادي(ت563 هـ)، وعثمان بن مرزوق المصري(ت564 هـ) ،والفقيه جاكير محمد بن دشم الكردي(ت590 هـ)، والفقيه عمر بن مسعود الفراس البغدادي(ت608 هـ، والمقرئ عفيف الدين بن دلف البغدادي(ت637 هـ) ،و الحافظ محمد بن أبي الحسن اليونيني(ت658 هـ) ،و أبو القاسم بن يوسف الحواري(ت663 هـ) و الفقيه احمد بن الشيخ العماد المقدسي )ت688 هـ) ،والمؤرخ قطب الدين موسى بن الصوفي محمد اليونيني (ت726 ه) .ومن من تاثر بالتصوف الواعظ سعد الله بن نصر الدجاجي البغدادي (ت564 ه) ،والأديب يحيّ بن يوسف الصرصري البغدادي الضرير (ت656 ه) ،و الطبيب أبو اسحق بن أحمد الرقي الدمشقي (ت703 ه)، والمؤرخ عبد الرزاق بن الفوّطي البغدادي (ت723 هـ) (الدكتور خالد كبير علال ، الحركة العلمية الحنبلية و أثرها في المشرق الإسلامي ،رسالة الدكتوراه) .
النقد الذاتى:ويتضمن الموقف النقدى النقد الذاتى الذى يتضمن تصحيح كل مذهب لمفاهيمه لقوله تعالى ( وما أبرّئ نفسي أنّ النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربّي )(يوسف: 53) وقوله صلى الله عليه وسلم( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا )،وتطبيقا لهذا النقد الذاتى نجد من ائمه التصوف من دعا الى وجوب تصحبح مفاهيم التصوف والتمييز بين اهل التصوف ومدعى التصوف ورد فى كتاب اللمع( وكل من ترسم برسوم التصوف ولم يحكم اساسه ثلاثة اشياء فهو مخدوع ولو مشى فى الهواء ونطق بالحكمة او وقع له قبول عند العامة والخاصة-اجتناب جميع المحارم- اداء جميع الفرائض-ترك الدنيا لاهلها قليلها وكثيرها الا ما لابد للمؤمن منه)،كما ورد فى كتاب الانوار للشعرانى ( وقد ادركنا بحمد الله جملة من اشياخ الطريق كانوا على قدم عظيم من العبادة والنسك وكان للطريق حرمة وهيبة ،فلما ذهبوا زالت حرمة الطريق واهلها وصار الناس يسخرون باحدهم ويقولون لبعضهم مادريتم ماجرى؟ فلان الاخر عمل شيخا !- كأنهم لايسلمون له مايدعيه لما هو عليه من محبة الدنيا).كما نجد تصريح كثير من أئمة الصوفية برفضهم للكثير من المفاهيم التى تتعارض مع الاسلام كمفاهيم وحدة الوجود والحلول والاتحاد ، يقول الشعراني( ولعمري إِذا كان عُبَّاد الأوثان لم يتجرؤوا على أن يجعلوا آلهتهم عين الله؛ بل قالوا: ما نعبدهم إِلا ليقربونا إِلى الله زلفى، فكيف يُظَن بأولياء الله تعالى أنهم يدَّعون الاتحاد بالحق على حدٌّ ما تتعقله العقول الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم رضي الله تعالى عنهم، إِذ ما مِن وليٌّ إِلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق، وأنها خارجة عن جميع معلومات الخلائق، لأن الله بكل شيء محيط)، ويقول أبو حامد الغزالي( وأما القسم الرابع وهو الاتحاد فذلك أيضا أظهر بطلانا لأن قول القائل إن العبد صار هو الرب كلام متناقض في نفسه، بل ينبغي أن ينزه الرب سبحانه وتعالى عن أن يجري اللسان في حقه بأمثال هذه المحالات...فالاتحاد بين شيئين مطلقا محال...فأصل الاتحاد إذا باطل... وأما القسم الخامس وهو الحلول فذلك يتصور أن يقال إن الرب تبارك وتعالى حل في العبد أو العبد حل في الرب، تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين) . ويقول جلال الدين السيوطي (... فإِذن أصل الاتحاد باطل محال، مردود شرعاً وعقلاً وعرفاً بإِجماع الأنبياء ومشايخ الصوفية وسائر العلماء والمسلمين، وليس هذا مذهب الصوفية، وإِنما قاله طائفة غلاة لقلة علمهم وسوء حظهم من الله تعالى، فشابهوا بهذا القولِ النصارى الذين قالوا في عيسى : اتَّحَد ناسوتُهُ بلاهوتِهِ. وأما مَنْ بالعناية، فإِنهم لم يعتقدوا اتحاداً ولا حلولاً، وإِن وقع منهم لفظ الاتحاد فإِنما يريدون به محو أنفسهم، وإِثبات الحق سبحانه).وتطبيقا لهذا النقد الذاتى نجد ايضا تقربركثير من ائمه التصوف السنى وجوب تقييد التصوف اعتقادا وسلوكا بالكتاب والسنه.يقول القشيري) وبناء هذا الأمر وملاكه على حفظ آداب الشريعة وصون اليد عن امتدادها إلى الحرام والشبهة ، وحفظ الحواس عن المحظورات ، وعدّ الأنفاس مع الله تعالى عن الغفلات )( الرسالةالقشيريه ص : 63 ط دار الخير)،ويقول التستري ( أصولنا سبعة أشياء : التمسك بكتاب الله تعالى ، والاقتداء سنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ، وأكل الحلال ، وكف الأذى ، واجتناب الآثام ، والتوبة ، وأداء الحقوق )..ويقول أبو سليمان الداراني ( ربما تقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين : الكتاب والسنة)..ويقول سري السقطي( المتصوّف اسم لثلاث معاني : هو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يتكلّم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة ، ولا تحمله الكرامات على هتك أسرار محارم الله تعالى) .
المذاهب من الاجمال الى التفضيل: ومن هذه الموجهات تجاوزمذاهب الاجمال الى مذهب التفضيل ، والتفصيل لغه التبيين( لسان العرب)، أما اصطلاحا فان مذهب التفصيل هو المذهب الذى لا يضع حكما كليا(سواء بالمنع بدرجاته من كراهة"ما يثاب تاركه و لا يعاقب فاعله" ،اوالتحريم" ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله"، او الإيجاب(الطلب)بدرجاته من اباحه"ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه"،او ندب(السنه)"ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه" ،اووجوب(الفرض)" ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه") ينطبق على جميع كيفيات الفعل المعين ، بل يميز بين هذه الكيفيات المختلفة لهذا الفعل، وبالتالي يميز فى الحكم علي هذه الكيفيات. هذا التمييز بين الكيفيات المختلفه للفعل يكون على المستويين : المستوى الاعتقادى ممثلا فى خضوع الفعل او عدم خضوعه لضابط ذاتى هومدى اتفاق النيه مع مقاصد الشرع فى الفعل المعين" انما الاعمال بالنيات"، يقول ابن تيميه (والفعل الواحد في الظاهر يثاب الإنسان على فعله مع النية الصالحة ويعاقب على فعله مع النية الفاسدة)( مجموع الفتاوى2138): )،والمستوى العملى ممثلا فى خضوع الفعل او عدم خضوعه لضابط موضوعى هو مدى اتفاق السلوك مع ضوابط الشرع . وطبقا للتعريف السابق فان مذهب التفصيل يقابل مذهب الاجمال، وهو المذهب الذى يضع حكما كليا (سواء بالمنع بدرجاته من كراهة وتحريم او الإيجاب بدرجاته من اباحه وندب ووجوب)على الفعل المعين على وجه الإجمال ، دون تمييز بين كيفياته المختلفة.
الاحتفال بالمولد النبوي : ومثال لمذاهب الاجمال ومذهب التفصيل فى مساله حكم الاحتفال بالمولد النبوى ، فقد اختلف السلفيون والصوفيه فى الحكم على الاحتفال بالمولد النبوي إلى مذهبين الاول: هو مذهب المنع،وهو مذهب اغلب السلفيين، ويستند إلى العديد من الادله أهمها: أن الاحتفال بالمولد النبوي حادث بعد القرون الثلاثة، فهو بدعه، وإن الاحتفال بالمولد النبوى يشتمل على أمور محرّمة في الغالب. أما الثاني فهو مذهب الاباحه،وهو مذهب اغلب الصوفيه، وهو يرد على الدليل الاول بالقول بأن الاحتفال بالمولد النبوي حادث ، فهو بدعة ولكنها بدعه حسنه ، فهو يميز بين البدعة السيئة والبدعة الحسنه ،استنادا إلى قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عن صلاه التراويح جماعه(نعم البدعة هي)، وقول الشافعي ( البدعة بدعتان : بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود ، وما خالف السنة فهو مذموم )، وهناك من أنصار هذا المذهب من يرى ان الاحتفال بالمولد النبوي هو سنه حسنه. كما يرد على الدليل الثاني بالقول بانه اذا اشتمل الاحتفال بالمولد على أمور محرمه فيجب تحريمها، لكن التحريم متعلق بتلك الأمور لا بأصل الاحتفال بالمولد .
كما يورد العديد من الادله التى تفيد جواز الاحتفال بالمولد النبوى منها انه إظهار لمحبه الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره،وهما الأمران اللذان أشارت لهم كثير من النصوص،و ان الرسول( صلى الله عليه وسلم ) كان يعظم يوم مولده كما جاء في حديث أبي قتادة و أن المولد أمر استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد . أما مذهب التفصيل:فيميز بين كيفيتين أساسيتين للاحتفال بالمولد النبوي:الكيفية الأولى: تقوم على المستوى الاعتقادى على اعتبار ان الاحتفال بالمولد النبوي هو من اصول الدين، وان الاحتفال بالمولد النبوي على سبيل الخصوص،كما تقوم على المستوى السلوكي على كثير من الأفعال التي وردت النصوص بمنعها كراهة او تحريما.وهذه الكيفية طبقا لمستوها الاعتقادى هي بدعه و طبقا لمستواها السلوكي تتضمن ما هو محرم او مكروه. أما الكيفية الثانية: فتقوم على المستوى الاعتقادى على اعتبار ان الاحتفال بالمولد النبوي ليس من الدين وأصوله،فهو من العرف الذى يمكن ان يعتبر مصدرا من مصادر الشريعة التبعية فى حال تقيده بالقواعد الامره الناهية التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، وان الاحتفال بالمولد النبوي على سبيل التذكير لا الخصوص،كما تقوم على المستوى السلوكي على رفض الأفعال التي وردت النصوص بمنعها كراهة او تحريما. وهذه الكيفية طبقا لمستوها الاعتقادى ليست بدعه وطبقا لمستواها السلوكي لا تتضمن ما هو محرم او مكروه، وهنا يمكن الاستئناس بقول ابن تيميه انه قد يثاب بعض الناس على فعل المولد لحسن نيتهم وقصدهم - رغم تقريره ان ان الاحتفال بالمولد بدعه - حيث يقول (قَدْ يُثاب بعض الناس على فعل المولد، وكذلك مَا يُحْدِثُهُ بَعضُ النَّاس إمَّا مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام وإما مَحبَّةً للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمًا له، والله قد يُثيبهم على هذه المحبَّة والاجتهاد، لاَ عَلَى البِدَعِ...) ( اقتضاء الصراط المستقيم في ص 297 ) .. كما ان مذهب التفصيل يميز بين الحكم الشرعي على الكيفية الأولى للاحتفال بالمولد النبوي(باعتبارها بدعه)،وبين الحكم على مخالف هذا الحكم فلا يكفر المخالف او يبيح دمه استنادا إلى قاعدة العذر بالجهل ودليلها في السنة قوله(صلى الله عليه وسلم)(اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون).
حكم بناء الاضرحه وزيارتها: ومثال اخراختلف العلماء فى مساله حكم بناء وزياره الاضرحه ،الى مذهبين :الاول مذهب المنع، ويقول بتحريم بناء الاضرحه والمقامات او زيارتها، استنادا الى العديد من الادله، ومن اهم القائلين به الامام ابن القيم الذى ينقل ادله المنع فى قوله( ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد ، وإيقاد السرج عليها ، واشتد نهيه في ذلك حتى لعن فاعليه ، ونهى عن الصلاة إلى القبور ، ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيداً ، ولعن زوارات القبور . وكان هديه أن لا تهان القبور وتوطأ ، وأن لا يجلس عليها ، ويتكأ عليها، ولا تعظم بحيث تتخذ مساجد فيصلى عندها وإليها ، وتتخذ أعيادا وأوثانا ) ( زاد المعاد 1/524)، وبناءا على هذا يقرر ان بناء الاضرحه بدعه وان سنته صلى الله عليه سلم تسويتها( ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تعلية القبور ولا بناؤها بآجر ، ولا بحجر ولبن ، ولا تشييدها ، ولا تطيينها ، ولا بناء القباب عليها ، فكل هذا بدعة مكروهة ، مخالفة لهديه صلى الله عليه وسلم. وقد بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى اليمن ، ألا يدع تمثالاً إلا طمسه ، ولا قبراً مشرفاً إلا سواه" رواه مسلم. فسنته صلى الله عليه وسلم تسوية هذه القبور المشرفة كلها)، ثم يقرر وجوب هدم المسجد الذى يبنى على قبر ( وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر ، كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد. نص على ذلك الإمام أحمد وغيره ، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر) (زاد المعاد 3/572) ، ثم ينكر الإمام أبن القيم الذين يزورون القبور ويسألون الأموات الحوائج ، أو يتوسلون بهم في قضائها ، أو يدعون الله عند قبورهم ( وكان هديه صلى الله عليه وسلم أن يقول ويفعل عند زيارتها ، من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت ، من الدعاء والترحم ، والاستغفار.
فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به ، والإقسام على الله به ، وسؤاله الحوائج والاستعانة به ، والتوجه إليه ، بعكس هديه صلى الله عليه وسلم ، فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت ، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم ، وإلى الميت ، وهم ثلاثة أقسام : إما أن يدعو الميت ، أو يدعو به ، أو عنده ، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد ، ومن تأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، تبين له الفرق بين الأمرين وبالله التوفيق.) [زاد المعاد: 1/526]
.اما المذهب الثانى فيقول بجواز بناء الاضرحه واتخاذ المساجد قبور، وزيارتها استنادا إلى العديد من الادله منها: قوله تعالى { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتَّخذن عليهم مسجداً }[الكهف:21]، وتقرير الرسول (صلى الله عليه وسلم) صاحبه أبا جندل (رضي الله تعالى عنه)على بناء مسجد على قبر أبي بصير (رضي الله تعالى عنه) فيما يرويه عبد الرزَّاق وغيره عن الحديبية، وما روى من أن جماعة من المرسلين والأنبياء عليهم السلام مدفونون في المسجد الحرام، ما بين زمزم والمقام، منهم نوح وهود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام، حيث ينقل الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن قول ابن عباس( في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما: قبر إسماعيل، وقبر شعيب عليهما السلام) ، و اتخاذ المسجد على قبر الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك بعلمه وندبه إليه؛ فقد ثبت في الصحاح قوله: { ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنَّة }،ودفن أبو بكر الصديق وعمر بين الخطاب (رضي الله عنهما) مع الرسول (صلى الله عليه وسلم). كما يرى هذا المذهب ان المقصود من الحديث " لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "[متفق عليه]. انهم اتخذوا قبور أنبيائهم قِبلة يسجدون إليها وهو محظور باتفاق.و ان النهي عن رفع القبور، نحو خبر" لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته "[مسلم وغيره] مقصود به لا تدع قبراً مشرفاً من قبور المشركين ومن في معناهم إلا سويته (حكم بناء الأضرحة واتخاذ المساجد على القبور،الشيخ طارق السعدي).اما مذهب التفصيل فيميز بين كيفتين لبناء المساجد على القبور وزيارتها، الأولى: البناء بقصد عباده صاحب القبراو تقديسه،والزياره التى تتضمن ماهو محرم من دعاء وتوسل يتضمن الشرك بالله، وحكمها المنع، والثانيه البناء بدون قصد عباده صاحب القبراو تقديسه، والزياره بقصد الدعاء والترحم والاستغفاروما وافق السنه وحكمها الاباحه.مع ملاحظه ان الانكار على الكيفيه