بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ من افتراءات ابن تيمية ومن تبعه على الإمام الشيخ أبي الحسن الأشعريِّ رضي الله عنه هو أنَّه قد مرَّ في مراحل ثلاث كانت أخيرتها أنَّه قد صار على مذهب من يسميهم ابن تيمية السلف وأهل الحديث.
ولا ريب في أنَّ مذهب من يسميهم ابن تيمية السلف وأهل الحديث هو مذهب المجسِّمة، وابن تيمية يفتري بأنَّ التجسيم ووصف الله تعالى بالأعضاء والمكان والحدِّ وحلول الحوادث وغير ذلك إلى السلف وأهل الحديث رضي الله عنهم.
وابن تيميَّة يفتري ذلك على الإمام الأشعريِّ رضي الله عنه في كتاب [الإبانة] و[مقالات الإسلاميِّين] و[الرسالة إلى أهل الثغر].
والرسالة إلى أهل الثغر هي في الحقيقة لتلميذ الإمام الأشعري رحمه الله تعالى، الإمامُ ابن مجاهد إمام القراءات رحمه الله تعالى، وهو فيها جارٍ على طريقة السادة الأشاعرة في إثبات الصفات لله تعالى لا على أنَّها أجزاء وأبعاض، بل هو منزِّه لله تعالى تمام التنزيه.
أمَّا الإبانة فهناك بين نسخها بعض اختلافات، وفيها نصوص للإمام الأشعريِّ رضي الله عنه في غاية القوَّة تدلُّ على أنَّها ليست إلا له، وبعضها يُرى ضعيفاً كثيراً حتَّى يُجزم بأنَّها ليست له، إذ كيف يكون عالم قد مضى من عمره ما مضى في الاعتزال ثمَّ لا يكون محققاً في نقل أقوالهم في هذه الرسالة؟!
ومع هذا ففي [الإبانة] نصوص واضحة تفيد التفويض وتمنع التجسيم لله تعالى، ولو استقريناها لوجدناها كثيرة واضحة في أنَّه لم يذهب إلى مذهب المشبِّهة قطُّ.
أمَّا كتاب [مقالات الإسلاميِّين] فإنِّي أحبُّ أن أنقل قليلاً من نصوص الإمام رضي الله عنه في توكيد كون الإمام مبطلاً للتجسيم مبطلاً لكونه مذهب السلف وأهل الحديث رضي الله عنهم.
فممَّا وصف به مذهب أهل الحديث وميَّز به مذهبهم من مذهب المجسِّمة:
- قال: "وقال بعض من ينتحل الحديث أنَّ العرش لم يمتلئ به، وأنَّه يُقعد نبيَّه عليه السلام معه على العرش.
وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال عز وجل : {الرحمن على العرش استوى } ولا نقدم بين يدي الله في القول بل نقول استوى بلا كيف وأنه نور كما قال تعالى : { الله نور السماوات والأرض } وأن له وجهاً كما قال الله : {ويبقى وجه ربك}وأن له يدين كما قال : " خلقت بيدي " وأن له عينين كما قال : {تجري بأعيننا }وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال : {وجاء ربك والملك صفاً صفاً } وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
- قال: "واختلفوا في العين واليد والوجه على أربع مقالات:
فقالت المجسِّمة: له يدان ورجلان ووجه وعينان وجنب، يذهبون إلى الجوارح والأعضاء.
وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله عزَّ وجلَّ أو جاءت به الرواية من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فنقول: وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف".
- قال في ذكر أقوال المجسمة: "واختلفوا في مقدار البارئ بعد أن جعلوه جسماً... وقال بعضهم: إنَّ البارئ جسم له مقدار في المساحة".
ونحن نجد ابن تيميَّة يصرِّح تصريحاً بأنَّ الله -تعالى عمَّا يقول- له قدر ومقدار، ومن يبحث يجد ذلك في مثل [بيان تلبيس الجهميَّة].
فلذلك نجد ابن تيميَّة نفسه يزعم أنَّ كلام الإمام الأشعريِّ رضي الله عنه في تنزيه أئمَّة الحديث عن التجسيم ليس صحيحاً، فيقول في [درء تعارض العقل والنقل]: "
وقد حكى الأشعري في المقالات النفي عن أهل السنة والحديث كما حكي عنهم أشياء بموجب ما اعتقده هو من مذهبهم والسلف والأئمة وأهل الحديث والسنة المحضة من جميع الطوائف لا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله والألفاظ المجملة المبتدعة لا يثبتونها ولا ينفونها إلا بتبيان معانيها فما كان من معانيها موافقا للكتاب والسنة أثبتوه وما كان مخالفا لذلك نفوه فلا يطلقون : هو جسم ولا جوهر ولا يقولون : ليس بجسم ولا جوهر كما لا يطلقون إثبات لفظ الحيز ولا ينفونه".
فيكون ابن تيميَّة قد افترى على الإمام الأشعريِّ رضي الله عنه أنَّه قد ذهب إلى ما يسمِّيه ابن تيميَّة قول السلف وأصحاب الحديث في هذا الكتاب، ثمَّ يحكم ابن تيميَّة في موضع آخر بأنَّ الإمام الأشعريَّ رضي الله عنه لم يقرِّر في هذا الكتاب اعتقاد أهل الحديث على ما هو عليه!
.................................................. ...........................
ملحوظة: لم أحبَّ أن أنقل من نصِّ ابن تيميَّة زيادة على أقلِّ المطلوب، ذلك بأنِّي اكتشفتُ قبل يومين أنَّ أتباع ابن تيميَّة مقدِّسون له مع تقليد أعمى، وأعني بالأعمى سدَّ كلِّ فهم وسماع إلا لما قال ابن تيميَّة لأنَّه قاله!
فأخشى أنَّا إن بيَّنَّا لهؤلاء المساكين أنَّ ابن تيميَّة مجسِّم فسيعتقدون أنَّ الجسميَّة حقٌّ لأنَّ ابن تيميَّة يقول بها!
وهذا والله ما جرى مع أحدهم...
إذ سأله سيدي نور الدين الرفاتي حفظه الله تعالى: أنت تقول إنَّ الله تعالى قد استوى على العرش، وأنَّ الاستواء صفة له تعالى؟
فقال: نعم.
فقال له سيدي نور الدين: فهل كان الله تعالى متَّصفاً بالاستواء قبل خلقه للعرش واستوائه عليه؟
فقال: هذا السؤال بدعة، وليس سؤالاً يصحُّ في الشرع، وقد بدَّعه الإمام مالك رضي الله عنه.
فقلتُ: الإمام مالك رضي الله عنه قد بدَّع السؤال عن الكيف لا اتِّصاف الله تعالى بالصفة.
وقلتُ إنَّ ابن تيميَّة قد صحَّح هذا السؤال وأجاب عنه بانَّ الله تعالى لم يزل مستوياً على عرش بعد عرش فيما نقله عنه الإمام جلال الدين الدَّوَّانيُّ رحمه الله تعالى في شرح العقائد العضديَّة.
فعند ذلك أجاب هذا المسكين بأنَّ هذا السؤال صحيح وشرعيٌّ! وأنَّ جوابه ما قال ابن تيميَّة!
مع أنَّه لم يكن عارفاً بهذا القول أصلاً قبل أن أخبره به!
ولقد نصحني سيدي الشيخ عماد الزبن حفظه الله تعالى قبل سنين بأن لا أناقش هؤلاء المساكين فيما هو فوق مستواهم، لأنَّ غفلتهم عن باطل معتقدهم خير لهم من أن يعتقدوا بها ويصرُّوا عليها!
تعليق