بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، اللهم يا قديمَ الذَّاتِ صلِّ عددَ الحوادث .... على المصطفى المعصوم، سيِّدِ كلِّ حادث ....
نصحني أخي و سيدي هاني الرضا قبل سنة، حفظه الله، بقراءة تأملات ديكارت، و قال ستجدين فيه فائدة لكِ إن شاء الله.
و ها أنذا بدأتُ بقراءته اليوم، و سأقوم بالتعليق عليه بحسب وسعي و طاقتي، و بما يوفقني الله تعالى إليه، إن شاء الله.
و لا زلتُ في منتصف المقدمة .....
قال ديكارت:
[دائمًا ما اعتقدتُ أن معضلتي الله، و النفس، هما من أخطر المعاضل، التي ينبغي أن تُبرهن بأدلة الفلسفة، خيرًا مما تبُرهن بأدلة اللاهوت. إذ، و إن كان يكفينا التسليم، نحن معشرَ المؤمنين، بأن ثمة إلهًا و بأن النفس البشرية لا تموت بموت الجسم، فمن غير الممكن أن نجعل الكافرين يسلِّمون بحقيقة دين و لا حتى بفضيلة أخلاقيَّة، إذا كنا لا نثبت لهم أولًا هاتين المعضلتين بالعقل الطبيعي.] اهـ
كان من سالِف ما قرأته للإمام الحُجَّة أعجوبة الدهر! شيخنا المربِّي أبي حامد الغزالي رضي الله عنه، أن من عرف نفسه، فقد عرف ربه. و لعل لذلك انطلق ديكارت أول ما انطلق من نفسه، ثم بنى عليه معرفة الإله و غير ذلك من المعارف.
و إن أعلى الناس عقولًا، لهم الذين يتفكرون في النفس البشرية و أعماقها و حقيقتها، و يحاولون الوصول إلى الخالق. و لسنا بحاجة إلى إثبات حقيقة أن ديكارت -على ضلاله و كفره- هو من العقول الخارقة في تاريخ البشر. و هذا ما جعله يدخل في حالة عنيفة أنكر فيها جميع المعارف و بدأ من الصفر!
و إن ديكارت -و لا غروَ- هو أعقل بكثيييير، من كثيرٍ ممن خلق الله تعالى، الذين يكتفون "بدليل الفطرة"، و إيمان "عجائز نيسابور"، و قال الله و قال رسوله، هذا يظنونه كافيًا، لأن يدخل البشرية إلى الدين القويم، فمن جاوز ذلك، فاستنزف جهدًا، و قتل وقتًا، ليفكر بطرق ممكن أن يوصل فيها الدين إلى العباقرة و الأذكياء، بلغة يفهمونا، و بلسانٍ مبين، مع تقوى من الله عظيم، و جمرة تحرق يده و جسده، و أذى يصيبه من هنا و ثم، و فتن تعصف به، هذ الذي جاوز، و صفاتُه ما سبق أن ذكرتُ، فهذا هو الضالُّ المضلُّ، المعطل المبدل، الملحد في أسماء الله المبتدع، و هؤلاء الذي لهم هذا الطريق من التفكير، يحق عليهم قول الله تعالى لهم قلوب لا يعقلون بها، و قلوبهم في أكنة .... نعوذ بالله تعالى من هذا الزيغ، و من قلة التقوى و الورع من اتهام أولياء الله، و من إقحام النفس في مهالك القذف و محاربة أهل السنة و الخوض فيما لا ينفع بل يفتن و يضل. ألا بعدًا لكم أيها الحشوية ....
و نرجع إلى موضوعنا، ديكارت أدرك أن التسليم و الإيمان و الكلام الإلهي ليس بكافٍ لإقناع الفلاسفة بوجود الإله و الروح، بل يجب علينا أن نبحث عن أدلة عقلية تناسبهم، و بإمكانهم فهمها و الاقتناع بها لمن شاء الله له الهداية.
قال فيلسوفنا متمًّا للفقرة أعلاه:
[ فلولا الخوف من الله، و لولا توقع حياة ثانية، لكثُر الذين يؤثرون المنفعة على العدالة، كما هو شائعٌ في الحياة بأن الرذيلة تُثاب أكثر مما تُثاب الفضيلة.] اهـ
و واضحٌ ارتباط هذه الجملة بالتي قبلها، فمن لا يؤمن بوجود الإله أصلًا فكيف سيخافه، و كيف سيمتنع عن المعاصي و الرذائل، إن كل هذا الامتناع مبنيٌّ على التقوى أي الخوف، من لم يزعجه خوف لترك هذه المحرمات فلن يتركها و سيؤثر الشهوة العاجلة و إن أدت فيما بعدُ إلى أضرار يعلمها يقينًا، كشارب الخمر مثلًا، و شارب السجائر.
و من لا يؤمن بوجود الروح، فلن يؤمن بوجود حياة أخرى ستُبعث فيها هذه الروح، و ستُحاسب على ما فعلته، فيمتنع عن كل معصية خوفًا من العقاب في هذه "الحياة الثانية"، فمن لا يؤمن، تلطخ بكل ذنب، و لم يترك منه شاردة و لا واردة معاذ الله.
و مما كتبتُ أعلاه نفهم تعريف المتكلمين للدين حين قالوا: [قانون سماوي مساوقٌ لذوي العقول إلى الخيرات بالذات] اهـ
إلى هنا انتهيتُ من قراءة المقدمة و إلى لقاء قريب إن شاء الله.