مراجعات نقدية تأصيلية للفكر السياسي الناصرى (2)
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
من ناحية المضمون :
رفض السياق العلماني التغريبي : أما من ناحية المضمون فان القراءة الاسلاميه للتجربة الناصرية ، ترفض أولا القراءة العلمانية للناصرية، التي ترى انه ينبغي على الفكر السياسي الناصري ، أن يتخذ موقف القبول المطلق للعلمانية ،كحل لمشكله العلاقة بين الدين والدولة،لان هذه القراءة تضع الفكر السياسي الناصري في سياق تغريبي.
التزام استقراء الفكر السياسي الناصري بسياق اسلامى طبقا لموقف تجديدي متجاوز لموقفي التغريب والتقليد: كما أن القراءة الاسلاميه للتجربة الناصرية ترى ثانيا انه ينبغي عند استقراء الفكر السياسي الناصري من التجربة الناصرية، الالتزام- الاستدلالي- بسياق اسلامى- طبقا لموقف تجديدي متجاوز لموقفي التغريب والتجديد - يجعل العلاقة بين الإسلام كدين صالح لكل زمان ومكان، والفكر السياسي الناصري كمذهب سياسي محدود بزمان ومكان معيين ، علاقة تحديد وليست علاقة إلغاء ، وهو ما يتحقق من خلال الالتزام بموقف نقدي/ تقويمي وليس موقف الرفض المطلق من الفكر السياسي الناصري ، مضمونه- على مستوى أصول الدين النصية الثابتة - قبول ما يتسق من مفاهيمه معها، ورفض ما يمكن ان يتناقض منها معها . ومضمونه - على مستوى فروع الدين الاجتهادية المتغيرة- قبول الصواب ورفض الخطأ. وهذا الموقف يتسق مع تمييز عبد الناصر بين الدين كوضع الهي ثابت- يتخذ منه موقف ايجابي دائما - وبين الفكر الديني كاجتهاد بشرى متغير، يتضمن تفسيرين للدين، التفسير الأول هو تفسير تقدمي" مستنير" للدين، يعبر عن جوهر الدين ويمثل حافز روحي للتطور والتقدم الاجتماعي- ويدعو المفكرين الدينيين إلى التزام به، والتفسير الثاني هو تفسير رجعى للدين ، يتناقض مع جوهر الدين-لأنه مجرد استغلال-توظيف- للدين لتحقيق مصالح خاصة وهو يرفضه حيث يقول(إنّ رسالات السماء كلّها في جوهرها كانت ثورات إنسانية إستهدفت شرف الإنسان وسعادته ، وإنّ واجب المفكرين الدينيين الأكبر هو الإحتفاظ للدين بجوهر رسالته)،ويقول أيضا ( الرجعية التي أرادت احتكار خيرات الأرض لصالحها وحدها أقدمت على جريمة ستر مطامعها بالدين، وراحت تتلمس فيه ما يتعارض مع روحه ذاتها لكى توقف تيار التفكير)
شرط الالتزام بسياق اسلامى الاتساق وليس التطابق: وهنا نشير أن شرط التزام استقراء الفكر السياسي الناصري بسياق اسلامى هو اتساق- عدم تناقض- الفكر السياسي الناصري مع النصوص وليس تطابقه معها ، ذلك انه من أصول الفقه السياسي السني أن السياسة الشرعية هي كل ما يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص ، يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ.)، ويعرف ابن نجيم الحنفي في تعريف السياسة الشرعية بأنها
فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي )(الأحكام السلطانية والسلوك في سياسة الملوك للإمام الماوردي)،ويقول ابن القيم( ...فَإِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْعَدْلِ وَأَسْفَرَ وَجْهُهُ بِأَيْ طَرِيقٍ كَانَ، فَثَمَّ شَرْعُ اللهِ وَدِينُهُ... فَأَيُّ طَرِيقٍ اُسْتُخْرِجَ بِهَا الْعَدْلُ وَالْقِسْطُ فَهِيَ مِنْ الدِّينِ، وَلَيْسَتْ مُخَالِفَةً لَهُ...) (الأحكام السلطانية،أبي يعلى الفراء)
الأهداف:اذا كان الفكر السياسي الناصري، قد أشار إلى ثلاثة أهداف أساسيه ، تجسد حلول المشاكل المشتركة، التي يطرحها واقع الامه العربية ألمسلمه المعاصر، وهى الحرية كحل لمشكله الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجيبأشكاله المتعددة :القديم والجديد الامبريالي والاستيطاني الصهيوني، والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة كحل لمشكله التخلف الاقتصاد والتبعية ألاقتصاديه ، والوحدة كحل لمشكله التجزئة والتفتيت، فان القراءة الاسلاميه للتجربة الناصرية ترى أن تحديد الفكر السياسي الناصري من ناحية الأهداف إنما يتحقق من خلال التأكيد على هدف رابع يحدد ولا يلغى الأهداف الأخرى وهو الاصاله والمعاصرة التجديد طبقا لضوابطه الشرعية- كحل لمشكله ألهويه الحضارية.
الوسائل: كما ان القراءة الاسلاميه للتجربة الناصرية ترى أن تحديد الفكر السياسي الناصري من ناحية الوسائل، انما يتحقق من خلال الالتزام بموقف نقدي/ تقويمي من وسائل الفكر السياسي الناصري ، مضمونه التمييز بين الثوابت والمتغيرات و قبول الصواب ورفض الخطأ .
مراجعات منهجيه لموقف الفكر السياسي الناصري من بعض القضايا:
أولا: مشكله العلاقة بين الدين والدولة والموقف من العلمانية :
تعريف العلمانية : مصطلح "العلمانية " هو ترجمه عربيه لمصطلح (Secularism )، والذي هو صيغه نسب لكلمه ( Secular )، والتي تعنى في اللغة اللاتينية الدنيا أو العالم ، فالأصل اللاتيني لمصطلح العلمانية يفيد أذا معنى ما هو دنيوي مقابل ما هو ديني،. أما اصطلاحا فان العلمانية هي نزعه تعمل على الفصل بين الدين"ممثله في السلطة الدينية" والدولة "ممثله في السلطة السياسية" . وما سبق من حديث هو عن الدلالة الاصليه التاريخية "العامة - المشتركة" للعلمانية ، غير ان العلمانية اكتسبت لاحقا دلالات "خاصة منفردة " متعددة .
شكلي العلمانية: وللعلمانية شكلين:
العلمانية المسيحية " ذات الأساس الديني":فقد كانت العلمانية في الأصل جزء من الديانة المسيحية، استنادا إلى قول المسيح (عليه السلام) " أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " (متى 17: 21) وهى علمانيه ذات أساس ديني للاتي ا/ لأنها احد مبادئ الديانة المسيحية ، وردت الاشاره إليه في العديد من النصوص المسيحية،وله تطبيقات كثيرة في هذه الديانة، ب رغم أنها ترى جسد الإنسان يجب أن يخضع لسلطه الحاكم ، لكنها ترى في ذات الوقت أن روحه يجب أن تخضع لسلطه المسيح- تلاميذ المسيح الكنيسة..
العلمانية الليبرالية"الطبيعية الغير دينيه": فقد تحولت العلمانية إلي تيار فكرى معين، ظهر في مرحله معينه من مراحل التاريخ الاوربى ، انتهى إلي أقامه نظام متكامل للحياة ، هو النظام الليبرالي التي تشكل العلمانية احد أركانه، وهى علمانيه طبيعيه- غير دينيه، اى تنطلق من فكره "القانون الطبيعي "، لتقول بعدم تدخل الدولة في النشاط الديني والحياة الدينية للمجتمع - ليصبح النشاط الديني بذلك مقصورا على الأفراد - وتقول بوجوب خضوع جسد الإنسان للسلطة السياسية ، أما روحه فحرة حرية مطلقه ، اى تقوم على أساس حرية الاعتقاد المطلقة ولست المقيده ، اى للإنسان مطلق الحرية في اختيار اى اعتقاد ديني أو لا ديني "الإلحاد أو الشك.."
المواقف المتعددة من العلمانية : وقد تعددت المواقف من العلمانية في المجتمعات المسلمة ، غير أن هناك ثلاثة مواقف أساسيه منها وهى :
أولا : موقف القبول المطلق :اى قبول العلمانية دون تمييز بين دلالاتها المتعددة، وأشكالها المختلفة ، و سلبياتها وايجابيتها .
التغريب: كما سبق الاشاره فان أن العلمانية "الليبرالية" هي احد أركان النظام الليبرالي ، كنظام متكامل للحياة ، كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون. بناءا على هذا فان موقف القبول المطلق للعلمانية هو شكل من أشكال التغريب الذي مضمونه أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة ( بالمفاهيم والقيم والقواعد الغربية، لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية
ثانيا :موقف الرفض المطلق: اى رفض العلمانية دون تمييز بين:
أولا: دلالاتها المتعددة "دلالتها الاصليه التاريخية ودلالاتها اللاحقة
ثانيا: أشكالها المختلفة "العلمانية المسيحية ذات الأساس الديني،والعلمانية الليبراليه ذات الأساس الطبيعي الغير ديني
ثالثا: سلبياتها التي تتناقض مع الإسلام كالدين ومنها إقصاء واستبعاد الدين عن الحياة العامة وقصره على الحياة الخاصة... و ايجابياتها التي تتسق مع الإسلام كدين : ومنها تقرير مدنيه السلطة ورفض الكهنوت والثيوقراطيه..
التكفير: وهذا الموقف يقوم على تكفير كل من يتبنى أو يدعو إلى العلمانية في المجتمعات المسلمة ،وهو هنا يواجه عده إشكاليات ومنها: أولا:عدم التمييز بين عله منع شكلي العلمانية ، فعله المنع في الشكل الأول من أشكال العلمانية "العلمانية المسيحية" وهى أنها من شرع من قبلنا الذي يخالف شرعنا ،أما عله المنع في الشكل الثاني من أشكال العلمانية "العلمانية الليبرالية" فهي أن أساسها طبيعي لا دينى. ثانيا:عدم الالتزام بضوابط التكفير الشرعية ، ومنها قاعدة"التكفير على العموم أما المعين فيتوقف تكفيره على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع" بمعنى جواز القول بان المذهب المعين أو القول المعين هو كفر، أما الشخص المعين فلا يجوز القول بكفره إلا بعد استيفائه شروط التكفير وانتفاء موانعه عنه.ثالثا :عدم التمييز بين أنواع عدم الالتزام بالشرع وهو ما يخالف أصل من أصول الفكر السياسي السني وهو وجوب التمييز بين نوعين من أنواع عدم الالتزام بالشرع :الأول هو عدم الالتزام بالشرع مع الإقرار به، وحكمه انه ظلم أو فسق، والثاني: عدم الالتزام بالشرع مع إنكاره ،وحكمه انه كفر ، روى علي بن أبي طلحة ،عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ قال ( من جحد ما أنزل الله، فقد كفر، ومن أقرّبه، لم يحكم به فهو ظالم فاسق).رابعا: أن هذا الموقف يحصر رفض العلمانية للمبرر الديني ، ويستبعد رفضها لمبرر حضاري أيضا وهو أنها شكل من إشكال التغريب ،لأنه يقصر الإسلام على الدين، بينما الإسلام دين وحضارة.
ثالثا : الموقف النقدي : وهو الموقف الذي يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة لمصطلح العلمانية ، حيث أن للمصطلح دلاله أصليه تاريخيه واحده - هي فصل الدين عن الدولة ، كما أن له دلالات لاحقه - خاصة متعددة ، وبالتالي فان رفض الدلالة الاصليه التاريخية"العامة المشتركة" للمصطلح، لا يترتب عليه رفض أو قبول دلالاته اللاحقة" الخاصة المنفردة" إلا بعد تقييمها.كما يقوم هذا الموقف على التمييز بين سلبيات للعلمانية التي تتناقض مع الإسلام كالدين ومنها إقصاء واستبعاد الدين عن الحياة العامة وقصره على الحياة الخاصة... و ايجابياتها التي تتسق مع الإسلام كدين : ومنها تقرير مدنيه السلطة ورفض الثيوقراطيه...
تجاوز الثيوقراطيه والعلمانية: والمنظور السياسي الاسلامى يتجاوز كل من الثيوقراطيه والعلمانية، لأنه يجعل علاقة الدين بالدولة علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه )، لان السلطة في الإسلام مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة "كالشورى والعدل والمساواة....كما يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة تمييز(وليست علاقة فصل كما في العلمانية) ، لان الإسلام ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير. كما المنظور السياسي الاسلامى يقوم على مدنيه السلطة (وليس التشريع كما في العلمانية) لان الحاكم في المنظور السياسي الاسلامى نائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله إذا جار ، كما يقوم على دينيه التشريع " على مستوى أصوله " (وليس السلطة كما في الثيوقراطيه) ، باعتبار أن قواعد الشريعة الاصوليه هي المصدر الرئيسي للتشريع .
التجربة الناصرية تتناقض مع موقف القبول المطلق للعلمانية، وتتسق مع الموقف النقدي منها: بعد العرض السابق للمواقف المتعددة من العلمانية، نخلص إلى أن التجربة الناصرية تتناقض مع موقف القبول المطلق للعلمانية، وتتسق مع الموقف النقدي منها استنادا إلى الاتى:
أولا: اتخاذ التجربة الناصرية موقفا ايجابيا من الدين على المستويين النظري والعملي - كما سبق ذكره بالتفصيل - و هو ما يتناقض مع كون العلمانية- بفصلها للدين عن الدولة تتخذ موقفا سلبيا أو على الأقل محايدا من الدين، على الأقل على مستوى الدولة كممثل للمجتمع .
ثانيا: تقرير دساتير العهد الناصري ان الإسلام هو دين الدوله، يقول المستشار طارق البشرى(أن هذا الحكم الدستوري " أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها في دستور 1923 " ظل مرعيًّا ضمن التراث الدستوري الأصيل للدولة المصرية على مدى القرن العشرين، وكل دستور كامل صدر في مصر أورد هذا النص بهذا الحكم، دستور1930 ودستور1956 في عهد ثورة 23 يوليو 1952، ودستور 1964، ودستور1971. ولم يشذ من ذلك إلا دستور 1958 في عهد وحدة مصر مع سوريا؛ لأنه لم يكن دستورا مكتملا وقد زال بانفصال سوريا في1961 وسنلاحظ تاريخيًّا أن النص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، إنما يتضمن إقرارا بأن تكون مبادئ الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع . كما يرى طارق البشرى ان السادات عندما عرف الشريعة بوصفها مصدر رئيسي للتشريع 1971 او المصدر الرئيسي للتشريع 1981 قد (سار على نهج سوابقه فيما يتعلق بأن دين الدولة الرسمي الإسلام، ونص على مصدرية الشريعة الإسلامية، وهو حكم لا يزيد عن كونه تطبيقا؛ لأن دين الدولة الإسلام، لأن الدين هو المرجعية أو المصدرية).وما سبق ذكره من إقرار دساتير العهد الناصري بان الإسلام هو الدين الرسمي الدولة، وكون ذلك يتضمن إقرارا بأن تكون مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع كما قرر بعض القانونيين- يتناقض مع كون العلمانية يلزم منها - بفصلها للدين عن الدولة - نفى كون الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع .
ثانيا: قضايا الديموقراطيه ونظام الحكم وأساليب التغيير: وأخيرا نقدم مراجعات منهجيه ، لموقف الفكر السياسي الناصري من بعض القضايا السياسية، كالديموقراطيه ونظام الحكم وأساليب التغيير... تنطلق من التمييز بين الثوابت والمتغيرات ، ونستند هنا - بصوره أساسيه -على كتاب "عن الناصريين واليهم " للدكتور/ عصمت سيف الدوله (رحمه الله تعالى(
نحو فهم صحيح لموقف عبد الناصر من الديموقراطيه: إن الفهم الصحيح لموقف عبد الناصر من الديموقراطيه يتحقق من خلال الالتزام بالضوابط المنهجية الاتيه:
ا/التمييز بين الزعيم والدكتاتور : فالأول تحقق الاراده الشعبية أهدافها بتوحدها خلف زعامته ، ويصبح بالتالي محل رضا من اغلب الشعب. أما الثاني فيحول بدكتاتوريته دون تحقيق الاراده الشعبية لأهدافها،ويصبح بالتالي محل غضب اغلب الشعب . ولا يكاد يجادل احد على أن مواقف عبد الناصر القومية والوطنية الهادفة للتحرر من للاستعمار ، والداعمة للتضامن العربي ، والساعية لتحقيق العدالة الاجتماعية ...نالت تأييد اغلب الشعوب العربية- وليس الشعب المصري فقط - فضلا عن استمرار مكانته الوجدانية كرمز للكرامة والعزة عند هذه الشعوب حتى الآن، كل هذا وغيره يثبت أن عبد الناصر هو زعيم قومي وبالتالي ليس دكتاتور.
ب/ الديموقراطيه غير محصورة في صيغتها الليبرالية: إن عبد الناصر كان يرفض ألصيغه الليبرالية للديموقراطيه، لأنه إذ يحرر الشعب من استبداد الحاكمين ، لا يضمن عدم استبداد اقليه من الرأسماليين فيه ( د.عصمت سيف الدولة، النظرية ، ج2، ص197-198 ) ، وهو ما كان سائدا في مصر قبل قيام ثوره 23 يوليو حيث يوجد نظام ديموقراطى من الناحية الشكلية برلمان، تعدديه حزبيه، صحف حزبيه...، لكن يسطر عليه فعليا تحالف من الإقطاعيين والرأسماليين والملك ، الخاضع للسلطة الفعلية للاحتلال البريطاني، ولكن رفض عبد الناصر للصيغة الليبرالية للديموقراطيه ، لا يعنى رفضه لكل صيغ الديمقراطية،أو رفضه للديموقراطيه من حيث هي نظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام ، وهو يتبنى صيغه أخرى للديموقراطيه ، هو الديموقراطيه الشعبية ذات المضمون الاجتماعي. والالتزام بهذا الموقف النظري- يمكن أن يتحقق في واقعنا المعاصر من خلال أسلوب-عملي- متسق مع روحه المستندة إلى الاراده الشعبية- ،ومضمونه تحرير الديموقراطيه " كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام" من صيغتها الليبرالية (بمنهجها الليبرالي" الطبيعي" ،أركانها الاربعه"الراسماليه والفردية والعلمانية. والديموقراطيه الليبرالية" وذلك بالاحتكام إلى الشعب ذاته،ومن خلال الالتزام بأساليب التغيير السياسي السلمي الديموقراطى.
ج/التمييز بين مضمون الديموقراطيه وشكلها: كما يجب تميز بين مضمون الديموقراطيه ان تعبر السلطة عن الاراده الشعبية، وشكلها شكل النظام السياسي الذي تعبر الاراده الشعبية من خلاله عن ذاتها،و الأول ثابت بينما الثاني يخضع للتغيير في المكان وخلال الزمان، والدليل على هذا ان تعدد النظم السياسية الديموقراطيه الليبرالية بتعدد مجتمعاتها (بريطانيا، فرنسا، امريكا ،سويسرا)، استنادا على هذا فان بعض المواقف السياسية لعبد الناصر كرفضه لتعدد الأحزاب، وأخذه بأسلوب التنظيم السياسي الشعبي الواحد، تتصل بشكل الديموقراطيه وليس مضمونها، فهي مرتبطة بظروف تاريخيه معينه ، هي مرحله التحرر الوطني والقومي من الاستعمار القديم،وبالتالي قابله للتجاوز في ظروف تاريخيه مغايره كواقعنا المعاصر.
مفاهيم سياسيه:
مفهوم "قوى الشعب العاملة": تحدث الميثاق عن قوى الشعب العاملة، كما قسمها إلى فلاحين وعمال ومثقفين وجنود. غير انه يجب تقرير ان هذا التقسيم هو تقسيم مهني، يركز على القطاعات الرئيسية للشعب، دون إنكار قطاعاته الأخرى كالطلبة والحرفيون والعاطلون والنساء والشيوخ.
مفهوم"تحالف قوى الشعب": ان هذا المفهوم يعبر عن مبدأ سياسي هام ،هو وجوب التقاء كل القوى السياسية لتحقيق أهداف الامه، إلا انه يجب ان لا يفهم منه وحدة إرادة كل قوى منها، لأن أيا منها لم تكن منظمة ،على الوجه الذي تملك به وسيلة التعبير عن إرادتها الجماعية.
مفهوم"تذويب الفروق بين الطبقات": كما أشار الميثاق إلى الصراع الاجتماعي او الصراع
الطبقي وحله عن طريق تذويب الفروق بين الطبقات ، غير ان هذا المفهوم ليس غاية ، بل وسيله ذات أبعاد اقتصاديه ،قانونيه ،اجتماعيه تهدف إلى تقليل الفوارق الطبقية فى المجتمع.
قضيه "تعدد الأحزاب": ان عدم منع الشعب من ان يعبر عن إرادته بالطريقة التي يختارها ،
ومنها تشكيل الأحزاب ، مبدأ ديمقراطي يجب الأخذ به اتساقا مع تقرير الميثاق ان الحرية كل الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب ..حيث ان كل الحرية تمتد إلى حرية اختيار طريقة وأسلوب التعبير عن الرأي وممارسة النشاط الحزبي .
أسلوب تنظيم الجماهير: كما ان انتظام الشعب كله في مؤسسات تبقى منعقدة
دائما، وتكون اطارأ لعرض المشكلات ،والحوار حول حلولها والتعبئة لوضع تلك الحلول
موضع التنفيذ ،هو اقرب ما وصلت إليه النظم إلى الديمقراطية المباشرة التي هي
الديمقراطية الحقه، التي يتجه إليها التطور على مستوى البشرية جميعا. ولكن الصعوبة
كلها تكمن في كيف ينتظم الشعب في مؤسسات للديمقراطية. انه تنظيم في نقابات
وجمعيات ومؤسسات تعاونية وصحافة ومنظمات طلابية. ولكن كل هذه المؤسسات لا تفي
بحاجة بعض الشعب من الفلاحين والعمال والحرفيين المتخلفين ديمقراطيا. لهذا فإن
الموقف الايجابي هو انتظام الشعب في منظمات جماهيرية . ولكن لما كان هذا
الانتظام يجب ان يكون اراديأ بالإقناع أو التشجيع او القدرة ، فإن صيغته لا يمكن
ان تكون مبدأ يلتقى عليه ويتلزم به ويحتكم اليه.
نظام الحكم: إن النظام الرئاسي كان نظام مرحلة عبد الناصر، ولكنه ليس مبدأ ثابتا من مبادئ مفهوم الديمقراطية فبالاضافه إلى النظام الرئاسي القائم على الجمع بين رئاسة الدولة ورئاسة السلطة التنفبذيه،هناك نظام آخر مضمونه بقاء رئيس الدولة رمزا وصمام امن،على ان تؤول السلطة التنفيذية إلى مجلس الوزراء ، بل هناك فى الديمقراطيات الغربية انظمه ملكيه الدستورية، يكون الملك فيها رمز، بينما تؤول السلطة التنفذيه إلى رئيس مجلس الوزراء. (
أساليب التغيير: لقد كانت هناك أسباب تاريخيه معينه أدت إلى قيام ثوره يوليو بفعل مجموعة من ضباط القوات المسلحة ، وليس بتنظيم وتدبير وفعل حزب جماهيري . تتمثل هذه الأسباب في ان الظروف الاجتماعية والسياسية التي سادت مصر ما قبل ثورة 1952 كانت قد وفرت الشروط الموضوعية للثورة، والمتمثلة في السيطرة المطلقة لتحالف الاستعمار والإقطاع والرأسمالية على الشعب المصري وثرواته ، ولكنها لم تسمح باكتمال نضج شروطها الذاتية متمثله فى ان هذه الظروف لم تسمح للممارسة الديمقراطية بان تتعمق وتنمو إلى الحد الذي تستطيع فيه الجماهير امتلاك المقدرة الشعبية على فرض إرادتها . إن تلك الأسباب التاريخية هي التي تفسر قيام الثورة بتنظيم وتدبير وفعل مجموعة من ضباط القوات المسلحة تحت قيادة عبد الناصر ( تنظيم الضباط
الأحرار )، وليس بتنظيم وتدبير وفعل حزب جماهيري . هذا بالاضافه الى ان الانقلابات العسكرية كظاهره تكاد تكون المرحلة التالية لمرحلة التحرر من الاستعمار على مستوى العالم الثالث كله. وهذه الظاهرة هي حصيلة فشل تطبيق الديمقراطية فى العالم الثالث نتيجة للتخلف
الديمقراطي : انعدام أو ضعف التقاليد الديمقراطية بفعل الاستعمار وما صاحبه من
تخلف ثقافي ومادي، إضافة إلى تطبيق المفهوم الليبرالي القائم على سلبية الدولة
بالنسبة للممارسة الديمقراطية. إذا الانقلابات العسكرية تعبير عن مرحله تاريخيه
انقضت أو تكاد تنقضي، ولابد من استحداث أساليب تغيير أخرى أهمها أسلوب التغيير
الجماهيري السلمي بالياته المختلفة.
الموقف من ظاهره التعذيب: صاحبت التجربة الناصرية بعض الممارسات السالبة ومنها التعذيب ، و التقييم الموضوعي لها يقوم على الاتى:
ان التقييم الموضوعي لاى تجربه يجب ان يقوم على الإقرار بايجابياتها وسلبياتها،وليس اتخذا سلبياتها كمبرر لإنكار ايجابياتها.
انه يجب ادانه التعذيب كممارسه سالبه لا إنسانيه، مرفوضة أخلاقيا وقانونيا ودينيا ، بصرف النظر عن من قام بها .
ان ظاهره التعذيب مرتبطة بالبنية السياسية مجموع الانظمه السياسية وأنماط التفكير السياسي.. للعالم الثالث، وليست مرتبطة بالنظم السياسيةالسلطة السياسية للعالم الثالث ، وسبب ذلك أنها نشأت نتيجة لعوامل تاريخيه استمرت عهود تاريخيه متطاولة كالاستعمار وتعاقب النظم الاستبدادية .فقد كانت ظاهره التعذيب موجودة قبل عهد عبد الناصر النظام الملكي،واستمرت بعد عهده )عهد الرئيسين السادات ومبارك)، بل تفاقمت بعده عهده وكانت احد أسباب قيام ثوره 25 يناير الشعبية المصرية ضد نظام مبارك،ولم يبد الغرب الديموقراطى اى اعترض جدى ضدها خلال هذين العهدين لأنهما كانا تابعين له سياسيا.
ان عبد الناصر لم يكن يعلم بهذه الممارسات بدليل ان بعضهم شمس بدران اقر بعد وفاه عبد الناصر بأنه قام بذلك دون إذن من السلطة، وعندما علم بهذه الممارسات قدم قام بها للمحاكمة، وسجنهم بعضهم إلى ان قام الرئيس السادات بالإفراج عنهم بعرض التوظيف السياسي.
ان ظاهره التعذيب في عهد عبد الناصر قد تم تضخيمها، بغرض التوظيف السياسي ، ،من قبل قوى ونظم سياسيه مارست أو أيدت ممارسه التعذيب، بحجم اكبر من حجمها الذي وجدت فيه في عهد عبد الناصر.
وقد أشار بعض الكتاب إلى بعض أسباب ظهور هذه الممارسة السالبة في العهد الناصري ، ومن هذه الأسباب الضغوط التي تعرضت لها مصر لدورها الريادي في قياده حركه التحرر من الاستعمار حينها ، وما صاحب ذلك من تضخم دور الاجهزه الامنيه، ومن هذه الأسباب ان المشروع الناصري أراد حشد الناس ضد الاستعمار القديم والجديد والصهوينيه، لكنه استند في ذلك الى تنظيمات جامعه ( اى تقبل كل من يعلن الالتزام بمبادئها) ولكن غير مانعه (اى لم تتوافر فيها إليه لتمييز بين من يؤمن بهذه المبادئ فعلا ، و من يدعي الالتزام بها)، حيث ابتكرت الدوله تنظيمات سياسيه عامه تتضمن داخلها كل جهاز الدولة (هيئه التحرير، الاتحاد القومي، الاتحاد الاشتراكي)، وهنا اتيح لمجموعه من البيروقراطيين ان يقوموا بالعديد من الممارسات ألسالبه كالتعذيب وغيره ، وبذلك لطخوا ثوب ثوره يوليو الأبيض بما علق به من نقاط سوداءغير ان كل ما ذكروه هو تفسيراى بيان للأسباب الذي لا يمنع رفض السلبيات وليس تبرير اى دفاع عن السلبيات ، إذ أن التعذيب وغيره من الممارسات السالبة- لا تبرير له، وايه هذا أن جمال عند الناصر حاول تصحيحها عندما علم بحدوثها ، وقدم من قام بها للمحاكمة كما سبق ذكره.
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
من ناحية المضمون :
رفض السياق العلماني التغريبي : أما من ناحية المضمون فان القراءة الاسلاميه للتجربة الناصرية ، ترفض أولا القراءة العلمانية للناصرية، التي ترى انه ينبغي على الفكر السياسي الناصري ، أن يتخذ موقف القبول المطلق للعلمانية ،كحل لمشكله العلاقة بين الدين والدولة،لان هذه القراءة تضع الفكر السياسي الناصري في سياق تغريبي.
التزام استقراء الفكر السياسي الناصري بسياق اسلامى طبقا لموقف تجديدي متجاوز لموقفي التغريب والتقليد: كما أن القراءة الاسلاميه للتجربة الناصرية ترى ثانيا انه ينبغي عند استقراء الفكر السياسي الناصري من التجربة الناصرية، الالتزام- الاستدلالي- بسياق اسلامى- طبقا لموقف تجديدي متجاوز لموقفي التغريب والتجديد - يجعل العلاقة بين الإسلام كدين صالح لكل زمان ومكان، والفكر السياسي الناصري كمذهب سياسي محدود بزمان ومكان معيين ، علاقة تحديد وليست علاقة إلغاء ، وهو ما يتحقق من خلال الالتزام بموقف نقدي/ تقويمي وليس موقف الرفض المطلق من الفكر السياسي الناصري ، مضمونه- على مستوى أصول الدين النصية الثابتة - قبول ما يتسق من مفاهيمه معها، ورفض ما يمكن ان يتناقض منها معها . ومضمونه - على مستوى فروع الدين الاجتهادية المتغيرة- قبول الصواب ورفض الخطأ. وهذا الموقف يتسق مع تمييز عبد الناصر بين الدين كوضع الهي ثابت- يتخذ منه موقف ايجابي دائما - وبين الفكر الديني كاجتهاد بشرى متغير، يتضمن تفسيرين للدين، التفسير الأول هو تفسير تقدمي" مستنير" للدين، يعبر عن جوهر الدين ويمثل حافز روحي للتطور والتقدم الاجتماعي- ويدعو المفكرين الدينيين إلى التزام به، والتفسير الثاني هو تفسير رجعى للدين ، يتناقض مع جوهر الدين-لأنه مجرد استغلال-توظيف- للدين لتحقيق مصالح خاصة وهو يرفضه حيث يقول(إنّ رسالات السماء كلّها في جوهرها كانت ثورات إنسانية إستهدفت شرف الإنسان وسعادته ، وإنّ واجب المفكرين الدينيين الأكبر هو الإحتفاظ للدين بجوهر رسالته)،ويقول أيضا ( الرجعية التي أرادت احتكار خيرات الأرض لصالحها وحدها أقدمت على جريمة ستر مطامعها بالدين، وراحت تتلمس فيه ما يتعارض مع روحه ذاتها لكى توقف تيار التفكير)
شرط الالتزام بسياق اسلامى الاتساق وليس التطابق: وهنا نشير أن شرط التزام استقراء الفكر السياسي الناصري بسياق اسلامى هو اتساق- عدم تناقض- الفكر السياسي الناصري مع النصوص وليس تطابقه معها ، ذلك انه من أصول الفقه السياسي السني أن السياسة الشرعية هي كل ما يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص ، يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ.)، ويعرف ابن نجيم الحنفي في تعريف السياسة الشرعية بأنها
فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي )(الأحكام السلطانية والسلوك في سياسة الملوك للإمام الماوردي)،ويقول ابن القيم( ...فَإِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْعَدْلِ وَأَسْفَرَ وَجْهُهُ بِأَيْ طَرِيقٍ كَانَ، فَثَمَّ شَرْعُ اللهِ وَدِينُهُ... فَأَيُّ طَرِيقٍ اُسْتُخْرِجَ بِهَا الْعَدْلُ وَالْقِسْطُ فَهِيَ مِنْ الدِّينِ، وَلَيْسَتْ مُخَالِفَةً لَهُ...) (الأحكام السلطانية،أبي يعلى الفراء)الأهداف:اذا كان الفكر السياسي الناصري، قد أشار إلى ثلاثة أهداف أساسيه ، تجسد حلول المشاكل المشتركة، التي يطرحها واقع الامه العربية ألمسلمه المعاصر، وهى الحرية كحل لمشكله الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجيبأشكاله المتعددة :القديم والجديد الامبريالي والاستيطاني الصهيوني، والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة كحل لمشكله التخلف الاقتصاد والتبعية ألاقتصاديه ، والوحدة كحل لمشكله التجزئة والتفتيت، فان القراءة الاسلاميه للتجربة الناصرية ترى أن تحديد الفكر السياسي الناصري من ناحية الأهداف إنما يتحقق من خلال التأكيد على هدف رابع يحدد ولا يلغى الأهداف الأخرى وهو الاصاله والمعاصرة التجديد طبقا لضوابطه الشرعية- كحل لمشكله ألهويه الحضارية.
الوسائل: كما ان القراءة الاسلاميه للتجربة الناصرية ترى أن تحديد الفكر السياسي الناصري من ناحية الوسائل، انما يتحقق من خلال الالتزام بموقف نقدي/ تقويمي من وسائل الفكر السياسي الناصري ، مضمونه التمييز بين الثوابت والمتغيرات و قبول الصواب ورفض الخطأ .
مراجعات منهجيه لموقف الفكر السياسي الناصري من بعض القضايا:
أولا: مشكله العلاقة بين الدين والدولة والموقف من العلمانية :
تعريف العلمانية : مصطلح "العلمانية " هو ترجمه عربيه لمصطلح (Secularism )، والذي هو صيغه نسب لكلمه ( Secular )، والتي تعنى في اللغة اللاتينية الدنيا أو العالم ، فالأصل اللاتيني لمصطلح العلمانية يفيد أذا معنى ما هو دنيوي مقابل ما هو ديني،. أما اصطلاحا فان العلمانية هي نزعه تعمل على الفصل بين الدين"ممثله في السلطة الدينية" والدولة "ممثله في السلطة السياسية" . وما سبق من حديث هو عن الدلالة الاصليه التاريخية "العامة - المشتركة" للعلمانية ، غير ان العلمانية اكتسبت لاحقا دلالات "خاصة منفردة " متعددة .
شكلي العلمانية: وللعلمانية شكلين:
العلمانية المسيحية " ذات الأساس الديني":فقد كانت العلمانية في الأصل جزء من الديانة المسيحية، استنادا إلى قول المسيح (عليه السلام) " أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " (متى 17: 21) وهى علمانيه ذات أساس ديني للاتي ا/ لأنها احد مبادئ الديانة المسيحية ، وردت الاشاره إليه في العديد من النصوص المسيحية،وله تطبيقات كثيرة في هذه الديانة، ب رغم أنها ترى جسد الإنسان يجب أن يخضع لسلطه الحاكم ، لكنها ترى في ذات الوقت أن روحه يجب أن تخضع لسلطه المسيح- تلاميذ المسيح الكنيسة..
العلمانية الليبرالية"الطبيعية الغير دينيه": فقد تحولت العلمانية إلي تيار فكرى معين، ظهر في مرحله معينه من مراحل التاريخ الاوربى ، انتهى إلي أقامه نظام متكامل للحياة ، هو النظام الليبرالي التي تشكل العلمانية احد أركانه، وهى علمانيه طبيعيه- غير دينيه، اى تنطلق من فكره "القانون الطبيعي "، لتقول بعدم تدخل الدولة في النشاط الديني والحياة الدينية للمجتمع - ليصبح النشاط الديني بذلك مقصورا على الأفراد - وتقول بوجوب خضوع جسد الإنسان للسلطة السياسية ، أما روحه فحرة حرية مطلقه ، اى تقوم على أساس حرية الاعتقاد المطلقة ولست المقيده ، اى للإنسان مطلق الحرية في اختيار اى اعتقاد ديني أو لا ديني "الإلحاد أو الشك.."
المواقف المتعددة من العلمانية : وقد تعددت المواقف من العلمانية في المجتمعات المسلمة ، غير أن هناك ثلاثة مواقف أساسيه منها وهى :
أولا : موقف القبول المطلق :اى قبول العلمانية دون تمييز بين دلالاتها المتعددة، وأشكالها المختلفة ، و سلبياتها وايجابيتها .
التغريب: كما سبق الاشاره فان أن العلمانية "الليبرالية" هي احد أركان النظام الليبرالي ، كنظام متكامل للحياة ، كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون. بناءا على هذا فان موقف القبول المطلق للعلمانية هو شكل من أشكال التغريب الذي مضمونه أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة ( بالمفاهيم والقيم والقواعد الغربية، لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية
ثانيا :موقف الرفض المطلق: اى رفض العلمانية دون تمييز بين:
أولا: دلالاتها المتعددة "دلالتها الاصليه التاريخية ودلالاتها اللاحقة
ثانيا: أشكالها المختلفة "العلمانية المسيحية ذات الأساس الديني،والعلمانية الليبراليه ذات الأساس الطبيعي الغير ديني
ثالثا: سلبياتها التي تتناقض مع الإسلام كالدين ومنها إقصاء واستبعاد الدين عن الحياة العامة وقصره على الحياة الخاصة... و ايجابياتها التي تتسق مع الإسلام كدين : ومنها تقرير مدنيه السلطة ورفض الكهنوت والثيوقراطيه..
التكفير: وهذا الموقف يقوم على تكفير كل من يتبنى أو يدعو إلى العلمانية في المجتمعات المسلمة ،وهو هنا يواجه عده إشكاليات ومنها: أولا:عدم التمييز بين عله منع شكلي العلمانية ، فعله المنع في الشكل الأول من أشكال العلمانية "العلمانية المسيحية" وهى أنها من شرع من قبلنا الذي يخالف شرعنا ،أما عله المنع في الشكل الثاني من أشكال العلمانية "العلمانية الليبرالية" فهي أن أساسها طبيعي لا دينى. ثانيا:عدم الالتزام بضوابط التكفير الشرعية ، ومنها قاعدة"التكفير على العموم أما المعين فيتوقف تكفيره على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع" بمعنى جواز القول بان المذهب المعين أو القول المعين هو كفر، أما الشخص المعين فلا يجوز القول بكفره إلا بعد استيفائه شروط التكفير وانتفاء موانعه عنه.ثالثا :عدم التمييز بين أنواع عدم الالتزام بالشرع وهو ما يخالف أصل من أصول الفكر السياسي السني وهو وجوب التمييز بين نوعين من أنواع عدم الالتزام بالشرع :الأول هو عدم الالتزام بالشرع مع الإقرار به، وحكمه انه ظلم أو فسق، والثاني: عدم الالتزام بالشرع مع إنكاره ،وحكمه انه كفر ، روى علي بن أبي طلحة ،عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ قال ( من جحد ما أنزل الله، فقد كفر، ومن أقرّبه، لم يحكم به فهو ظالم فاسق).رابعا: أن هذا الموقف يحصر رفض العلمانية للمبرر الديني ، ويستبعد رفضها لمبرر حضاري أيضا وهو أنها شكل من إشكال التغريب ،لأنه يقصر الإسلام على الدين، بينما الإسلام دين وحضارة.
ثالثا : الموقف النقدي : وهو الموقف الذي يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة لمصطلح العلمانية ، حيث أن للمصطلح دلاله أصليه تاريخيه واحده - هي فصل الدين عن الدولة ، كما أن له دلالات لاحقه - خاصة متعددة ، وبالتالي فان رفض الدلالة الاصليه التاريخية"العامة المشتركة" للمصطلح، لا يترتب عليه رفض أو قبول دلالاته اللاحقة" الخاصة المنفردة" إلا بعد تقييمها.كما يقوم هذا الموقف على التمييز بين سلبيات للعلمانية التي تتناقض مع الإسلام كالدين ومنها إقصاء واستبعاد الدين عن الحياة العامة وقصره على الحياة الخاصة... و ايجابياتها التي تتسق مع الإسلام كدين : ومنها تقرير مدنيه السلطة ورفض الثيوقراطيه...
تجاوز الثيوقراطيه والعلمانية: والمنظور السياسي الاسلامى يتجاوز كل من الثيوقراطيه والعلمانية، لأنه يجعل علاقة الدين بالدولة علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه )، لان السلطة في الإسلام مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة "كالشورى والعدل والمساواة....كما يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة تمييز(وليست علاقة فصل كما في العلمانية) ، لان الإسلام ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير. كما المنظور السياسي الاسلامى يقوم على مدنيه السلطة (وليس التشريع كما في العلمانية) لان الحاكم في المنظور السياسي الاسلامى نائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله إذا جار ، كما يقوم على دينيه التشريع " على مستوى أصوله " (وليس السلطة كما في الثيوقراطيه) ، باعتبار أن قواعد الشريعة الاصوليه هي المصدر الرئيسي للتشريع .
التجربة الناصرية تتناقض مع موقف القبول المطلق للعلمانية، وتتسق مع الموقف النقدي منها: بعد العرض السابق للمواقف المتعددة من العلمانية، نخلص إلى أن التجربة الناصرية تتناقض مع موقف القبول المطلق للعلمانية، وتتسق مع الموقف النقدي منها استنادا إلى الاتى:
أولا: اتخاذ التجربة الناصرية موقفا ايجابيا من الدين على المستويين النظري والعملي - كما سبق ذكره بالتفصيل - و هو ما يتناقض مع كون العلمانية- بفصلها للدين عن الدولة تتخذ موقفا سلبيا أو على الأقل محايدا من الدين، على الأقل على مستوى الدولة كممثل للمجتمع .
ثانيا: تقرير دساتير العهد الناصري ان الإسلام هو دين الدوله، يقول المستشار طارق البشرى(أن هذا الحكم الدستوري " أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها في دستور 1923 " ظل مرعيًّا ضمن التراث الدستوري الأصيل للدولة المصرية على مدى القرن العشرين، وكل دستور كامل صدر في مصر أورد هذا النص بهذا الحكم، دستور1930 ودستور1956 في عهد ثورة 23 يوليو 1952، ودستور 1964، ودستور1971. ولم يشذ من ذلك إلا دستور 1958 في عهد وحدة مصر مع سوريا؛ لأنه لم يكن دستورا مكتملا وقد زال بانفصال سوريا في1961 وسنلاحظ تاريخيًّا أن النص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، إنما يتضمن إقرارا بأن تكون مبادئ الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع . كما يرى طارق البشرى ان السادات عندما عرف الشريعة بوصفها مصدر رئيسي للتشريع 1971 او المصدر الرئيسي للتشريع 1981 قد (سار على نهج سوابقه فيما يتعلق بأن دين الدولة الرسمي الإسلام، ونص على مصدرية الشريعة الإسلامية، وهو حكم لا يزيد عن كونه تطبيقا؛ لأن دين الدولة الإسلام، لأن الدين هو المرجعية أو المصدرية).وما سبق ذكره من إقرار دساتير العهد الناصري بان الإسلام هو الدين الرسمي الدولة، وكون ذلك يتضمن إقرارا بأن تكون مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع كما قرر بعض القانونيين- يتناقض مع كون العلمانية يلزم منها - بفصلها للدين عن الدولة - نفى كون الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع .
ثانيا: قضايا الديموقراطيه ونظام الحكم وأساليب التغيير: وأخيرا نقدم مراجعات منهجيه ، لموقف الفكر السياسي الناصري من بعض القضايا السياسية، كالديموقراطيه ونظام الحكم وأساليب التغيير... تنطلق من التمييز بين الثوابت والمتغيرات ، ونستند هنا - بصوره أساسيه -على كتاب "عن الناصريين واليهم " للدكتور/ عصمت سيف الدوله (رحمه الله تعالى(
نحو فهم صحيح لموقف عبد الناصر من الديموقراطيه: إن الفهم الصحيح لموقف عبد الناصر من الديموقراطيه يتحقق من خلال الالتزام بالضوابط المنهجية الاتيه:
ا/التمييز بين الزعيم والدكتاتور : فالأول تحقق الاراده الشعبية أهدافها بتوحدها خلف زعامته ، ويصبح بالتالي محل رضا من اغلب الشعب. أما الثاني فيحول بدكتاتوريته دون تحقيق الاراده الشعبية لأهدافها،ويصبح بالتالي محل غضب اغلب الشعب . ولا يكاد يجادل احد على أن مواقف عبد الناصر القومية والوطنية الهادفة للتحرر من للاستعمار ، والداعمة للتضامن العربي ، والساعية لتحقيق العدالة الاجتماعية ...نالت تأييد اغلب الشعوب العربية- وليس الشعب المصري فقط - فضلا عن استمرار مكانته الوجدانية كرمز للكرامة والعزة عند هذه الشعوب حتى الآن، كل هذا وغيره يثبت أن عبد الناصر هو زعيم قومي وبالتالي ليس دكتاتور.
ب/ الديموقراطيه غير محصورة في صيغتها الليبرالية: إن عبد الناصر كان يرفض ألصيغه الليبرالية للديموقراطيه، لأنه إذ يحرر الشعب من استبداد الحاكمين ، لا يضمن عدم استبداد اقليه من الرأسماليين فيه ( د.عصمت سيف الدولة، النظرية ، ج2، ص197-198 ) ، وهو ما كان سائدا في مصر قبل قيام ثوره 23 يوليو حيث يوجد نظام ديموقراطى من الناحية الشكلية برلمان، تعدديه حزبيه، صحف حزبيه...، لكن يسطر عليه فعليا تحالف من الإقطاعيين والرأسماليين والملك ، الخاضع للسلطة الفعلية للاحتلال البريطاني، ولكن رفض عبد الناصر للصيغة الليبرالية للديموقراطيه ، لا يعنى رفضه لكل صيغ الديمقراطية،أو رفضه للديموقراطيه من حيث هي نظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام ، وهو يتبنى صيغه أخرى للديموقراطيه ، هو الديموقراطيه الشعبية ذات المضمون الاجتماعي. والالتزام بهذا الموقف النظري- يمكن أن يتحقق في واقعنا المعاصر من خلال أسلوب-عملي- متسق مع روحه المستندة إلى الاراده الشعبية- ،ومضمونه تحرير الديموقراطيه " كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام" من صيغتها الليبرالية (بمنهجها الليبرالي" الطبيعي" ،أركانها الاربعه"الراسماليه والفردية والعلمانية. والديموقراطيه الليبرالية" وذلك بالاحتكام إلى الشعب ذاته،ومن خلال الالتزام بأساليب التغيير السياسي السلمي الديموقراطى.
ج/التمييز بين مضمون الديموقراطيه وشكلها: كما يجب تميز بين مضمون الديموقراطيه ان تعبر السلطة عن الاراده الشعبية، وشكلها شكل النظام السياسي الذي تعبر الاراده الشعبية من خلاله عن ذاتها،و الأول ثابت بينما الثاني يخضع للتغيير في المكان وخلال الزمان، والدليل على هذا ان تعدد النظم السياسية الديموقراطيه الليبرالية بتعدد مجتمعاتها (بريطانيا، فرنسا، امريكا ،سويسرا)، استنادا على هذا فان بعض المواقف السياسية لعبد الناصر كرفضه لتعدد الأحزاب، وأخذه بأسلوب التنظيم السياسي الشعبي الواحد، تتصل بشكل الديموقراطيه وليس مضمونها، فهي مرتبطة بظروف تاريخيه معينه ، هي مرحله التحرر الوطني والقومي من الاستعمار القديم،وبالتالي قابله للتجاوز في ظروف تاريخيه مغايره كواقعنا المعاصر.
مفاهيم سياسيه:
مفهوم "قوى الشعب العاملة": تحدث الميثاق عن قوى الشعب العاملة، كما قسمها إلى فلاحين وعمال ومثقفين وجنود. غير انه يجب تقرير ان هذا التقسيم هو تقسيم مهني، يركز على القطاعات الرئيسية للشعب، دون إنكار قطاعاته الأخرى كالطلبة والحرفيون والعاطلون والنساء والشيوخ.
مفهوم"تحالف قوى الشعب": ان هذا المفهوم يعبر عن مبدأ سياسي هام ،هو وجوب التقاء كل القوى السياسية لتحقيق أهداف الامه، إلا انه يجب ان لا يفهم منه وحدة إرادة كل قوى منها، لأن أيا منها لم تكن منظمة ،على الوجه الذي تملك به وسيلة التعبير عن إرادتها الجماعية.
مفهوم"تذويب الفروق بين الطبقات": كما أشار الميثاق إلى الصراع الاجتماعي او الصراع
الطبقي وحله عن طريق تذويب الفروق بين الطبقات ، غير ان هذا المفهوم ليس غاية ، بل وسيله ذات أبعاد اقتصاديه ،قانونيه ،اجتماعيه تهدف إلى تقليل الفوارق الطبقية فى المجتمع.
قضيه "تعدد الأحزاب": ان عدم منع الشعب من ان يعبر عن إرادته بالطريقة التي يختارها ،
ومنها تشكيل الأحزاب ، مبدأ ديمقراطي يجب الأخذ به اتساقا مع تقرير الميثاق ان الحرية كل الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب ..حيث ان كل الحرية تمتد إلى حرية اختيار طريقة وأسلوب التعبير عن الرأي وممارسة النشاط الحزبي .
أسلوب تنظيم الجماهير: كما ان انتظام الشعب كله في مؤسسات تبقى منعقدة
دائما، وتكون اطارأ لعرض المشكلات ،والحوار حول حلولها والتعبئة لوضع تلك الحلول
موضع التنفيذ ،هو اقرب ما وصلت إليه النظم إلى الديمقراطية المباشرة التي هي
الديمقراطية الحقه، التي يتجه إليها التطور على مستوى البشرية جميعا. ولكن الصعوبة
كلها تكمن في كيف ينتظم الشعب في مؤسسات للديمقراطية. انه تنظيم في نقابات
وجمعيات ومؤسسات تعاونية وصحافة ومنظمات طلابية. ولكن كل هذه المؤسسات لا تفي
بحاجة بعض الشعب من الفلاحين والعمال والحرفيين المتخلفين ديمقراطيا. لهذا فإن
الموقف الايجابي هو انتظام الشعب في منظمات جماهيرية . ولكن لما كان هذا
الانتظام يجب ان يكون اراديأ بالإقناع أو التشجيع او القدرة ، فإن صيغته لا يمكن
ان تكون مبدأ يلتقى عليه ويتلزم به ويحتكم اليه.
نظام الحكم: إن النظام الرئاسي كان نظام مرحلة عبد الناصر، ولكنه ليس مبدأ ثابتا من مبادئ مفهوم الديمقراطية فبالاضافه إلى النظام الرئاسي القائم على الجمع بين رئاسة الدولة ورئاسة السلطة التنفبذيه،هناك نظام آخر مضمونه بقاء رئيس الدولة رمزا وصمام امن،على ان تؤول السلطة التنفيذية إلى مجلس الوزراء ، بل هناك فى الديمقراطيات الغربية انظمه ملكيه الدستورية، يكون الملك فيها رمز، بينما تؤول السلطة التنفذيه إلى رئيس مجلس الوزراء. (
أساليب التغيير: لقد كانت هناك أسباب تاريخيه معينه أدت إلى قيام ثوره يوليو بفعل مجموعة من ضباط القوات المسلحة ، وليس بتنظيم وتدبير وفعل حزب جماهيري . تتمثل هذه الأسباب في ان الظروف الاجتماعية والسياسية التي سادت مصر ما قبل ثورة 1952 كانت قد وفرت الشروط الموضوعية للثورة، والمتمثلة في السيطرة المطلقة لتحالف الاستعمار والإقطاع والرأسمالية على الشعب المصري وثرواته ، ولكنها لم تسمح باكتمال نضج شروطها الذاتية متمثله فى ان هذه الظروف لم تسمح للممارسة الديمقراطية بان تتعمق وتنمو إلى الحد الذي تستطيع فيه الجماهير امتلاك المقدرة الشعبية على فرض إرادتها . إن تلك الأسباب التاريخية هي التي تفسر قيام الثورة بتنظيم وتدبير وفعل مجموعة من ضباط القوات المسلحة تحت قيادة عبد الناصر ( تنظيم الضباط
الأحرار )، وليس بتنظيم وتدبير وفعل حزب جماهيري . هذا بالاضافه الى ان الانقلابات العسكرية كظاهره تكاد تكون المرحلة التالية لمرحلة التحرر من الاستعمار على مستوى العالم الثالث كله. وهذه الظاهرة هي حصيلة فشل تطبيق الديمقراطية فى العالم الثالث نتيجة للتخلف
الديمقراطي : انعدام أو ضعف التقاليد الديمقراطية بفعل الاستعمار وما صاحبه من
تخلف ثقافي ومادي، إضافة إلى تطبيق المفهوم الليبرالي القائم على سلبية الدولة
بالنسبة للممارسة الديمقراطية. إذا الانقلابات العسكرية تعبير عن مرحله تاريخيه
انقضت أو تكاد تنقضي، ولابد من استحداث أساليب تغيير أخرى أهمها أسلوب التغيير
الجماهيري السلمي بالياته المختلفة.
الموقف من ظاهره التعذيب: صاحبت التجربة الناصرية بعض الممارسات السالبة ومنها التعذيب ، و التقييم الموضوعي لها يقوم على الاتى:
ان التقييم الموضوعي لاى تجربه يجب ان يقوم على الإقرار بايجابياتها وسلبياتها،وليس اتخذا سلبياتها كمبرر لإنكار ايجابياتها.
انه يجب ادانه التعذيب كممارسه سالبه لا إنسانيه، مرفوضة أخلاقيا وقانونيا ودينيا ، بصرف النظر عن من قام بها .
ان ظاهره التعذيب مرتبطة بالبنية السياسية مجموع الانظمه السياسية وأنماط التفكير السياسي.. للعالم الثالث، وليست مرتبطة بالنظم السياسيةالسلطة السياسية للعالم الثالث ، وسبب ذلك أنها نشأت نتيجة لعوامل تاريخيه استمرت عهود تاريخيه متطاولة كالاستعمار وتعاقب النظم الاستبدادية .فقد كانت ظاهره التعذيب موجودة قبل عهد عبد الناصر النظام الملكي،واستمرت بعد عهده )عهد الرئيسين السادات ومبارك)، بل تفاقمت بعده عهده وكانت احد أسباب قيام ثوره 25 يناير الشعبية المصرية ضد نظام مبارك،ولم يبد الغرب الديموقراطى اى اعترض جدى ضدها خلال هذين العهدين لأنهما كانا تابعين له سياسيا.
ان عبد الناصر لم يكن يعلم بهذه الممارسات بدليل ان بعضهم شمس بدران اقر بعد وفاه عبد الناصر بأنه قام بذلك دون إذن من السلطة، وعندما علم بهذه الممارسات قدم قام بها للمحاكمة، وسجنهم بعضهم إلى ان قام الرئيس السادات بالإفراج عنهم بعرض التوظيف السياسي.
ان ظاهره التعذيب في عهد عبد الناصر قد تم تضخيمها، بغرض التوظيف السياسي ، ،من قبل قوى ونظم سياسيه مارست أو أيدت ممارسه التعذيب، بحجم اكبر من حجمها الذي وجدت فيه في عهد عبد الناصر.
وقد أشار بعض الكتاب إلى بعض أسباب ظهور هذه الممارسة السالبة في العهد الناصري ، ومن هذه الأسباب الضغوط التي تعرضت لها مصر لدورها الريادي في قياده حركه التحرر من الاستعمار حينها ، وما صاحب ذلك من تضخم دور الاجهزه الامنيه، ومن هذه الأسباب ان المشروع الناصري أراد حشد الناس ضد الاستعمار القديم والجديد والصهوينيه، لكنه استند في ذلك الى تنظيمات جامعه ( اى تقبل كل من يعلن الالتزام بمبادئها) ولكن غير مانعه (اى لم تتوافر فيها إليه لتمييز بين من يؤمن بهذه المبادئ فعلا ، و من يدعي الالتزام بها)، حيث ابتكرت الدوله تنظيمات سياسيه عامه تتضمن داخلها كل جهاز الدولة (هيئه التحرير، الاتحاد القومي، الاتحاد الاشتراكي)، وهنا اتيح لمجموعه من البيروقراطيين ان يقوموا بالعديد من الممارسات ألسالبه كالتعذيب وغيره ، وبذلك لطخوا ثوب ثوره يوليو الأبيض بما علق به من نقاط سوداءغير ان كل ما ذكروه هو تفسيراى بيان للأسباب الذي لا يمنع رفض السلبيات وليس تبرير اى دفاع عن السلبيات ، إذ أن التعذيب وغيره من الممارسات السالبة- لا تبرير له، وايه هذا أن جمال عند الناصر حاول تصحيحها عندما علم بحدوثها ، وقدم من قام بها للمحاكمة كما سبق ذكره.