مراجعات نقدية تأصيلية للفكر السياسي الناصرى (1)
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
مفهوما المراجعات والنقد الذاتي : المراجعة لغة الرَدُّ مرة أخرى إلى الأصل. أما اصطلاحا فهي عملية نقد ذاتي ، يقوم بها فرد أو جماعه ، لمفاهيمه " النظرية " ومواقفه " العملية " . فهي تتصل بالشكل الذاتي للنقد . ومضمون النقد - منهجيا - تجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين، إلى موقف " تقويمي" قائم على بيان ايجابيات وسلبيات مفهوم" نظري "، أو موقف "عملي " انسانى معين، بهدف قبول الايجابيات ورفض السلبيات.
التمييز بين النقد والنقض: ولكن يجب التمييز بينه النقد والنقض، لان هدف النقد ايجابي هو التقويم والتصحيح وبالتالي البناء ، أما هدف النقض فهو سلبي هو الهدم ، فهو ليس شكل من أشكال نقد ، ولكن شكل من أشكال الرفض المطلق.
الموقف النقدي من خصائص التفكير العقلاني: والموقف النقدي- بشكليه الذاتي"النقد الذاتي" و الموضوعي"النقد الموضوعي"- من خصائص التفكير العقلاني،خلافا لموقفي الرفض والقبول المطلقين، واللذان يعبران عن نمط التفكير الاسطورى،القائم على الانفعال "العاطفي" غير المقيد بالعقل،وقبول الأفكار بدون دليل عقلي- منطقي.
الموقف النقدي يتسق مع الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم والتجارب الانسانيه: كما أن الموقف النقدي - بشكليه الذاتي"النقد الذاتي" و الموضوعي"النقد الموضوعي"- هو الموقف الذي يتسق مع الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم والتجارب الانسانيه. وقد أشارت إليه الكثير من النصوص : قال تعالى(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ (الزمر:17-18) ، وقال تعالى( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ)(النساء :114)، وعن حذيفة بن اليمان "رضي الله عنه "أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال : (لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً ، تَقُولُونَ : إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا ، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا) (رواه الترمذي "2007" بإسناد ضعيف / ضعفه الألباني ولكن صححه من قول عبد الله بن مسعود). وهو الموقف الحقيقي لعلماء الإسلام من كثير من المفاهيم والمجالات المعرفية ، كموقف الإمام ابن تيمية الذي يقول في تقييم التصوف على سبيل المثال (لأجل ما وقع في كثير من الاجتهاد والتنازع فيه، تنازع الناس في طريقهم ، فطائفة ذمت الصوفية والتصوف وطائفة غلو فيهم ... وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. ..) .اتساقا مع ما سبق أشارت بعض النصوص إلى النقد الذاتي - الشكل الذاتي للموقف النقدي - على سبيل الحث عليه كقيمه ايجابيه ، كما في قوله تعالى(وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) (يوسف:53)، واتساقا مع هذا التزم السلف الصالح مع أفضليتهم على سائر المسلمين المنصوص عليها النقد الذاتي، قال أنس بن مالك " رضي الله عنه": (دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حائطاً فسمعته يقول- وبيني وبينه جدار- عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ! والله لتتقينَّ الله يا ابن الخطاب أو ليعذبنّك).
أهم مراجعات الفكر السياسي الناصري:
أولا: النقد الذاتي عند الزعيم جمال عبد الناصر: يمكن اعتبار الزعيم جمال عبد الناصر (رحمه الله تعالى)- الذي ينسب إليه الفكر السياسي الناصري- أول من قام بمراجعات للفكر السياسي الناصري، على المستويين النظري والعملي، من خلال ممارسته للنقد الذاتي للتجربة الناصرية ، والفكر السياسي المستقرأ منها. ذلك أن الفكر السياسي الناصري ذو طابع عملي - تجريبي (بعدى) ، اى تم استقراءه لاحقا سواء في حياه عبد الناصر أو بعد وفاته - من تجربه سياسيه معينه، تمت في مكان وزمان معينين، وليس فكر سياسي ذو طابع نظري- تجريدي ( قبلي ) ، اى تم وضعه أولا بواسطة فلاسفة سياسيين معينين (كالفكر السياسي الليبرالي أو الماركسي(
ا/المستوى العملي : ذلك أن ثوره 23 يوليو 1952 ، استخدمت أسلوب التجربة "الذي يتضمن تصحيح الخطأ"، فقد بدأت ثورة 23 يوليو تجرب تحقق التحرر في إطار العزلة الإقليمية ، فلما اكتشفت الخطأ متجسداً في حلف بغداد ، بدت تدرك العلاقة الموضوعية بين تحرر الأمة " العربية " وتحرر جزء منها " مصر ".. وبدأت بإقامة التنمية على أسس رأسمالية، فلما اكتشفت الخطأ متجسداً في نكوص الرأسمالية عن المساهمة في خطة التنمية ، بدأت تدرك استحالة الرأسمالية بدون محركها الوحيد "الربح ".... وبعد هزيمه يونيو 1967 قام الزعيم الراحل بأشهر عمليه نقد ذاتي علنية ، يمارسها زعيم سياسي وهو في السلطة، في التاريخ الحديث والمعاصر، في خطاب التنحي،والذي أعلن فيه مسئوليته عن الهزيمة،وتنحيه عن اى منصب رسمي،وأعادته المظاهرات الرافضة لتنحيه ،التي اندلعت في كافه أرجاء الامه العربية، ، إلى موقعه في قياده حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار.
ب/المستوى النظري: ونجد في خطابات ووثائق التجربة الناصرية أوجه متعددة للنقد الذاتي ، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يقر الزعيم جمال عبد الناصر في خطاب بتاريخ 26 يوليو 1961 انه لم يتم القضاء التام على الإقطاع ( قلنا نقضي على الإقطاع هل قضينا على الإقطاع ؟... وأنا أعرف مناطق فيها 300 فدان ملكية لعيلة واحدة ، ولا زالوا يعتبرون أنفسهم أسياد البلد كما كانوا قبل الثورة ، ولا زالوا ينظرون إلى الفلاحين كعبيد) . ويقر في خطاب بتاريخ يوم 3 ديسمبر 1961 انه لم يتم اقامه العدالة الاجتماعية بصوره تامة ،أو القضاء النهائي على الظلم الاجتماعي (هل استطعنا ان نقيم عدالة اجتماعية ؟.. هل استطعنا إن نقيم ما يمكننا من القضاء على الظلم الاجتماعي؟.. هل استطعنا أن نقضي على الاستغلال السياسي والاستغلال الاقتصادي والاستغلال الاجتماعي؟.. أبدا لم نستطع ).كما يقر في خطابه إلى الشعب بتاريخ 16 أكتوبر 1961 بعدم كفاية التنظيم الشعبي (لقد وقعنا في خطأ كبير لا يقل أثرا عن الوهم الخطير الذي نسينا أنفسنا فيه. هذا الخطأ هو عدم كفاية التنظيم الشعبي ).
ثانيا:مراجعات د. عصمت سيف الدولة"(من التجربة إلى المنهج( : كما قام المفكر العربي الدكتور عصمت سيف الدولة (رحمه الله تعالى) بإجراء مراجعات للفكر السياسي الناصري، في العديد من مؤلفاته ، واهم هذه المؤلفات كتابه "عن الناصريين واليهم"، وترتكز هذه المراجعات على ضرورة الانتقال من الأخذ بأسلوب التجربة والخطأ، إلى التزام بالمنهج" الذي يكشف عن القوانين الموضوعية التي تضبط حركه الإنسان"، وهو هنا يدعو إلى تجاوز كل من المنهج المثالي الجدلي عند هيجل، الذي ينسب الجدل إلى الفكر، والمنهج المادي الجدلي عند ماركس الذي ينسب الجدل إلى المادة،والأخذ بمنهج جدل الإنسان،الذي ينسب الجدل إلى الإنسان"بين المادة والفكر أو الماضي والمستقبل أو الواقع والغاية".وفى كتابه عن "العروبة والإسلام"يقدم د. عصمت مراجعات للفكر القومي عامه ،في تصوره للعلاقة بين العروبة والإسلام،، ويخلص إلى أن الإسلام هو الذي اوجد الامه العربية،وانه بالتالي يشكل هيكلها الحضاري،ويرتب على هذا رفضه القاطع للعلمانية-بمفهومها الليبرالي الشامل-لأنها تتناقض مع الإسلام .
ثالثا: مرلجعات القراءه الإسلاميه المستنيره للتجربة الناصرية: أما هذه الدراسة فتتضمن مراجعات للفكر السياسي الناصري، في العديد من القضايا (كالديموقراطيه ونظام الحكم وأساليب التغيير والعلاقة بين الدين والدولة...)، و تنطلق من رفض القراءة العلمانية للتجربة الناصرية ،لأنها تتناقض مع الموقف الايجابي للتجربة الناصرية من الدين على المستويين النظري والعملي، والأخذ بقراءة إسلاميه المستنيره للتجربة الناصرية، ترى أولا أن الموقف الذي يتسق مع الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم والتجارب الانسانيه ، هو الموقف الذي يتجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين للتجربة الناصرية، إلى موقف نقدي منها ، يقر بايجابياتها وسلبياتها ، بهدف أخذ الأولى ورد الاخيره. كما ترى ثانيا ، انه ينبغي عند استقراء الفكر السياسي الناصري من التجربة الناصرية، الالتزام- الاستدلالي- بسياق اسلامى- طبقا لموقف تجديدي متجاوز لموقفي التغريب والتقليد-، يجعل العلاقة بين الإسلام كدين صالح لكل زمان ومكان، والفكر السياسي الناصري كمذهب سياسي محدود بزمان ومكان معيين ، علاقة تحديد وليست علاقه إلغاء - من خلال الالتزام بموقف نقدي/ تقويمي - وليس موقف الرفض المطلق من الفكر السياسي الناصري ومفاهيمه.
تعدد قراءات التجربة الناصرية وأسبابه : تعددت قراءات التجربة الناصرية ، ومرجع هذا التعدد عده أسباب منها: أولا: أن اى تجربه أو فكره إنسانيه ، محدودة في الزمان والمكان، وبالتالي تقع في إطار الظني الدلالة " يحتمل التأويل "، لذا يمكن أن تتعدد تأويلاتها (قراءاتها)، وذلك خلافا للدين بما هو وضع الهي، مطلق عن قيود الزمان والمكان، لذا فهو قطعي الدلالة "لا يحتمل التأويل" على مستوى أصوله. ثانيا: أن تفسير ذات الفكرة أو التجربة الانسانيه يمكن أن يختلف باختلاف الجهة "الفكرية " المنظور منها إليها.ثالثا: أن هناك مواقف متعددة ، يمكن اتخاذها اتجاه اى فكره أو تجربه إنسانيه " الرفض المطلق و القبول المطلق والموقف النقدي"، وكل موقف منهما يمكن أن يؤسس لقراءة مختلفة لذات الفكرة أو التجربة الانسانيه.
قراءتان أساسيتان :وفى إطار هذا التعدد في القراءات نكتفي بتناول قراءتان أساسيتان للتجربة ناصرية هما:
القراءة الأولى(القراءة العلمانية للتجربة الناصرية) : وهى قراءه ذات منطلقات فكريه متعددة ليبراليه ،ماركسيه ، وتستند إلى افتراض مضمونه أن التجربة الناصرية كانت علمانيه، في موقفها من مشكله العلاقة بين الدين والدولة ، وترتب على هذا الافتراض انه ينبغي على الفكر السياسي الناصري، أن يتخذ موقف القبول المطلق للعلمانية كحل لمشكله العلاقة بين الدين والدولة:
نقد :
تناقض التجربة الناصرية مع العلمانية : غير أن الافتراض الذي تستند إليه هذه القراءة خاطئ،حيث إن التجربة الناصرية تناقضت على المستويين النظري والتطبيقي مع العلمانية كحل قدمته أوربا الليبرالية، ضمن ظروف تاريخيه خاصة، لمشكله العلاقة بين الدين والدولة، يقوم على الفصل بينهما، فعلى المستوى النظري نجد من الناحية الشكلية الاصطلاحية- أن عبد الناصر لم يستخدم مصطلح علمانيه في اى من خطاباته الشفهية أو وثائقه المكتوبة ( مخلص الصيادي ، الناصرية والدين ، منتديات الفكر القومي العربي) ، أما من ناحية المضمون فقد رفض عبد الناصر مضمون العلمانية في بعض الخطابات والوثائق، حيث يقول مثلا سنة 1963 (الإسلام دين التطور والحياة، والإسلام يمثل الدين ويمثل الدنيا، لا يمثل الدين فقط). هذا فضلا عن أن التجربة الناصرية اتخذت موقفا ايجابيا من الدين ، على المستويين النظري والعملي- كما سنوضح لاحقا عند الحديث عن القراءة الاسلاميه للتجربة الناصرية هو ما يتناقض مع كون العلمانية- بفصلها للدين عن الدولة تتخذ موقفا سلبيا أو على الأقل محايدا من الدين، على الأقل على مستوى الدولة كممثل للمجتمع .
تناقض التجربة الناصرية مع التغريب: كما أن تبنى التجربة الناصرية لسياسات التحرر وطني وقومي وعالم ثالثى من الاستعمار الغربي القديم والجديد والاستيطاني ،والتنمية المستقلة في الاقتصاد ، وعدم الانحياز في السياسة الخارجية ، و صراعها مع قوى الاستعمارية الغربية إنما ينهض كدليل عملي تطبيقي على تناقضها مع التغريب ، الذي مضمونه محاوله اجتثاث الجذور، والعلمانية كما يقرر الدكتور عصمت سيف الدولة شكل من أشكال التغريب لان ( جوهر الدعوة العلمانية في مجتمع من المسلمين ، هو أن تستبدل بالشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الإسلام، بشرائع وقواعد وآداب وضعيه) (عن العروبة والإسلام،ص423( .
القراءة الثانية(القراءة الاسلاميه المستنيره للتجربة الناصريه ): أما القراءة الثانية فهي قراءه إسلاميه مستنيره للتجربه الناصرية .
التمييز بين التجربة الناصرية والفكر السياسي الناصري: هذه قراءه تميز بين التجربة الناصرية كتجربة تاريخيه معينه، تمت في مكان وزمان معينين ، و الفكر السياسي الناصري كفكر سياسي تم استقراءه - لاحقا- من التجربة الناصرية .
أولا: التجربة :
الموقف الصحيح من التجربة الناصرية :
أولا: موقف الرفض المطلق لا يعبر عن الموقف الاسلامى من الأفكار والتجارب الانسانيه: هذه القراءة ترى أولا أن موقف الرفض المطلق للتجربة الناصرية، والقائم على التركيز على سلبياتها وتجاهل ايجابياتها ، لا يعبر عن الموقف الاسلامى من كل الأفكار والتجارب الانسانيه، حتى لو تبناه بعض من ينسبون أنفسهم إلى الإسلام أفرادا أو جماعات، فقد ذم القران الكريم هذا الموقف ، في معرض ذمه لموقف الكفار والمشركين من الوحي، والقائم على رفضهم المطلق للعقيدة الصحيحة التي جاء بها الأنبياء، والذي يلازم قبولهم المطلق للعقائد الفاسدة المتوارثة من الآباء ، قال تعالى﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ (المائدة:104)، ويستند هذا الموقف - في كثير من الأحيان - إلى المعيار الذاتي في التقييم ، والمستند الى الانفعالات والعواطف الذاتية كالكراهية مثلا ، وهو ما نهت عنه النصوص كما في قوله تعالى (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ). كما يستند هذا الموقف في كثير من الأحيان - إلى بدعه تكفير المخالف في المذهب، التي قالت بها فرقه الخوارج الضالة وتتعارض مع نهى النصوص عن تكفير المسلمين، وتحذير علماء أهل السنة منه
الموقف الصحيح "الموقف النقدي/ التقويمي : كما أن هذه القراءة الاسلاميه ترى ثانيا- إن الذي يتسق مع الموقف الاسلامى الصحيح من التجارب الانسانيه ،هو الموقف الذي يتجاوز موقفي القبول المطلق و الرفض المطلق للتجربة الناصرية ، إلى موقف نقدي (تقويمي) قائم على الإقرار بالايجابيات(أوجه الصواب)والسلبيات (أوجه الخطأ)،بهدف اخذ الايجابيات ورفض السلبيات كما سبق بيانه.
نماذج للموقف التقويمى: وقد التزم بعض الكتاب المنتسبين إلى جماعه الأخوان المسلمين أو المتعاطفين معها بهذا الموقف النقدي التقويمي في تقييم التجربة الناصرية ، بالقول بوجوب الإقرار بايجابيات التجربة الناصرية ، بجانب الإقرار بسلبياتها : يقول ناجح إبراهيم القيادي بالجماعة الاسلاميه بمصر(فإذا خرجنا عن إطار علاقته بالإخوان والحركة الإسلامية ونظرنا نظرة موضوعية إلى إيجابيات الرئيس عبد الناصر رحمه الله وسلبياته.. فقد خلصت إلى أن الرئيس عبد الناصر له إيجابيات كثيرة وله سلبيات كثيرة أيضا)، ويقول د. يوسف القرضاوى (.. لا ريب أن الناس في رجل كعبد الناصر جد مختلفين؛ فله أنصار يرتفعون به إلى أعلى عليين، وله خصوم يهبطون به إلى أسفل سافلين. وبين مدح المغالين في المدح وقدح المبالغين في القدح تضيع الحقيقة ثم إني أفرق تفريقا واضحا بين أمرين:أولهما: ما كان من اجتهادات قد تصيب، وقد تخطئ، وهو مأجور على صوابه، ومعذور في خطئه وثانيهما: ما كان من مظالم ومآثم متعمدة، كما حدث لمعارضي عبد الناصر عامة، وللإخوان المسلمين خاصة )( عبد الناصر في الميزان من مذكرات القرضاوي).
التجربة الناصرية والموقف الايجابي من الدين: وتستند هذه القراءة إلى أن التجربة الناصرية اتخذت
موقف ايجابي من الدين الاسلامى ،على المستويين النظري والعملي:
ا/المستوى النظري: وقد تمثل هذا الموقف الايجابي لعبد الناصر ، من الدين الاسلامى ،على المستوى النظري ، في الكثير من أراء وأقوال وخطب جمال عبد الناصر، ومنها: تقرير جمال عبد الناصر أن أحد عوامل نجاح نضال الشعب المصري والشعوب العربية والمسلمة الأخرى هو (إيمان لا يتزعزع بالله وبرسله ورسالاته القدسية ...) (الميثاق الوطني، 1962 ، الباب الأول). وكذلك تقريره أن الإسلام هو الذي وحد الامه العربية (واتحدت المنطقة بسلطان العقيدة حين اندفعت تحت رايات الإسلام ...) ( خطاب أمام مجلس الأمة في 5/2/1958). كما يحدد في كتاب فلسفة الثورة (1953) الدوائر الثلاث التي يرى أن مصر تنتمي إليها،وأن دورها الخارجي يجب أن يتوزع بينها، فيراها أولا في الدائرة العربية وثانيا في الدائرة الأفريقية وثالثا في الدائرة الإسلامية. كما يرى جمال عبد الناصر ان الإسلام هو الحل الأول والأخير لمشكله العلاقة بين الفرد والمجتمع ( . فليكتف المفكرون والفلاسفة بما بذلوا من جهد، ولا يبحثوا منذ اليوم عن حلول أخرى لمشكلة الفرد والمجتمع.. عندنا الحل.. الحل هو الذي نزل به الوحي على نبينا منذ ألف وثلاثمائة سنة.. هو الحل الأخير لمشكلة الإنسانية ) (مقال بعنوان الحل الأول هو الحل الأخير، العدد 5 من سلسلة اخترنا لك العدالة الاجتماعية وحقوق الفرد، أول يوليو 1954، طبع دار المعارف)
ب/المستوى التطبيقي: كما تمثل الموقف الايجابي لعبد الناصر من الإسلام كدين وكعلاقة انتماء ، على المستوى العملي في الكثير من المظاهر، ومنها : 1/ زيادة عدد المساجد في مصر ، من أحد عشر ألف مسجد قبل الثورة ، إلى واحد وعشرين ألف مسجد عام 1970 ، وهو ما يعادل عدد المساجد التي بنيت في مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى عهد عبد الناصر. 2/ أنشاء مدينة البعوث الإسلامية ،التي كان ومازال يدرس فيها عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين، القادمين من سبعين دولة إسلامية ويقيمون فيها مجانا.3/ أنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي التي جمعت كل الشعوب الإسلامية . 4/ ترجمة القرآن الكريم إلى كل لغات العالم . 5/ إنشاء إذاعة القرآن الكريم. 6/ وضع موسوعة جمال عبد الناصر للفقه الإسلامي. 7/ إصدار قانون تحريم القمار ومنعه . 8/ إلغاء تراخيص العمل الممنوحة للنسوة العاملات بالدعارة (الدين والدولة والثورة : رفعت سيد أحمد. النبي والفرعون : جيل كيبل . المؤامرة ومعركة المصير : سعد جمعة. تقرير مجلس الكنائس العالمي لعام 1974،تقرير الحالة الدينية فى مصر عام1982 . الإسلام في عهد جمال عبد الناصر : عمرو صابح)
الصراع بين عبد الناصر وجماعه الأخوان المسلمين صراع سياسي وليس ديني : كما ترى هذه القراءة الاسلاميه المستنيره أن الصراع الذي دار بين عبد الناصر وجماعه الأخوان المسلمين وبالأحرى قطاع من قطاعاتها وليس كل أفرادها- هو صراع سياسي ،وليس صراع ديني بين مسلمين وكفار وليس صراع سياسي،وذلك استنادا إلى إجماع علماء أهل السنة بفرقهم المتعددة على أن الامامه " بمعنى السلطة" فرع من فروع الدين الاجتهادية المتغيرة، وليست أصل من أصوله النصية الثابته ، "بخلاف الشيعة الذين قرروا أن الامامه من أصول الدين ، وبخلاف الخوارج الذين كفروا مخالفيهم"،وبالتالي لا يجوز تكفير المخالف فيها. وقد اقر بذلك عدد من الكتاب المنتسبين أو المؤيدين لجماعه الإخوان المسلمين يقول حسن دوح ( أن تصوير خلافنا مع عبد الناصر على انه جهاد بين جماعه مسلمين وجماعه كافرين تصوير خاطئ، ...)( الإرهاب المرفوض والإرهاب المفروض، بدون تاريخ، دار الاعتصام، القاهرة، ص 39). ويقول ناجح إبراهيم (أصل الخلاف بين الإخوان وعبد الناصر هو اعتقاد كل منهما أنه الأجدر والأحق بالسلطة والحكم في مصر.. ولم يكن الخلاف أساسا على الدين أو الإسلام أو حرية الدعوة.)( جمال عبد الناصر فى فكر داعية).ويقول د.عبدا لمنعم أبو الفتوح عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين فى الحلقة الأولى من مذكراته «شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر» التي تنفرد «الشروق» بنشرها (...فقد كنت أرى أنه من الصعب أن نقول إن جمال عبد الناصر كان ضد الإسلام أو عدوا له كما كتب البعض، ومازلت أرى أن الصراع بينه وبين الإخوان كان صراعا سياسيا في الأساس )
رفض مذهب الإسلام السياسي وليس رفض الدين الإسلامى: هنا يجب تقرير نلاحظ ان أن هذا الخلاف السياسي بين عبد الناصر وجماعه الإخوان المسلمين- أو بالأحرى بعض قطاعاتها- لم ينطلق على المستوى الفكري- من رفض الزعيم جمال عبد الناصر للإسلام كدين ، ولا حتى من رفضه لأفكار الإمام المؤسس للجماعة حسن ألبنا، التي مضمونها الدلالة قصدها عند وضعه للمفاهيم السياسية لجماعه الأخوان المسلمين ، والتي تتفق- على وجه الإجمال- مع السياسة الشرعية ومذهب أهل السنة في الامامه، والقائم على ان الامامه بمعنى السلطة من فروع الدين الاجتهادية المتغيرة ، وان ساهم فيه - على المستوى الفكري رفض الزعيم جمال عبد الناصر أفكار مذهب التفسير السياسي للدين- والذي عبر عنه البعض خطا بمصطلح "الإسلام السياسي" في صيغته القطبية التكفيرية- والذي يتعارض مع مفاهيم وقيم وقواعد وقيم الدين الكلية لأنه يجعل الدين مجرد وسيله لغاية أخرى هي السياسة - ومذهب أهل السنة في الامامه لأنه يجعل الامامه " بمعنى السلطة " من أصول الدين النصية الثابتة كما فى المذهب الشيعي ، والذي يشكل مضمون دلالة لم يقصدها الإمام المؤسس ، عند وضعه للمفاهيم السياسية لجماعه الأخوان المسلمين، ونقدها عند ظهورها في آخر أيام حياته . ففي الذكرى الأولى للاستشهاد حسن البنا وقف عبد الناصر على قبره مترحما ، واستمرت الإذاعة في تلاوة القران طوال اليوم ،ووقف عبد الناصر قائلا كان حسن البنا يلتقي مع الجميع ليعمل الجميع في سبيل المبادئ العالية والأهداف السامية، لا في سبيل الأشخاص ولا الأفراد ولا الدنياوأُشهد الله أنني أعمل - إن كنت أعمل- لتنفيذ هذه المبادئ، وأفنى فيها وأجاهد في سبيلها .
ثانيا:الفكر السياسي: أما موقف القراءة الاسلاميه للتجربة الناصرية من الفكر السياسي الناصري -الذي تم استقراءه منها- فتقوم على الاتى :
من الناحية الاصطلاحية: ترفض القراءة الاسلاميه المستنيره للتجربة الناصرية، الموقف الذي يفترض تناقض الفكر السياسي الناصري مع الإسلام ، استنادا إلى الناحية الاصطلاحية له فقط ، اى استنادا إلى مصطلح "ناصريه" ومشتقاته " ناصري، ناصريين.." وكونه محدث ، لأنه يتعارض مع القاعدة الشرعية العبرة بالمعنى وليس باللفظ ، ورد في المستصفى (لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني)( 1/23 ). هذا فضلا عن أن المسلمين عبر التاريخ الاسلامى- نسبوا الجماعات التي تلتزم بأحد المذاهب التي هي محصله الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة، إلى صاحب المذهب ، كالحنابلة والمالكية والشافعية والحنفية في الفقه أو الاشاعره والماتريديه و الطحاويه في علم الكلام . أما مصطلح اسلامىأو اسلاميين كصيغه نسب لمفرد او جماعه من البشر، فلم يرد في القران أو ألسنه أو أقوال السلف الصالح، إنما ورد لفظ مسلم ومسلمين، قال الله تعالى: (... هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج:78) . وإذا كان بعض العلماء المسلمين في مراحل تاليه لعهد السلف الصالح (رضى الله عنهم) قد استخدم مصطلح (إسلاميين)، فأنهم قد استخدموه بدلالات غير دلالاته المعاصرة ، من هؤلاء العلماء الإمام ابو الحسن الاشعرى في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين)،حيث عنى بالإسلاميين كل فرق وطوائف المسلمين ، وهى دلاله تختلف عن دلالته المعاصرة التي تقتصر على جماعه من المسلمين.
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
مفهوما المراجعات والنقد الذاتي : المراجعة لغة الرَدُّ مرة أخرى إلى الأصل. أما اصطلاحا فهي عملية نقد ذاتي ، يقوم بها فرد أو جماعه ، لمفاهيمه " النظرية " ومواقفه " العملية " . فهي تتصل بالشكل الذاتي للنقد . ومضمون النقد - منهجيا - تجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين، إلى موقف " تقويمي" قائم على بيان ايجابيات وسلبيات مفهوم" نظري "، أو موقف "عملي " انسانى معين، بهدف قبول الايجابيات ورفض السلبيات.
التمييز بين النقد والنقض: ولكن يجب التمييز بينه النقد والنقض، لان هدف النقد ايجابي هو التقويم والتصحيح وبالتالي البناء ، أما هدف النقض فهو سلبي هو الهدم ، فهو ليس شكل من أشكال نقد ، ولكن شكل من أشكال الرفض المطلق.
الموقف النقدي من خصائص التفكير العقلاني: والموقف النقدي- بشكليه الذاتي"النقد الذاتي" و الموضوعي"النقد الموضوعي"- من خصائص التفكير العقلاني،خلافا لموقفي الرفض والقبول المطلقين، واللذان يعبران عن نمط التفكير الاسطورى،القائم على الانفعال "العاطفي" غير المقيد بالعقل،وقبول الأفكار بدون دليل عقلي- منطقي.
الموقف النقدي يتسق مع الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم والتجارب الانسانيه: كما أن الموقف النقدي - بشكليه الذاتي"النقد الذاتي" و الموضوعي"النقد الموضوعي"- هو الموقف الذي يتسق مع الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم والتجارب الانسانيه. وقد أشارت إليه الكثير من النصوص : قال تعالى(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ (الزمر:17-18) ، وقال تعالى( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ)(النساء :114)، وعن حذيفة بن اليمان "رضي الله عنه "أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال : (لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً ، تَقُولُونَ : إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا ، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا) (رواه الترمذي "2007" بإسناد ضعيف / ضعفه الألباني ولكن صححه من قول عبد الله بن مسعود). وهو الموقف الحقيقي لعلماء الإسلام من كثير من المفاهيم والمجالات المعرفية ، كموقف الإمام ابن تيمية الذي يقول في تقييم التصوف على سبيل المثال (لأجل ما وقع في كثير من الاجتهاد والتنازع فيه، تنازع الناس في طريقهم ، فطائفة ذمت الصوفية والتصوف وطائفة غلو فيهم ... وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. ..) .اتساقا مع ما سبق أشارت بعض النصوص إلى النقد الذاتي - الشكل الذاتي للموقف النقدي - على سبيل الحث عليه كقيمه ايجابيه ، كما في قوله تعالى(وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) (يوسف:53)، واتساقا مع هذا التزم السلف الصالح مع أفضليتهم على سائر المسلمين المنصوص عليها النقد الذاتي، قال أنس بن مالك " رضي الله عنه": (دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حائطاً فسمعته يقول- وبيني وبينه جدار- عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ! والله لتتقينَّ الله يا ابن الخطاب أو ليعذبنّك).
أهم مراجعات الفكر السياسي الناصري:
أولا: النقد الذاتي عند الزعيم جمال عبد الناصر: يمكن اعتبار الزعيم جمال عبد الناصر (رحمه الله تعالى)- الذي ينسب إليه الفكر السياسي الناصري- أول من قام بمراجعات للفكر السياسي الناصري، على المستويين النظري والعملي، من خلال ممارسته للنقد الذاتي للتجربة الناصرية ، والفكر السياسي المستقرأ منها. ذلك أن الفكر السياسي الناصري ذو طابع عملي - تجريبي (بعدى) ، اى تم استقراءه لاحقا سواء في حياه عبد الناصر أو بعد وفاته - من تجربه سياسيه معينه، تمت في مكان وزمان معينين، وليس فكر سياسي ذو طابع نظري- تجريدي ( قبلي ) ، اى تم وضعه أولا بواسطة فلاسفة سياسيين معينين (كالفكر السياسي الليبرالي أو الماركسي(
ا/المستوى العملي : ذلك أن ثوره 23 يوليو 1952 ، استخدمت أسلوب التجربة "الذي يتضمن تصحيح الخطأ"، فقد بدأت ثورة 23 يوليو تجرب تحقق التحرر في إطار العزلة الإقليمية ، فلما اكتشفت الخطأ متجسداً في حلف بغداد ، بدت تدرك العلاقة الموضوعية بين تحرر الأمة " العربية " وتحرر جزء منها " مصر ".. وبدأت بإقامة التنمية على أسس رأسمالية، فلما اكتشفت الخطأ متجسداً في نكوص الرأسمالية عن المساهمة في خطة التنمية ، بدأت تدرك استحالة الرأسمالية بدون محركها الوحيد "الربح ".... وبعد هزيمه يونيو 1967 قام الزعيم الراحل بأشهر عمليه نقد ذاتي علنية ، يمارسها زعيم سياسي وهو في السلطة، في التاريخ الحديث والمعاصر، في خطاب التنحي،والذي أعلن فيه مسئوليته عن الهزيمة،وتنحيه عن اى منصب رسمي،وأعادته المظاهرات الرافضة لتنحيه ،التي اندلعت في كافه أرجاء الامه العربية، ، إلى موقعه في قياده حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار.
ب/المستوى النظري: ونجد في خطابات ووثائق التجربة الناصرية أوجه متعددة للنقد الذاتي ، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يقر الزعيم جمال عبد الناصر في خطاب بتاريخ 26 يوليو 1961 انه لم يتم القضاء التام على الإقطاع ( قلنا نقضي على الإقطاع هل قضينا على الإقطاع ؟... وأنا أعرف مناطق فيها 300 فدان ملكية لعيلة واحدة ، ولا زالوا يعتبرون أنفسهم أسياد البلد كما كانوا قبل الثورة ، ولا زالوا ينظرون إلى الفلاحين كعبيد) . ويقر في خطاب بتاريخ يوم 3 ديسمبر 1961 انه لم يتم اقامه العدالة الاجتماعية بصوره تامة ،أو القضاء النهائي على الظلم الاجتماعي (هل استطعنا ان نقيم عدالة اجتماعية ؟.. هل استطعنا إن نقيم ما يمكننا من القضاء على الظلم الاجتماعي؟.. هل استطعنا أن نقضي على الاستغلال السياسي والاستغلال الاقتصادي والاستغلال الاجتماعي؟.. أبدا لم نستطع ).كما يقر في خطابه إلى الشعب بتاريخ 16 أكتوبر 1961 بعدم كفاية التنظيم الشعبي (لقد وقعنا في خطأ كبير لا يقل أثرا عن الوهم الخطير الذي نسينا أنفسنا فيه. هذا الخطأ هو عدم كفاية التنظيم الشعبي ).
ثانيا:مراجعات د. عصمت سيف الدولة"(من التجربة إلى المنهج( : كما قام المفكر العربي الدكتور عصمت سيف الدولة (رحمه الله تعالى) بإجراء مراجعات للفكر السياسي الناصري، في العديد من مؤلفاته ، واهم هذه المؤلفات كتابه "عن الناصريين واليهم"، وترتكز هذه المراجعات على ضرورة الانتقال من الأخذ بأسلوب التجربة والخطأ، إلى التزام بالمنهج" الذي يكشف عن القوانين الموضوعية التي تضبط حركه الإنسان"، وهو هنا يدعو إلى تجاوز كل من المنهج المثالي الجدلي عند هيجل، الذي ينسب الجدل إلى الفكر، والمنهج المادي الجدلي عند ماركس الذي ينسب الجدل إلى المادة،والأخذ بمنهج جدل الإنسان،الذي ينسب الجدل إلى الإنسان"بين المادة والفكر أو الماضي والمستقبل أو الواقع والغاية".وفى كتابه عن "العروبة والإسلام"يقدم د. عصمت مراجعات للفكر القومي عامه ،في تصوره للعلاقة بين العروبة والإسلام،، ويخلص إلى أن الإسلام هو الذي اوجد الامه العربية،وانه بالتالي يشكل هيكلها الحضاري،ويرتب على هذا رفضه القاطع للعلمانية-بمفهومها الليبرالي الشامل-لأنها تتناقض مع الإسلام .
ثالثا: مرلجعات القراءه الإسلاميه المستنيره للتجربة الناصرية: أما هذه الدراسة فتتضمن مراجعات للفكر السياسي الناصري، في العديد من القضايا (كالديموقراطيه ونظام الحكم وأساليب التغيير والعلاقة بين الدين والدولة...)، و تنطلق من رفض القراءة العلمانية للتجربة الناصرية ،لأنها تتناقض مع الموقف الايجابي للتجربة الناصرية من الدين على المستويين النظري والعملي، والأخذ بقراءة إسلاميه المستنيره للتجربة الناصرية، ترى أولا أن الموقف الذي يتسق مع الموقف الاسلامى الصحيح من المفاهيم والتجارب الانسانيه ، هو الموقف الذي يتجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين للتجربة الناصرية، إلى موقف نقدي منها ، يقر بايجابياتها وسلبياتها ، بهدف أخذ الأولى ورد الاخيره. كما ترى ثانيا ، انه ينبغي عند استقراء الفكر السياسي الناصري من التجربة الناصرية، الالتزام- الاستدلالي- بسياق اسلامى- طبقا لموقف تجديدي متجاوز لموقفي التغريب والتقليد-، يجعل العلاقة بين الإسلام كدين صالح لكل زمان ومكان، والفكر السياسي الناصري كمذهب سياسي محدود بزمان ومكان معيين ، علاقة تحديد وليست علاقه إلغاء - من خلال الالتزام بموقف نقدي/ تقويمي - وليس موقف الرفض المطلق من الفكر السياسي الناصري ومفاهيمه.
تعدد قراءات التجربة الناصرية وأسبابه : تعددت قراءات التجربة الناصرية ، ومرجع هذا التعدد عده أسباب منها: أولا: أن اى تجربه أو فكره إنسانيه ، محدودة في الزمان والمكان، وبالتالي تقع في إطار الظني الدلالة " يحتمل التأويل "، لذا يمكن أن تتعدد تأويلاتها (قراءاتها)، وذلك خلافا للدين بما هو وضع الهي، مطلق عن قيود الزمان والمكان، لذا فهو قطعي الدلالة "لا يحتمل التأويل" على مستوى أصوله. ثانيا: أن تفسير ذات الفكرة أو التجربة الانسانيه يمكن أن يختلف باختلاف الجهة "الفكرية " المنظور منها إليها.ثالثا: أن هناك مواقف متعددة ، يمكن اتخاذها اتجاه اى فكره أو تجربه إنسانيه " الرفض المطلق و القبول المطلق والموقف النقدي"، وكل موقف منهما يمكن أن يؤسس لقراءة مختلفة لذات الفكرة أو التجربة الانسانيه.
قراءتان أساسيتان :وفى إطار هذا التعدد في القراءات نكتفي بتناول قراءتان أساسيتان للتجربة ناصرية هما:
القراءة الأولى(القراءة العلمانية للتجربة الناصرية) : وهى قراءه ذات منطلقات فكريه متعددة ليبراليه ،ماركسيه ، وتستند إلى افتراض مضمونه أن التجربة الناصرية كانت علمانيه، في موقفها من مشكله العلاقة بين الدين والدولة ، وترتب على هذا الافتراض انه ينبغي على الفكر السياسي الناصري، أن يتخذ موقف القبول المطلق للعلمانية كحل لمشكله العلاقة بين الدين والدولة:
نقد :
تناقض التجربة الناصرية مع العلمانية : غير أن الافتراض الذي تستند إليه هذه القراءة خاطئ،حيث إن التجربة الناصرية تناقضت على المستويين النظري والتطبيقي مع العلمانية كحل قدمته أوربا الليبرالية، ضمن ظروف تاريخيه خاصة، لمشكله العلاقة بين الدين والدولة، يقوم على الفصل بينهما، فعلى المستوى النظري نجد من الناحية الشكلية الاصطلاحية- أن عبد الناصر لم يستخدم مصطلح علمانيه في اى من خطاباته الشفهية أو وثائقه المكتوبة ( مخلص الصيادي ، الناصرية والدين ، منتديات الفكر القومي العربي) ، أما من ناحية المضمون فقد رفض عبد الناصر مضمون العلمانية في بعض الخطابات والوثائق، حيث يقول مثلا سنة 1963 (الإسلام دين التطور والحياة، والإسلام يمثل الدين ويمثل الدنيا، لا يمثل الدين فقط). هذا فضلا عن أن التجربة الناصرية اتخذت موقفا ايجابيا من الدين ، على المستويين النظري والعملي- كما سنوضح لاحقا عند الحديث عن القراءة الاسلاميه للتجربة الناصرية هو ما يتناقض مع كون العلمانية- بفصلها للدين عن الدولة تتخذ موقفا سلبيا أو على الأقل محايدا من الدين، على الأقل على مستوى الدولة كممثل للمجتمع .
تناقض التجربة الناصرية مع التغريب: كما أن تبنى التجربة الناصرية لسياسات التحرر وطني وقومي وعالم ثالثى من الاستعمار الغربي القديم والجديد والاستيطاني ،والتنمية المستقلة في الاقتصاد ، وعدم الانحياز في السياسة الخارجية ، و صراعها مع قوى الاستعمارية الغربية إنما ينهض كدليل عملي تطبيقي على تناقضها مع التغريب ، الذي مضمونه محاوله اجتثاث الجذور، والعلمانية كما يقرر الدكتور عصمت سيف الدولة شكل من أشكال التغريب لان ( جوهر الدعوة العلمانية في مجتمع من المسلمين ، هو أن تستبدل بالشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الإسلام، بشرائع وقواعد وآداب وضعيه) (عن العروبة والإسلام،ص423( .
القراءة الثانية(القراءة الاسلاميه المستنيره للتجربة الناصريه ): أما القراءة الثانية فهي قراءه إسلاميه مستنيره للتجربه الناصرية .
التمييز بين التجربة الناصرية والفكر السياسي الناصري: هذه قراءه تميز بين التجربة الناصرية كتجربة تاريخيه معينه، تمت في مكان وزمان معينين ، و الفكر السياسي الناصري كفكر سياسي تم استقراءه - لاحقا- من التجربة الناصرية .
أولا: التجربة :
الموقف الصحيح من التجربة الناصرية :
أولا: موقف الرفض المطلق لا يعبر عن الموقف الاسلامى من الأفكار والتجارب الانسانيه: هذه القراءة ترى أولا أن موقف الرفض المطلق للتجربة الناصرية، والقائم على التركيز على سلبياتها وتجاهل ايجابياتها ، لا يعبر عن الموقف الاسلامى من كل الأفكار والتجارب الانسانيه، حتى لو تبناه بعض من ينسبون أنفسهم إلى الإسلام أفرادا أو جماعات، فقد ذم القران الكريم هذا الموقف ، في معرض ذمه لموقف الكفار والمشركين من الوحي، والقائم على رفضهم المطلق للعقيدة الصحيحة التي جاء بها الأنبياء، والذي يلازم قبولهم المطلق للعقائد الفاسدة المتوارثة من الآباء ، قال تعالى﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ (المائدة:104)، ويستند هذا الموقف - في كثير من الأحيان - إلى المعيار الذاتي في التقييم ، والمستند الى الانفعالات والعواطف الذاتية كالكراهية مثلا ، وهو ما نهت عنه النصوص كما في قوله تعالى (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ). كما يستند هذا الموقف في كثير من الأحيان - إلى بدعه تكفير المخالف في المذهب، التي قالت بها فرقه الخوارج الضالة وتتعارض مع نهى النصوص عن تكفير المسلمين، وتحذير علماء أهل السنة منه
الموقف الصحيح "الموقف النقدي/ التقويمي : كما أن هذه القراءة الاسلاميه ترى ثانيا- إن الذي يتسق مع الموقف الاسلامى الصحيح من التجارب الانسانيه ،هو الموقف الذي يتجاوز موقفي القبول المطلق و الرفض المطلق للتجربة الناصرية ، إلى موقف نقدي (تقويمي) قائم على الإقرار بالايجابيات(أوجه الصواب)والسلبيات (أوجه الخطأ)،بهدف اخذ الايجابيات ورفض السلبيات كما سبق بيانه.
نماذج للموقف التقويمى: وقد التزم بعض الكتاب المنتسبين إلى جماعه الأخوان المسلمين أو المتعاطفين معها بهذا الموقف النقدي التقويمي في تقييم التجربة الناصرية ، بالقول بوجوب الإقرار بايجابيات التجربة الناصرية ، بجانب الإقرار بسلبياتها : يقول ناجح إبراهيم القيادي بالجماعة الاسلاميه بمصر(فإذا خرجنا عن إطار علاقته بالإخوان والحركة الإسلامية ونظرنا نظرة موضوعية إلى إيجابيات الرئيس عبد الناصر رحمه الله وسلبياته.. فقد خلصت إلى أن الرئيس عبد الناصر له إيجابيات كثيرة وله سلبيات كثيرة أيضا)، ويقول د. يوسف القرضاوى (.. لا ريب أن الناس في رجل كعبد الناصر جد مختلفين؛ فله أنصار يرتفعون به إلى أعلى عليين، وله خصوم يهبطون به إلى أسفل سافلين. وبين مدح المغالين في المدح وقدح المبالغين في القدح تضيع الحقيقة ثم إني أفرق تفريقا واضحا بين أمرين:أولهما: ما كان من اجتهادات قد تصيب، وقد تخطئ، وهو مأجور على صوابه، ومعذور في خطئه وثانيهما: ما كان من مظالم ومآثم متعمدة، كما حدث لمعارضي عبد الناصر عامة، وللإخوان المسلمين خاصة )( عبد الناصر في الميزان من مذكرات القرضاوي).
التجربة الناصرية والموقف الايجابي من الدين: وتستند هذه القراءة إلى أن التجربة الناصرية اتخذت
موقف ايجابي من الدين الاسلامى ،على المستويين النظري والعملي:
ا/المستوى النظري: وقد تمثل هذا الموقف الايجابي لعبد الناصر ، من الدين الاسلامى ،على المستوى النظري ، في الكثير من أراء وأقوال وخطب جمال عبد الناصر، ومنها: تقرير جمال عبد الناصر أن أحد عوامل نجاح نضال الشعب المصري والشعوب العربية والمسلمة الأخرى هو (إيمان لا يتزعزع بالله وبرسله ورسالاته القدسية ...) (الميثاق الوطني، 1962 ، الباب الأول). وكذلك تقريره أن الإسلام هو الذي وحد الامه العربية (واتحدت المنطقة بسلطان العقيدة حين اندفعت تحت رايات الإسلام ...) ( خطاب أمام مجلس الأمة في 5/2/1958). كما يحدد في كتاب فلسفة الثورة (1953) الدوائر الثلاث التي يرى أن مصر تنتمي إليها،وأن دورها الخارجي يجب أن يتوزع بينها، فيراها أولا في الدائرة العربية وثانيا في الدائرة الأفريقية وثالثا في الدائرة الإسلامية. كما يرى جمال عبد الناصر ان الإسلام هو الحل الأول والأخير لمشكله العلاقة بين الفرد والمجتمع ( . فليكتف المفكرون والفلاسفة بما بذلوا من جهد، ولا يبحثوا منذ اليوم عن حلول أخرى لمشكلة الفرد والمجتمع.. عندنا الحل.. الحل هو الذي نزل به الوحي على نبينا منذ ألف وثلاثمائة سنة.. هو الحل الأخير لمشكلة الإنسانية ) (مقال بعنوان الحل الأول هو الحل الأخير، العدد 5 من سلسلة اخترنا لك العدالة الاجتماعية وحقوق الفرد، أول يوليو 1954، طبع دار المعارف)
ب/المستوى التطبيقي: كما تمثل الموقف الايجابي لعبد الناصر من الإسلام كدين وكعلاقة انتماء ، على المستوى العملي في الكثير من المظاهر، ومنها : 1/ زيادة عدد المساجد في مصر ، من أحد عشر ألف مسجد قبل الثورة ، إلى واحد وعشرين ألف مسجد عام 1970 ، وهو ما يعادل عدد المساجد التي بنيت في مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى عهد عبد الناصر. 2/ أنشاء مدينة البعوث الإسلامية ،التي كان ومازال يدرس فيها عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين، القادمين من سبعين دولة إسلامية ويقيمون فيها مجانا.3/ أنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي التي جمعت كل الشعوب الإسلامية . 4/ ترجمة القرآن الكريم إلى كل لغات العالم . 5/ إنشاء إذاعة القرآن الكريم. 6/ وضع موسوعة جمال عبد الناصر للفقه الإسلامي. 7/ إصدار قانون تحريم القمار ومنعه . 8/ إلغاء تراخيص العمل الممنوحة للنسوة العاملات بالدعارة (الدين والدولة والثورة : رفعت سيد أحمد. النبي والفرعون : جيل كيبل . المؤامرة ومعركة المصير : سعد جمعة. تقرير مجلس الكنائس العالمي لعام 1974،تقرير الحالة الدينية فى مصر عام1982 . الإسلام في عهد جمال عبد الناصر : عمرو صابح)
الصراع بين عبد الناصر وجماعه الأخوان المسلمين صراع سياسي وليس ديني : كما ترى هذه القراءة الاسلاميه المستنيره أن الصراع الذي دار بين عبد الناصر وجماعه الأخوان المسلمين وبالأحرى قطاع من قطاعاتها وليس كل أفرادها- هو صراع سياسي ،وليس صراع ديني بين مسلمين وكفار وليس صراع سياسي،وذلك استنادا إلى إجماع علماء أهل السنة بفرقهم المتعددة على أن الامامه " بمعنى السلطة" فرع من فروع الدين الاجتهادية المتغيرة، وليست أصل من أصوله النصية الثابته ، "بخلاف الشيعة الذين قرروا أن الامامه من أصول الدين ، وبخلاف الخوارج الذين كفروا مخالفيهم"،وبالتالي لا يجوز تكفير المخالف فيها. وقد اقر بذلك عدد من الكتاب المنتسبين أو المؤيدين لجماعه الإخوان المسلمين يقول حسن دوح ( أن تصوير خلافنا مع عبد الناصر على انه جهاد بين جماعه مسلمين وجماعه كافرين تصوير خاطئ، ...)( الإرهاب المرفوض والإرهاب المفروض، بدون تاريخ، دار الاعتصام، القاهرة، ص 39). ويقول ناجح إبراهيم (أصل الخلاف بين الإخوان وعبد الناصر هو اعتقاد كل منهما أنه الأجدر والأحق بالسلطة والحكم في مصر.. ولم يكن الخلاف أساسا على الدين أو الإسلام أو حرية الدعوة.)( جمال عبد الناصر فى فكر داعية).ويقول د.عبدا لمنعم أبو الفتوح عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين فى الحلقة الأولى من مذكراته «شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر» التي تنفرد «الشروق» بنشرها (...فقد كنت أرى أنه من الصعب أن نقول إن جمال عبد الناصر كان ضد الإسلام أو عدوا له كما كتب البعض، ومازلت أرى أن الصراع بينه وبين الإخوان كان صراعا سياسيا في الأساس )
رفض مذهب الإسلام السياسي وليس رفض الدين الإسلامى: هنا يجب تقرير نلاحظ ان أن هذا الخلاف السياسي بين عبد الناصر وجماعه الإخوان المسلمين- أو بالأحرى بعض قطاعاتها- لم ينطلق على المستوى الفكري- من رفض الزعيم جمال عبد الناصر للإسلام كدين ، ولا حتى من رفضه لأفكار الإمام المؤسس للجماعة حسن ألبنا، التي مضمونها الدلالة قصدها عند وضعه للمفاهيم السياسية لجماعه الأخوان المسلمين ، والتي تتفق- على وجه الإجمال- مع السياسة الشرعية ومذهب أهل السنة في الامامه، والقائم على ان الامامه بمعنى السلطة من فروع الدين الاجتهادية المتغيرة ، وان ساهم فيه - على المستوى الفكري رفض الزعيم جمال عبد الناصر أفكار مذهب التفسير السياسي للدين- والذي عبر عنه البعض خطا بمصطلح "الإسلام السياسي" في صيغته القطبية التكفيرية- والذي يتعارض مع مفاهيم وقيم وقواعد وقيم الدين الكلية لأنه يجعل الدين مجرد وسيله لغاية أخرى هي السياسة - ومذهب أهل السنة في الامامه لأنه يجعل الامامه " بمعنى السلطة " من أصول الدين النصية الثابتة كما فى المذهب الشيعي ، والذي يشكل مضمون دلالة لم يقصدها الإمام المؤسس ، عند وضعه للمفاهيم السياسية لجماعه الأخوان المسلمين، ونقدها عند ظهورها في آخر أيام حياته . ففي الذكرى الأولى للاستشهاد حسن البنا وقف عبد الناصر على قبره مترحما ، واستمرت الإذاعة في تلاوة القران طوال اليوم ،ووقف عبد الناصر قائلا كان حسن البنا يلتقي مع الجميع ليعمل الجميع في سبيل المبادئ العالية والأهداف السامية، لا في سبيل الأشخاص ولا الأفراد ولا الدنياوأُشهد الله أنني أعمل - إن كنت أعمل- لتنفيذ هذه المبادئ، وأفنى فيها وأجاهد في سبيلها .
ثانيا:الفكر السياسي: أما موقف القراءة الاسلاميه للتجربة الناصرية من الفكر السياسي الناصري -الذي تم استقراءه منها- فتقوم على الاتى :
من الناحية الاصطلاحية: ترفض القراءة الاسلاميه المستنيره للتجربة الناصرية، الموقف الذي يفترض تناقض الفكر السياسي الناصري مع الإسلام ، استنادا إلى الناحية الاصطلاحية له فقط ، اى استنادا إلى مصطلح "ناصريه" ومشتقاته " ناصري، ناصريين.." وكونه محدث ، لأنه يتعارض مع القاعدة الشرعية العبرة بالمعنى وليس باللفظ ، ورد في المستصفى (لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني)( 1/23 ). هذا فضلا عن أن المسلمين عبر التاريخ الاسلامى- نسبوا الجماعات التي تلتزم بأحد المذاهب التي هي محصله الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة، إلى صاحب المذهب ، كالحنابلة والمالكية والشافعية والحنفية في الفقه أو الاشاعره والماتريديه و الطحاويه في علم الكلام . أما مصطلح اسلامىأو اسلاميين كصيغه نسب لمفرد او جماعه من البشر، فلم يرد في القران أو ألسنه أو أقوال السلف الصالح، إنما ورد لفظ مسلم ومسلمين، قال الله تعالى: (... هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج:78) . وإذا كان بعض العلماء المسلمين في مراحل تاليه لعهد السلف الصالح (رضى الله عنهم) قد استخدم مصطلح (إسلاميين)، فأنهم قد استخدموه بدلالات غير دلالاته المعاصرة ، من هؤلاء العلماء الإمام ابو الحسن الاشعرى في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين)،حيث عنى بالإسلاميين كل فرق وطوائف المسلمين ، وهى دلاله تختلف عن دلالته المعاصرة التي تقتصر على جماعه من المسلمين.