لا مؤثر إلا القديم

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
    مـشـــرف
    • Jun 2006
    • 3723

    #1

    لا مؤثر إلا القديم



    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    الحمد لله الهادي من يشاء والصلاة على سيدنا ومولانا محمد الهادي إلى صراط مستقيم وعلى آله وأصحابه والسلام تسليماً.

    وبعد فإنّي قد وجدت للإمام الشيخ أبي الحسن الأشعريّ رضي الله عنه في ما نقل عنه الإمام ابن فورك رحمه الله في [مجرّد مقالات الأشعري] قوله إنَّه إذ ثبت أنَّ الفاعل ليس إلا القديم -تعالى- وثبت أنَّ العبد حادث فينتج استحالة كون العبد مؤثراً...

    فكأنَّ الإمام الشيخ رحمه الله قد قال إنَّه لا مؤثر إلا القديم بعد إثبات ذلك في محلّ آخر أو لسهولة فهم هذه القضية ويقينيتها...

    فأردتّ بحث أن هل يمكن الاستدلال على أنْ لا مؤثر إلا القديم -تعالى- من غير دليل التمانع...

    إذ المستدلّ عليه بدليل التمانع هو استحالة كون العبد مؤثراً...

    لكنَّ الشيخ الإمام -رحمه الله- يستدلّ بأنْ لا مؤثر إلا القديم على أنَّ العبد ليس ليكون منه أثر.

    والآن أسألكم سادتي الأفاضل عن هذه الطريقة...

    فالاستدلال المطلوب هنا بعد مقدمتين:

    الأولى: أنَّ كلّ حادث فله علّة...

    وهي بديهية.

    الثانية: إثبات وجود الواجب تعالى...

    فلا بدّ من وجود واجب وإلا امتنع وجود الممكنات.


    فالآن يقال:

    الحادث إمَّا مؤثر أو لا...

    إن لم يكُ فهو المطلوب...

    وإن كان فإمَّا أن يكون تأثيره عن توسط أو لا...

    لو كان لا عن توسّط للزم رجوع الحادث الناشئ عنه لا إلى شيء...

    إذ حدوث شيء عن الحادث كونُه على صورته هذه لا بد عن سبب...

    إن قلنا إنَّ السبب وجود الحادث فلا يصحّ لأنَّ أفعال العبد متكثّرة...

    ثمَّ وجود الحادث بإيجاد الله تعالى فلزم التوسط.

    فإن قيل إنَّه من صفة منه فصفته كذلك حادثة فيكون الرجوع إلى أنَّ الله سبحانه وتعالى مسبّب وجودها...

    فإذن نرجع إلى التوسط فانتفى اللاتوسّط.

    فيبقى أن يقال إنَّ العبد مؤثر في الفعل بحيث يجوز أن يفعل الفعل وضدّه مع بقاء صفاته كما هي...

    وهذا دالّ على أنَّ العبد مؤثّر في الفعل لا من حيث توسّط...

    أجيب بأنَّ هذا معارض البديهية بأنَّ لكلّ شيء سبباً...

    ومعارض بأنَّا لا نسلم بقاء الصفة آنين.

    سلمنا...

    لكنَّ كون العبد على بقاء صفاته لا يكفي إذ من المؤثرات في فعل العبد ما هو غير وجوده وصفاته.

    فإن قيل إنَّ تأثير العبد في الفعل إنَّما هو من كون العبد مختاراً حراً.

    أجيب بأنَّ كون العبد مختاراً حرّاً كلّي...

    والكليّ ليس ليكون علّة للجزئيات التي هي أفعال العبد...

    إلا أن يقال إنَّ صفة العبد التي بها هو مختار هي مركّبة بحيث يكون الفعل المخصوص ناتجاً عن الصفة وفق الظرف والطبع الذي وضع فيها...

    أي لو قلنا إنَّ صفة العبد هذه متحققة فلهي متجهة نحو فعل معيّن وفق أمر خارجيّ معيّن...

    فكلّما اختلف الأمر الخارجي كانت الصفة نفسها متوجهة إلى فعل آخر.

    وهذا لو سلمناه لكان راجعاً إلى التوسط.

    فثبت إحالة كون فعل من الحادث لا على سبيل التوسط.

    فبقي أن يقال إنَّ الحادث لو كان منه تأثير فعلى سبيل التوسّط.

    فعلى هذا فكون الفعل إمَّا من وجود الحادث أو من صفة فيه...

    هنا تذكر مقدمة أن قد ثبت أنَّ الممكن إذ وجد فوجوده كلّ آن معلول لموجبه.

    إذ هو في آنه الثاني كهو في الأول.

    والممكن محتاج طول وجوده لأنَّه ممكن.

    فعلّة احتياجه الإمكان إذ وجد.

    على هذا يقال إنَّا لو فرضنا ناراً وتوهجها...

    فالنار معلولة كلّ آن علتها موجبها...

    وكونها محرقة فلعلّة لا لذاتها وإلا لزم الباطل بانتفاء التوسط على فرضنا بتأثير حادث...

    فإنَّه حتى بالقول بأنَّ النار مطبوعة على الإحراق فطبعها عليه فرع عن وجودها...

    إذ من قال بالطبع قال بأنَّ النار يكون طبعها الإحراق عند وجودها -أمَّا ماهية النار فلا يكون لها هذا الطبع-...

    فوجود النار شرط كونها محرقة.

    ووجودها معلول كلّ آن...

    إذن كونها محرقة كلَّ آن معلول لأنَّ وجودها كلّ آن معلول...

    إذن علّة النار هي علّة إحراقها كلّ آن...

    فالمحصلة أنَّ إحراقيّة النار معلولة من علّة النار من حيث إنَّ وجود النار شرط لها...

    وأنَّ إحراقيّة النار معلولة لغير النار من حيث اختصاص النار بالإحراق.

    لا يقال: الإحراق من النار لأنَّها نار.

    لأنَّ السؤال بأن (لم كان الإحراق للنار) يصحّ...

    فلا بدَّ من موجب لكون ماهيّة النار هي التي لها يكون الإحراق.

    فإن قيل إنَّ الإحراق هو اعتباريّ عن عين تحقق النار فلا يقال إنَّ الإحراق معلول لها لأنَّه هي إلا بالمغايرة العقليّة لا بالوجود...

    أجيب بأنَّا يصحّ لنا تسليمه إن استقرينا فوجدنا أنَّ النار هي ما به الإحراق -لكنَّا لا نسلّم لا لهذا بل لأنَّ الاستقراء دلّنا على أنَّ من النار ما هو برد وسلام-...

    وعلى تسليمنا هذا لا يكون المعلول إلا واحداً محتاجاً في وجوده كلّ آن إلى الموجِب.

    إذن يثبت هنا أن لا مؤثر إلا تلك العلّة.

    الآن نرجع إلى الكلام على فرض المتوسط أخرى فنذكر بمقدمة:

    هي بأنَّ الواجب واحد لا بدّ...

    إذ لو تكثّر فإمَّا من تعدد الوجود أو من تغاير صفات...

    إن كان بتغاير صفات لزم إمكان الكلّ لأنَّا لو فرضنا تعدد الواجب لكان اتصاف الكلّ بالصفات كلها ممكناً...

    فعدم الاتصاف بها كلّها مع إمكانه دليل الإمكان.

    ولو كان من تعدد الوجود لكان التعدد بعدد...

    وليس عدد أولى من عدد...

    فلزم إمكان الكلّ.

    فإذ ثبت وحدانيّة الواجب -سبحانه وتعالى- فكلّ غيره -سبحانه وتعالى- فهو ممكن...

    فكلّ ممكن فهو مستند إلى الله سبحانه وتعالى...

    إذن الممكنات جميعاً صادرة عن الله سبحانه وتعالى مباشرة أو على فرض التوسط...

    وسبق أنَّه لو قلنا بتوسّط متوسّط فهو لا يكون له التوسط إلا كلّ آن بآنه...

    إذن في الآن الواحد يتحقق وجود النار مع تحقق إحراقها وتحقق انحراق ورقة قريبها -في ذاك الآن لا بعده-...

    وقد سبق أنَّ علة المطبوع ليس النار...

    فنرجع إلى أنَّ ثبوت النار وإحراقها وانحراق قريبها جميعاً معلول في ذلك الآن لله سبحانه وتعالى...

    ومهما فرضنا من متوسطات بين وجود هذه النار وتأثير الله سبحانه وتعالى فكلّها -إذا كانت موجودة في ذلك الآن- معلولة لفعل الله سبحانه وتعالى في ذلك الآن على الاستواء.

    إذن انتفى أن يكون هنا توسّط حقيقيّ بين تأثير الله سبحانه وتعالى وانحراق الورقة.

    إذن لا مؤثر إلا القديم -سبحانه وتعالى-...

    وتأثيره سبحانه وتعالى في الموجودات كلّها كلّ آن لا بتوسط.

    بقيت مقدمة ليصحّ الاستدلال هذا بأن يقال إنَّ العلّة التامّة لا يصحّ أن تتقدّم معلولها زماناً.

    وجهتها في الاستدلال منع أن يقال مثلاً إن وجود النار قريب الورقة في الآن الأول علّة لانحراق الورقة في الآن الثاني...

    إذ العلّة ما كان بوجوده وجودُ غيره...

    فعلى فرض الاختلاف الزماني يكون ما في الزمان الأول غير الذي في الثاني.

    فلا يكون علّة له...

    والاثنان معلولان من تأثير الله سبحانه وتعالى كلّاً في آنه.

    ولربما كانت هذه طريقة الإمام الجويني رحمه الله ورضي عنه في أن يقول إنَّ للنار صفة بها يؤثر إذ تكون النار وصفتها مخلوقتبن في ذلك الآن لله سبحانه وتعالى...

    فلا يخرج عن قول أهل السنّة.

    وبعد هذا يمكن أن يقال إنَّ هذا الدليل يلزم الفلاسفة والوجوديّة.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين
يعمل...