هذا جواب سوال حول التكليف بالمحال للشيخ اسماعيل اليمني المكي المتوفى سنة 1413 هـ رحمه الله تعالى من ضمن اسئلة وردت عليه
قال الله تعالى في محكم كتابه: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. وقال في آية أخرى في سورة الأعراف وفي الحديد وفي التغابن: {آمِنُوْا بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ}، خطابا لأهل الكتاب. قال الفقير فإذا أمر الكافر بالإيمان فذلك تكليف بما لا يطاق لعلم الله أنه كافر في الأزل، فهو كافر فيما لا يزال، وقد قال الله تعالى {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}. من فضلكم فسّر لنا هذه الآيات.
(الجواب): إعلم أيها السائل الكريم - وفقني الله وإياك إلى طريق الصواب والسداد - أن هذه المسألة تحتاج إلى نوع مقدمة ينبنى عليها الجواب، فنحن ننقل عبارات بعض المفسرين في تلك الآيات الكريمة، ليتضح لك المغزى فيها. قال العلامة الجلال السيوطي في تفسير سورة البقرة عند قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} كأبي جهل وأبي لهب ونحوهما {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُون} لعلم الله منهم ذلك، فلا تطمع في إيمانهم إهـ. وقال ابن كثير في سورة الأعراف عند قوله تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ} الآية. يقول الله تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم "قل" يا محمد "يا أيها الناس"، وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي. وقوله "فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي": أخبرهم أنه رسول الله إليهم ثم أمرهم باتباعه والإيمان به إهـ. وقال العلامة الصاوي ما نصه: قوله "قل يا أيها الناس" أتى بهذه الآية دفعا لما يتوهم أن الفوز مخصوص بمن تبعه من أهل الكتاب، فأفاد هذا أن الفوز ليس قاصرا عليهم، بل كل من تبعه حصل له الفوز كان من أهل الكتاب أولا. والناس اسم جنس، واحده إنسان إهـ. وفي تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين في قوله تعالى "آمنوا" دوموا على الإيمان بالله ورسوله إهـ. وأما الآية التي في سورة التغابن فهي "فآمنوا بالله ورسوله" الآية. قال الصاوي في حاشيته على الجلال: "فآمنوا بالله ورسوله" خطاب لكفار مكة، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أي إذا كان الأمر كذلك فآمنوا... إلخ إهـ.
فإذا تقرر ذلك اتضح لك أن التي فيها أمر الكفار بالإيمان من تلك الآيات الثلاث إنما هو في الآيتين اللتين في سورتي الأعراف والتغابن، فالأمر فيهما لطلب حصول مالم يحصل منهم. وأما التي في سورة الحديد فالأمر فيها ليس خطابا للكفار، بل للمؤمنين بدوام الإيمان، فهو فيها كالأمر في قوله تعالى خطابا لرسوله صلى الله عليه وسلم "يا أيها النبي صلى الله عليه وسلم اتق الله"، أي دم على تقواه. وقد صرح النحاة في تعريف الأمر بأنه طلب حصول ما لم يحصل أو دوام ما قد حصل، فقول السائل خطابا لأهل الكتاب ليس في محله لما تقرر. ثم الظاهر أن وجه الإشكال على السائل ما تضمنته آيتا الأعراف والتغابن ونحوهما مما فيه الأمر بالإيمان على الكفار مع سبق علم الله تعالى بعدم إيمانهم المشار إليه بنحو قوله تعالى: "سواء عليهم أ أنذرتهم أم لو تنذرهم" إلخ
فالجواب: قد تقرر عند أهل الأصول أنه يجوز التكليف بالمحال على أرجح الأقوال، سواء كان محالا لذاته، وهو الممتنع وقوعه عادة و عقلا كالجمع بين النقيضين كالسواد والبياض، أم محالا لغيره وهو الممتنع وقوعه عادة لا عقلا، كالمشي من الزمن والطيران من الإنسان، أو عقلا لا عادةً كما في مسألتنا، وهي التكليف بالإيمان ممن علم الله أنه لا يؤمن، وأن التكليف بالمحال عقلا لا عادة واقع. وعللوه بتعلق علم الله بعدم وقوعه فهو في وسع المكلفين ظاهرا وليس من قبيل قوله تعالى "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، بخلاف المحالين الأولين، أعني المحال عقلا وعادة والمحال عادة لا عقلاً. وهذا ما ذهب إليه الجمهور، وهو الذي رجحه التاج السبكي في شرح المنهاج وجرى عليه شيخ الإسلام في اللبّ. وعبارته مع الشرح: "والأصح وقوعه أي التكليف بالمحال لتعلق علم الله تعالى بعدم وقوعه فقط أي دون المحال لذاته والمحال لغيره عادة لا عقلا قال تعالى "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" وهذان ليسا في وسع المكلفين بخلاف الأول وهذا قول الجمهور ورجحه الأصل في شرح المنهاج فعلم أن التكليف بالمحال لتعلق علم الله بعدم وقوعه جائز وواقع اتفاقا وقيل يقع بالمحال لغيره لا لذاته ورجحه الأصل هنا يعني في جمع الجوامع وقيل يقع بالمحال مطلقا" إهـ. بزيادة توضيح
والحاصل أن الكلام هنا في مقامين:
(المقام الأول) في جواز التكليف بالمحال بأقسامه الثلاثة، فهو جائز على الراجح الذي عليه أكثر الأصوليين.
(والمقام الثاني) في وقوعه، فهو على ثلاثة أقوال. الأول وهو قول الجمهور أنه واقع في المحال عقلا لا عادة فقط كما في مسألتنا، أي دون قسيميه. والقول الثاني أنه واقع فيه وفي المحال عادة لا عقلا، وعليه التاج السبكي في جمع الجوامع. والقول الثالث أنه واقع فيهما وفي المحال لذاته. وتوجيه كل من أرباب الأقوال الثلاثة مستوفى في كتب الأصول. فالتكليف بالإيمان ممن علم الله أنه لا يؤمن، وهو الذي سموه بالمحال عقلا لا عادة جائز وواقع اتفاقا لما مر، فليس من التكليف بما لا يطاق أصلا على أن المحققين منعوا كون ذلك محالاً. ولهذا قال السعد التفتازاني كما في شرح اللب: كل ممكن عادة ممكن عقلا ولا ينعكس، فالتكليف بإيمان من ذكر تكليف بالممكن لا بالمحال عند المحققين، ولا ينافي ذلك قوله تعالى "سواء عليهم أ أنذرتهم" إلخ. فإن ذلك لإعلام النبي صلى الله عليه وسلم بعدم إيمانهم لييأس من إيمانهم فلا يطمع فيه. ومما يزيدك وضوحا ما قرره أهل الأصوليين من أن الأمر غير الإرادة، فلا تلازم بينهما. واستدلوا لذلك بأن الله أمر من علم أنه لا يؤمن كأبي لهب وبقية الكافرين بالإيمان ولم يرده منهم لكونه ممتنع الحصول، فلا تتعلق به الإرادة لتعلق العلم بعدمه. وبأن الإرادة صفو تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه. وهذا أحد الأقسام الأربعة في الكائنات التي أوجدها سبحانه وتعالى، وأشار إليها ناظم الخريدة البهية بقوله:
وإن لم يكن بضده قد أمرا >< والقصد غير الأمر فاطرح المرا
فقد علمت أربعا أقساما >< في الكائنات فاحفـظ المقاما
وثانيها ما كان غير مأمور به ومرادا منه كالكفر منهم أي أبي جهل وبقية الكافرين. وثالثها ما كان مأمورا مرادا منه كإيمان سيدنا أبي بكر رضي الله عنه. ورابعها غير مأمور به وغير مراد منه كالكفر منه. والله أعلم بالصواب.
قال الله تعالى في محكم كتابه: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. وقال في آية أخرى في سورة الأعراف وفي الحديد وفي التغابن: {آمِنُوْا بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ}، خطابا لأهل الكتاب. قال الفقير فإذا أمر الكافر بالإيمان فذلك تكليف بما لا يطاق لعلم الله أنه كافر في الأزل، فهو كافر فيما لا يزال، وقد قال الله تعالى {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}. من فضلكم فسّر لنا هذه الآيات.
(الجواب): إعلم أيها السائل الكريم - وفقني الله وإياك إلى طريق الصواب والسداد - أن هذه المسألة تحتاج إلى نوع مقدمة ينبنى عليها الجواب، فنحن ننقل عبارات بعض المفسرين في تلك الآيات الكريمة، ليتضح لك المغزى فيها. قال العلامة الجلال السيوطي في تفسير سورة البقرة عند قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} كأبي جهل وأبي لهب ونحوهما {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُون} لعلم الله منهم ذلك، فلا تطمع في إيمانهم إهـ. وقال ابن كثير في سورة الأعراف عند قوله تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ} الآية. يقول الله تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم "قل" يا محمد "يا أيها الناس"، وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي. وقوله "فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي": أخبرهم أنه رسول الله إليهم ثم أمرهم باتباعه والإيمان به إهـ. وقال العلامة الصاوي ما نصه: قوله "قل يا أيها الناس" أتى بهذه الآية دفعا لما يتوهم أن الفوز مخصوص بمن تبعه من أهل الكتاب، فأفاد هذا أن الفوز ليس قاصرا عليهم، بل كل من تبعه حصل له الفوز كان من أهل الكتاب أولا. والناس اسم جنس، واحده إنسان إهـ. وفي تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين في قوله تعالى "آمنوا" دوموا على الإيمان بالله ورسوله إهـ. وأما الآية التي في سورة التغابن فهي "فآمنوا بالله ورسوله" الآية. قال الصاوي في حاشيته على الجلال: "فآمنوا بالله ورسوله" خطاب لكفار مكة، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أي إذا كان الأمر كذلك فآمنوا... إلخ إهـ.
فإذا تقرر ذلك اتضح لك أن التي فيها أمر الكفار بالإيمان من تلك الآيات الثلاث إنما هو في الآيتين اللتين في سورتي الأعراف والتغابن، فالأمر فيهما لطلب حصول مالم يحصل منهم. وأما التي في سورة الحديد فالأمر فيها ليس خطابا للكفار، بل للمؤمنين بدوام الإيمان، فهو فيها كالأمر في قوله تعالى خطابا لرسوله صلى الله عليه وسلم "يا أيها النبي صلى الله عليه وسلم اتق الله"، أي دم على تقواه. وقد صرح النحاة في تعريف الأمر بأنه طلب حصول ما لم يحصل أو دوام ما قد حصل، فقول السائل خطابا لأهل الكتاب ليس في محله لما تقرر. ثم الظاهر أن وجه الإشكال على السائل ما تضمنته آيتا الأعراف والتغابن ونحوهما مما فيه الأمر بالإيمان على الكفار مع سبق علم الله تعالى بعدم إيمانهم المشار إليه بنحو قوله تعالى: "سواء عليهم أ أنذرتهم أم لو تنذرهم" إلخ
فالجواب: قد تقرر عند أهل الأصول أنه يجوز التكليف بالمحال على أرجح الأقوال، سواء كان محالا لذاته، وهو الممتنع وقوعه عادة و عقلا كالجمع بين النقيضين كالسواد والبياض، أم محالا لغيره وهو الممتنع وقوعه عادة لا عقلا، كالمشي من الزمن والطيران من الإنسان، أو عقلا لا عادةً كما في مسألتنا، وهي التكليف بالإيمان ممن علم الله أنه لا يؤمن، وأن التكليف بالمحال عقلا لا عادة واقع. وعللوه بتعلق علم الله بعدم وقوعه فهو في وسع المكلفين ظاهرا وليس من قبيل قوله تعالى "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، بخلاف المحالين الأولين، أعني المحال عقلا وعادة والمحال عادة لا عقلاً. وهذا ما ذهب إليه الجمهور، وهو الذي رجحه التاج السبكي في شرح المنهاج وجرى عليه شيخ الإسلام في اللبّ. وعبارته مع الشرح: "والأصح وقوعه أي التكليف بالمحال لتعلق علم الله تعالى بعدم وقوعه فقط أي دون المحال لذاته والمحال لغيره عادة لا عقلا قال تعالى "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" وهذان ليسا في وسع المكلفين بخلاف الأول وهذا قول الجمهور ورجحه الأصل في شرح المنهاج فعلم أن التكليف بالمحال لتعلق علم الله بعدم وقوعه جائز وواقع اتفاقا وقيل يقع بالمحال لغيره لا لذاته ورجحه الأصل هنا يعني في جمع الجوامع وقيل يقع بالمحال مطلقا" إهـ. بزيادة توضيح
والحاصل أن الكلام هنا في مقامين:
(المقام الأول) في جواز التكليف بالمحال بأقسامه الثلاثة، فهو جائز على الراجح الذي عليه أكثر الأصوليين.
(والمقام الثاني) في وقوعه، فهو على ثلاثة أقوال. الأول وهو قول الجمهور أنه واقع في المحال عقلا لا عادة فقط كما في مسألتنا، أي دون قسيميه. والقول الثاني أنه واقع فيه وفي المحال عادة لا عقلا، وعليه التاج السبكي في جمع الجوامع. والقول الثالث أنه واقع فيهما وفي المحال لذاته. وتوجيه كل من أرباب الأقوال الثلاثة مستوفى في كتب الأصول. فالتكليف بالإيمان ممن علم الله أنه لا يؤمن، وهو الذي سموه بالمحال عقلا لا عادة جائز وواقع اتفاقا لما مر، فليس من التكليف بما لا يطاق أصلا على أن المحققين منعوا كون ذلك محالاً. ولهذا قال السعد التفتازاني كما في شرح اللب: كل ممكن عادة ممكن عقلا ولا ينعكس، فالتكليف بإيمان من ذكر تكليف بالممكن لا بالمحال عند المحققين، ولا ينافي ذلك قوله تعالى "سواء عليهم أ أنذرتهم" إلخ. فإن ذلك لإعلام النبي صلى الله عليه وسلم بعدم إيمانهم لييأس من إيمانهم فلا يطمع فيه. ومما يزيدك وضوحا ما قرره أهل الأصوليين من أن الأمر غير الإرادة، فلا تلازم بينهما. واستدلوا لذلك بأن الله أمر من علم أنه لا يؤمن كأبي لهب وبقية الكافرين بالإيمان ولم يرده منهم لكونه ممتنع الحصول، فلا تتعلق به الإرادة لتعلق العلم بعدمه. وبأن الإرادة صفو تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه. وهذا أحد الأقسام الأربعة في الكائنات التي أوجدها سبحانه وتعالى، وأشار إليها ناظم الخريدة البهية بقوله:
وإن لم يكن بضده قد أمرا >< والقصد غير الأمر فاطرح المرا
فقد علمت أربعا أقساما >< في الكائنات فاحفـظ المقاما
وثانيها ما كان غير مأمور به ومرادا منه كالكفر منهم أي أبي جهل وبقية الكافرين. وثالثها ما كان مأمورا مرادا منه كإيمان سيدنا أبي بكر رضي الله عنه. ورابعها غير مأمور به وغير مراد منه كالكفر منه. والله أعلم بالصواب.