يقول رحمه الله في تفسير{ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ }يونس 3:
أما قوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } ففيه مباحث: الأول: أن هذا يوهم كونه تعالى مستقراً على العرش والكلام المستقصى فيه مذكور في أول سورة طه، ولكنا نكتفي ههنا بعبارة وجيزة. فنقول: هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها، ويدل عليه وجوه: الأول: أن الاستواء على العرش معناه كونه معتمداً عليه مستقراً عليه، بحيث لولا العرش لسقط ونزل، كما أنا إذا قلنا إن فلاناً مستو على سريره. فإنه يفهم منه هذا هذا المعنى. إلا أن إثبات هذا المعنى يقتضي كونه محتاجاً إلى العرش، وإنه لولا العرش لسقط ونزل، وذلك محال، لأن المسلمين أطبقوا على أن الله تعالى هو الممسك للعرش والحافظ له، ولا يقول أحد أن العرش هو الممسك لله تعالى والحافظ له. والثاني: أن قوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } يدل على أنه قبل ذلك ما كان مستوياً عليه، وذلك يدل على أنه تعالى يتغير من حال إلى حال، وكل من كان متغيراً كان محدثاً، وذلك بالاتفاق باطل.
الثالث: أنه لما حدث الاستواء في هذا الوقت، فهذا يقتضي أنه تعالى كان قبل هذا الوقت مضطرباً متحركاً، وكل ذلك من صفات المحدثات. الرابع: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد أن خلق السموات والأرض لأن كلمة (ثُمَّ) تقتضي التراخي وذلك يدل على أنه تعالى كان قبل خلق العرش غنياً عن العرش، فإذا خلق العرش امتنع أن تنقلب حقيقته وذاته من الاستغناء إلى الحاجة. فوجب أن يبقى بعد خلق العرش غنياً عن العرش، ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقراً على العرش. فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها بالاتفاق، وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بها في إثبات المكان والجهة لله تعالى.
المسألة الثالثة: اتفق المسلمون على أن فوق السموات جسماً عظيماً هو العرش.
إذا ثبت هذا فنقول: العرش المذكور في هذه الآية هل المراد منه ذلك العرش أو غيره؟ فيه قولان:
القول الأول: وهو الذي اختاره أبو مسلم الإصفهاني، أنه ليس المراد منه ذلك، بل المراد من قوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } أنه لما خلق السموات والأرض سطحها ورفع سمكها، فإن كل بناء فإنه يسمى عرشاً، وبانيه يسمى عارشاً، قال تعالى:
{ وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ }
[النحل: 68] أي يبنون، وقال في صفة القرية
{ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا }
[الحج: 45] والمراد أن تلك القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقوفها، وقال:
{ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء }
[هود: 7] أي بناؤه، وإنما ذكر الله تعالى ذلك لأنه أعجب في القدرة، فالباني يبني البناء متباعداً عن الماء على الأرض الصلبة لئلا ينهدم، والله تعالى بنى السموات والأرض على الماء ليعرف العقلاء قدرته وكمال جلالته، والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر، والدليل عليه قوله تعالى:
{ وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ }
[الزخرف: 12، 13] قال أبو مسلم: فثبت أن اللفظ يحتمل هذا الذي ذكرناه. فنقول: وجب حمل اللفظ عليه، ولا يجوز حمله على العرش الذي في السماء، والدليل عليه هو أن الاستدلال على وجود الصانع تعالى، يجب أن يحصل بشيء معلوم مشاهد، والعرش الذي في السماء ليس كذلك، وأما أجرام السموات والأرضين فهي مشاهدة محسوسة، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع الحكيم جائزاً صواباً حسناً. ثم قال: ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى: { خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } إشارة إلى تخليق ذواتها، وقوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } يكون إشارة إلى تسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لمصالحها، وعلى هذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله سبحانه وتعالى:
{ أأنتم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَاء بَنَـٰهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا }النازعات: 27، 28] فذكر أولاً أنه بناها، ثم ذكر ثانياً أنه رفع سمكها فسواها. وكذلك ههنا. ذكر بقوله: { خَلَقَ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أنه خلق ذواتها ثم ذكر بقوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } أنه قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها.
والقول الثاني: وهو القول المشهور لجمهور المفسرين: أن المراد من العرش المذكور في هذه الآية: الجسم العظيم الذي في السماء، وهؤلاء قالوا إن قوله تعالى: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } لا يمكن أن يكون معناه أنه تعالى خلق العرش بعد خلق السموات والأرضين بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى
{ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء }
[هود: 7] وذلك يدل على أن تكوين العرش سابق على تخليق السموات والأرضين. بل يجب تفسير هذه الآية بوجوه أخر. وهو أن يكون المراد: ثم يدبر الأمر وهو مستو على العرش.
والقول الثالث: أن المراد من العرش الملك، يقال فلان ولي عرشه أي ملكه فقوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } المراد أنه تعالى لما خلق السموات والأرض واستدارت الأفلاك والكواكب، وجعل بسبب دورانها الفصول الأربعة والأحوال المختلفة من المعادن والنبات والحيوانات، ففي هذا الوقت قد حصل وجود هذه المخلوقات والكائنات. والحاصل أن العرش عبارة عن الملك، وملك الله تعالى عبارة عن وجود مخلوقاته، ووجود مخلوقاته إنما حصل بعد تخليق السموات والأرض، لا جرم صح إدخال حرف { ثُمَّ } الذي يفيد التراخي على الاستواء على العرش والله أعلم بمراده.
المسألة الرابعة: أما قوله: { يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } معناه أنه يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله، الناظر في أدبار الأمور وعواقبها، كي لا يدخل في الوجود ما لا ينبغي. والمراد من { ٱلأَمْرُ } الشأن يعني يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض.
فإن قيل: ما موقع هذه الجملة؟
قلنا: قد دل بكونه خالقاً للسموات والأرض في ستة أيام وبكونه مستوياً على العرش، على نهاية العظمة وغاية الجلالة. ثم أتبعها بهذه الجملة ليدل على أنه لا يحدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي أمر من الأمور ولاحادث من الحوادث، إلا بتقديره وتدبيره وقضائه وحكمه، فيصير ذلك دليلاً على نهاية القدرة والحكمة والعلم والإحاطة التدبير، وأنه سبحانه مبدع جميع الممكنات، وإليه تنتهي الحاجات.
أما قوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } ففيه مباحث: الأول: أن هذا يوهم كونه تعالى مستقراً على العرش والكلام المستقصى فيه مذكور في أول سورة طه، ولكنا نكتفي ههنا بعبارة وجيزة. فنقول: هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها، ويدل عليه وجوه: الأول: أن الاستواء على العرش معناه كونه معتمداً عليه مستقراً عليه، بحيث لولا العرش لسقط ونزل، كما أنا إذا قلنا إن فلاناً مستو على سريره. فإنه يفهم منه هذا هذا المعنى. إلا أن إثبات هذا المعنى يقتضي كونه محتاجاً إلى العرش، وإنه لولا العرش لسقط ونزل، وذلك محال، لأن المسلمين أطبقوا على أن الله تعالى هو الممسك للعرش والحافظ له، ولا يقول أحد أن العرش هو الممسك لله تعالى والحافظ له. والثاني: أن قوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } يدل على أنه قبل ذلك ما كان مستوياً عليه، وذلك يدل على أنه تعالى يتغير من حال إلى حال، وكل من كان متغيراً كان محدثاً، وذلك بالاتفاق باطل.
الثالث: أنه لما حدث الاستواء في هذا الوقت، فهذا يقتضي أنه تعالى كان قبل هذا الوقت مضطرباً متحركاً، وكل ذلك من صفات المحدثات. الرابع: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد أن خلق السموات والأرض لأن كلمة (ثُمَّ) تقتضي التراخي وذلك يدل على أنه تعالى كان قبل خلق العرش غنياً عن العرش، فإذا خلق العرش امتنع أن تنقلب حقيقته وذاته من الاستغناء إلى الحاجة. فوجب أن يبقى بعد خلق العرش غنياً عن العرش، ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقراً على العرش. فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها بالاتفاق، وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بها في إثبات المكان والجهة لله تعالى.
المسألة الثالثة: اتفق المسلمون على أن فوق السموات جسماً عظيماً هو العرش.
إذا ثبت هذا فنقول: العرش المذكور في هذه الآية هل المراد منه ذلك العرش أو غيره؟ فيه قولان:
القول الأول: وهو الذي اختاره أبو مسلم الإصفهاني، أنه ليس المراد منه ذلك، بل المراد من قوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } أنه لما خلق السموات والأرض سطحها ورفع سمكها، فإن كل بناء فإنه يسمى عرشاً، وبانيه يسمى عارشاً، قال تعالى:
{ وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ }
[النحل: 68] أي يبنون، وقال في صفة القرية
{ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا }
[الحج: 45] والمراد أن تلك القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقوفها، وقال:
{ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء }
[هود: 7] أي بناؤه، وإنما ذكر الله تعالى ذلك لأنه أعجب في القدرة، فالباني يبني البناء متباعداً عن الماء على الأرض الصلبة لئلا ينهدم، والله تعالى بنى السموات والأرض على الماء ليعرف العقلاء قدرته وكمال جلالته، والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر، والدليل عليه قوله تعالى:
{ وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ }
[الزخرف: 12، 13] قال أبو مسلم: فثبت أن اللفظ يحتمل هذا الذي ذكرناه. فنقول: وجب حمل اللفظ عليه، ولا يجوز حمله على العرش الذي في السماء، والدليل عليه هو أن الاستدلال على وجود الصانع تعالى، يجب أن يحصل بشيء معلوم مشاهد، والعرش الذي في السماء ليس كذلك، وأما أجرام السموات والأرضين فهي مشاهدة محسوسة، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع الحكيم جائزاً صواباً حسناً. ثم قال: ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى: { خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } إشارة إلى تخليق ذواتها، وقوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } يكون إشارة إلى تسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لمصالحها، وعلى هذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله سبحانه وتعالى:
{ أأنتم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَاء بَنَـٰهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا }النازعات: 27، 28] فذكر أولاً أنه بناها، ثم ذكر ثانياً أنه رفع سمكها فسواها. وكذلك ههنا. ذكر بقوله: { خَلَقَ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أنه خلق ذواتها ثم ذكر بقوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } أنه قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها.
والقول الثاني: وهو القول المشهور لجمهور المفسرين: أن المراد من العرش المذكور في هذه الآية: الجسم العظيم الذي في السماء، وهؤلاء قالوا إن قوله تعالى: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } لا يمكن أن يكون معناه أنه تعالى خلق العرش بعد خلق السموات والأرضين بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى
{ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء }
[هود: 7] وذلك يدل على أن تكوين العرش سابق على تخليق السموات والأرضين. بل يجب تفسير هذه الآية بوجوه أخر. وهو أن يكون المراد: ثم يدبر الأمر وهو مستو على العرش.
والقول الثالث: أن المراد من العرش الملك، يقال فلان ولي عرشه أي ملكه فقوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } المراد أنه تعالى لما خلق السموات والأرض واستدارت الأفلاك والكواكب، وجعل بسبب دورانها الفصول الأربعة والأحوال المختلفة من المعادن والنبات والحيوانات، ففي هذا الوقت قد حصل وجود هذه المخلوقات والكائنات. والحاصل أن العرش عبارة عن الملك، وملك الله تعالى عبارة عن وجود مخلوقاته، ووجود مخلوقاته إنما حصل بعد تخليق السموات والأرض، لا جرم صح إدخال حرف { ثُمَّ } الذي يفيد التراخي على الاستواء على العرش والله أعلم بمراده.
المسألة الرابعة: أما قوله: { يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } معناه أنه يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله، الناظر في أدبار الأمور وعواقبها، كي لا يدخل في الوجود ما لا ينبغي. والمراد من { ٱلأَمْرُ } الشأن يعني يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض.
فإن قيل: ما موقع هذه الجملة؟
قلنا: قد دل بكونه خالقاً للسموات والأرض في ستة أيام وبكونه مستوياً على العرش، على نهاية العظمة وغاية الجلالة. ثم أتبعها بهذه الجملة ليدل على أنه لا يحدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي أمر من الأمور ولاحادث من الحوادث، إلا بتقديره وتدبيره وقضائه وحكمه، فيصير ذلك دليلاً على نهاية القدرة والحكمة والعلم والإحاطة التدبير، وأنه سبحانه مبدع جميع الممكنات، وإليه تنتهي الحاجات.