لقد ذكرنا فيما سبق طرفا مما تأول به المدافعين عن ابن عربي قوله بوحدة الوجود، و هو القول الذي صار علما على فكر ابن عربي، والسهروردي يحيي القتيل، و عمر بن الفارض، و عبد الكريم الجيلي ،إلا أني أزعم أنه لا يكاد أن يوجد صوفي من أكابرهم إلا وقد نقل عنه قولا يوحي باعتناقه فكرة وحدة الوجود، و قد أغنانا عن استقصاء ذلك أن وجدناه مقررا عند الإمام الغزالي وهو المجمع على تقدمته بين أهل التصوف بما لا يجعل للشك في فهمه لكلام المتصوفة محلا ، إذ يقول في المشكاة ما نصه: " العارفون- بعد العروج إلى سماء الحقيقة- اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق." و أبو حامد يوافقهم على ذلك فيقول في المشكاة أيضا "الوجود ينقسم إلى ما للشيء من ذاته وإلى ماله من غيره. وما له الوجود من غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه. بل إذا اعتبر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض. وإنما هو موجود من حيث نسبته إلى غيره، وذلك ليس بوجود حقيقي كما عرفت في مثال استعارة الثوب والغنى. فالموجود الحق هو الله تعالى، كما أن النور الحق هو الله تعالى.
غير أن أبا حامد -رحمه الله- يفرق بين طريقين للتوصل لهذه الحقيقة، طريق العلم، وطريق الذوق يقول: "منهم من كان له هذه الحال عرفانا علميا، ومنهم من صار له ذلك حالا ذوقيا. وانتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة واستوفيت فيها عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه ولم يبق فيهم متسع لا لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم أيضا. فلم يكن عندهم إلا الله، فسكروا سكرا دفع دونه سلطان عقولهم، فقال أحدهم (أنا الحق) وقال الآخر (سبحاني ما أعظم شأني) وقال آخر (ما في الجبة إلا الله) وكلام العشاق في حال السكر يطوى ولا يحكى. فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان الله في أرضه، عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل شبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط عشقه (أنا من أهوى ومن أهوى أنا) ولا يبعد أن يفاجىء الإنسان مرآة فينظر فيها ولم ير المرآة قط، فيظن أن الصورة التي رآها هي صورة المرآة متحدة بها، ويرى الخمر في الزجاج فيظن أن الخمر لون الزجاج. وإذا صار ذلك عنده مألوفا ورسخ فيه قدمه استغفر"
و هذا الجزء من النص هام جدا لأنه يوضح أن الغزالي - رحمه الله- بعد أن أكد على وحدة الوجود، حرص أن يقرر مع ذلك أن تلك الوحدة لا يجب أبدا أن تفهم على معنى الاتحاد بين الله و بين العالم في الذات أو الصفات، و أن أي كلام حول ذلك لا يقبل إلا إذا كان الشخص في حالة مفارقة لحال العقل، فلا يحكم عليه حينئذ بكفر ولا زندقة لأن توافر العقل شرط لإضافة هذه الأحكام للإنسان، و هذا الذي نوضحه هام لأن بعض غير الوقافين على المعاني الدقيقة في كلام العلماء قد حاول أن ينسب الغزالي للقول بوحدة الوجود بالمعنى الاتحادي الكفري ، وساقوا لذلك كلاما أخرج من سياقه منه ما أوردناه من كلامه في المشكاة، أما حال السكر الذي ذكره الغزالي فهو ما يعرفه الصوفية في حال الفناء كما يوضح الغزالي نفسه في سياق تال لهذا الجزء الأخير من النص الذي أوردناه من المشكاة، و يمكن توضيح حال الفناء بأنه " حالة غياب إدراك المدركات المخلوقة بسبب هيمنة تجل أعظم على الوعي بحيث يستغرق فيه بالكلية" ، و يجب أن نؤكد عددا من المفاهيم الهامة المرتبطة بالفناء:
أولا أن الفناء حال،و الحال عند الصوفية معنى برد على القلب مثل الطرب، أو الحزن، أو القبض ، أو البسط، و بالتالي فليس له صفة الاستمرار، بل إن الصحو منه متوقع.
ثانيا: أن تجلي الحقائق الإلهية للمتصوف في حال الفناء ليس بكيفية الإبصار التي سيرى بها الناس ربهم في الآخرة كالقمر لا يضارون كما في الحديث، أي ليست رؤية معاينة لذات الأنوار الإلهية بل هي رؤية مخلوقة محدثة ليس بينها بين الله شبه وليست تشبه رؤية المؤمنين الله في الآخرة و هذا المعنى أكد عليه السراج الطوسي في اللمع فقال":و ينبغي أن يعلم العبد أن كل شيء رأته العيون في دار الدنيا من الأنوارأن ذلك مخلوق ليس بينه وبين الله شبه و ليس صفة من صفاته، بل جميع ذلك خلق مخلوق"
ثالثا: أن ما يظنه على الفاني في حال الفناء من انعدام للأشياء المحسوسة من حوله و المدركات العقلية في ذهنه، و من فقدان للإدراك لحقيقة وجوده البشري (و هذا الأخير يسميه الصوفية الفناء عن الفناء)، و بقاء الوجود الإلهي القديم فقط ، لا يعني انتقالها إلى حال العدم حقيقة ، بل يغني غيبته عنها تماما مثل اختفاء النجوم من رؤية الأعين عند طلوع الشمس لا لأنها اختفت بالفعل، بل لأن الضوء الساطع للشمس قد أخفى ضوءها الخافت.
إذا كان حال الفناء بمثابة برق خطف يضرب الوعي فإن المشاهدة هي سيل متوال لا ينقطع ضياؤه من البروق على ما قرر الإمام القشيري، و فالمشاهدة سطوع ممتد لأنوار الحقيقة الإلهية في قلب العبد،و هي بكلمات عمرو بن عثمان المكي: إن قلوب العارفين شاهدت الله مشاهدة تثبيت، فشاهدوه بكل شيء، وشاهدوا كل الكائنات به..فشاهدوه ظاهرا و باطنا، وباطنا و ظاهرا، و أولا آخرا، وآخرا أولا" ، أي أنهم عيانوا بالقلوب حقيقة الوجود الإلهي الذي به قيام العالم في كل الكائنات، فصاروا مشاهدين للأنوار الإلهية الباطنة عند مشاهدتهم الكائنات الظاهرة، و في نفس الوقت فإن هذه الأنوار الإلهية الباطنة هي النبراس الذي يرون به الكائنات الظاهرة، فصار وعيهم بالأشياء يبدأ بالله وينتهي به، وهناك درجة من العرفان الذوقي أدنى من المشاهدة و إن كانت من نفس الجنس، وهي المكاشفة، وهي إدراك إلهامي لمعاني الحقائق الإلهية لكن من غير معاينة، و المشاهدة رؤية بعين القلب يتحقق فيها أعلى درجات اليقين، و قد وردت هذه الأحوال على قلوب العارفين بغير اكتساب و لا استحضار،بعد أن أجهدوا أتفسهم في التطهر من الذنوب، والشهوات التي تحجب المعارف العلوية،والسير في طريق القرب من الله، ، فهذا هو طريق العرفان الذوقي الذي أشار إليه الإمام الغزالي، و من الطبيعي أن يشكك من لم يجرب هذا الطريق في إمكانية وجوده و دليل ذلك عقلا ونقلا، وفي إمكانية أن يكون مصدرا للوصول للحقائق، فأما إمكانية وجوده عقلا فهو كل دليل على وجود الله، و قدرته المطلقة، و تنزيه فعله عن العلة، و الأسباب، ومن عجب أن وصف بعض المنسوبين للإسلام، بل من المعتبرين من دعاته وشيوخه اعتقاد الصوفية امكانية معاينة قلب البشري لأنوار الحقائق الإلهية بالخرافة والجهل، لأنهم لو مدوا الخط إلى نهايته لكانت المعجزات، و النبوات، و الكتب السماوية بالمثل خرافة وجهلا، و العجب أن كثيرا منهم يرون إمكانية التواصل بين عالم الجن و عالم الإنس و حدوث الكلام بين العالمين، و تلبس الجني بالإنسي، وحتى حدوث المناكحة بين العالمين، و أما من جهة النقل فكل دليل على إمكانية حدوث الاتصال الوجداني بحقائق ما وراء العالم المحسوس، يصلح للاحتجاج به على جواز هذه الأحوال في الشرع، وأشهرذلك حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الله -تعالى- :"فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به الحديث ا"، و هذا الحديث لا يتطرق لإسناده الشك، و رغم أن ظاهر نصه يدل على اعتقاد المتصوفة، فإن خصومهم يجلؤون إلى تأويله رغم أن أصل مذهبهم ترك التأويل في نصوص العقيدة، و هناك من بعد ذلك حديث لا يقل صحة هو قول النبي (صلى الله عليه وسلم): "إِن من أمتي محدثين ومكلمين وإِن عمر منهم"،و قول النبي (صلى الله عليه و سلم): والذي نفسي بيده إن لو تَدومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكْر لصافحتكم الملائكة على فُرشكم وفي طُرقكم ، وثبتت رؤية الملائكة كذلك عن سيدنا أسيد بن حضير، و حكى للنبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك فأقره، و قد صرح سيدنا عمران بن الحصين بأنه كان يُسلم عليه، فإذا ثبتت إمكانية رؤية الملائكة و الاستماع منهم، و هم من عالم الغيب الذي لا يتعرف عليه الإنسان في المعتاد بآلة الحواس أو بآلة العقل، فإن إمكانية حدوث ذلك مع سائر الحقائق الغيبية تثبت بنفس الأدلة قياسا، إلا أن معاينة الله برؤية العيان في الدنيا لا تكون لورود النصوص بامتناع ذلك، ولكن المكاشفة القلبية بحقائق الألوهية، أو المعاينة القلبية لبعض ذلك لا تنكر ما لم يدع المدعي أنه قد أحاط بالله علما، ثم أن هناك أدلة من بعد ذلك لكن اختلف في صحة سندها منها حديث "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" ، وأصح سند له سند الترمذي عن أبي أمامة ، و فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد ، و هو صدوق كثير الوهم، لذا يقبلون حديثه إن كان من كتاب، ولذلك قبل بعض النقاد هذا الحديث لأنه يرويه عن معاوية بن صالح، و قد صرح ابن عدي أن رواية عبد الله عن معاوية من كتاب، لذا حكم كثير من المحدثين بأنه في درجة الحسن.، و من هذه الأحاديث أيضا حديث حذافة عندما سأله النبي (ص) كيف أصبحت؟، فقال:أصبحت مؤمنا حقا، فسأله النبي (صلى الله عليه وسلم) عن حقيقة ذلك فقال: عزفت نفسي عن الدنيا.. وَكَأَنِّي بِعَرْشِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ بَارِزًا ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَعَاوَوْنَ فِيهَا . قَالَ : " أَبْصَرْتَ فَالْزَمِْ "،
و قد ضعفه بعضهم إلا أن له شواهد كثيرة تنقله إلى مرتبة الحسن عند بعض المحققين، و المؤكد أن كتاب الله -تعالى- فيه ما يدل على حدوث هذا الاتصال بعالم الغيب مع غير الأنبياء مثل أم موسى، و السيدة مريم أم عيسى، و الخضر، ولقمان الحكيم.
أما نوع العلم الذي يحققه العرفان الذوقي للعارف، فهو ذاتي حيث لا يعد علمه حجة على غيره، و لا يلزم غيره اعتقاد صحة تحقق هذا العرفان له أم لا إلا إذا كان هناك دليل شرعي واجب التصديق في ذلك مثل حديث تحديث عمر -رضي الله عنه- ، بل لقد صرح كثير من العلماء من أهل التصوف بحرمة إظهار الحقائق الذوقية لمن يظن به عدم فهمها أو تصديقها، و للغزالي كلام مكرر مطول منتشر في كتبه عن ذلك أغنانا عن ذكره أن مشهور بين من لديه أدنى معرفة بأدبيات الصوفية ، أو أدبيات الغزالي و قد ظن جماعة كلام الصوفية في تفضيل علوم الحقيقة عن العلم الظاهري أنهم يعتبرون المكاشفات و المشاهدات التي تحدث لهم دليلا شرعيا أعلى من النص ، والحق أن موافقة المعرفة الناتجة عن التجلي، و المكاشفة، والمشاهدة لصحيح العقيدة الإسلامية التي جاء بها النص هو شرط عندهم لكي يكون ما ورد على قلب العارف أنوار إلهية حقا، وليست و ساوس شيطان أو حديث نفس فكما قال الجنيد : "علمنا هذا مقيد بالكتاب و السنة"، فما ورد من معان مخالفة للشريعة الظاهرة على لسان بعضهم مرجعه عند الصوفية إلى خطأ في التعبير، إما بسبب استغراق وعيهم وعقلهم التام في الحقائق، كما أوضح الغزالي في ما سبق واقتبسنا له من نصوص، أو بسبب عجز اللغة عن التعبير الصحيح عن الحقائق العرفانية كما قال النفري: "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، لكنهم يقصدون بتفضيل علم التصوف على علم الظاهر أنه علم يتعلق بتصحيح العمل القلبي للإنسان، و هو أهم من تصحيح الظاهر التي يعتني بها الفقه، لأن أساس صلاح العمل النية.
قد أطلنا في ذكر معنى التوحيد في فكر أهل التصوف سواء على مستوى تصريحهم بالتنزيه عقلا، و شعورهم بالحضور وجدانا، و لكن بقي شيء هام يجدر أن نذكره، وهو الأثر الواجب أن يحققه هذا الفهم المزدوج للتوحيد على سلوك الموحِد، و هذا ما يمكن أن نتعرف عليه من خلال التعرض لقول الجنيد: " غاية حقيقة توحيد الموحد: أن يكون العبد كما لم يكن و يبق الله كما لم يزل"، و كلام الجنيد كما اتفق علماء التصوف على تفسيره يشير إلى الميثاق الذي أخذه الله على آدم و ذريته عندما استخرجهم من ظهر آدم عند خلقه كهيئة الذر شاهدين على أنفسهم بالعبودية و لله بالربوبية و ذلك سابق على خلق الشخص و كونه جنينا في بطن أمه، و هذا هو المقصود في الآية القرآنية " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا"، فغاية توحيد الموحِد أن يعود إلى نفس الحالة من العبودية المطلقة ، و الاعتراف للرب بالربوبية الكاملة ، و هو ما أوضحه يوسف بن الحسين فقال: "توحيد الخاصة أن يكون العبد بسره، ووجده، وقلبه، كأنه قائم بين يدي الله، تجري عليه تصاريف تدبيره، و تجري عليه أحكام قدرته، بالفناء عن نفسه،و ذهاب حسه بقيام الحق له في مراده منه، فيكون كما كان قبل أن يكون يعني في جريان أحكام الله عليه، و إنفاذ مشيئته فيه"، و تصاريف تدبير الله وأحكام قدرته بمعنى تصريفه لأمور الكون و الخلق تجري على الموحد و الكافر،ولا راد لها إنما أراد يوسف بن الحسين أن تهيمن هذه الحقيقة على سر، ووجدان العبد، وقلبه، وأن يذهب حسه عن غيرها، فيكون محققا لتمام عبوديته، و مستحضرا بالكلية حقيقة ربوبية الله في فترة حياته الجسدية كما كان كذلك في عالم الذر، فيكون من أثر ذلك أن يجري على أحكام الله (بالمعنى الشرعي) ، و أن ينفذ مشيئة الله فيه، وهي قوله تعالى "و ما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون"، هكذا فإن دائرة التوحيد عند أهل التصوف لا تكتمل إلا بتحقق العبودية الكاملة للرب ، و الخضوع المطلق لأوامره و نواهيه، فليس بموحد التوحيد الكامل عندهم من اكتفى بالاعتراف بالتنزيه لله عن الحدث كحقيقة عقائدية فحسب، وليس بموحد تمام التوحيد من تحدث عن المقامات و الأحوال إلا أن يصل إلى مقام العبودية التامة ، و الصوفية يطلقون على مقام العبودية التامة "مقام الحرية"، وقد يبدو ذلك لأول مرة متناقضا، لكن لا تناقض فيه لأن العبودية التامة لله لا تكون إلا بالتحرر التام عن طاعة كل ما سوى الله، فلا يطاع مخلوق إلا من حيث أن طاعته طاعة لله، و لا يطاع الشيطان في وسوسته، ولا النفس في شهوتها بالتلذذ بالمتع، و الابتعاد عن المشاق قال القشيري: "واعلم أن حقيقة الحرية في كمال العبودية، فإذا صدقت لله تعالى عبوديته خلصت عن رق الأغيار حريته"، ثم يحذر القشيري من أن يخدع ظاهر اللفظ أحدا فيتصور أن الحرية تخلص من تكاليف العبادات الشرعية يقول: " فأما من توهم أن العبد يسلم له أن يخلع وقتا عذار العبودية، ويحيد بلحظة عن حد الأمر والنهي و هو مميز في دار التكليف فذلك انسلاخ من الدين، قال الله-سبحانه- لنبيه: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين"، و من أدق كلامهم في هذا الأمر أن كمال العبودية عندهم هو تحرر الإنسان من العبادة لأجل الرغبة في النعيم الأخروي و الهبة من العذاب الأخروي، و لقد تحدث قوم في هذا المعنى ، و ادعوا أنه مخالف للعقيدة الإسلامية ، و للأمر الإلهي "و ادعوه خوفا و طمعا" و إنما جاء ذلك من عدم فهمهم لدقيق معاني أهل التصوف، فهم ما قصدوا عدم الرغبة في الجنة ، أو الخوف من عذاب النار، و لا ترك الدعاء لله بسؤال الجنة و الاستعاذة من النار، و إنما قصدوا ألا تكون النية من العبادة التوصل للنعيم الأخروي، و الهروب من الشقاء الأخروي ، و إنما القيام بحق الربوبية بحيث لو تصور عدم وجود الجنة والنار لما ترك العبد العبادة، كذلك أن لا يتصور الإنسان أن الجنة تنال بالعبادة وقد أوضح هذا المعنى السراج الطوسي في اللمع فقال: "تكلم قوم من المتقدمين في معنى الحرية و العبودية على معنى أن العبد لا ينبغي له أن يكون في المقامات التي بينه وبين الله تعالى كالأحرار، لأن من عادة الأحرار طلب الأجرة، وانتظار العوض،و ليس عادة العبيد كذلك، لأن العبد لا ينتظر على عمله أجرة ولا عوضا،فمتى طمع في شيء من هذا فقد ترك سمة العبيد، لأن العبيد إن أعطاهم ربهم عطية على ما أمرهم به ، واستعملهم فيه كان ذلك من تفضل مولاهم عليهم لا باستحقاقهم." فكلام السراج واضح هنا أن سؤال الله الجنة، و النجاة من النار يجب ألا يكون بنية طلب العوض على العمل، أو الأجر المستحق ، و إنما طلب للفضل من الله، و هذا كلام متفق مع الذي أجمعت عليه الأمة أهل السنة منها و أهل البدعة أن من أنه ليس للعبيد حق على الله بالمعنى الحرفي الحقيقي للكلمة، و أن كل ما ورد من وصف الجنة على أنها أجر على الإيمان و العمل الصالح، و أو الثمن لبيع العبد نفسه لله، أو حق العباد على الله إذا آمنوا به ولم يشركوا شيئا فهو محمول على المعنى المجازي، و لم يحمل أحد من أهل الملة - فيما أعلم - الأجر أو الثمن في هذه النصوص على المعنى المستخدم في الفقه وهو العوض المستحق على المنفعة (بالنسبة للأول) ، أو العين (بالنسبة للثاني)، أو حمل حق العباد على الله على معنى المستحق في الذمة الواجب تأديته، حتى المعتزلة الذين رؤوا أنه واجب على الله أن يدخل المؤمن الصالح الجنة، و الكافر و مرتكب الكبيرة غير التائب النار، فإن الوجوب عندهم كان لسبب الوفاء بالوعد و الوعيد من الله على حسب فهمهم لذلك ، وليس لأن الجنة حق مستحق على الله للمسلم الصالح.
مما سبق جميعا يتضح أن التوحيد عند أهل التصوف باعتقاد التنزيه، ثم إدراك الوجود الإلهي في العالم إما بطريق العلم أو بطريق الذوق و الكشف و الشهود، ليكون محصلة ذلك الوصول لمعام العبودية الكاملة لله، والحرية التامة من من عداه، وما سواه، لحصول الوعي التام أن الله هو الحقيقة السرمدية الوحيدة، وأن ما عداه فناء مثلما قال لبيد وأقر صحة كلامه النبي (صلى الله عليه وسلم) : "ألا كل شيء ما خلا الله باطل"، و إلى هذه المعاني يشير الجنيد بقوله: التوحيد خروج من ضيق رسوم الزمانية إلى سعة فِناء السرمدية" (الفناء في الجملة بكثر الفاء، و هو البراح المتسع، وليس الفناء بفتح الفاء و هو الحال الصوفي الذي أشرنا له سابقا)، و تحقق مقام العبودية التامة / الحرية التامة ليس يدعيه كل من أتى بغوامض الكلام، و بليغ الأشعار، وإنما يظهر على الإنسان من خلال الإستقامة مع الله، و حسن المعاملة مع الخلق، و هو ما أكده الغزالي في رسالته (أيها الولد) إذ يقول: "ثم اعلم أن التصوف له خصلتان: الاستقامة، و السكون عن الخلق، فمن استقام و أحسن خلقه بالناس ، وعاملهم بالحلم فهو صوفي"، و هذه الخلاصة هي أهم ما يميز المنهج الصوفي في التوحيد، فبينما يقف أهل الظاهر من المتكلمين و علماء التوحيد عند المناقشة العقلية لقضايا الأسماء و الصفات، و نحوها ، و يختلفون ثم يشتجرون،ثم أنك تقرأ المجلد الضخم من مصنفاتهم، فما تشعر أنك أزددت إيمانا، ولا امتلأت يقينا، فإن الصوفي الحق يبدأ من أرضية الإيمان العقائدي الصحيح (كما يقول الغزالي أن بداية الأمر إيمان صحيح لا بدعة فيه) ، ولكنه لا يظل يدور حول نفسه في محيط الجدليات الكلامية، بل يسلك منهجا من المجاهدات، و الطاعات، يهدف إلى امتلاء سره و وجدانه بالتوحيد بحيث يصبح الحقيقية الوحيدة التي يفهم، ويشعر بها، ثم يرى نفسه ، و البشر و سائر العالم من خلالها، فيصل للعبودية الكاملة التي تنعكس سلوكا شخصيا و اجتماعيا، و هذا يذكرنا بقول عمار بن ياسر الصحابي : ثلاثة أصل الإيمان، بذل السلام للعالم، و الإنصاف من النفس، و الإنفاق من الإقتار،فهذه الثلاثة تجمع بين خصلتي الاستقامة، و الإحسان للخلق اللذين أشار إليهما الغزالي. قد يجد البعض أن مصطلح الصوفية بعيد عن المصطلحات الشائعة القريبة من فهم عامة الأمة، و قد يجد أن أساليب تعبيرهم عن حقائق التوحيد معقدة، و مربكة، ارباكا قد يضلل من ليس على علم عميق بمرامي كلامهم عن الحق، و هذا كلام صحيح اعترف كثير منهم به، لكن ذلك لا يعني أن المسلمين لا حاجة لهم ببضاعة القوم ، فالطريقة الصوفية في التحرك بالتوحيد من الاعتقاد العقلي إلى العرفان الوجداني إلى السلوك العملي هي النهج الأشمل الذي يعبر عن جوهر الإسلام، و الذي إذا ضل الإنسان عنه أو توقف فيه في منتصف الطريق فلن يصل إلى اكتمال الإيمان ، وهذا يفسر لنا لماذا يعتقد أحدنا التوحيد، ثم لا ينتظم في أداء الصلوات المفروضات، أو يختبأ في بيته أو في دكان مغلق أو سرادق منسدل ستاره ليفطر في نهار رمضان بغير عذر، و لماذا نجد أحدنا يذرف الدمع مدرارا و الإمام يطيل الدعاء المتخشع في وتر أيام رمضان، ثم يصبح من نهاره ليتعاطى الرشى، ويظلم الناس؟، بل لماذا ينطق أحدنا بكلمة التوحيد ، و يلتزم بالحلال و الحرام فيما يتعلق بحقوق الله، و حقوق الناس ، ولكنه لا يستشعر في ذاته خشوعا، ولا في عينيه دموعا، ولا في قلبه إخباتا لله، فأما الأول فالتوحيد عنده فكرة عقلية مثل أفكار الفلاسفة، و لم يرتق توحيده ليصبح حقيقة إيمانية أصلا، و أما الثاني فبدأ شعاع من أنوار التوحيد يتسلل إلى سره، و روحه، لكن لم يتمكن منه بحيث يوصله إلى مقام العبودية الكاملة، فلا يزال جزء من نفسه عبد لشهواتها وانحرافاتها، أما الثالث فمؤمن بالتوحيد عقيدة، ومشغول بالخوف من النار و الطمع في الجنة حتى صار ذلك حجابا عن معرفة الله، فصار عالما بالواحد لا عارفا بالوحدانية، فهو يطبق الشريعة كما يلتزم أي مواطن ملحد في بلد غير مسلم بقانون وضعي كي لا يودع في السجن، و كما يطبق أي عامل بأي مصنع تعليمات الرؤساء كي يحصل على أجره كاملا، فقط اتباع المنهج الصوفي الحق هو الذي يوصل للتوحيد الكامل بالعقل، وبالوجدان، وبالعمل، و لكنه طريق صعب مليء بالمجاهدات، و الآلام ، وقل من يستطيع أن يسير فيه لنهايته سواء من عامة المسلمين، أو ممن يدعون أنهم متصوفة.
غير أن أبا حامد -رحمه الله- يفرق بين طريقين للتوصل لهذه الحقيقة، طريق العلم، وطريق الذوق يقول: "منهم من كان له هذه الحال عرفانا علميا، ومنهم من صار له ذلك حالا ذوقيا. وانتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة واستوفيت فيها عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه ولم يبق فيهم متسع لا لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم أيضا. فلم يكن عندهم إلا الله، فسكروا سكرا دفع دونه سلطان عقولهم، فقال أحدهم (أنا الحق) وقال الآخر (سبحاني ما أعظم شأني) وقال آخر (ما في الجبة إلا الله) وكلام العشاق في حال السكر يطوى ولا يحكى. فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان الله في أرضه، عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل شبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط عشقه (أنا من أهوى ومن أهوى أنا) ولا يبعد أن يفاجىء الإنسان مرآة فينظر فيها ولم ير المرآة قط، فيظن أن الصورة التي رآها هي صورة المرآة متحدة بها، ويرى الخمر في الزجاج فيظن أن الخمر لون الزجاج. وإذا صار ذلك عنده مألوفا ورسخ فيه قدمه استغفر"
و هذا الجزء من النص هام جدا لأنه يوضح أن الغزالي - رحمه الله- بعد أن أكد على وحدة الوجود، حرص أن يقرر مع ذلك أن تلك الوحدة لا يجب أبدا أن تفهم على معنى الاتحاد بين الله و بين العالم في الذات أو الصفات، و أن أي كلام حول ذلك لا يقبل إلا إذا كان الشخص في حالة مفارقة لحال العقل، فلا يحكم عليه حينئذ بكفر ولا زندقة لأن توافر العقل شرط لإضافة هذه الأحكام للإنسان، و هذا الذي نوضحه هام لأن بعض غير الوقافين على المعاني الدقيقة في كلام العلماء قد حاول أن ينسب الغزالي للقول بوحدة الوجود بالمعنى الاتحادي الكفري ، وساقوا لذلك كلاما أخرج من سياقه منه ما أوردناه من كلامه في المشكاة، أما حال السكر الذي ذكره الغزالي فهو ما يعرفه الصوفية في حال الفناء كما يوضح الغزالي نفسه في سياق تال لهذا الجزء الأخير من النص الذي أوردناه من المشكاة، و يمكن توضيح حال الفناء بأنه " حالة غياب إدراك المدركات المخلوقة بسبب هيمنة تجل أعظم على الوعي بحيث يستغرق فيه بالكلية" ، و يجب أن نؤكد عددا من المفاهيم الهامة المرتبطة بالفناء:
أولا أن الفناء حال،و الحال عند الصوفية معنى برد على القلب مثل الطرب، أو الحزن، أو القبض ، أو البسط، و بالتالي فليس له صفة الاستمرار، بل إن الصحو منه متوقع.
ثانيا: أن تجلي الحقائق الإلهية للمتصوف في حال الفناء ليس بكيفية الإبصار التي سيرى بها الناس ربهم في الآخرة كالقمر لا يضارون كما في الحديث، أي ليست رؤية معاينة لذات الأنوار الإلهية بل هي رؤية مخلوقة محدثة ليس بينها بين الله شبه وليست تشبه رؤية المؤمنين الله في الآخرة و هذا المعنى أكد عليه السراج الطوسي في اللمع فقال":و ينبغي أن يعلم العبد أن كل شيء رأته العيون في دار الدنيا من الأنوارأن ذلك مخلوق ليس بينه وبين الله شبه و ليس صفة من صفاته، بل جميع ذلك خلق مخلوق"
ثالثا: أن ما يظنه على الفاني في حال الفناء من انعدام للأشياء المحسوسة من حوله و المدركات العقلية في ذهنه، و من فقدان للإدراك لحقيقة وجوده البشري (و هذا الأخير يسميه الصوفية الفناء عن الفناء)، و بقاء الوجود الإلهي القديم فقط ، لا يعني انتقالها إلى حال العدم حقيقة ، بل يغني غيبته عنها تماما مثل اختفاء النجوم من رؤية الأعين عند طلوع الشمس لا لأنها اختفت بالفعل، بل لأن الضوء الساطع للشمس قد أخفى ضوءها الخافت.
إذا كان حال الفناء بمثابة برق خطف يضرب الوعي فإن المشاهدة هي سيل متوال لا ينقطع ضياؤه من البروق على ما قرر الإمام القشيري، و فالمشاهدة سطوع ممتد لأنوار الحقيقة الإلهية في قلب العبد،و هي بكلمات عمرو بن عثمان المكي: إن قلوب العارفين شاهدت الله مشاهدة تثبيت، فشاهدوه بكل شيء، وشاهدوا كل الكائنات به..فشاهدوه ظاهرا و باطنا، وباطنا و ظاهرا، و أولا آخرا، وآخرا أولا" ، أي أنهم عيانوا بالقلوب حقيقة الوجود الإلهي الذي به قيام العالم في كل الكائنات، فصاروا مشاهدين للأنوار الإلهية الباطنة عند مشاهدتهم الكائنات الظاهرة، و في نفس الوقت فإن هذه الأنوار الإلهية الباطنة هي النبراس الذي يرون به الكائنات الظاهرة، فصار وعيهم بالأشياء يبدأ بالله وينتهي به، وهناك درجة من العرفان الذوقي أدنى من المشاهدة و إن كانت من نفس الجنس، وهي المكاشفة، وهي إدراك إلهامي لمعاني الحقائق الإلهية لكن من غير معاينة، و المشاهدة رؤية بعين القلب يتحقق فيها أعلى درجات اليقين، و قد وردت هذه الأحوال على قلوب العارفين بغير اكتساب و لا استحضار،بعد أن أجهدوا أتفسهم في التطهر من الذنوب، والشهوات التي تحجب المعارف العلوية،والسير في طريق القرب من الله، ، فهذا هو طريق العرفان الذوقي الذي أشار إليه الإمام الغزالي، و من الطبيعي أن يشكك من لم يجرب هذا الطريق في إمكانية وجوده و دليل ذلك عقلا ونقلا، وفي إمكانية أن يكون مصدرا للوصول للحقائق، فأما إمكانية وجوده عقلا فهو كل دليل على وجود الله، و قدرته المطلقة، و تنزيه فعله عن العلة، و الأسباب، ومن عجب أن وصف بعض المنسوبين للإسلام، بل من المعتبرين من دعاته وشيوخه اعتقاد الصوفية امكانية معاينة قلب البشري لأنوار الحقائق الإلهية بالخرافة والجهل، لأنهم لو مدوا الخط إلى نهايته لكانت المعجزات، و النبوات، و الكتب السماوية بالمثل خرافة وجهلا، و العجب أن كثيرا منهم يرون إمكانية التواصل بين عالم الجن و عالم الإنس و حدوث الكلام بين العالمين، و تلبس الجني بالإنسي، وحتى حدوث المناكحة بين العالمين، و أما من جهة النقل فكل دليل على إمكانية حدوث الاتصال الوجداني بحقائق ما وراء العالم المحسوس، يصلح للاحتجاج به على جواز هذه الأحوال في الشرع، وأشهرذلك حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الله -تعالى- :"فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به الحديث ا"، و هذا الحديث لا يتطرق لإسناده الشك، و رغم أن ظاهر نصه يدل على اعتقاد المتصوفة، فإن خصومهم يجلؤون إلى تأويله رغم أن أصل مذهبهم ترك التأويل في نصوص العقيدة، و هناك من بعد ذلك حديث لا يقل صحة هو قول النبي (صلى الله عليه وسلم): "إِن من أمتي محدثين ومكلمين وإِن عمر منهم"،و قول النبي (صلى الله عليه و سلم): والذي نفسي بيده إن لو تَدومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكْر لصافحتكم الملائكة على فُرشكم وفي طُرقكم ، وثبتت رؤية الملائكة كذلك عن سيدنا أسيد بن حضير، و حكى للنبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك فأقره، و قد صرح سيدنا عمران بن الحصين بأنه كان يُسلم عليه، فإذا ثبتت إمكانية رؤية الملائكة و الاستماع منهم، و هم من عالم الغيب الذي لا يتعرف عليه الإنسان في المعتاد بآلة الحواس أو بآلة العقل، فإن إمكانية حدوث ذلك مع سائر الحقائق الغيبية تثبت بنفس الأدلة قياسا، إلا أن معاينة الله برؤية العيان في الدنيا لا تكون لورود النصوص بامتناع ذلك، ولكن المكاشفة القلبية بحقائق الألوهية، أو المعاينة القلبية لبعض ذلك لا تنكر ما لم يدع المدعي أنه قد أحاط بالله علما، ثم أن هناك أدلة من بعد ذلك لكن اختلف في صحة سندها منها حديث "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" ، وأصح سند له سند الترمذي عن أبي أمامة ، و فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد ، و هو صدوق كثير الوهم، لذا يقبلون حديثه إن كان من كتاب، ولذلك قبل بعض النقاد هذا الحديث لأنه يرويه عن معاوية بن صالح، و قد صرح ابن عدي أن رواية عبد الله عن معاوية من كتاب، لذا حكم كثير من المحدثين بأنه في درجة الحسن.، و من هذه الأحاديث أيضا حديث حذافة عندما سأله النبي (ص) كيف أصبحت؟، فقال:أصبحت مؤمنا حقا، فسأله النبي (صلى الله عليه وسلم) عن حقيقة ذلك فقال: عزفت نفسي عن الدنيا.. وَكَأَنِّي بِعَرْشِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ بَارِزًا ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَعَاوَوْنَ فِيهَا . قَالَ : " أَبْصَرْتَ فَالْزَمِْ "،
و قد ضعفه بعضهم إلا أن له شواهد كثيرة تنقله إلى مرتبة الحسن عند بعض المحققين، و المؤكد أن كتاب الله -تعالى- فيه ما يدل على حدوث هذا الاتصال بعالم الغيب مع غير الأنبياء مثل أم موسى، و السيدة مريم أم عيسى، و الخضر، ولقمان الحكيم.
أما نوع العلم الذي يحققه العرفان الذوقي للعارف، فهو ذاتي حيث لا يعد علمه حجة على غيره، و لا يلزم غيره اعتقاد صحة تحقق هذا العرفان له أم لا إلا إذا كان هناك دليل شرعي واجب التصديق في ذلك مثل حديث تحديث عمر -رضي الله عنه- ، بل لقد صرح كثير من العلماء من أهل التصوف بحرمة إظهار الحقائق الذوقية لمن يظن به عدم فهمها أو تصديقها، و للغزالي كلام مكرر مطول منتشر في كتبه عن ذلك أغنانا عن ذكره أن مشهور بين من لديه أدنى معرفة بأدبيات الصوفية ، أو أدبيات الغزالي و قد ظن جماعة كلام الصوفية في تفضيل علوم الحقيقة عن العلم الظاهري أنهم يعتبرون المكاشفات و المشاهدات التي تحدث لهم دليلا شرعيا أعلى من النص ، والحق أن موافقة المعرفة الناتجة عن التجلي، و المكاشفة، والمشاهدة لصحيح العقيدة الإسلامية التي جاء بها النص هو شرط عندهم لكي يكون ما ورد على قلب العارف أنوار إلهية حقا، وليست و ساوس شيطان أو حديث نفس فكما قال الجنيد : "علمنا هذا مقيد بالكتاب و السنة"، فما ورد من معان مخالفة للشريعة الظاهرة على لسان بعضهم مرجعه عند الصوفية إلى خطأ في التعبير، إما بسبب استغراق وعيهم وعقلهم التام في الحقائق، كما أوضح الغزالي في ما سبق واقتبسنا له من نصوص، أو بسبب عجز اللغة عن التعبير الصحيح عن الحقائق العرفانية كما قال النفري: "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، لكنهم يقصدون بتفضيل علم التصوف على علم الظاهر أنه علم يتعلق بتصحيح العمل القلبي للإنسان، و هو أهم من تصحيح الظاهر التي يعتني بها الفقه، لأن أساس صلاح العمل النية.
قد أطلنا في ذكر معنى التوحيد في فكر أهل التصوف سواء على مستوى تصريحهم بالتنزيه عقلا، و شعورهم بالحضور وجدانا، و لكن بقي شيء هام يجدر أن نذكره، وهو الأثر الواجب أن يحققه هذا الفهم المزدوج للتوحيد على سلوك الموحِد، و هذا ما يمكن أن نتعرف عليه من خلال التعرض لقول الجنيد: " غاية حقيقة توحيد الموحد: أن يكون العبد كما لم يكن و يبق الله كما لم يزل"، و كلام الجنيد كما اتفق علماء التصوف على تفسيره يشير إلى الميثاق الذي أخذه الله على آدم و ذريته عندما استخرجهم من ظهر آدم عند خلقه كهيئة الذر شاهدين على أنفسهم بالعبودية و لله بالربوبية و ذلك سابق على خلق الشخص و كونه جنينا في بطن أمه، و هذا هو المقصود في الآية القرآنية " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا"، فغاية توحيد الموحِد أن يعود إلى نفس الحالة من العبودية المطلقة ، و الاعتراف للرب بالربوبية الكاملة ، و هو ما أوضحه يوسف بن الحسين فقال: "توحيد الخاصة أن يكون العبد بسره، ووجده، وقلبه، كأنه قائم بين يدي الله، تجري عليه تصاريف تدبيره، و تجري عليه أحكام قدرته، بالفناء عن نفسه،و ذهاب حسه بقيام الحق له في مراده منه، فيكون كما كان قبل أن يكون يعني في جريان أحكام الله عليه، و إنفاذ مشيئته فيه"، و تصاريف تدبير الله وأحكام قدرته بمعنى تصريفه لأمور الكون و الخلق تجري على الموحد و الكافر،ولا راد لها إنما أراد يوسف بن الحسين أن تهيمن هذه الحقيقة على سر، ووجدان العبد، وقلبه، وأن يذهب حسه عن غيرها، فيكون محققا لتمام عبوديته، و مستحضرا بالكلية حقيقة ربوبية الله في فترة حياته الجسدية كما كان كذلك في عالم الذر، فيكون من أثر ذلك أن يجري على أحكام الله (بالمعنى الشرعي) ، و أن ينفذ مشيئة الله فيه، وهي قوله تعالى "و ما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون"، هكذا فإن دائرة التوحيد عند أهل التصوف لا تكتمل إلا بتحقق العبودية الكاملة للرب ، و الخضوع المطلق لأوامره و نواهيه، فليس بموحد التوحيد الكامل عندهم من اكتفى بالاعتراف بالتنزيه لله عن الحدث كحقيقة عقائدية فحسب، وليس بموحد تمام التوحيد من تحدث عن المقامات و الأحوال إلا أن يصل إلى مقام العبودية التامة ، و الصوفية يطلقون على مقام العبودية التامة "مقام الحرية"، وقد يبدو ذلك لأول مرة متناقضا، لكن لا تناقض فيه لأن العبودية التامة لله لا تكون إلا بالتحرر التام عن طاعة كل ما سوى الله، فلا يطاع مخلوق إلا من حيث أن طاعته طاعة لله، و لا يطاع الشيطان في وسوسته، ولا النفس في شهوتها بالتلذذ بالمتع، و الابتعاد عن المشاق قال القشيري: "واعلم أن حقيقة الحرية في كمال العبودية، فإذا صدقت لله تعالى عبوديته خلصت عن رق الأغيار حريته"، ثم يحذر القشيري من أن يخدع ظاهر اللفظ أحدا فيتصور أن الحرية تخلص من تكاليف العبادات الشرعية يقول: " فأما من توهم أن العبد يسلم له أن يخلع وقتا عذار العبودية، ويحيد بلحظة عن حد الأمر والنهي و هو مميز في دار التكليف فذلك انسلاخ من الدين، قال الله-سبحانه- لنبيه: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين"، و من أدق كلامهم في هذا الأمر أن كمال العبودية عندهم هو تحرر الإنسان من العبادة لأجل الرغبة في النعيم الأخروي و الهبة من العذاب الأخروي، و لقد تحدث قوم في هذا المعنى ، و ادعوا أنه مخالف للعقيدة الإسلامية ، و للأمر الإلهي "و ادعوه خوفا و طمعا" و إنما جاء ذلك من عدم فهمهم لدقيق معاني أهل التصوف، فهم ما قصدوا عدم الرغبة في الجنة ، أو الخوف من عذاب النار، و لا ترك الدعاء لله بسؤال الجنة و الاستعاذة من النار، و إنما قصدوا ألا تكون النية من العبادة التوصل للنعيم الأخروي، و الهروب من الشقاء الأخروي ، و إنما القيام بحق الربوبية بحيث لو تصور عدم وجود الجنة والنار لما ترك العبد العبادة، كذلك أن لا يتصور الإنسان أن الجنة تنال بالعبادة وقد أوضح هذا المعنى السراج الطوسي في اللمع فقال: "تكلم قوم من المتقدمين في معنى الحرية و العبودية على معنى أن العبد لا ينبغي له أن يكون في المقامات التي بينه وبين الله تعالى كالأحرار، لأن من عادة الأحرار طلب الأجرة، وانتظار العوض،و ليس عادة العبيد كذلك، لأن العبد لا ينتظر على عمله أجرة ولا عوضا،فمتى طمع في شيء من هذا فقد ترك سمة العبيد، لأن العبيد إن أعطاهم ربهم عطية على ما أمرهم به ، واستعملهم فيه كان ذلك من تفضل مولاهم عليهم لا باستحقاقهم." فكلام السراج واضح هنا أن سؤال الله الجنة، و النجاة من النار يجب ألا يكون بنية طلب العوض على العمل، أو الأجر المستحق ، و إنما طلب للفضل من الله، و هذا كلام متفق مع الذي أجمعت عليه الأمة أهل السنة منها و أهل البدعة أن من أنه ليس للعبيد حق على الله بالمعنى الحرفي الحقيقي للكلمة، و أن كل ما ورد من وصف الجنة على أنها أجر على الإيمان و العمل الصالح، و أو الثمن لبيع العبد نفسه لله، أو حق العباد على الله إذا آمنوا به ولم يشركوا شيئا فهو محمول على المعنى المجازي، و لم يحمل أحد من أهل الملة - فيما أعلم - الأجر أو الثمن في هذه النصوص على المعنى المستخدم في الفقه وهو العوض المستحق على المنفعة (بالنسبة للأول) ، أو العين (بالنسبة للثاني)، أو حمل حق العباد على الله على معنى المستحق في الذمة الواجب تأديته، حتى المعتزلة الذين رؤوا أنه واجب على الله أن يدخل المؤمن الصالح الجنة، و الكافر و مرتكب الكبيرة غير التائب النار، فإن الوجوب عندهم كان لسبب الوفاء بالوعد و الوعيد من الله على حسب فهمهم لذلك ، وليس لأن الجنة حق مستحق على الله للمسلم الصالح.
مما سبق جميعا يتضح أن التوحيد عند أهل التصوف باعتقاد التنزيه، ثم إدراك الوجود الإلهي في العالم إما بطريق العلم أو بطريق الذوق و الكشف و الشهود، ليكون محصلة ذلك الوصول لمعام العبودية الكاملة لله، والحرية التامة من من عداه، وما سواه، لحصول الوعي التام أن الله هو الحقيقة السرمدية الوحيدة، وأن ما عداه فناء مثلما قال لبيد وأقر صحة كلامه النبي (صلى الله عليه وسلم) : "ألا كل شيء ما خلا الله باطل"، و إلى هذه المعاني يشير الجنيد بقوله: التوحيد خروج من ضيق رسوم الزمانية إلى سعة فِناء السرمدية" (الفناء في الجملة بكثر الفاء، و هو البراح المتسع، وليس الفناء بفتح الفاء و هو الحال الصوفي الذي أشرنا له سابقا)، و تحقق مقام العبودية التامة / الحرية التامة ليس يدعيه كل من أتى بغوامض الكلام، و بليغ الأشعار، وإنما يظهر على الإنسان من خلال الإستقامة مع الله، و حسن المعاملة مع الخلق، و هو ما أكده الغزالي في رسالته (أيها الولد) إذ يقول: "ثم اعلم أن التصوف له خصلتان: الاستقامة، و السكون عن الخلق، فمن استقام و أحسن خلقه بالناس ، وعاملهم بالحلم فهو صوفي"، و هذه الخلاصة هي أهم ما يميز المنهج الصوفي في التوحيد، فبينما يقف أهل الظاهر من المتكلمين و علماء التوحيد عند المناقشة العقلية لقضايا الأسماء و الصفات، و نحوها ، و يختلفون ثم يشتجرون،ثم أنك تقرأ المجلد الضخم من مصنفاتهم، فما تشعر أنك أزددت إيمانا، ولا امتلأت يقينا، فإن الصوفي الحق يبدأ من أرضية الإيمان العقائدي الصحيح (كما يقول الغزالي أن بداية الأمر إيمان صحيح لا بدعة فيه) ، ولكنه لا يظل يدور حول نفسه في محيط الجدليات الكلامية، بل يسلك منهجا من المجاهدات، و الطاعات، يهدف إلى امتلاء سره و وجدانه بالتوحيد بحيث يصبح الحقيقية الوحيدة التي يفهم، ويشعر بها، ثم يرى نفسه ، و البشر و سائر العالم من خلالها، فيصل للعبودية الكاملة التي تنعكس سلوكا شخصيا و اجتماعيا، و هذا يذكرنا بقول عمار بن ياسر الصحابي : ثلاثة أصل الإيمان، بذل السلام للعالم، و الإنصاف من النفس، و الإنفاق من الإقتار،فهذه الثلاثة تجمع بين خصلتي الاستقامة، و الإحسان للخلق اللذين أشار إليهما الغزالي. قد يجد البعض أن مصطلح الصوفية بعيد عن المصطلحات الشائعة القريبة من فهم عامة الأمة، و قد يجد أن أساليب تعبيرهم عن حقائق التوحيد معقدة، و مربكة، ارباكا قد يضلل من ليس على علم عميق بمرامي كلامهم عن الحق، و هذا كلام صحيح اعترف كثير منهم به، لكن ذلك لا يعني أن المسلمين لا حاجة لهم ببضاعة القوم ، فالطريقة الصوفية في التحرك بالتوحيد من الاعتقاد العقلي إلى العرفان الوجداني إلى السلوك العملي هي النهج الأشمل الذي يعبر عن جوهر الإسلام، و الذي إذا ضل الإنسان عنه أو توقف فيه في منتصف الطريق فلن يصل إلى اكتمال الإيمان ، وهذا يفسر لنا لماذا يعتقد أحدنا التوحيد، ثم لا ينتظم في أداء الصلوات المفروضات، أو يختبأ في بيته أو في دكان مغلق أو سرادق منسدل ستاره ليفطر في نهار رمضان بغير عذر، و لماذا نجد أحدنا يذرف الدمع مدرارا و الإمام يطيل الدعاء المتخشع في وتر أيام رمضان، ثم يصبح من نهاره ليتعاطى الرشى، ويظلم الناس؟، بل لماذا ينطق أحدنا بكلمة التوحيد ، و يلتزم بالحلال و الحرام فيما يتعلق بحقوق الله، و حقوق الناس ، ولكنه لا يستشعر في ذاته خشوعا، ولا في عينيه دموعا، ولا في قلبه إخباتا لله، فأما الأول فالتوحيد عنده فكرة عقلية مثل أفكار الفلاسفة، و لم يرتق توحيده ليصبح حقيقة إيمانية أصلا، و أما الثاني فبدأ شعاع من أنوار التوحيد يتسلل إلى سره، و روحه، لكن لم يتمكن منه بحيث يوصله إلى مقام العبودية الكاملة، فلا يزال جزء من نفسه عبد لشهواتها وانحرافاتها، أما الثالث فمؤمن بالتوحيد عقيدة، ومشغول بالخوف من النار و الطمع في الجنة حتى صار ذلك حجابا عن معرفة الله، فصار عالما بالواحد لا عارفا بالوحدانية، فهو يطبق الشريعة كما يلتزم أي مواطن ملحد في بلد غير مسلم بقانون وضعي كي لا يودع في السجن، و كما يطبق أي عامل بأي مصنع تعليمات الرؤساء كي يحصل على أجره كاملا، فقط اتباع المنهج الصوفي الحق هو الذي يوصل للتوحيد الكامل بالعقل، وبالوجدان، وبالعمل، و لكنه طريق صعب مليء بالمجاهدات، و الآلام ، وقل من يستطيع أن يسير فيه لنهايته سواء من عامة المسلمين، أو ممن يدعون أنهم متصوفة.