قال العارف بالله أحمد بن أحمد بن عجيبة الحسني في الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية :
واعلم أن مذهب الصوفية: الأخذ بالأحسن في كل شيء, عملا بقوله تعالى: {فبشر عباد, الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}.
وأحسن المذاهب في الاعتقاد مذهب السلف, من اعتقاد التنزيه, ونفي التشبيه, وتفويض المتشابه, والوقوف مع ما ورد كما ورد, ما لم يحتج إلى تقييد, فيقيد بما ينفي شبهته, من غير زائد, وبهذا تمسكت الصوفية في بدايتهم.
وقد يطلعهم الله تعالى على أسرار من مكنون علمه, فتتسع لهم دائرة العلوم وتنحل عنهم قيود المتشابه, فيطلعون على أسرار تنكشف بها غوامض المتشابه, ولذلك قال ابن السبكي رحمه الله: المتشابه ما استأثر الله بعلمه, وقد يطلع عليه بعض أصفيائه, وهم الراسخون في العلم يقولون أولا {أمنا به كل من عند ربنا} ثم يطلعهم الله على أسرار غيبه ومكنوه علمه. ولهذا توسعوا في العبارة حتى أنكرت عليهم, فوجب التحفظ, فلا يتكلم بهذا العلم إلا مع أهله, شفقة على الضعفاء, وحماية من سوء الظن بأهله, ولما في بعضه من سقوط الحرمة, فوجب تجنبه أبدا وإن فهم على الصواب, مع حسن الظن بقائله, لأن أصل المذهب حسن الظن حتى يأتي المناقض, وحرمة الشريعة واجبة الحفظ في الأقوال كوجوبها في المعاني والأفعال.
وأحسن المذاهب في الأحكام مذهب الفقهاء المرجوع إليهم, كالأئمة الأربعة, فالتقييد بمذهب واحد أجمع للحقيقة, وأقرب للتبصر وأدعى للتحقيق وأسهل تناولا, وعلى هذا درج سلفنا وأشياخنا, فكان الجنيد: ثوريا, والشبلي: مالكيا, والمحاسبي: شافعيا, والجريري: حنفيا, والجيلاني: حنبليا, والشاذلي وشيخه: مالكيين, لكن لا ينبغي لمن تجرع في العلم من الصوفية أن يرضى بربقة التقليد, ويتجمد على قول إمامه من غير أن يعرف أصله, بل ينبغي له أن يأخذ الأحكام من أصولها, ويعلم مأخذها وعللها.
وقد قال بعضهم: قف حيث وقفوا, ثم سر.
وقال آخر: من أخذ علمه عن خصوص كان نوره وفتحه منهم, ومن أخذه عن نصوص الكتاب والسنة كان نوره وفتحه منهما, وعلى قدرهما.
وقال في القواعد: التقليد أخذ القول من غير استناد لعلامة في القائل, ولا وجه في المقول, وهو مذموم مطلقاً لاستهزاء صاحبه بدينه.
والاقتداء: الاستناد في أخذ القول لديانة صاحبه وعلمه, وهذه رتبة أهل المذهب مع أئمتها, وإطلاق التقليد عليها مجاز.
والتبصر: أخذ القول بدليله الخاص من غير استبداد بالنظر والإعمال للقول, أي ولا اختراع لقول من نفسك, وهي رتبة مشايخ المذهب وأجاويد طلبة العلم.
والاجتهاد: اقتراح الإحكام من أدلتها دون مبالاة بقائل, ثم إن لم يعتبر أصل المتقدم فمطلق, وإلا فمقيد.
وأحسن المذاهب في فضائل الأعمال: مذهب المحدثين, إذ لا يأخذون إلا بما صح أو قارب الصحيح, فلا يأخذون بموضوع ولا بما قوى ضعفه, وقد حذروا من تتبع الفضائل وتتبع الرغائب, كصلاة الأيام والليالي, وغير ذلك.
قلت: وحسب المريد الصادق من النوافل ما يحفظ فرضه من الخلل, فإن قوي جمع قلبه حتى أمن من الخواطر كفته الصلوات الخمس, مع عمارة وقته بذكر مفرد, أو فكرة أو نظرة, أو مذاكرة, أو ما يلزمه من ضروريته, فهذه عبارة العارفين والصديقين من المريدين, مع الزهد التام, والتفرغ التام, والله تعالى أعلم. انتهى كلامه رحمه الله
وصدق في كلامه رحمه الله وإني لم أجد أنقى سريرة ولاأطهر قلوبا من الصوفية وأسأل الله عزوجل أن يحشرني معهم والمرء مع من أحب
واعلم أن مذهب الصوفية: الأخذ بالأحسن في كل شيء, عملا بقوله تعالى: {فبشر عباد, الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}.
وأحسن المذاهب في الاعتقاد مذهب السلف, من اعتقاد التنزيه, ونفي التشبيه, وتفويض المتشابه, والوقوف مع ما ورد كما ورد, ما لم يحتج إلى تقييد, فيقيد بما ينفي شبهته, من غير زائد, وبهذا تمسكت الصوفية في بدايتهم.
وقد يطلعهم الله تعالى على أسرار من مكنون علمه, فتتسع لهم دائرة العلوم وتنحل عنهم قيود المتشابه, فيطلعون على أسرار تنكشف بها غوامض المتشابه, ولذلك قال ابن السبكي رحمه الله: المتشابه ما استأثر الله بعلمه, وقد يطلع عليه بعض أصفيائه, وهم الراسخون في العلم يقولون أولا {أمنا به كل من عند ربنا} ثم يطلعهم الله على أسرار غيبه ومكنوه علمه. ولهذا توسعوا في العبارة حتى أنكرت عليهم, فوجب التحفظ, فلا يتكلم بهذا العلم إلا مع أهله, شفقة على الضعفاء, وحماية من سوء الظن بأهله, ولما في بعضه من سقوط الحرمة, فوجب تجنبه أبدا وإن فهم على الصواب, مع حسن الظن بقائله, لأن أصل المذهب حسن الظن حتى يأتي المناقض, وحرمة الشريعة واجبة الحفظ في الأقوال كوجوبها في المعاني والأفعال.
وأحسن المذاهب في الأحكام مذهب الفقهاء المرجوع إليهم, كالأئمة الأربعة, فالتقييد بمذهب واحد أجمع للحقيقة, وأقرب للتبصر وأدعى للتحقيق وأسهل تناولا, وعلى هذا درج سلفنا وأشياخنا, فكان الجنيد: ثوريا, والشبلي: مالكيا, والمحاسبي: شافعيا, والجريري: حنفيا, والجيلاني: حنبليا, والشاذلي وشيخه: مالكيين, لكن لا ينبغي لمن تجرع في العلم من الصوفية أن يرضى بربقة التقليد, ويتجمد على قول إمامه من غير أن يعرف أصله, بل ينبغي له أن يأخذ الأحكام من أصولها, ويعلم مأخذها وعللها.
وقد قال بعضهم: قف حيث وقفوا, ثم سر.
وقال آخر: من أخذ علمه عن خصوص كان نوره وفتحه منهم, ومن أخذه عن نصوص الكتاب والسنة كان نوره وفتحه منهما, وعلى قدرهما.
وقال في القواعد: التقليد أخذ القول من غير استناد لعلامة في القائل, ولا وجه في المقول, وهو مذموم مطلقاً لاستهزاء صاحبه بدينه.
والاقتداء: الاستناد في أخذ القول لديانة صاحبه وعلمه, وهذه رتبة أهل المذهب مع أئمتها, وإطلاق التقليد عليها مجاز.
والتبصر: أخذ القول بدليله الخاص من غير استبداد بالنظر والإعمال للقول, أي ولا اختراع لقول من نفسك, وهي رتبة مشايخ المذهب وأجاويد طلبة العلم.
والاجتهاد: اقتراح الإحكام من أدلتها دون مبالاة بقائل, ثم إن لم يعتبر أصل المتقدم فمطلق, وإلا فمقيد.
وأحسن المذاهب في فضائل الأعمال: مذهب المحدثين, إذ لا يأخذون إلا بما صح أو قارب الصحيح, فلا يأخذون بموضوع ولا بما قوى ضعفه, وقد حذروا من تتبع الفضائل وتتبع الرغائب, كصلاة الأيام والليالي, وغير ذلك.
قلت: وحسب المريد الصادق من النوافل ما يحفظ فرضه من الخلل, فإن قوي جمع قلبه حتى أمن من الخواطر كفته الصلوات الخمس, مع عمارة وقته بذكر مفرد, أو فكرة أو نظرة, أو مذاكرة, أو ما يلزمه من ضروريته, فهذه عبارة العارفين والصديقين من المريدين, مع الزهد التام, والتفرغ التام, والله تعالى أعلم. انتهى كلامه رحمه الله
وصدق في كلامه رحمه الله وإني لم أجد أنقى سريرة ولاأطهر قلوبا من الصوفية وأسأل الله عزوجل أن يحشرني معهم والمرء مع من أحب