قال الله تعالى: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )) أي: هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك، له، ولم يشركوا به شيئا هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة. عن عبد الله قال: لما نزلت (( وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ )) قال أصحابه: وأينا لم يظلم نفسه؟ فنزلت: (( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ))
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة، عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ )) شق ذلك على الناس وقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه؟ قال: (( إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )) إنما هو الشرك .
وروى ابن مَرْدُوَيه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من أعطي فشكر ومنع فصبر وظَلمَ فاستغفر وظُلمَ فغفر)) وسكت، قالوا: يا رسول الله ما له ؟ قال (( أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ))
فقال بعضهم: هذا فصلُ القضاء من الله بين إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم، وبين من حاجّه من قومه من أهل الشرك بالله، إذ قال لهم إبراهيم
( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ )) فقال الله تعالى ذكره، فاصلا بينه وبينهم: الذين صدَّقوا الله وأخلصُوا له العبادة، ولم يخلطوا عبادتهم إياه وتصديقهم له بظلم يعني: بشرك ولم يشركوا في عبادته شيئًا، ثم جعلوا عبادتهم لله خالصًا، أحقّ بالأمن من عقابه ، أما الذين يشركون في عبادتهم إياه الأوثان والأصنامَ، فإنهم الخائفون من عقابه أمَّا في عاجل الدنيا فإنهم وجِلون من حلول سخَط الله بهم، وأما في الآخرة، فإنهم الموقنون بأليم عذابِ الله. وقال الزمخشري : أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم .
وقيل المراد من الأمن الأمن من خلود العذاب لا الأمن من العذاب مطلقاً. هذا مجمل كلام المفسرين :
أقول وبالله التوفيق وأسأله العفو والمغفرة . استنادا إلى ما قرره أهل التفسير بقولهم (( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب )) . بمعنى أن النص القرآني يفسر بعموم لفظه لا بخصوص سببه . لأن الآيات القرآنية بعضها لها أسباب نزول . ولأجل هذه القاعدة أحببت أن أذكر شيئا عن الآية الكريمة قوله تعالى ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )) . وما يستفاد منها من عبر ومواعظ أُذكرُ بها نفسي أولاً وآخراً .
قال الله تعالى (( مَا لِلظَّالِمِين مِنْ حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ ))
أي ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم ولا شفيع يشفع فيهم بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير.
يقول الرازي : والظالم هو الآتي بالظلم وذلك يتناول الكافر وغيره .
1 . عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كان هذا الراكب إياكم يريد )) قال: فانتهى الراكب إلينا فسلم فرددنا عليه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( من أين أقبلت؟ )) قال: من أهلي وولدي وعشيرتي، قال: ((ما تريد ؟ )) قال: أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (( قد أصبته )) قال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: (( تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت )) قال: قد أقررت، قال: ثم إن بعيره قد دخلت رجله في شبكة جردان فهوى بعيره وهوى الرجل فوقع على هامته فمات. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( على بالرجل )) فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان فأقعداه، فقالا: يا رسول الله قبض الرجل . فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لهما: أما رأيتما إعراضي عن هذا الرجل فإني رأيت ملكين يرميان في فيه من ثمار الجنة فعلمت أنه مات جائعاً ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا والله من الذين قال الله عز وجل: (( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون )) قال: ثم قال: دونكم أخاكم فاحتملناه إلى الماء فغسلناه وحنطناه وكفناه وحملناه إلى قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس على شقة القبر، فقال: (( ألحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا )) . فهذا الراكب لم يظلم نفسه ولا غيره بإقراره باركان الإسلام قولا وفعلا صادقا مخلصا .
2 .قال المتكلمون في الرقائق. وليس فوق المحبة مقام مشهور. ولا دون التوبة حال مذكور. فأول المقامات التوبة . يخرج بها من الظلم والظلم حال من الشرك. قال اللّه تعالى
(إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظيمٌ )) وقال اللّه تعالى
( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَاَنهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )) . الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك هم أحق بالأمن غداً في المقام الأمين وقال تعالى
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .
فآخر الظلم أول التوبة وآخر التوبة أول المحبة والظالم لامقام له ولاجاه .
قال تعالى ((لاَ يَنَالُ عَهْدي الظَّالِمينَ )) .
3 . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ((الَّذِينَ آمَنوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئكَ لَهمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)) من هؤلاء؟ فقال: من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه وعفّ فرجه وبطنه .
4 . قال ابن حزم ((وأما من طبع على الجور واستسهاله، وعلى الظلم واستخفافه، فلييأس من أن يصلح نفسه أو يقوم طباعه أبداً وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق محمود )) . وقال ((العدل حصن يلجأ إليه كل خائف، وذلك أنك ترى الظالم وغير الظالم إذا رأى من يريد ظلمه، دعا إلى العدل وأنكر الظلم حينئذ وذمه، ولا ترى أحداً يذم العدل. فمن كان العدل في طبعه فهو ساكن في ذلك الحصن الحصين)) .
5 . وعن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: ذكر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بلاء يصيب هذه الأمة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم فيبعث اللّه رجلاً من عترتي وأهل بيتي فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض لا تدع السماء من قطرها شيء إلا صبته مدراراً ولا تدع الأرض من نباتها شيئاً إلا أخرجته حتى يتمنى الأحياء الموت، يعيش في ذلك سبع سنين أو ثماني سنين أو تسع سنين.
6 . عن أبي ذرٍ جندب بن جنادة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن الله تبارك وتعالى أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضالٌ إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائعٌ إلا من أطعمته؛ فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. قال سعيدٌ: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. رواه مسلم.
7 . وعن جابرٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم رواه مسلم.
8 . إذا ما الظلوم استوطأ الظلم مركباً ... ولج عتواً في قبيح اكتسابه
فكله إلى صرف الزمان وعدله ... سيبدو له ما لم يكن في حسابه
9 . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( خمسة غضب الله عليهم إن شاء أمضى غضبه عليهم في الدنيا وإلا أمر بهم في الآخرة إلى النار أمير قوم يأخذ حقه من رعيته ولا ينصفهم من نفسه ولا يدفع الظلم عنهم وزعيم قوم يطيعونه ولا يساوي بين القوي والضعيف ويتكلم بالهوى ورجل لا يأمر أهله وولده بطاعة الله ولا يعلمهم أمر دينهم ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه العمل ولم يوفه أجرته ورجل ظلم امرأة صداقها )) .
10 . وقد جاء في الخبر: (( من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه)) .
11 . قال الله تعالى لخليله إبراهيم عليه السلام إني جاعلك للناس أماما ابتداء منه من غير طلب من إبراهيم عليه السلام ليكون معنا مسددأً وعلمنا أنه ليس بظالم قطعاً لأن الإمامة عهد من الله وقال إبراهيم لربه تعالى ومن ذريتي فقال لا ينال عهدي الظالمين فأمرنا أن تتبع مله إبراهيم لأن العصمة مقرونة بها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نبه على انه من طلب الإمارة وكل إليها ومن أعطيها من غير مسألة أعين عليها.
12 . ذكر أبو طالب المكي في تفسير قوله تعالى: لا ينال عهدي الظالمين، قيل: الجاه وقيل: الشفاعة ويقال: الولاية، وقيل: الإمامة لا يكون الظالم إماماً للمتقين لأن من تبعه أمة من المؤمنين فهو إمام للمتقين والظالم متهدد بالنار متوعّد بسوء المنقلب. لقوله تعالى)) وَسَيََعْلَمُ الذينَ ظَلَمْوا أيَّ مُنْقَلبِ يَنْقلبُونَ ))
13 . قدم المنصور مكة شرفها الله حاجاً، فكان يخرج من دار الندوة إلى الطواف في آخر الليل يطوف ويصلي ولا يعلم به، فإذا طلع الفجر رجع إلى جار الندوة وجاء المؤذنون فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فصلى بالناس، فخرج ذات اليلة حين اسخر فبينا هو يطوف إذ سمع رجلاً عند الملتزم وهو يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع. فأسرع المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله، ثم خرج فجلس ناحية من المسجد وأرسل إليه فدعاه فأتاه الرسول وقال له: أجب أمير المؤمنين؛ فصلى ركعتين واستلم الركن وأقبل مع الرسول فسلم عليه فقال له المنصور؛ ما هذا الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد في الأرض ومنا يحول بين الحق وأهله من الطمع والظلم؛ فو الله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني وأقلقني؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها وإلا اقتصرت على نفسي ففيها لي شغل شاغل، فقال له: أنت آمن على نفسك فقال: الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد في الأرض أنت. فقال: ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في يدي والحلو والحامض في قبضتي؟ قال: وهل دخل أحداً من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين؟ إن الله تعالى استرعاك أمور المسلمين وأموالهم فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم وجعلت بينك وبينهم حجاجاً من الجص والآجر وأبواباً من الحديد وحجبة معهم السلاح، ثم سجنت نفسك فيها منهم وبعثت عمالك في جمع الأموال وجبايتها واتخذت وزراء وأعواناً ظلمة إن نسيت من الناس إلا فلان وفلان نفر سميتهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ولا الضعيف ولا الفقير، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك وأمرت أن لا يحجبوا عنك تجبى الأموال ولا تقسمها قالوا: هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه وقد سخر لنا؟ فأئتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا وأن لا يخرج لك عامل فيخالف لهم أمراً إلا أقصوه حتى تسقط منزلته ويصغر قدره، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم وكان أول من صانعهم عمالك من بالهدايا والأموال ليتقؤوا بهم على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا ظلم من دونهم من الرعية فامتلأت بلاد الله بالطمع بغياً وفساداً وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل؛ فإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول إليك وإن أراد رفع صوته أو قصته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك ووقفت للناس رجلاً ينظر في مظالمهم؛ فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته وإن كانت للمتظلم به حرمة وإجابة لم يمكنه ما يريد خوفاً منهم، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو يدفعه ويعتل عليه؛ فإذا جهد وأخرج وظهرت صرخ بين يديك فيضرب ضرباً مبرحاً ليكون نكالاً لغيره وأنت تنظر ولا تنكر ولا تغير؛ فما بقاء الإسلام وأهله على هذا؛ ولقد كانت بنو أمية وكانت العرب لا ينتهي إليهم المظلوم إلا رفعت ظلامته إليهم فينصف؛ ولقد كان الرجل يأتي من أقصى البلاد حتى يبلغ باب سلطانهم فينادي: يا أهل الإسلام فيبتدرونه مالك مالك فيرفعون مظلمته إلى سلطانهم فينتصف؛ ولقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى أرض الصين وبها ملك فقدمتها مرة وقد ذهب سمع ملكهم فجعل يبكي فقال له وزراؤه: مالك تبكي لا بكت عيناك؟ فقال: أما إني لست أبكي على المصيبة التي نزلت بي ولكن أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته، ثم قال: أما إن كان قد ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب نادوا في الناس: ألا لا يلبس ثوباً أحمر إلا مظلوم فكان يركب الفيل ويطوف طرفي النهار هل يرى مظلوماً فينصفه؟ هذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله قد غلبت رأفته بالمشركين ورقته على شح نفسه في ملكه، وأنت مؤمن بالله وابن عم نبي الله لا تغلبك رأفتك بالمسلمين ورقتك على شح نفسك؛ فإنك لا تجمع الأموال إلا لواحد من ثلاثة؛ إن قلت اجمعها لولدي فقد أراك الله عبرا في الطفل الصغير يسقط من بطن أمه وما له على الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه فما يزال الله تعالى يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه ولست الذي تعطي بل الله يعطي من يساء، وإن قلت: أجمع المال لأشيد سلطاني. فقد أراك الله عبراً فيمن كان قبلك ما أغنى عنهم ما جمعوه من الذهب والفضة وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع وما ضرك وولد أبيك ما كنتم فيه من قلة الجدة والضعف حين أراد الله بكم ما أراد. وإن قلت أجمع المال. لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها من قلة الجدة والضعف حين أراد الله بكم ما أراد. وإن قلت أجمع المال. لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها، فو الله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك من رعيتك بأشد القتل؟ قال: لا، قال: فكيف تصنع بالملك الذي خولك الله وما أنت عليه من ملك الدنيا وهو تعالى لا يعاقب من عصاه بالقتل ولكن يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم وهو الذي يرى منك ما عقد عليه قلبك وأضمرته جوارحك؟ فماذا تقول إذا انتزع الملك الحق المبين ملك الدنيا من يدك ودعاك إلى الحساب؟ هل يغني عنك عنده شيء مما كنت فيه ما شححت عليه من ملك الدنيا؟ فبكى المنصور بكاء شديداً حتى نحب وارتفع صوته ثم قال: يا ليتني لم أخلق ولم أك شيئاً، ثم قال: من ملك الدنيا؟ فبكى المنصور بكاء شديداً حتى نحب وارتفع صوته ثم قال. يا ليتني لم أخلق ولم أرك شيئاً، ثم قال: كيف احتيالي فيما خولت فيه ولم أر من الناس إلا خائناً؟ قال: هربوا منك مخافة أن تحملهم على ما ظهر من طريقتك من قبل عمالك، ولكن افتح الأبواب وسهل الحجاب وانتصر للمظلوم من الظالم وامنع المظالم وخذ الشيء مما حل وطاب واقسمه بالحق والعدل وأنا ضامن على أن من هرب منك أن يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك ورعيتك. فقال المنصور. اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل. والله أعلم
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة، عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ )) شق ذلك على الناس وقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه؟ قال: (( إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )) إنما هو الشرك .
وروى ابن مَرْدُوَيه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من أعطي فشكر ومنع فصبر وظَلمَ فاستغفر وظُلمَ فغفر)) وسكت، قالوا: يا رسول الله ما له ؟ قال (( أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ))
فقال بعضهم: هذا فصلُ القضاء من الله بين إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم، وبين من حاجّه من قومه من أهل الشرك بالله، إذ قال لهم إبراهيم
( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ )) فقال الله تعالى ذكره، فاصلا بينه وبينهم: الذين صدَّقوا الله وأخلصُوا له العبادة، ولم يخلطوا عبادتهم إياه وتصديقهم له بظلم يعني: بشرك ولم يشركوا في عبادته شيئًا، ثم جعلوا عبادتهم لله خالصًا، أحقّ بالأمن من عقابه ، أما الذين يشركون في عبادتهم إياه الأوثان والأصنامَ، فإنهم الخائفون من عقابه أمَّا في عاجل الدنيا فإنهم وجِلون من حلول سخَط الله بهم، وأما في الآخرة، فإنهم الموقنون بأليم عذابِ الله. وقال الزمخشري : أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم . وقيل المراد من الأمن الأمن من خلود العذاب لا الأمن من العذاب مطلقاً. هذا مجمل كلام المفسرين :
أقول وبالله التوفيق وأسأله العفو والمغفرة . استنادا إلى ما قرره أهل التفسير بقولهم (( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب )) . بمعنى أن النص القرآني يفسر بعموم لفظه لا بخصوص سببه . لأن الآيات القرآنية بعضها لها أسباب نزول . ولأجل هذه القاعدة أحببت أن أذكر شيئا عن الآية الكريمة قوله تعالى ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )) . وما يستفاد منها من عبر ومواعظ أُذكرُ بها نفسي أولاً وآخراً .
قال الله تعالى (( مَا لِلظَّالِمِين مِنْ حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ ))
أي ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم ولا شفيع يشفع فيهم بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير.
يقول الرازي : والظالم هو الآتي بالظلم وذلك يتناول الكافر وغيره .
1 . عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كان هذا الراكب إياكم يريد )) قال: فانتهى الراكب إلينا فسلم فرددنا عليه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( من أين أقبلت؟ )) قال: من أهلي وولدي وعشيرتي، قال: ((ما تريد ؟ )) قال: أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (( قد أصبته )) قال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: (( تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت )) قال: قد أقررت، قال: ثم إن بعيره قد دخلت رجله في شبكة جردان فهوى بعيره وهوى الرجل فوقع على هامته فمات. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( على بالرجل )) فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان فأقعداه، فقالا: يا رسول الله قبض الرجل . فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لهما: أما رأيتما إعراضي عن هذا الرجل فإني رأيت ملكين يرميان في فيه من ثمار الجنة فعلمت أنه مات جائعاً ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا والله من الذين قال الله عز وجل: (( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون )) قال: ثم قال: دونكم أخاكم فاحتملناه إلى الماء فغسلناه وحنطناه وكفناه وحملناه إلى قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس على شقة القبر، فقال: (( ألحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا )) . فهذا الراكب لم يظلم نفسه ولا غيره بإقراره باركان الإسلام قولا وفعلا صادقا مخلصا .
2 .قال المتكلمون في الرقائق. وليس فوق المحبة مقام مشهور. ولا دون التوبة حال مذكور. فأول المقامات التوبة . يخرج بها من الظلم والظلم حال من الشرك. قال اللّه تعالى
(إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظيمٌ )) وقال اللّه تعالى
( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَاَنهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )) . الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك هم أحق بالأمن غداً في المقام الأمين وقال تعالى
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) . فآخر الظلم أول التوبة وآخر التوبة أول المحبة والظالم لامقام له ولاجاه .
قال تعالى ((لاَ يَنَالُ عَهْدي الظَّالِمينَ )) .
3 . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ((الَّذِينَ آمَنوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئكَ لَهمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)) من هؤلاء؟ فقال: من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه وعفّ فرجه وبطنه .
4 . قال ابن حزم ((وأما من طبع على الجور واستسهاله، وعلى الظلم واستخفافه، فلييأس من أن يصلح نفسه أو يقوم طباعه أبداً وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق محمود )) . وقال ((العدل حصن يلجأ إليه كل خائف، وذلك أنك ترى الظالم وغير الظالم إذا رأى من يريد ظلمه، دعا إلى العدل وأنكر الظلم حينئذ وذمه، ولا ترى أحداً يذم العدل. فمن كان العدل في طبعه فهو ساكن في ذلك الحصن الحصين)) .
5 . وعن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: ذكر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بلاء يصيب هذه الأمة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم فيبعث اللّه رجلاً من عترتي وأهل بيتي فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض لا تدع السماء من قطرها شيء إلا صبته مدراراً ولا تدع الأرض من نباتها شيئاً إلا أخرجته حتى يتمنى الأحياء الموت، يعيش في ذلك سبع سنين أو ثماني سنين أو تسع سنين.
6 . عن أبي ذرٍ جندب بن جنادة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن الله تبارك وتعالى أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضالٌ إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائعٌ إلا من أطعمته؛ فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. قال سعيدٌ: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. رواه مسلم.
7 . وعن جابرٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم رواه مسلم.
8 . إذا ما الظلوم استوطأ الظلم مركباً ... ولج عتواً في قبيح اكتسابه
فكله إلى صرف الزمان وعدله ... سيبدو له ما لم يكن في حسابه
9 . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( خمسة غضب الله عليهم إن شاء أمضى غضبه عليهم في الدنيا وإلا أمر بهم في الآخرة إلى النار أمير قوم يأخذ حقه من رعيته ولا ينصفهم من نفسه ولا يدفع الظلم عنهم وزعيم قوم يطيعونه ولا يساوي بين القوي والضعيف ويتكلم بالهوى ورجل لا يأمر أهله وولده بطاعة الله ولا يعلمهم أمر دينهم ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه العمل ولم يوفه أجرته ورجل ظلم امرأة صداقها )) .
10 . وقد جاء في الخبر: (( من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه)) .
11 . قال الله تعالى لخليله إبراهيم عليه السلام إني جاعلك للناس أماما ابتداء منه من غير طلب من إبراهيم عليه السلام ليكون معنا مسددأً وعلمنا أنه ليس بظالم قطعاً لأن الإمامة عهد من الله وقال إبراهيم لربه تعالى ومن ذريتي فقال لا ينال عهدي الظالمين فأمرنا أن تتبع مله إبراهيم لأن العصمة مقرونة بها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نبه على انه من طلب الإمارة وكل إليها ومن أعطيها من غير مسألة أعين عليها.
12 . ذكر أبو طالب المكي في تفسير قوله تعالى: لا ينال عهدي الظالمين، قيل: الجاه وقيل: الشفاعة ويقال: الولاية، وقيل: الإمامة لا يكون الظالم إماماً للمتقين لأن من تبعه أمة من المؤمنين فهو إمام للمتقين والظالم متهدد بالنار متوعّد بسوء المنقلب. لقوله تعالى)) وَسَيََعْلَمُ الذينَ ظَلَمْوا أيَّ مُنْقَلبِ يَنْقلبُونَ ))
13 . قدم المنصور مكة شرفها الله حاجاً، فكان يخرج من دار الندوة إلى الطواف في آخر الليل يطوف ويصلي ولا يعلم به، فإذا طلع الفجر رجع إلى جار الندوة وجاء المؤذنون فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فصلى بالناس، فخرج ذات اليلة حين اسخر فبينا هو يطوف إذ سمع رجلاً عند الملتزم وهو يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع. فأسرع المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله، ثم خرج فجلس ناحية من المسجد وأرسل إليه فدعاه فأتاه الرسول وقال له: أجب أمير المؤمنين؛ فصلى ركعتين واستلم الركن وأقبل مع الرسول فسلم عليه فقال له المنصور؛ ما هذا الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد في الأرض ومنا يحول بين الحق وأهله من الطمع والظلم؛ فو الله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني وأقلقني؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها وإلا اقتصرت على نفسي ففيها لي شغل شاغل، فقال له: أنت آمن على نفسك فقال: الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد في الأرض أنت. فقال: ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في يدي والحلو والحامض في قبضتي؟ قال: وهل دخل أحداً من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين؟ إن الله تعالى استرعاك أمور المسلمين وأموالهم فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم وجعلت بينك وبينهم حجاجاً من الجص والآجر وأبواباً من الحديد وحجبة معهم السلاح، ثم سجنت نفسك فيها منهم وبعثت عمالك في جمع الأموال وجبايتها واتخذت وزراء وأعواناً ظلمة إن نسيت من الناس إلا فلان وفلان نفر سميتهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ولا الضعيف ولا الفقير، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك وأمرت أن لا يحجبوا عنك تجبى الأموال ولا تقسمها قالوا: هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه وقد سخر لنا؟ فأئتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا وأن لا يخرج لك عامل فيخالف لهم أمراً إلا أقصوه حتى تسقط منزلته ويصغر قدره، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم وكان أول من صانعهم عمالك من بالهدايا والأموال ليتقؤوا بهم على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا ظلم من دونهم من الرعية فامتلأت بلاد الله بالطمع بغياً وفساداً وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل؛ فإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول إليك وإن أراد رفع صوته أو قصته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك ووقفت للناس رجلاً ينظر في مظالمهم؛ فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته وإن كانت للمتظلم به حرمة وإجابة لم يمكنه ما يريد خوفاً منهم، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو يدفعه ويعتل عليه؛ فإذا جهد وأخرج وظهرت صرخ بين يديك فيضرب ضرباً مبرحاً ليكون نكالاً لغيره وأنت تنظر ولا تنكر ولا تغير؛ فما بقاء الإسلام وأهله على هذا؛ ولقد كانت بنو أمية وكانت العرب لا ينتهي إليهم المظلوم إلا رفعت ظلامته إليهم فينصف؛ ولقد كان الرجل يأتي من أقصى البلاد حتى يبلغ باب سلطانهم فينادي: يا أهل الإسلام فيبتدرونه مالك مالك فيرفعون مظلمته إلى سلطانهم فينتصف؛ ولقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى أرض الصين وبها ملك فقدمتها مرة وقد ذهب سمع ملكهم فجعل يبكي فقال له وزراؤه: مالك تبكي لا بكت عيناك؟ فقال: أما إني لست أبكي على المصيبة التي نزلت بي ولكن أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته، ثم قال: أما إن كان قد ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب نادوا في الناس: ألا لا يلبس ثوباً أحمر إلا مظلوم فكان يركب الفيل ويطوف طرفي النهار هل يرى مظلوماً فينصفه؟ هذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله قد غلبت رأفته بالمشركين ورقته على شح نفسه في ملكه، وأنت مؤمن بالله وابن عم نبي الله لا تغلبك رأفتك بالمسلمين ورقتك على شح نفسك؛ فإنك لا تجمع الأموال إلا لواحد من ثلاثة؛ إن قلت اجمعها لولدي فقد أراك الله عبرا في الطفل الصغير يسقط من بطن أمه وما له على الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه فما يزال الله تعالى يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه ولست الذي تعطي بل الله يعطي من يساء، وإن قلت: أجمع المال لأشيد سلطاني. فقد أراك الله عبراً فيمن كان قبلك ما أغنى عنهم ما جمعوه من الذهب والفضة وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع وما ضرك وولد أبيك ما كنتم فيه من قلة الجدة والضعف حين أراد الله بكم ما أراد. وإن قلت أجمع المال. لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها من قلة الجدة والضعف حين أراد الله بكم ما أراد. وإن قلت أجمع المال. لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها، فو الله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك من رعيتك بأشد القتل؟ قال: لا، قال: فكيف تصنع بالملك الذي خولك الله وما أنت عليه من ملك الدنيا وهو تعالى لا يعاقب من عصاه بالقتل ولكن يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم وهو الذي يرى منك ما عقد عليه قلبك وأضمرته جوارحك؟ فماذا تقول إذا انتزع الملك الحق المبين ملك الدنيا من يدك ودعاك إلى الحساب؟ هل يغني عنك عنده شيء مما كنت فيه ما شححت عليه من ملك الدنيا؟ فبكى المنصور بكاء شديداً حتى نحب وارتفع صوته ثم قال: يا ليتني لم أخلق ولم أك شيئاً، ثم قال: من ملك الدنيا؟ فبكى المنصور بكاء شديداً حتى نحب وارتفع صوته ثم قال. يا ليتني لم أخلق ولم أرك شيئاً، ثم قال: كيف احتيالي فيما خولت فيه ولم أر من الناس إلا خائناً؟ قال: هربوا منك مخافة أن تحملهم على ما ظهر من طريقتك من قبل عمالك، ولكن افتح الأبواب وسهل الحجاب وانتصر للمظلوم من الظالم وامنع المظالم وخذ الشيء مما حل وطاب واقسمه بالحق والعدل وأنا ضامن على أن من هرب منك أن يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك ورعيتك. فقال المنصور. اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل. والله أعلم