ذكر أخي الفاضل نزار في ترجمة الإمام السنوسي في مقدمة شرح المقدمات له، نقلاً عن الإمام الملالي تلميذ السنوسي، حالة موت الإمام، فقال:
قال الملالي: كان رضي الله عنه أواخر عمره كثير الانقباض عن الخلق، لا يكاد ينبسط مع أحدٍ كما كانت عادته قبل ذلك، وشقَّ عليه الخروج إلى المسجد والصلاة، ولا يخرج إليه في بعض الأيام إلا حياء من الناس الذين ينتظرونه في المسجد للصلاة.
ولما أحسَّ رضي الله تعالى عنه، بألمِ مرضه الذي توفي منه انقطع عن المسجد، فسمع الناس بمرضه فصاروا يأتون إلى المسجد فلا يجدونه فتتغير قلوبهم من فقدان الشيخ وعدم رؤيتهم له، فأخبر الشيخ بذلك فصار يتكلَّف الخروج إلى المسجد للصلاة لأجل الناس، فإذا رأوه فرحوا وسُرُّوا بخروجه ورؤيته، فخرج يوماً وأتى لباب المسجد وأراد الصعود إليه فلم يقدر، فبدا له خوفاً من أن يدخل على الناس حزناً برجوعه، فتكلَّف الصعود إلى المسجد وصلى بالناس صلاة العصر يوم الجمعة، ولم يكمل الصلاة إلا بشق الأنفس، وهذه آخر صلاة صلاها، فرجع إلى داره فبقي إلى صبيحة يوم السبت من الغد، فقربت إليه زوجته طعاماً فقال لها: لا أقدر على شيء، فقالت له: وأي شيء بك؟ فقال لها: أنا تخلّفتُ! ثم غاب عن حسِّه، فبقي على تلك الحالة النهار كله، ثم كلَّمته زوجته وقالت له: ما الذي غيبك عن حسك؟ -أو قريب من هذا-، فقال لها: إن الملائكة صعدت بي إلى السماء الدنيا، فسمعتُ قائلاً يقول لي: اترك ما أنت عليه، فقد قرب أجلك، ثم قال: لا أستطيع أن أفسر لك بقية ما رأيت، أو كما قال، فقالت له زوجته: وما الذي أمرت بتركه؟ قال لها: قد تركت حبس ذلك المسجد لا آخذ منه شيئاً أبداً. ثم إنه لازم الفراش من حينئذ إلى أن توفي.
ومدة مرضه عشرة أيام، وفي كل ساعة يتقوى مرضه ويتضاعف ألمه وتضعف قوته وحركته ويثقل لسانه، وهو مع ذلك ثابت العقل، يتأوّه ولا أنَّ بالكلية، ثم تجده مع ذلك يكلِّم من كلَّمه، ويسلم على من سلم عليه أو يشير له، فلما قرب أجله بثلاثة أيام دخلته سكرات الموت، فرجع يتأوَّه بالقهر، ويميل يميناً وشمالاً، فنظرتُ إليه وقد احمرّت وجنتاه واشتدَّ نفسه وتقوّى صعوده وهبوطه، فلم أملك صبراً على البكاء مما عاينتُ من شدة مقاساته وعظيم صبره على ذلك، ففارقته وظننت أنه لا يبقى تلك الليلة، وكانت ليلة السبت، فبقي في النزع تلك الليلة والأحد إلى بعد العصر، فكان ابن أخيه يلقنه الشهادة مرة بعد مرة، فالتفت الشيخ إليه وقال بكلام ضعيف جداً: وهلْ ثَـمَّ غيرُها؟ يعني أنه رضي الله تعالى عنه ليس بغافل بقلبه في هذا الوقت، وإن كنتُ لم أنطق بها باللسان، فحينئذ استبشروا بذلك، وعرف الحاضرون أنه ثابت العقل ليس بغافلٍ عن الله سبحانه.
وكانت بنته تقول له حينئذ: تمشي وتتركني؟ فقال لها: الجنة تجمعنا عن قريب إن شاء الله تعالى.
وكانت في يده رضي الله تعالى عنه سبحة، فلما اشتد مرضه سقطت السبحة من يده، فبقي كذلك
، ثم التفت إلى السبحة فلم يجدها في يده فقال: مشت العبادة يا محمد! يعني نفسه.
وكان رضي الله عنه يقول عند موته: نسأله سبحانه أن يجعلنا وأحبتنا عند الموت ناطقين بكلمتي الشهادة عالمين بها.
وتوفي رحمه الله ورضي عنه يوم الأحد بعد العصر، الثامن عشر من جمادى الآخرة، من عام خمسة وتسعين بعد ثمانمائة، وأخبرتني والدتي رحمه الله تعالى عن بنت الشيخ رضي الله عنها، أنها شمَّت رائحة المسك في البيت بنفس موت أبيها، وشمته أيضاً في جسده، والله تعالى أعلم.
نسأله سبحانه أن يقدس روحه وأن يسكنه في أعالي الفردوس فسيحه، وأن يجعله ممن يتنعم في كل لحظةٍ برؤية ذاته العلية العديمة النظير والمثال، وأن ينفعنا به في الدنيا والآخرة، وأن يجمعنا معه بفضله وكرمه في أعلى المنازل الفاخرة بجاه سيدنا ونبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.[/COLOR]
قال الملالي: كان رضي الله عنه أواخر عمره كثير الانقباض عن الخلق، لا يكاد ينبسط مع أحدٍ كما كانت عادته قبل ذلك، وشقَّ عليه الخروج إلى المسجد والصلاة، ولا يخرج إليه في بعض الأيام إلا حياء من الناس الذين ينتظرونه في المسجد للصلاة.
ولما أحسَّ رضي الله تعالى عنه، بألمِ مرضه الذي توفي منه انقطع عن المسجد، فسمع الناس بمرضه فصاروا يأتون إلى المسجد فلا يجدونه فتتغير قلوبهم من فقدان الشيخ وعدم رؤيتهم له، فأخبر الشيخ بذلك فصار يتكلَّف الخروج إلى المسجد للصلاة لأجل الناس، فإذا رأوه فرحوا وسُرُّوا بخروجه ورؤيته، فخرج يوماً وأتى لباب المسجد وأراد الصعود إليه فلم يقدر، فبدا له خوفاً من أن يدخل على الناس حزناً برجوعه، فتكلَّف الصعود إلى المسجد وصلى بالناس صلاة العصر يوم الجمعة، ولم يكمل الصلاة إلا بشق الأنفس، وهذه آخر صلاة صلاها، فرجع إلى داره فبقي إلى صبيحة يوم السبت من الغد، فقربت إليه زوجته طعاماً فقال لها: لا أقدر على شيء، فقالت له: وأي شيء بك؟ فقال لها: أنا تخلّفتُ! ثم غاب عن حسِّه، فبقي على تلك الحالة النهار كله، ثم كلَّمته زوجته وقالت له: ما الذي غيبك عن حسك؟ -أو قريب من هذا-، فقال لها: إن الملائكة صعدت بي إلى السماء الدنيا، فسمعتُ قائلاً يقول لي: اترك ما أنت عليه، فقد قرب أجلك، ثم قال: لا أستطيع أن أفسر لك بقية ما رأيت، أو كما قال، فقالت له زوجته: وما الذي أمرت بتركه؟ قال لها: قد تركت حبس ذلك المسجد لا آخذ منه شيئاً أبداً. ثم إنه لازم الفراش من حينئذ إلى أن توفي.
ومدة مرضه عشرة أيام، وفي كل ساعة يتقوى مرضه ويتضاعف ألمه وتضعف قوته وحركته ويثقل لسانه، وهو مع ذلك ثابت العقل، يتأوّه ولا أنَّ بالكلية، ثم تجده مع ذلك يكلِّم من كلَّمه، ويسلم على من سلم عليه أو يشير له، فلما قرب أجله بثلاثة أيام دخلته سكرات الموت، فرجع يتأوَّه بالقهر، ويميل يميناً وشمالاً، فنظرتُ إليه وقد احمرّت وجنتاه واشتدَّ نفسه وتقوّى صعوده وهبوطه، فلم أملك صبراً على البكاء مما عاينتُ من شدة مقاساته وعظيم صبره على ذلك، ففارقته وظننت أنه لا يبقى تلك الليلة، وكانت ليلة السبت، فبقي في النزع تلك الليلة والأحد إلى بعد العصر، فكان ابن أخيه يلقنه الشهادة مرة بعد مرة، فالتفت الشيخ إليه وقال بكلام ضعيف جداً: وهلْ ثَـمَّ غيرُها؟ يعني أنه رضي الله تعالى عنه ليس بغافل بقلبه في هذا الوقت، وإن كنتُ لم أنطق بها باللسان، فحينئذ استبشروا بذلك، وعرف الحاضرون أنه ثابت العقل ليس بغافلٍ عن الله سبحانه.
وكانت بنته تقول له حينئذ: تمشي وتتركني؟ فقال لها: الجنة تجمعنا عن قريب إن شاء الله تعالى.
وكانت في يده رضي الله تعالى عنه سبحة، فلما اشتد مرضه سقطت السبحة من يده، فبقي كذلك
، ثم التفت إلى السبحة فلم يجدها في يده فقال: مشت العبادة يا محمد! يعني نفسه.وكان رضي الله عنه يقول عند موته: نسأله سبحانه أن يجعلنا وأحبتنا عند الموت ناطقين بكلمتي الشهادة عالمين بها.
وتوفي رحمه الله ورضي عنه يوم الأحد بعد العصر، الثامن عشر من جمادى الآخرة، من عام خمسة وتسعين بعد ثمانمائة، وأخبرتني والدتي رحمه الله تعالى عن بنت الشيخ رضي الله عنها، أنها شمَّت رائحة المسك في البيت بنفس موت أبيها، وشمته أيضاً في جسده، والله تعالى أعلم.
نسأله سبحانه أن يقدس روحه وأن يسكنه في أعالي الفردوس فسيحه، وأن يجعله ممن يتنعم في كل لحظةٍ برؤية ذاته العلية العديمة النظير والمثال، وأن ينفعنا به في الدنيا والآخرة، وأن يجمعنا معه بفضله وكرمه في أعلى المنازل الفاخرة بجاه سيدنا ونبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.[/COLOR]