الرد على د. عدنان إبراهيم في زعمه فناءَ النار
وأن الكفار مصيرهم إلى دخول الجنة
مقدمة
وأن الكفار مصيرهم إلى دخول الجنة
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل النبيين وخاتمهم، وعلى آله وصحبه المهديين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعدُ،
فقد جاءت مجموعةٌ من طلاب العلم من بعض البلاد العربية لزيارتي خلال الأيام القليلة الماضية، وسعدت باستضافتهم في منزلي في عمَّان، وتطرَّق بعضُ الحضور في مجالسنا إلى الرأي الغريب الذي أثاره د. عدنان إبراهيم مؤخراً، وهو جَزْمُه بأنَّ النار تفنى، فانتهزت بعد مغادرتهم فرصة لسماع ما قاله، وكيفية تقريره إياه، فوجدته فعلا يجزمُ بأنَّ الكفارَ المعاندين الذين هم أهلها المحكوم عليهم بالخلود والتأبيد فيها في كثير من النصوص الدينية الوثيقة، يَخرُجون منها وإن كان هو يفضل التعبير بـ(يُخرَجون!)- وذلك بعد أن يتطهروا فيها بما يلاقونه من العذاب والآلام، وذلك لمدة لا تتجاوز يوماً واحداً عند ربك! ويساوي خمسين ألف سنة مما نعدُّ! ويمكن أن يكون ألف سنة كذلك! وبعد خروجهم من النار يدخلهم الله تعالى برحمته الجنةَ، ويصبحون إخوانًا مع المؤمنين بالله تعالى من الأنبياء والرسل عليهم السلام، وسائر المؤمنين.
وأن هذا الحكم الذي يحكم به يعمُّ جميع الكفار قاطبة، ولا يختص بالكفار المعاصرين، بل إنَّ جميع المعاندين من الإنس منذ بدء الخليقة مصيرهم إلى الدخول في الجنة، وتخرب النار بعد خروجهم منها.
ويلزمه بالضرورة أن يكون حكمه كذلك في كفار الجنِّ، وإن لم يتطرق لذلك في خطبته التي سمعتها، ومنهم إبليس اللعين اليائس من رحمة الله تعالى، فإنه على طريقة هذا القائل يؤول مقامه الدائم منعمـًا في الجنة مع الأنبياء والرسل أجمعين، ويصبح مرضيًّا من الله تعالى محبوباً ممدوحاً!! خالدًا في الجنة!!
وأعلن أنَّ الأدلة الشرعية تدلُّ على ذلك، وأبرز عن رأيه مخالفًا لأعلام الأمة، وتشبث برأي بعض المعتدِّين بأنفسهم، مِنْ قَبْلِه، المنحرفين عن أهل الحقِّ، الذين صرَّحوا بهذا الرأي الباطل الذي لا يدُلُّ عليه دليل قويم، ولا يهدي إليه صراط مستقيم. وشرع في محاولة هدم أدلة المخالفين الذين هم باقي الأمة الإسلامية، ومحاولة تصحيح أدلة ابن تيمية وابن قيم الجوزية، ممن خالف خلود الكفار في العذاب. ولكن أحدًا من هؤلاء لم يصرح بجرأة هذا المعاصر بأن الكفار قاطبة يخرجون من النار ويدخلون الجنة، بل إن ابن عربي الحاتمي ادَّعى أن أهل النار الذين هم أهلها خالدون في النار أبدًا، لا يخرجون منها، وغاية الأمر أنَّ عذابهم ينقلبُ بعد فترة من الزمان إلى عذوبة، ويصبحون متلذذين بالنار، بحيث لو خرجوا منها إلى الجنة تعذبوا وتألموا. أمَّا ابن تيمية ومعه تلميذه ابن قيم الجوزية، فمال في ظاهر كلامه إلى أنَّ أهل النار من الكفار يَـفنون وتفنى معهم النار بعد فترة من العذاب، ولم يجرؤ على التصريح بأنهم يخرجون منها ويدخلون الجنة! وإن كان في بعض كلامه ما قد يشير بذلك....! وقد بينت المذاهب المختلفة في هذه المسألة في (كتابي أصحاب النار ومصيرهم) الذي طبع قبل سنوات قليلة.
فلما سمعتُ رأي د. عدنان، ورأيتُ اعتدادَه به، وجراءته على زعم أنـَّه الحق، واستهانته بأدلة الخصوم، وتعظيمه شبهاتِ المستدلين، وخصوصًا ابن تيمية وابن قيم الجوزية، فإنه لهما مجرد تابع، ولا يفعل أكثر من تكرار شبهاتهما، عزمتُ على كتابة ردٍّ وجيز عليه، أبين له فيه المغالطات والتحكمات التي وقع فيها باختصار وإيجاز لضيق الوقت.
ويعلمُ الله أنني لما سمعتُ قوله هذا، وطريقته في تقريره، نفرتُ منه نفورًا كبيرًا، وكنتُ أحتملُ له الأعذارَ من قبلُ، وإن كنت أخالفه في كثير من آرائه، مع أني لا أشكِّكُ في نواياه بحسب الظاهر، ولكني لا أثق بطريقته ولا بقدرته على النظر الدقيق بالقدر الذي يزعمه لنفسه، ولا يعجبني ذلك كله منه، لما أراه عيانًا من تخلل الفساد فيها، والضعف والتهافت في زواياه، مع أنه يدعي كثيراً أنه تفوق في الاطلاع والقراءة، والذكاء ..إلخ، ولكن ذلك عندي مجرد ادعاء، إن صحَّ فلا يميزه عن كثير غيره ممن هم كذلك بل أكثر مما يتوهم! ووقعتُ في أثناء اطلاعي على كلامه على مقاديرَ من مواضع الزلل التي وقع فيها في مختلف كلامه، وذلك مع شهادتي بشيء كثير له، وبذله جهدًا ظاهرًا لا يصحُ نفيُه ولا التشكيك فيه لنشر ما يعتقد صوابَه، وإن خالف من خالفَ! وهذا يشير إلى فضيلة له لا ينبغي بالعاقل التصدي لنفيها، وكأني كنت أرى كثيرًا من ردوده يشوبها انفعالات نفسانية من بعض الرادين عليه الذين شككوا فيه، وقدحوا في مقاصده! واتهموه بشتى التهم، ورأيته ينفعل كثيرًا عندما يتكلم معهم، ولا ريب في تأثره بهذه الأحوال كلها، ولكني لمتُه في نفسي، وقلتُ ألا يعلم أن هؤلاء الذين اعتلق معهم اعتادوا الردَّ على خصومهم بهذه الطرق والتشنيعات التي يكثرون فيها من الافتراء والتهويل والتشغيب والتعالي...الخ، والذي له عقل رجيح لا يلتفت إليهم، ولا يعتد بموقفهم... بل يصرُّ على الحرص على تسديد طريقته ونظره...
وقد اشتغل أخيرًا بمحاولة الردِّ على الملاحدة في زعمهم عدمَ وجود الله تعالى والتشكيك في ضروريات الدين، وقد قلتُ في نفسي إن ذلك أقوم مما كان تلبس فيه من قبلُ، ولا أشك أن ذلك أدَّى به إلى إعادة النظر في بعض آرائه التي كان يعتقد بها، ومنها خلود أهل النار فيها، كما صرَّح بخطبته هذه، وشبهة الملاحدة التي يعتمدون فيها على القدح في عدل الله تعالى بناء على عدم التساوي بين مدة الكفر والضلال، ومدة التعذيب في الدار الآخرة، وهو تشكيك شهير، معلوم للناظرين في علم أصول الدين، وطرق الرد عليه معروفة، ولكن إذا كان هؤلاء يشككون في أصل وجود الله تعالى فمن المتوقع أن يشككوا في بعض أفعال الله تعالى وأحكامه، ولا ينبغي للعاقل أن يطمح في تحقيق ما لم يحصل على يد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجمعين، وهو إلجاء الكفار أجمعين إلى الاعتراف بسداد الدين، وصحة أحكامه، وضرورة الالتزام بشريعته، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف/103]، وما ينبغي عليه أن يقوم بإظهار حجته، والرد عليهم بما يطيقه من دون اضطرار لإبطال بعض الضروريات من الدين، بأدلة وبغير أدلة، بدعوى الحرص على إلزامهم بضرورة الإيمان والخضوع له...
وعلى كل حال، فلن ننساق إلى محاولة تحليل الدواعي التي دعته إلى هذا القول، فلعل لهذا محلاً آخر. ولكنا سنحرص ههنا على أن نلفت نظره إلى بطلان الأدلة التي اعتمد عليها، وأن ما توهم أنه فتوحات إنما هو أباطيل وتشغيبات وتوهمات...ومن واجبنا أن نقوم بالرد عليه، خصوصًا في هذا المقام، الذي هو باتفاق المؤمنين من أصول الدين، علمـًا بأن ما ذكرناه هنا ليس جميع ما يمكن أن نقوله ونقرره، وما بيناه من طرق الاستدلال إن هو إلا لمعات مما نعلمه، ولكنا حرصنا على إبطال ما تمسك هو به، بالقدر الذي نعتقد كفايته، بلا معاندة ولا لجاج.
وقد كتبت هذه الكلمات في نحو يومين مع كثرة الانشغال وتفرق الأحوال، وانهماكنا في وظائف الأهل وطلاب العلم وغيره من مشاغل الدنيا، لا نريد في ذلك إلا وجه الله تعالى، ولا نطمح إلا في بذل الوسع في دلالته وغيره ممن اغتر بقوله وقول ابن تيمية إلى الهدى والحقِّ الظاهر، ولا نرغب إلا في الإشارة إلى الأساليب المغالطية والتسرعات المنهجية التي وقع فيها، فضلاً عن الدعاوى الهائلة التي يكثر منها في مختلف دروسه وخطبه، مع أن أكثر تلك الفتوحات! والدقائق التي يزعمها! لا ترقى إلى هذه المنزلة التي يرفع شأنها إليها، نعم نحن لا نغمطه حقَّه، ونعترف بجهده، ونرغب في تقويمه أسلوبه وعدم اندفاعه وراء رغباته وهواه، لأنـَّا نرجو الله تعالى أن يقوِّم أحوالَه، فيجعله من الدعاة إلى الحق لا إلى سواه، وآمل أنْ يقَعَ ردِّي هذا موقعَه الذي أحبُّ له في نفسه.
ولولا أنه بادر إلى الإعلان عن رأيه مع خطورته، ونشره على الناس عامة، لما أقدمتُ على نشر هذا الردِّ لمن شاء، إلا بعد أن أُطلِعَه هو عليه، وأَحْرِصَ على مباحثته، عملاً بعموم قوله تعالى: (وجادِلْهُم بالتي هي أَحْسَنُ) وهي تشمل المنهجَ الذي ذكرتُ مما يصدق عليه أنه أحسنُ، لولا ما سارعَ إليه!
وندعو الله تعالى أن يهدينا وإياه إلى سواء السبيل، والصلاةُ والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، والحمد لله رب العالمين.
وبعدُ،
فقد جاءت مجموعةٌ من طلاب العلم من بعض البلاد العربية لزيارتي خلال الأيام القليلة الماضية، وسعدت باستضافتهم في منزلي في عمَّان، وتطرَّق بعضُ الحضور في مجالسنا إلى الرأي الغريب الذي أثاره د. عدنان إبراهيم مؤخراً، وهو جَزْمُه بأنَّ النار تفنى، فانتهزت بعد مغادرتهم فرصة لسماع ما قاله، وكيفية تقريره إياه، فوجدته فعلا يجزمُ بأنَّ الكفارَ المعاندين الذين هم أهلها المحكوم عليهم بالخلود والتأبيد فيها في كثير من النصوص الدينية الوثيقة، يَخرُجون منها وإن كان هو يفضل التعبير بـ(يُخرَجون!)- وذلك بعد أن يتطهروا فيها بما يلاقونه من العذاب والآلام، وذلك لمدة لا تتجاوز يوماً واحداً عند ربك! ويساوي خمسين ألف سنة مما نعدُّ! ويمكن أن يكون ألف سنة كذلك! وبعد خروجهم من النار يدخلهم الله تعالى برحمته الجنةَ، ويصبحون إخوانًا مع المؤمنين بالله تعالى من الأنبياء والرسل عليهم السلام، وسائر المؤمنين.
وأن هذا الحكم الذي يحكم به يعمُّ جميع الكفار قاطبة، ولا يختص بالكفار المعاصرين، بل إنَّ جميع المعاندين من الإنس منذ بدء الخليقة مصيرهم إلى الدخول في الجنة، وتخرب النار بعد خروجهم منها.
ويلزمه بالضرورة أن يكون حكمه كذلك في كفار الجنِّ، وإن لم يتطرق لذلك في خطبته التي سمعتها، ومنهم إبليس اللعين اليائس من رحمة الله تعالى، فإنه على طريقة هذا القائل يؤول مقامه الدائم منعمـًا في الجنة مع الأنبياء والرسل أجمعين، ويصبح مرضيًّا من الله تعالى محبوباً ممدوحاً!! خالدًا في الجنة!!
وأعلن أنَّ الأدلة الشرعية تدلُّ على ذلك، وأبرز عن رأيه مخالفًا لأعلام الأمة، وتشبث برأي بعض المعتدِّين بأنفسهم، مِنْ قَبْلِه، المنحرفين عن أهل الحقِّ، الذين صرَّحوا بهذا الرأي الباطل الذي لا يدُلُّ عليه دليل قويم، ولا يهدي إليه صراط مستقيم. وشرع في محاولة هدم أدلة المخالفين الذين هم باقي الأمة الإسلامية، ومحاولة تصحيح أدلة ابن تيمية وابن قيم الجوزية، ممن خالف خلود الكفار في العذاب. ولكن أحدًا من هؤلاء لم يصرح بجرأة هذا المعاصر بأن الكفار قاطبة يخرجون من النار ويدخلون الجنة، بل إن ابن عربي الحاتمي ادَّعى أن أهل النار الذين هم أهلها خالدون في النار أبدًا، لا يخرجون منها، وغاية الأمر أنَّ عذابهم ينقلبُ بعد فترة من الزمان إلى عذوبة، ويصبحون متلذذين بالنار، بحيث لو خرجوا منها إلى الجنة تعذبوا وتألموا. أمَّا ابن تيمية ومعه تلميذه ابن قيم الجوزية، فمال في ظاهر كلامه إلى أنَّ أهل النار من الكفار يَـفنون وتفنى معهم النار بعد فترة من العذاب، ولم يجرؤ على التصريح بأنهم يخرجون منها ويدخلون الجنة! وإن كان في بعض كلامه ما قد يشير بذلك....! وقد بينت المذاهب المختلفة في هذه المسألة في (كتابي أصحاب النار ومصيرهم) الذي طبع قبل سنوات قليلة.
فلما سمعتُ رأي د. عدنان، ورأيتُ اعتدادَه به، وجراءته على زعم أنـَّه الحق، واستهانته بأدلة الخصوم، وتعظيمه شبهاتِ المستدلين، وخصوصًا ابن تيمية وابن قيم الجوزية، فإنه لهما مجرد تابع، ولا يفعل أكثر من تكرار شبهاتهما، عزمتُ على كتابة ردٍّ وجيز عليه، أبين له فيه المغالطات والتحكمات التي وقع فيها باختصار وإيجاز لضيق الوقت.
ويعلمُ الله أنني لما سمعتُ قوله هذا، وطريقته في تقريره، نفرتُ منه نفورًا كبيرًا، وكنتُ أحتملُ له الأعذارَ من قبلُ، وإن كنت أخالفه في كثير من آرائه، مع أني لا أشكِّكُ في نواياه بحسب الظاهر، ولكني لا أثق بطريقته ولا بقدرته على النظر الدقيق بالقدر الذي يزعمه لنفسه، ولا يعجبني ذلك كله منه، لما أراه عيانًا من تخلل الفساد فيها، والضعف والتهافت في زواياه، مع أنه يدعي كثيراً أنه تفوق في الاطلاع والقراءة، والذكاء ..إلخ، ولكن ذلك عندي مجرد ادعاء، إن صحَّ فلا يميزه عن كثير غيره ممن هم كذلك بل أكثر مما يتوهم! ووقعتُ في أثناء اطلاعي على كلامه على مقاديرَ من مواضع الزلل التي وقع فيها في مختلف كلامه، وذلك مع شهادتي بشيء كثير له، وبذله جهدًا ظاهرًا لا يصحُ نفيُه ولا التشكيك فيه لنشر ما يعتقد صوابَه، وإن خالف من خالفَ! وهذا يشير إلى فضيلة له لا ينبغي بالعاقل التصدي لنفيها، وكأني كنت أرى كثيرًا من ردوده يشوبها انفعالات نفسانية من بعض الرادين عليه الذين شككوا فيه، وقدحوا في مقاصده! واتهموه بشتى التهم، ورأيته ينفعل كثيرًا عندما يتكلم معهم، ولا ريب في تأثره بهذه الأحوال كلها، ولكني لمتُه في نفسي، وقلتُ ألا يعلم أن هؤلاء الذين اعتلق معهم اعتادوا الردَّ على خصومهم بهذه الطرق والتشنيعات التي يكثرون فيها من الافتراء والتهويل والتشغيب والتعالي...الخ، والذي له عقل رجيح لا يلتفت إليهم، ولا يعتد بموقفهم... بل يصرُّ على الحرص على تسديد طريقته ونظره...
وقد اشتغل أخيرًا بمحاولة الردِّ على الملاحدة في زعمهم عدمَ وجود الله تعالى والتشكيك في ضروريات الدين، وقد قلتُ في نفسي إن ذلك أقوم مما كان تلبس فيه من قبلُ، ولا أشك أن ذلك أدَّى به إلى إعادة النظر في بعض آرائه التي كان يعتقد بها، ومنها خلود أهل النار فيها، كما صرَّح بخطبته هذه، وشبهة الملاحدة التي يعتمدون فيها على القدح في عدل الله تعالى بناء على عدم التساوي بين مدة الكفر والضلال، ومدة التعذيب في الدار الآخرة، وهو تشكيك شهير، معلوم للناظرين في علم أصول الدين، وطرق الرد عليه معروفة، ولكن إذا كان هؤلاء يشككون في أصل وجود الله تعالى فمن المتوقع أن يشككوا في بعض أفعال الله تعالى وأحكامه، ولا ينبغي للعاقل أن يطمح في تحقيق ما لم يحصل على يد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجمعين، وهو إلجاء الكفار أجمعين إلى الاعتراف بسداد الدين، وصحة أحكامه، وضرورة الالتزام بشريعته، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف/103]، وما ينبغي عليه أن يقوم بإظهار حجته، والرد عليهم بما يطيقه من دون اضطرار لإبطال بعض الضروريات من الدين، بأدلة وبغير أدلة، بدعوى الحرص على إلزامهم بضرورة الإيمان والخضوع له...
وعلى كل حال، فلن ننساق إلى محاولة تحليل الدواعي التي دعته إلى هذا القول، فلعل لهذا محلاً آخر. ولكنا سنحرص ههنا على أن نلفت نظره إلى بطلان الأدلة التي اعتمد عليها، وأن ما توهم أنه فتوحات إنما هو أباطيل وتشغيبات وتوهمات...ومن واجبنا أن نقوم بالرد عليه، خصوصًا في هذا المقام، الذي هو باتفاق المؤمنين من أصول الدين، علمـًا بأن ما ذكرناه هنا ليس جميع ما يمكن أن نقوله ونقرره، وما بيناه من طرق الاستدلال إن هو إلا لمعات مما نعلمه، ولكنا حرصنا على إبطال ما تمسك هو به، بالقدر الذي نعتقد كفايته، بلا معاندة ولا لجاج.
وقد كتبت هذه الكلمات في نحو يومين مع كثرة الانشغال وتفرق الأحوال، وانهماكنا في وظائف الأهل وطلاب العلم وغيره من مشاغل الدنيا، لا نريد في ذلك إلا وجه الله تعالى، ولا نطمح إلا في بذل الوسع في دلالته وغيره ممن اغتر بقوله وقول ابن تيمية إلى الهدى والحقِّ الظاهر، ولا نرغب إلا في الإشارة إلى الأساليب المغالطية والتسرعات المنهجية التي وقع فيها، فضلاً عن الدعاوى الهائلة التي يكثر منها في مختلف دروسه وخطبه، مع أن أكثر تلك الفتوحات! والدقائق التي يزعمها! لا ترقى إلى هذه المنزلة التي يرفع شأنها إليها، نعم نحن لا نغمطه حقَّه، ونعترف بجهده، ونرغب في تقويمه أسلوبه وعدم اندفاعه وراء رغباته وهواه، لأنـَّا نرجو الله تعالى أن يقوِّم أحوالَه، فيجعله من الدعاة إلى الحق لا إلى سواه، وآمل أنْ يقَعَ ردِّي هذا موقعَه الذي أحبُّ له في نفسه.
ولولا أنه بادر إلى الإعلان عن رأيه مع خطورته، ونشره على الناس عامة، لما أقدمتُ على نشر هذا الردِّ لمن شاء، إلا بعد أن أُطلِعَه هو عليه، وأَحْرِصَ على مباحثته، عملاً بعموم قوله تعالى: (وجادِلْهُم بالتي هي أَحْسَنُ) وهي تشمل المنهجَ الذي ذكرتُ مما يصدق عليه أنه أحسنُ، لولا ما سارعَ إليه!
وندعو الله تعالى أن يهدينا وإياه إلى سواء السبيل، والصلاةُ والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، والحمد لله رب العالمين.
سعيد فودة
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب
) والثانية وفيها (إلا ما شاء ربك) من الآيات التي اختلف في تفسيرهما، وما يعتمد عليه في الآية من الاستدلال، وهو الاستثناء وما يراد به، إن حملناه على ما يريد من المعنى المؤدي إلى القول بفناء النار، فدلالته مع أنها غير ظاهرة (لا هي بنص ولا براجح) فإنها أيضا تستلزم التعارض مع ما يظهر من الآيات السابقة المحكمة الظاهرة، ومع الأحاديث النبوية، ومع أقوال العلماء من لدن الصحابة إلى هذا العصر...إلا قول ابن تيمية ومن تبعه، وربما لذلك هو راجح، ولذلك ينبغي القول به! لا نعلم!
خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد)، يعني تعالى ذكره بقوله
تعليق