يا أخ عثمان
السلام عليكم ورحمة الله
أراك تستشهد بكلام الإمام الطبري
فتأمل معي ماذا يقول هذا الإمام واتبعه يسلم لك دينك:
"فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه؛ فنقول:
يسمع -جل ثناؤه- الأصوات، لا بخرقٍ في أذنٍ، ولا جارحةٍ كجوارح بني آدم. وكذلك يبصر الأشخاص ببصرٍ لا يشبه أبصار بني آدم التي هي جوارحٌ لهم.
وله يدان ويمينٌ وأصابع، وليست جارحةً، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق، لا مقبوضتان عن الخير.
ووجهٌ لا كجوارح الخلق التي من لحم ودم.
ونقول: يضحك إلى من شاء من خلقه. ولا نقول: إن ذلك كشر عن أسنان.
ويهبط كل ليلةٍ إلى السماء الدنيا.
فمن أنكر شيئاً مما قلنا من ذلك، قلنا له: إن الله تعالى ذكره يقول في كتابه: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} . وقال: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} . وقال: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} .فهل أنت مصدقٌ بهذه الأخبار، أم أنت مكذبٌ بها؟
(أ) فإن زعم أنه بها مكذب، سقطت المناظرة بيننا وبينه من هذا الوجه.
(ب) وإن زعم أنه بها مصدقٌ، قيل له: فما أنكرت من الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنه يهبط إلى السماء الدنيا فينزل إليها)) ؟
فإن قال: أنكرت ذلك؛ أن الهبوط نقلة، وأنه لا يجوز عليه الانتقال من مكانٍ إلى مكان؛ لأن ذلك من صفات الأجسام المخلوقة!
قيل له:
فقد قال -جل ثناؤه-: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} فهل يجوز عليه المجيء؟ فإن قال: لا يجوز ذلك عليه، وإنما معني هذا القول: وجاء أمر ربك.
قيل: قد أخبرنا -تبارك وتعالى- أنه يجيء هو والملك؛ فزعمت أنه يجيء أمره لا هو؛ فكذلك تقول: إن الملك لا يجيء، إنما يجيء أمر الملك لا الملك؛ كما كان معنى مجيء الرب -تبارك وتعالى- مجيء أمره.
فإن قال: لا أقول ذلك في الملك، ولكني أقول في الرب.
قيل له: فإن الخبر عن مجيء الرب -تبارك وتعالى- والملك خبرٌ واحدٌ، فزعمت في الخبر عن الرب -تعالى ذكره- أنه يجيء أمره لا هو؛ فزعمت في الملك أنه يجيء بنفسه لا أمره، فما الفرق بينك وبين من خالفك في ذلك، فقال: بل الرب هو الذي يجيء، فأما الملك فإنما يجيء أمره لا هو بنفسه؟!
فإن زعم أن الفرق بينه وبينه: أن الملك خلقٌ لله جائزٌ عليه الزوال والانتقال، وليس ذلك على الله جائزاً.
قيل له: وما برهانك على أن معنى المجيء والهبوط والنزول هو النقلة والزوال، ولا سيما على قول من يزعم منكم أن الله -تقدست أسماؤه- لا يخلو منه مكانٌ.
وكيف لم يجز عندكم أن يكون معنى المجيء والهبوط والنزول بخلاف ما عقلتم من النقلة والزوال من القديم الصانع،
وقد جاز عندكم أن يكون معنى العالم والقادر منه بخلاف ما عقلتم ممن سواه، بأنه عالمٌ لا علم له، وقادرٌ لا قدرة له؟
وإن كنتم لم تعقلوا عالماً إلا له علمٌ، وقادراً إلا له قدرةٌ، فما تنكرون أن يكون صائباً لا مجيء له، وهابطاً لا هبوط له ولا نزول له، ويكون معنى ذلك وجوده هناك مع زعمكم أنه لا يخلو منه مكانٌ!
20- فإن قال لنا منهم قائلٌ: فما أنت قائلٌ في معنى ذلك؟
قيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا -جل جلاله- يوم القيامة والملك صفاً صفاً، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلةٍ، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره؛ بل نقول: أمره نازلٌ إليها كل لحظةٍ وساعةٍ وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين مادامت موجودةً. ولا تخلو ساعةٌ من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتاً دون وقتٍ، ما دامت موجودةً باقيةً.
وكالذي قلنا في هذه المعاني من القول: الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله عز وجل وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه".
التبصير ص : 140
قال السرخسي : : وأهل السنة والجماعة أثبتوا ما هو الأصل معلوم المعنى بالنص - أي بالآيات القطعية والدلالات اليقينية - , وتوقفوا فيما هو المتشابه وهو الكيفية , ولم يجوزوا الاشتغال في طلب ذلك "
شرح الفقه الأكبرللقاري (ص:93)