القسم الأول من الرد على أسئلة إسماعيل
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله
وبعد، فهذه مناقشات وإجابات لما سألت عنه.
فسؤالك: (هل من الجائز عقلا أن يجعلك الله تعالى تقتنع اقتناعاً خاطئاً بأنك مكلف؟)
أقول فيه: المفهوم من السؤال أنه عن الإمكانية العقلية لاقتناع غير المكلف بأنه مكلف. لأن هذا الأمر إما أنه ممكن أو محال، لاتفاقنا على أنه ليس بواجب. وأخرجت من فهمي للسؤال قولك أن يجعلك الله، لأن الأمر إن صح إمكانه فالله قادر عليه، وإن صح وقوعه فلا خالق له إلا رب العالمين. وما العبد إلا كاسباً أو مضطراً، وعلى القولين فما من قناعة إلا والله خالقها.
وأود لو تلاحظ أن الحقيقة في نفس الأمر بحسب فرضك هو أن المسؤول غير مكلف، والقناعة أو الاعتقاد الحاصل في نفسه هو أنه مكلف. وعليه فلا أشك أنك توافقني على أن هذا الاعتقاد الذي في نفسه هو على خلاف الواقع بدليل تقييدك له بالخاطئ. فيلزم على ذلك أنه في تلك الحالة غير عالم بحقيقة حاله من عدم التكليف. بل هو إما واهم بتلك القناعة أو ظانّ في أحسن أحواله، ضرورة أنه العلم لا يمكن أن يقع على خلاف الواقع. بخلاف القناعة والاعتقاد. ودليله الشاهد.
إذا تقرر ذلك فينبغي أن يلاحظ السائل والمجيب أن المعني بالقناعة هنا ليس هو المعني بالمعرفة والعلم، وإلا كان معنى السؤال: هل يمكن أن يعلم المسؤول بعلم يخالف الواقع. والتناقض فيه ظاهر. لأن العلم لا يكون إلا مطابقاً للواقع، فكأنا قلنا: هل يمكن أن تكون قضية القناعة مطابقة للواقع، وغير مطابقة له في آن. فيكون الجواب بالنفي على الاستحالة، لأن المتناقضتين لا تصدقان معاً، ولا تكذبان معاً. فعلم أن السؤال قطعاً عن إمكان حصول القناعة على خلاف الواقع، لا عن إمكان العلم على خلاف الواقع. وفرق كبير بين الأمرين. وعليه فكل قناعة على خلاف الواقع فهي غير مبنية على علم، بل على ظن وما دونه. فتنبه.
ثم إن سلمت أن الإنسان غير خالق لأفعاله، وانفعالاته، وكيفيات نفسه، علمت أن كل قناعة فإن الله خالقها، سواء كانت صحيحة أو خاطئة، وسواء قلت إنه كاسب أو مضطر. وبناء على ما مضى من التوضيح، أقول: نعم يجوز أن يخلق الله في نفس الإنسان اقتناعاً بقضايا مخالفة للواقع. ومنكر هذا مكابر. لأنه في الشهد واقع وكثير.
ولكن ههنا بحث لطيف ومفيد، فقد قلنا إن الإنسان في قناعته تلك إما أنه كان مختاراً حراً كاسباً، أو أنه كان مضطراً. وعلى كل إما أن يكون قد حصل تلك القناعة بالبداهة أو النظر. وطريق البداهة لا يسلم لاختلاف العقلاء في معرفة هل هم مكلفون أو لا. فيبقى طريق النظر. فأقول: إذا كان السائل يسأل عن تأدي المسؤول لقناعته بمقدمات كل واحدة منها قطعية، وكانت مرتبة في صورة منتجة. أي أن ذلك الإنسان حصل برهاناً تاماً على أنه مكلف في حين أنه غير مكلف، فهذا مستحيل الحصول، ولا يمكن أن يجوزه عاقل. لأن البرهان العقلي مفيد للعلم، فالكلام فيه كالكلام في العلم كما مضى.
فيبقى أن تكون تلك القناعة قد حصلت له بالكسب لا عن برهان وهذه القناعة لا اعتداد بها ولا إشكال فيها. أو بالاضطرار دون سبب عادي، بحيث وجد نفسه مقتنعاً بتلك القناعة إثر خلق الله لها في قلبه دون استخدام منه لأي طريق عادي من طرق المعرفة، وهذا صريح في الجبر، كقوله تعالى (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) فإن الآية كما تحتمل أن يهيء لهم من الأسباب العادية وطرق الهداية ما يجعلهم مهتدين، فهي تحتمل أيضاً الصورة التي ذكرناها من حملهم على الهدى قسراً وجبراً دون اختيار وإرادة منهم. ولكنا نعلم من الشاهد أن بعض الناس مؤمنون بالتكليف وبعضهم ليسوا كذلك. فعلمنا أن الله لم يشأ ذلك. فسقط أن يكون الله تعالى قد حمل الناس جميعاً على الإيمان بذلك أو أنه حملهم جميعاً على إنكار ذلك. فبقي من الاحتمالات عند اعتبار الاضطرار أن يكون قد حمل بعضهم على الإيمان وبعضهم على الإنكار. أو أن بعض الناس كسبوا إيمانهم، وبعضهم كسب إنكاره وهو القسم الذي لا إشكال فيه، وبعضهم مجبور على إيمانه، وبعضهم مجبور على إنكاره. ولكن السؤال المهم هنا هو هل بإمكان الإنسان المجبور على قناعة ما، أن يتوصل بما خلقه الله تعالى من وسائل المعرفة إلى صحة أو خطأ قناعته أم لا؟ أي أن يعرف فيما إذا كان مكلفاً أم لا. ويتفرع على هذا السؤال أسئلة أخرى، مثل هل يمكن أن يكون الإنسان الذي حصل برهاناً على صحة أو خطأ قناعته راغباً في تبديل هذه القناعة على وفق الدليل ولكنه غير قادر على ذلك. أما أنا فأقول بالإمكان معرفة البرهان على ثبوت أو نفي التكليف، وأنه يمكن لكل إنسان أن يبدل قناعاته لبواعث من الأدلة أو الأهواء، ولا تلازم بين الدليل والقناعة، وكل إنسان يعرف ذلك من نفسه، ومنكره في الشاهد مكابر. وأقول أيضاً بأن معرفة أننا مكلفون حصلت لنا من خبر الرسول، وليس قبل ذلك. لأن مستند التكليف الأوامر والنواهي، ولا حكم قبل الشرع والبعثة. ولأن من شروط التكليف بلوغ الدعوة، ولا بلوغ للدعوة قبلها. ولأنا لم نكن نعرف أن البلوغ شرط في التكليف إلا من الخبر، فما أدرانا قبل البعثة أن الصبي المميز الذي لم يناهز الحلم ليس مكلفاً مع أن بوسعه القيام بالتكاليف الشرعية. فأقول نحن لم نعرف أن الله كلفنا بشيء إلا بعد أن أرسل لنا رسولاً أخبرنا بذلك. فتوقيف معرفة (أن هذا رسول من عند الله صادق فيما يقول) على معرفة (أن الله كلفنا بتكاليف معينة أو حتى أنه كلفنا مطلقاً) ادعاء غريب منك، وهو دور لا محالة.
لا أقول إن معرفة (أنه يجوز أن يكلفنا الله تعالى قبل البعثة) هو الادعاء الغريب الذي يلزم عنه الدور، بل هذا لو لم يصح في العقول لم يأبه أحد بالرسل. وهذا الإمكان يجب قطعاً تسليمه قبل التصديق بأن الله كلفنا. ولكن الغريب هو القول بتوقف معرفة صدق الرسول على معرفة أن الله كلفنا. وفرق كبير بين معرفتنا لجواز أن يكلفنا الله تعالى، وبين معرفتنا بأن الله كلفنا بالفعل. وحين أتأمل قضية أن الله كلفنا مع قضية صدق الرسول فيما يقول لا أجد تلازماً بين القضيتين. فلا أجد أن معرفة صدق الرسول سواء بالمعجزة أو بغيرها من الأدلة متوقفة على معرفة أن الله كلفنا بالفعل أو أنه يجوز أن يكلفنا. وقد تكلمت في هذا الموضوع في رسائلي السابقة، ومنعت هذه الملازمة، أي أنني طالبتك بالدليل عليها، لأنك لا شك إذا كان لك اطلاع على المنطق فإنك ستسلم لي أن هذه الملازمة غير بينة. وما دامت غير بينة فلا بد أن تقيم لي الدليل بياناً لها. ولا يقبل منك أن تقول إنني أقول بهذه الملازمة ولا دليل عندي على هذا الادعاء.
وتلخيص الجواب عن سؤالك هو أن السؤال بالفرض مبني على أن الله تعالى لم يكلف الإنسان، لأن السائل وصف الاقتناع بالخاطئ. وهذه مقدمة غير مسلمة للسائل. والصيغة المقبولة والأعم للسؤال هي أنه هل يجوز أن يجعل الله الإنسان مقتنعاً بصحة أمر خاطئ؟ والجواب نعم. ومنكره مكابر، ودليله الشاهد. وما قناعة السلفية على أن الله تعالى ذا حد وفي جهة وأنه جالس على العرش إلا أمثلة على قناعة خاطئة مخالفة للواقع المكشوف عنه بالدليل العقلي. والله تعالى خالق هذه القناعة وجاعلها في نفوسهم بتلك الكيفية، سواء قلت بالكسب أو قلت بالجبر، كما لا يخفى. وأن كل قناعة خاطئة فلا يمكن أن تكون منبنية على علم.
قولك: (هل من الجائز عقلا أن يخلق الله تعالى أفعالاً تجعلك تعتقد اعتقاداً خاطئا بأن مشيئته تعلقت بشيء ما)
أقول: أنا أجيب بنعم على ما هو أعم من سؤالك. وهو (هل يجوز عقلاً أن يخلق الله تعالى أفعالاً تجعلك تعتقد اعتقاداً خاطئاً) فأقول نعم.
ولكني أنبه على أن المراد من السؤال، هو أنه إذا جاز ذلك، فلم لا يقال إن الله تعالى خلق المعجزة وجعلك تعتقد بصدق الرسول، وهذا الفعل في نفس الأمر غير دال على صدقه. وقد يراد من السؤال أنه لم لا يجوز أن يكون الله قد أجرى المعجزة على يد كذاب وأوهم الناس بصدقه. فهذا فعل لله وأنتم تجوزون أن يخلق الله فعلاً يحصل للناس اعتقادات باطلة.
فأقول: اعلم أن إجابتي بنعم هي التزام بالإجابة على السؤال على ما هو المفهوم من السؤال، وكذلك كل إجابة أجيبها عن سؤال يطرحه على أي واحد. وأنت قد تعني أشياء أخرى تقصدها من وراء سؤالك ولكن سؤالك إذا لم يطلبها صراحة فلا أكون ملزماً بالإجابة عنها. وهذا ما دعاك سابقاً إلى القول بأنني أقطع الكلام أو أنني لا أتفاعل مع أسئلتك التفاعل المطلوب، مع أن هذا لا يلزمني. ولكني بدءاً من الرسالة السابقة اتبعت أسلوباً آخر في الكتابة كما ترى يعتمد على التحليل والاستدلال وذكر بعض من التفاصيل.
وعلى أي حال، فلا يلزم من جوابي عن سؤالك بنعم، أن كل فعل يفعله الله تعالى فمن شأنه أن يؤدي إلى اعتقاد خاطئ لدى شاهده أو مبلَّغه بالتواتر. كما لا يخفى. بل إن بعض الأفعال يمكن أن نتصور أن تقع على صورة لا يمكن معها ورود احتمال الخطأ في فهم دلالتها. وبالتالي فإن الاعتقاد المبني على المدلول أي المفهوم من هذا الفعل الدال، لا يمكن أن يكون اعتقاداً خاطئاً. وإنما يكون الاعتقاد خاطئاً في هكذا حالة إذا لم يستند هذا الاعتقاد إلى هذا الفعل بوصفه دالاً دلالة مستيقنة عليه أي على الاعتقاد. ولو كان كل فعل يقع في العالم يدل على احتمالات كثيرة، واعتبر في ذلك محض الجواز العقلي دون القانوني العادي، لما استقام في الأذهان ولا انضبط لا شرع ولا علم طبيعي مطلقاً. ومثال ذلك من الفيزياء التي تختص أنت بها أن رذرفورد لما قذف رقاقة الذهب بجسيمات بيتا وخرجت معظم الأشعة من الجانب الآخر مستقيمة. لزم عنده أن معظم حجم الذرات المكونة لتلك الرقاقة فراغ. فهل هذا اللزوم لزوم عادي أم عقلي محض. إنه لا شك لزوم عادي. لأن العقل يحتمل أنه: لم تكون جسيمات بيتا استقرت في الرقاقة وخرجت من الرقاقة جسيمات بيتا جديدة. أو لم لا تكون جسيمات بيتا حين وصلت رقاقة الذهب وحين بلغت الرقاقة دخل جز منها الرقاقة والتف الجزء الأكبر حولها عشر مرات مثلاً ثم خرج مستقيماً بالقرب من طرفها الثاني بحيث يبدو كأنه خارجاً منها. ولو أردت أن أضع احتمالات عقلية جائزة من حيث هي جائزة في العقل دون العادة لوضعت على هذه التجربة وحدها آلاف الاحتمالات. ولكن العلم الذي تدعي أنك تتمسك به لا يبني استنتاجاته أبداً على مجرد الاحتمالات العقلية، بل يعتبر العادة قطعاً لأنه يسلم مسبقاً بنتيجة فلسفية ليس أصلاً من اختصاص العلم إثباتها، وهي أن للعالم حقايق، منضبطة بقوانين، فيستيمت العلماء في الكشف عن هذه القوانين، وبناء التطبيقات على أساسها، ولو لم يثق العلماء بالعادة القانونية لما اخترع أي منهم اختراعاً واحداً. وهذا من الفروق الدقيقة بين العلم من جهة والكلام والفلسفة من جهة أخرى كما أراك تجهله. وكذا الفرق بين محض الإمكان العقلي والعادة الذي لا أراك حققته بما يكفي.
وإني أقول: إن المعجزة تقع بحيث يفيد النظر فيها العلم القطعي بصدق الرسول. وبذلك تكون دالة دلالة عادية قاطعة على صدقه. وهذا ما سأبرهن لك عليه كما وعدتك باستخدام صفة الكلام النفسي إذا أردت وبطرق أخرى أيضاً إذا طالبتني بالمزيد. ولا تتعجل في الحكم على ما أدعي قبل أن تقرأه فإنك لم تقرأ شيئاً مما لدي بعد. وسأثبت لك أنه لا مصادرة على المطلوب مطلقاً كما تدعي أنت.
المهم أنه إذا وجب عندنا عادة صدق الرسول، فيكون كل ما يأتي به فهو صدق وحق، وهذا هو عين البرهان عندي على أن الله تعالى كلفنا. فإني أقول: الرسول وجب صدقه. والرسول قال أنتم مكلفون. فوجب صدق أننا مكلفون. فهذا البرهان تام إذا برهنت على مقدمتيه. أما الأولى فسآتي بها عما قليل. وأما الثانية فثابتة بالتواتر.
واعلم أني أقول: إن كل ما ثبت عن الرسول أنه قاله فيجب أن يكون صحيحاً مطابقاً للواقع، لوجوب صدق الرسول. سواء استطعنا البرهنة على ما قاله من طريق آخر أو لا. مع قولي بأن كل ما أثبته الشرع فيمكن الاستدلال على ثبوته، وكل ما أبطله الشرع فيمكن الاستدلال على فساده. وهذا مما اشتغل به المتكلمون. وما دام يمكن معرفة الحق بالاستدلال ارتفع الإشكال عن احتمال ابتلاء الله أناساً بالكثير من الشبه، فإن تلك الشبه سواء أدت بهم إلى اعتقاد خاطئ أم لا، فبالإمكان دائماً التوصل إلى الحق فيها إما بالنظر المباشر ممن عرضت له تلك الشبهة إذا كان أهلاً للنظر فيها أو بسؤال القادرين على النظر، ولهذا شرع السؤال فقال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وقال: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).
وعودة إلى السؤال: فإذا كان السؤال دائراً على أن الله تعالى حين خلق المعجزة اضطر الناس الشاهدين عليها جميعاً إلى الإيمان بصدق الرسول، لأنه ليس في المعجزة دلالة على صدق ما يقوله الرسول، أفلا يحق لي أن أسأل النافي على ماذا تقول أنت أن المعجزة دلت إذا لم يكن فيها دلالة على صدقه. فحين دعا موسى ربه أني إن كنت صادقاً فيما أقول فظلل بني إسرائيل بجبل يكون فوق رؤوسهم. فكان كما دعا. ثم إنهم كلما آمنوا به وصدقوه ارتفع الجبل عنهم نحو السماء، وكلما عاندوه وماحكوه وهموا بتكذيبه اقترب الجبل من رؤوسهم حتى كأنه سيسقط على رؤوسهم فيخافون ويرتجعون فيرتفع الجبل عنهم، فهل يقول العقل والعلم والأكاديميا أن الله تعالى يفعل هذا الأمر على هذه الصورة مقارنة لدعوى الصدق هكذا اتفاقاً، وأنه ليس في هذا الفعل دلالة على صدق موسى عليه السلام؟ أنا فعلاً أسأل النفاة إذا لم يكن في هذا دلالة على صدقه فعلى ماذا تدل؟ أم أنها لا تدل على شيء؟ وأنا لا أريد أن أستبق الأمور فسأتكلم كما وعدت في كيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول بتفصيل عند الإجابة على سؤالك الأخير.
وأختم مناقشة سؤالك الثاني بالتنبيه على أن مشيئة الله تعالى قديمة قدم ذاته العلي، لأنها صفة من صفاته، وأنا لا نملك الكشف عن تلك المشيئة إلا بعد تحقق متعلقها بالفعل، أو عن طريق الخبر الصادق فيما لم نطلع عليه مما كان أو سيكون. ومن باب الأخير ما ادعيناه من علمنا القطعي بثواب المحسن وعقاب المسيء، وأنه يستحيل أن يقع عكس ذلك.
ولقد ادعى المعتزلي أن كلام الله فعل. وباركت قوله بصورة أو بأخرى، وادعيت أنت فوق ما ادعاه أن العقل يجيز أن يكذب الله علينا. لأن الكلام عندك فعل ممكن في نفسه، وقلت في نفس الوقت بأنه لا يجب على الله فعل شيء ولا يستحيل عليه فعل شيء من الأفعال، فيجوز عليه فعل الكذب. فلزم على قولك من أن الله إذا قال لنا: (سيصلى ناراً ذات لهب) أنه لا ثقة لنا بهذا الخبر. فقد يقع في يوم القيامة خلافه فيدخل الله أبا لهب الفردوس الأعلى، لأنه لم لا يكون الله قد فعل هذا الفعل الذي هو إخباره في القرآن أنه سيصليه في النار ليجعلنا نعتقد اعتقاداً خاطئاً بذلك. وأنا أسألك على ما اخترته: هذا الفعل الذي هو قول الله (سيصلى ناراً ذات لهب) إذا اطلعنا عليه فهل يجعلنا نعتقد اعتقاداً خاطئاً أم اعتقاداً صحيحاً بالمفهوم منه؟ أم أنا لا يمكننا معرفة ذلك؟ وعلى الكل، فهل المفهوم منه كذلك في الحقيقة ونفس الأمر أم أننا نفهم منه ذلك لأن الله يفهمنا ذلك وهو الحقيقة غير دال على ما فهمنا منه. أم هذه أيضاً مما لا نقدر على الإجابة عليه. أنا لا أريد إجابات على هذه الأسئلة، ولكني أذكرها للقراء على سبيل تأملها.
وعلى أي حال، فحاصل الجواب عن السؤال هو ما ذكرته أولاً، مع عدم تسليمي بأن خلق الله للمعجزة مقارنة لادعاء النبوة والصدق والتحدي هي من باب أفعال الله تعالى التي يمكن أن تفيد لذاتها مدلولاً ينبني عليه اعتقاد فاسد هو صدق الرسول عند العقلاء.
هذا جواب سؤاليك الأولين، وستأتيك الإجابة عن الباقي على التوالي كلما فرغت من طباعة قدر يحسن الوقوف عليه بالحجم المسموح به في المشاركة والواحد، وأرجو أن لا تجيبني بشيء قبل أن أتم الجواب عن جميع أسئلتك.
يتبع......
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين