بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ هيثم،
بحسب اطلاعي وبحثي ومعرفتي بالبخاري، فإن البخاريّ لا يمكن أن يصف كلام الله تعالى الذي هو الصفة القائمة بذاته تعالى أنه مخلوق أو أنه محدث. وعلى من يدّعي عليه أحد الأمرين أن يثبت ذلك بدليل معتبر.
أما سؤالك على فرض كذا ... إلخ فأنت هنا تفرض فرضاً وتبني عليه سؤالاً يلزم منه تناقض البخاريّ إذا لم يفرق بين المحدث والمخلوق. فنقول: إن البخاري لا يرى بأن صفة الكلام القائمة بالله تعالى صفة مخلوقة وهذا محلّ اتفاق بيننا. وأنت تدّعي أنه يفرّق بين المحدث والمخلوق، ويصف صفة الله القائمة به بأنها محدثة. فأثبت أنه يقول ذلك أولاً ثم اسأل ما تشاء.
سؤالك: (فهل توافق على أن إثبات كون مقصود البخاري هو الصفة القائمة بالله يكفي في إثبات أنه يرى الفرق بين الحدوث والخلق؟)
أولاً: لا يمكن أن يقول البخاري بأن صفة محدثة قامت بذات الله تعالى القديم كما قدمنا.
ثانياً: إن إثبات كونه يرى فرقاً بين المحدث والمخلوق أمر آخر. فإذا استطعت أن تثبت أنه يقول بقيام المحدث في ذات الله سبحانه وتعالى عن ذلك فيلزم دليل آخر لنعرف أنه يفرّق بين المحدث والمخلوق. لأن المعروف أن المحدث هو عين المخلوق. ولا أعتقد أن بوسع أحد أن يثبت تفرقته بين المحدث والمخلوق، ولا أن يثبت أنه يصف أمراً قائماً بذات الله تعالى بأنه محدث. كيف وقد عرفوا بشدة تورّعهم وشدة التزامهم بإطلاقات الشرع؟!
وأرجو أن لا تستغرب من هذا الجواب، وتتنبه إلى ما أقصده منه. فإني أسلم بأن البخاري لا يقول بأن القرآن مخلوق. ولكني أعرف ما اتسم به علماء تلك الفترة من الحرص على حسم مادة الخلاف، والتورع عن التفصيل، والتمسك بلفظ الإجماع، حتّى أنّهم نعتوا بعض العلماء بالابتداع والجهميّة لمجرّد قولهم إن لفظ القرآن مخلوق، وهو أمر بديهي لا يخالف فيه عاقل. والمعنى أنهم أحياناً صدر منهم عبارات مثل: لا نقول لفظنا بالقرآن مخلوق. وليس ذلك لأنهم يعتقدون بأن لفظنا بالقرآن قديم، فهذا لا يقول به عاقل، ولكن لسد ذريعة الكلام في هذه المسألة والوقوع في البدع التي أثارتها المعتزلة والجهميّة. فإذا وضعت عبارة للبخاري يقول فيها: (من قال لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب) بإزاء عبارة يفهم منها أنه يصف كلام الله بالمحدث. فلا يمكنني أن أستنتج من هاتين العبارتين أنه يفرّق بين المحدث والمخلوق. فهو في العبارة الأولى صادق تماماً لما أنه لا يتكلّم في هذه المسألة أصلاً، فلا يقول لفظي بالقرآن مخلوق ولا لفظي بالقرآن غير مخلوق. فهو يكذب من يدّعي عليه بأنه قال ذلك. لأن الغالب من صفة المبتدعة في ذلك العصر كلامهم بهذه التفاصيل. وأما عبارته الثانية التي يفهم منها وصفه لكلام الله تعالى بالمحدث، فلا دليل على أنه يقصد بالكلام ههنا الصفة القائمة بذات الله تعالى. بل هو التزام منه بوصف الذكر بما ورد في القرآن الكريم من أنه محدث. ولن تجده يصفه بأنه مخلوق ليس لأنه يفرّق بين المحدث والمخلوق، بل لأنه يلتزم بإطلاقات الشرع. وكلّ ذلك لشدة تورّعهم رحمهم الله تعالى.
فيلزم دليل معتبر لمن يدّعي بأن البخاريّ يفرّق بين المحدث والمخلوق، يوضح المعنى الذي يقصده البخاري بهذه التفرقة، لأن الفرق فرع معرفة المعنى. والتزام لفظ وترك آخر إذا كان سمة بعض علماء ذلك العصر الذين من المفوّضة المتورّعين غاية التورع كحال غالب الأئمة فلا يدلّ على الفرق بينهما.
وعلى أي حال، أثبت ذلك إن استطعت ما تدّعيه على البخاري. ثم يكون لكل حادث حديث.
وأرجو أن تجيبني على الأسئلة التي سألتكها ولا تتركها، لأنها تحرر النزاع بين قول الأشعريّة وقول السلفيّة في مسألة كلام الله تعالى. ويحلّ كثيراً مما نختلف فيه أنا وأنت بشأن البخاري وغيره. فقط أجب عن أسئلتي وسترى ذلك بأم عينك. وليكن هدفنا يا أخ هيثم تحقيق المسألة ومعرفة القول الصواب بالمدعم بالدليل، لا مجرّد الجدل. وإلا فيمكنك ويمكنني أن نبقى نرد كلّ على الآخر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً دون أن نصل إلى نتيجة وثمرة من هذا الخلاف. وأرجو أن لا تسارع في الحكم على ما أقول قبل تأمله بما يكفي كما حدث في نقاشنا السابق.
والحمد لله رب العالمين
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين