موقف الناس في زماننا من مسألة فناء النار1ـ ثبت أكثر أهل السنة وغيرهم من الفرق الإسلامية على موقفهم من كون النار مؤبدة ولا تفنى قطعاً .وأخذ بقولهم جمع من مشائخ السلفية كالشيخ الألباني في مقدمته على كتاب كشف الأستار في الرد على القائلين بفناء النار ،وكذلك الشيخ ابن عثيمين في فتاويه حيث قال: سئل الشيخ ابن عثيمين : هل النار مؤبدة أو تفنى ؟
فأجاب : "المتعيّن قطعاً أنها مؤبدة ولا يكاد يعرف عند السلف سوى هذا القول ، ولهذا جعله العلماء من عقائدهم ، بأن نؤمن ونعتقد بأن النار مؤبدة أبد الآبدين ، وهذا الأمر لا شك فيه ، لأن الله تعالى ذكر تأبيد النار في ثلاثة مواضع في القرآن :
الأول : في سورة النساء في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)
والثاني : في سورة الأحزاب : (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً* خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً).
والثالث : في سورة الجن : (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)
ولو ذكر الله عز وجل التأبيد في موضع واحد لكفى ، فكيف وقد ذكره في ثلاثة مواضع ؟! ومن العجب أن فئة من العلماء ذهبوا إلى أن النار تفنى بناء على علل عليلة لمخالفتها لمقتضى الكتاب والسنة وحرفوا من أجلها الكتاب والسنة فقالوا : إن "خالدين فيها أبداً" أي : ما دامت موجودة . وكيف يصح هذا ؟! إذا كانوا خالدين فيها أبداً ، لزم أن تكون هي مؤبدة أنهم خالدون "فيها" فهم كائنون فيها ، وإذا كان الإنسان خالداً مؤبداً تخليدُه ، لزم أن يكون مكان الخلود مؤبداً ، لأنه لو فني مكان الخلود ما صح تأبيد الخلود ، والآية واضحة جداً . والتعليلات الباردة المخالفة للنص مردودة على صاحبها ، وهذا الخلاف الذي ذكر عن فئة قليلة من أهل العلم خلاف مطرح لأنه مخالف للنص الصريح الذي يجب على كل مؤمن أن يعتقده ، ومن خالفه لشبهة قامت عنده فيعذر عند الله ، لكن من تأمل نصوص الكتاب والسنة عرف أن القول بتأبيدها هو الحق الذي لا يحق العدول عنه" اهـ . مجموع فتاوى ابن عثيمين (2/55-56) .
2ـ ومن الناس من أصر على أن النار تفنى ومنهم الشيخ عبدالكريم صالح الحميد وهو أحد علماء القصيم المشهورين وألف في ذلك كتاباً انتصر فيه لابن تيمية ورد فيه على من قال بفناء النار بل كان يدعو فيه بتهور شديد إلى المباهلة على ذلك .!!ساقه إلى ذلك التعصب غفر الله لنا وله. وسمى كتابه القول المختار لبيان فناء النار . طبع مطبعة السفير - الرياض الطبعة الأولى 1412 هـ !!
3ـ ومن السلفية من وقع في الحيرة رغم قطعية الأدلة كالشيخ عبدالرازق عفيفي وهو أحد المشائخ المصريين من جماعة أنصار السنة بمصر وكان من أعضاء اللجنة الدائمة في الإفتاء رحمه الله تعالى .وهذا نص رأيه في المسألة .
س81: سئل الشيخ : عن مسألة فناء النار ؟
فقال الشيخ (العفيفي)رحمه الله " ما لى رأى فى المسألة اقرأ كلام ابن تيمية وابن القيم واقرأ للصنعاني فى الرد عليهما
وأنا لا أقر بفناء النار ولا بعدم فنائها أنا لم أختر رأيا إلى الآن ليست هناك نتيجة عملية تترتب على هذا الخلاف
والواقع أن القول بفناء النار متصل بابن تيمية خلافا لمن نفي نسبة هذا القول له .انتهى
من فتاوى الشيخ/ عبدالرزاق عفيفي صـ 372 ــ
واما قوله (أن ذلك لا يترتب عليه شيء )فهو غلط واضح لأنها مسألة عقدية إما تصديق بما نص عليه القرآن والسنة أو عدم تصديق لذلك أو حيرة وشك أو تأويل متعسف فلا يصح القول بعدم وجود نتيجة عملية بل النتيجة اعتقاد بأحد القولين وتعليم للناس على ضوء ذلك الاعتقاد وغير ذلك مما لايخفى .
4ـ ومن الناس من جعلها مسألة اجتهادية وهم كثير من مشائخ السلفيةالمعاصرة، ولعل ذلك لأن الشيخ ابن تيمية طرف في النزاع .أولسبب أخر فالله أعلم.بل لقد كانت المعاهد العلمية والكيات الشرعية تقرر على طلابها أن النار تفنى وليست مؤبدة حتى حصل حوار مفيد مع الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه توصل به إلى أن أقنعهم بكونها مؤبدة لا تفنى ولكنهم رغم قطعية الأدلة لم يقطعوا ببقاءها وعدم فناءها وإنما جعلوها مسألة اجتهادية غفر الله لنا ولهم.
وهذا نص ذلك الحوار : حوار بين الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ الشنقيطي رحمهما الله حول فناء النار الكتاب مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي من صفحة 50 إلى صفحة 72 قال الشيخ أحمد بن محمد الأمين:
لقد استدعى المسؤولون الشيخين: شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ عبدالرحمن الإفريقي رحمة الله على الجميع، استُدعيا للتدريس بالمعاهد والكليات، وأُنزلا بدار الضيافة، واستقبلهما المسؤولون بحفاوة وتكريم.
ولقد أقبل المسؤولون على فضيلة الشيخ محمد الأمين بغاية التقدير والاحترام، وكان هناك مصريٌّ حَضَريٌّ أزهري من أصحاب الشهادات المبروزة، وكان قبل قدوم الشيخ يُعتبر كأنه كبيرُ المدرسين ولما رأى حفاوة المشايخ بفضيلة الشيخ دونه لعل ذلك أخذ بخاطره ـ ولا أظن إلا خيراً ـ، فصار يتحين الفرص له.
أخبرني شيخي عليه رحمة الله، قال: عندما كنت خارجاً من فصلٍ كنتُ فيه في درس تفسير، ودخلتُ غرفة استراحة المدرسين، وكان الشيخان: سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ وأخوه الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم، كانا موجودين في غرفة استراحة المدرسين، الأول مفتي الديار السعودية، والثاني المدير العام للمعاهد والكليات، فعندما دخلتُ غرفة الاستراحة، إذا ذلك المصري يقول: يا شنقيطي سمعتك تقرر في الدرس أن النار أبدية، وعذابها لا ينقطع؟.
قلتُ: نعم.
فقال: كيف تسمح لنفسك يا شنقيطي! أن تعلم أولاد المسلمين أن النار أبدية، وعذابها لا ينقطع، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية والمجدد محمد بن عبد الوهاب يقرران أنها تخبو وينبت في قعرها الجرجير؟؟.
قال الشيخ: وكنتُ آنذاك حديثَ عهد بالصحراء أغضبُ إذا استغضبت، فقلتُ له: يا مصري! من أخبرك أن الرسول الذي أرسل إليَّ، ووجب عليَّ الإيمان بما جاء به اسمه محمد بن عبد الوهاب؟ إن الرسول الذي أرسل إليَّ ووجب عليَّ الإيمان بما جاء به اسمه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ولد بمكة ولم يولد بحريملا، ودفن بالمدينة ولم يدفن بالدرعية، وجاء بكتاب اسمه القرآن، والقرآن أحمله بين جنبيَّ، وهو الذي يجب عليَّ الإيمان بما جاء به؛ ولما تأملت آياته وجدتها مطبقةً على أن النار أبدية، وأن عذابها لا ينقطع، علّمتُ ذلك لأولاد المسلمين لمَّا ائتمنني وليُّ أمر المسلمين على تعليمهم، أسمعتَ يا مصري؟؟.
قال: فقال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم: سَمْ؟! وهي بلهجة أهل نجد من مدلولها ما تقول ؟.
فقال الشيخ الأمين: فقلتُ لهُ: ذاك إنسان يعي ما يقول!.
قال: وكان (أي: ابن إبراهيم رحمه الله) رجلاً عاقلاً، وقد علم أني مُحْتَدٌ.
فقال سماحته: أطال الله عمرك، منك نستفيد ـ يعني أفدنا ـ.
قال الشيخ الأمين: إني قلت ما قلت بعد أن اطلعتُ على ما استدل به ابن القيم تقريراً لمذهب شيخه.
لقد استدل بآية النبأ(لابثين فيها أحقابا* لا يذوقون فيها برداً ولا شرابا * إلا حميماً وغساقا)، وبآية هو ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد).
واستدل بأربعة أحاديث ثلاثة منها في غاية الضعف، ولا يمكن الاحتجاج بها، والرابع حديث طاووس عن عبد الله: 0(يأتي على النار زمان تخفق أبوابها، وينبت في قعرها الجرجير) ، وهو حسن السند صالح للاحتجاج به.
واستدل ببيت شعر هو قول الشاعر:
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي.....
قال: لا مانع من أن يكون ما يجمل عند العرب كله موجود في القرآن، والعرب يجمل عندهم إخلاف الوعيد وإنجاز الوعد، فلا مانع إذا من إخلاف وعيده لأهل النار بالخلود.
قال: وذكر ابن القيم سفسطةً للدهريين هي قولهم: إن الله أعدل من أن يعصيه العبد حقباً من الزمن فيعاقبه بالعذاب الأبدي، قالوا: إن الإنصاف أن يعذبه قدر المدة التي عصاه فيها.
وأنا أُجِلُّ ابن القيم عن أن يكون ذكر هذه السفسطة للاحتجاج بها، وإنما ذكرها استطراداً.
فقال سماحته: أفدنا أطال الله في عمرك.
قال شيخنا: فقلتُ له: إني أصبحت وإياك على طرفي نقيض، أنتم تمثلون طائفة من المسلمين تقول بفناء النار وانقطاع عذابها، وأنا أمثل طائفة من المسلمين تقول النار أبدية وعذابها لا ينقطع، والله تعالى يقول: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) إلى قوله تعالى (ذلك خير وأحسن تأويلا)
فقد أصبحنا يا سماحة الشيخ بمثابة المتناظرين، ولا بد للمتناظرين من حَكَمٍ يُحكمانه بينهما يرجعان إليه لئلا يتسع الخلاف.
قال سماحته: فماذا ترى أن نحكم بيننا؟.
قال شيخنا: أرى أن نحكم بيننا كتاب الله تلاوةً لا تأويلا، معناه أنه لا يقبل من أحدنا الاستدلال إلا بآية يشهد له منطوقها بدلالة المطابقة.
قال سماحة الشيخ محمد: فقد حكمنا بيننا كتاب الله تلاوة لا تأويلا.
فقال الشيخ الأمين: إذا شاء سماحتكم بحثنا هذه المسألة بالدليل الجَدَلي المعروف بالسبر والتقسيم، والذي أتى به صاحب مراقي السعود ـ المسلك الرابع من مسالك العلة ـ حيث يقول:
والسبر والتقسيم قسم رابع أن يحصر الأوصاف فيه جامع
ويبطل الذي لها لا يصلح فما بقي تعيينه متضح
ومعنى البيتين: أن يجمع المتناظران أو المتناظرون الأوصاف التي يحتمل أن تكون مسألة النزاع متصفة بها، فإن اتفقا أو اتفقوا أنَّ أوصاف المسألة محصورة فيما جمعوا، شرعوا في سبرها، أي: في اختبارها، أي: بعرضها واحدة بعد واحدة على المحكم، فما رد منها المحكم وجب رده، وما بقي تعيَّن الأخذ به.
فقال سماحة الشيخ محمد: وافقنا على بحث المسألة بالسبر والتقسيم.
قال شيخنا: قيدوا ما تتفقون عليه من احتمالات للمسألة لتتمكنوا من عرضها على المحكم واحدة بعد الأخرى، فمثلاً:
يحتمل: أن النار تخبو.
ويحتمل: أنها تأكل من أُلقي فيها حتى لا يبقى من أهلها شيء.
ويحتمل: أنهم يخرجون منها فراراً منها.
ويحتمل: أنهم يموتون فيها، والميت لا يحس ولا يتألم.
ويحتمل: أنهم يتعودون حرَّها فلا يبق يؤلمهم.
ويحتمل: أنه لا يقع شيء من ذلك كله، وأنها أبدية وعذابها لا ينقطع.
ولمّا اتفق الحضور على أنه لا يوجد احتمال بعد هذه الاحتمالات الستة المقيدة، ابتدؤوا بعرض الاحتمالات على المحكم.
قالوا: يحتمل أنها تخبو، فإذا المحكم يقول: (كلما خبت زدناهم سعيراً)، ومعلوم أن (كلما) أداة من أدوات التكرار بلا خلاف، فلو قلت لغلامك: كلما جاءك زيد أعطه كذا من مالي، فإذا منعه مرة ظلمه بلا خلاف.
وقالوا: يحتمل أنها تأكلهم حتى لم يبق منهم شيء، فإذا المحكم يقول: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب)، فلم يبق لهذا الاحتمال نصيب بموجب هذه الآية.
وقالوا: يحتمل أنهم يخرجون منها هاربين، فإذا المحكم يقول: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها)، ويقول: (وما هم منها بمخرجين)، فلم يبق لهذا الاحتمال أيضاً نصيب من الاعتبار.
وقالوا: يحتمل أنهم يموتون فيها والميت لا يحس ولا يتألم، فإذا المحكم يقول: (إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحي)، ويقول: (ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت)، فلم يبق لهذا الاحتمال نصيب من الاعتبار.
وقالوا : يحتمل أنهم يتعودون حرها فلم يبق يؤلمهم لتعودهم عليه، فإذا المحكم يقول: (فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا)، ويقول: (إن عذابها كان غراماً)، والغرام: الملازم، ومنه جاء تسمية الغريم، ويقول المحكم: (فسوف يكون لزاما)، فلم يبق لهذا الاحتمال أيضاً نصيب من الاعتبار.
قال شيخنا: فلم يبق إلا الاحتمال السادس، وهو أنها أبدية وعذابها لا ينقطع، وقد جاء ذلك مبيناً في كتاب الله العزيز في خمسين موضعاً منه.
فسردها لهم مرتبة بحسب ترتيب مصحف عثمان رضي الله عنه، وكأنها جاءت مسرودة في صفحة واحدة.
وعند ذلك قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية، قال: آمنا بالله وصدقنا بما جاء في كتاب الله.
فقال شيخنا على رحمة الله: وعلينا أن نجيب عن أدلة ابن القيم، وإلا تركنا المسلمين في حيرة، ولنجيبنَّ عليها بالكتاب تلاوة لا تأويلا، فنقول:
أما آية النبأ، فلا دليل فيها لما يريد الاستدلال بها عليه، إذ غاية ما تفيده آية النبأ هذه، هو: أن أهل النار يمكثون أحقاباً من الزمن في نوع من العذاب هو الحميم والغساق، ثم ينتقلون منه إلى آخر بدليل قوله تعالى في )هذا فليذوقوه حميم وغساق * وآخر من شكله أزواج)، ومعلوم أن عذاب أهل النار أنواع، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.
وأما استدلاله ببيت الشعر فإن ما قاله يمكن اعتباره لولا أننا سمعنا الله تعالى يقول في كتابه: إن وعيده لأهل النار لا يخلف، قال في (ق): (قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد * ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد)، وقال أيضاً في نفس السورة: (كل كذب الرسل فحق وعيد)
وأما سفسطة الدهريين التي ذكرها استطراداً، فقد تولى الله تعالى الجواب عنها في محكم تنزيله، وهو الذي يعلم المعدوم لو وجد كيف يكون، وقد علم في سابق علمه أن الخُبث قد تأصل في أرومة هؤلاء الخبثاء بحيث إنهم لو عذبوا القدر من الزمن الذي عصوا الله فيه، ثم عادوا إلى الدنيا لعادوا لما يستوجبون به العذاب، لا يستطيعون غير ذلك، قال تعالى في سورة الأنعام: (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون)فيبقى لدينا من أدلة ابن القيم آية هود، وهي قوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد)، وحديث أبي داود وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (يأتي على النار زمان تخفق أبوابها وينبت في قعرها الجرجير)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فإنهما دليلان صالحان للاحتجاج بهما، فيجب علينا البحث والتنقيب عن وجه يمكن به الجمع بين الأدلة، لأن إعمال الدليلين أولى من طرح أحدهما كما هو مقرر في فن الأصول، قال في مراقي السعود:
والجمع واجب متى ما أمكنا إلا فللأخير نسخ بينا
إن عندنا أدلة على أن النار أبدية ولا ينقطع عذابها، وهذه الآية التي من سورة هود وهذا الحديث الحسن دليلان يفيدان أن النار تفنى، فما العمل؟.
والجواب: أننا نرى إمكان الجمع بين هذه الأدلة، بحمل آية هود وحديث أبي داود على الدَّرك من النار المخصص لتطهير عصاة المسلمين، فإنه يخرج منه آخر من بقلبه مثقال ذرة من إيمان، ويخبو وتخفق أبوابه وينبت في قعره الجرجير، أما دركات النار المعدة سجناً وعذاباً للكفار فهي أبدية وعذابها لا ينقطع.
وهنا تنسج الأدلة الشرعية في بوتقة واحدة لا تعارض بينها، ولا يكذب بعضها بعضا، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.فقال سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ: (يا عبداللطيف ـ يعني أخاه المدير العام للمعاهد والكليات ـ الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل، من الآن قرروا أن النار أبدية، وأن عذابها لا ينقطع، وأن تلك الأدلة المراد بها الدرك من النار المخصص لتطهير عصاة المسلمين)، وبالله تعالى التوفيق.انتهى انظر كتاب مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي تأليف حياة الشيخ أحمد بن محمد الأمين بن أحمد المختار
ط مكتب الشؤون الفنية في دولة الكويت 1428
ومع ذلك فتجد في شرح الطحاوية لابن أي العز الحنفي ص 427أنه يذكر ثمانية أقوال ثم يجعل لأهل السنة منها قولان وهما السابع والثامن .مع أن القول السابع هو قول الإمام ابن تيمية الذي تبين بطلانه قطعاً ولايوجد عند أهل السنة قبل ذلك أي قول بفناء النار بل هم مجمعون وسائر الفرق الإسلامية على أن النار مؤبدة على الكفار إلا الجهم بن صفوان ونحوه .فمن الخطأ أن يجعلها ابن أبي العز مسألة اجتهادية مع الإجماعات المنقولة قبل زمانه بقرون ومع الآيات القاطعة بالتأبيد .ولذا رد الشيخ الألباني على كلام ابن أبي العز الحنفي فقال في تعليقه على الطحاوية ص 424 حيث قال ابن أبي العز (وقال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان إمام المعطلة وليس له سلف قط) فعلق الألباني(ونحن نزيد على المؤلف فنقول :وليس له سلفاً أيضاً في قوله بفناء النار )انتهى شرح الطحاوية ص424 ط المكتب الإسلامي
فائدةابن القيم، له قولان في فناء النار :القول الأول مال فيه إلى القول بفناء النار، وذلك في كتابه (حادي الأرواح) (وشفاء العليل) كما أنه توقف في المسألة في كتابه (الصواعق المرسلة) .
القول الثاني لابن القيم، وهو الموافق لعامة المسلمين و هو القول بأبدية النار وعدم فنائها، وذكر ذلك في كتابيه (الوابل الصيب) و(طريق الهجرتين)
فقد قال في الوابل الصيب: وأما النار فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال والمآكل والمشارب ودار الخبيثين، فالله تعالى يجمع الخبيث بعضه إلى بعض فيركمه كما يركم الشيء المتراكب بعضه على بعض ثم يجعله في جهنم مع أهله فليس فيها إلا خبيث، ولما كان الناس على ثلاث طبقات: طيب لا يشينه خبث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب كانت دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض ودار الخبيث المحض، وهاتان الداران لا تفنيان، ودار لمن معه خبث وطيب وهي الدار التي تفنى وهي دار العصاة، فإنه لا يبقى في جهنم من عصاة الموحدين أحد، فإنه إذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار فأدخلوا الجنة ولا يبقى إلا دار الطيب المحض ودار الخبيث المحض. اهـ
ولقد غلب بعض الباحثين الظن بأن ما قاله ابن القيم في (الوابل الصيب و(طريق الهجرتين) ناسخ لما ذكره في (حادي الأرواح) و(شفاء العليل) و(الصواعق المرسلة) . فالله أعلم .وحمله على هذا المحمل أفضل مادام أنه صرح بذلك بخلاف الإمام ابن تيمية فمن الواضح أن القول بفناء النار صراحة هو ما سطره في آخر مؤلفاته .والله أعلم .
وللزيادة فانظر رسالة الاعتبار ببقاء الجنة والنار للإمام السبكي .وكتاب توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين لمرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي وكتاب: رفع الاستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار للصنعاني تحقيق الألباني. والبراهين الساطعة للشيخ سلامة العزامي .




رد مع اقتباس