قال أبو الطيب المتنبي :
أعيذها نظراتٍ منك صادقةً ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
الإعراب -نقلا عن شرح العكبري- : قال أبو الفح : سألته عن الهاء ، على أي شيء تعود ؟ فقال : على النظرات . و قد أجاز مثله أبو الحسن الأخفش في قوله تعالى : {فإنها لا تعمى الأبصار} ، فقال : الهاء راجعة إلى الأبصار ، و غيره من النحويين يقول : إنها إضمار على شريطة التفسير كأنه فسر الهاء بالنظرات . اهـ
أعجبني مِن متكبر ، متعال ، "لم يجد مثل نفسه" ، متفاخر ، لا يكف عن مديح نفسه ، و لا يتعب من ابتداء الثناء على نفسه قبل الدخول في ثناء الممدوح ، أبيٍّ جدا ، لا يرضى لأي أحد -أيا كان- أن يدوس له على طرف . أقول : عجبًا ! أنه لما تعلق الأمر بسيف الدولة ، اختلف الحال ، إلى درجة أنه حتى لما دب بينهما خلاف لم يهُجه ! -و هو البارع في هجاء أعدائه- ، و طبعًا إذا عرف السبب ، بطل العجب ، فالمتنبي على تكبره و إعجابه بنفسه كان ذا حب صادق و وفاء كبير لكل من صافاه الود يوما ، و هذه القصيدة -"و احر قلباه"- هي من الأدلة على ذلك .
نرجع للبيت ، استطاع المتنبي في هذا البيت أن يمزج بين مدح سيف الدوله -على فكرة ، القصيدة نُظمت بعد أن وقع الخلاف بينهما مباشرة ، فتأمل !- و بين ذم أعدائه من الشعراء ، و يُلاحظ أنه قدم المدح على الذم ، فوصف نظرات سيف الدولة "بالصدق" ، أي أنها لا تخطئ إدراك الحقائق ، قبل ذم الشعراء بأنهم مغايرون له بالكلية ، فعل ذلك -أي التقديم- حتى لا يتبادر إلى ذهن سيف الدولة أنه إنسان أحمق لا يميز بين الجيد و الرديء ، و هذا من بلاغة المتنبي ، و هذا الضرب من البلاغة يُسمى "شبه" استدراك(ليس عندي في حوزتي كتاب تحدث عن ذلك) و يحضرني الآن قوله لكافور الإخشيدي :
و تحتقر الدنيا احتقار مجرب ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ يرى كل ما فيها -و حاشاك- فانيا
و أما الآية القرآنية التي تذكرتُها ، و التي جرى فيها التقديم على العتب فهي قوله سبحانه و تعالى : {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا و تعلم الكاذبين}




رد مع اقتباس