ما كل ما يتمنى المرء يدركه ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ
مَن عربيٌّ صغيرا كان أو كبيرا، مثقفا أو غير مثقف، منذ عصر المتنبي إلى يومنا هذا -يعني أكثر من ألف سنة!-، لا يعرف هذا البيت؟! أو لم يتغنَّ به في موقف مر عليه في حياته؟! لا أحد! بيت من أشهر أبيات الشعر على الإطلاق، لقرب معناه إلى الأذهان، و لبراعة التشبيه المتضمن في البيت، و لتضمنه مثلا جميلا، و لكن فئة قليلة فقط -بالنسبة إلى كل من يعرفه- يعلم مناسبة قول المتنبي له، و دقة موقعه المتناهية في الكلام......
هذا البيت هو ضمن رائعته الشهيرة (بم التعللُّ)، و قد نسجها المتنبي إثر سماعه لخبر نعيه في مجلس سيف الدولة الحمداني، فتأثر من ذلك تأثرا بالغا، شديدا، نضحتْ به قصيدته، المفعمةُ بالإحساس، النابضةُ بالحزن العميق، المزدانةُ بالحكم. و التي فيها بيت من أجمل أبيات الشوق:
ما في هَوَادِجِكم من مُهجتي عِوَضٌ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ إنْ مُتُّ شَوْقاً وَلا فيها لهَا ثَمَنُ
و التي فيها بيت من أدق أبيات التعريض:
رَأيتُكُم لا يَصُونُ العِرْضَ جارُكمُ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠وَلا يَدِرُّ على مَرْعاكُمُ اللّبَنُ
و غيرها من الأبيات الرائعة.
جاء فيها:
يَا مَنْ نُعيتُ على بُعْدٍ بمَجْلِسِهِ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ كُلٌّ بمَا زَعَمَ النّاعونَ مُرْتَهَنُ
كمْ قد قُتِلتُ وكم قد متُّ عندَكُمُ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ثمّ انتَفَضْتُ فزالَ القَبرُ وَالكَفَنُ
قد كانَ شاهَدَ دَفني قَبلَ قولهِمِ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ جَماعَةٌ ثمّ ماتُوا قبلَ مَن دَفَنوا
مَا كلُّ ما يَتَمَنّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ تجرِي الرّياحُ بمَا لا تَشتَهي السّفُنُ
و قبل أن أعلق على البيت، لفت انتباهي و أنا أقرأ الأبيات قبل قليل قولُ المتنبي: (ثم انتفضتُ فزال القبر و الكفنُ)، لم قاله؟ ما السر وراء تشبيه نفسه برجل قُبِر ثم خرج من قبره؟! بل سبق ذلك إثباته لقتله و موته! (كمْ قد قُتِلتُ وكم قد متُّ عندَكُمُ )، بل تبع ذلك شهود دفنه!!!! كانوا جماعة ماتوا!! قبل من دفنوا!! -يعني نفسه- و الذي ظهر لي -و الله أعلم- أن المتنبي استعمل هذه التشبيهات و هذه المشاهد مبالغةً في الاستهزاء و السخرية بأعدائه أولا، و زيادةً في إغاظته لهم ثانيا، و استقباحا لكذبهم ثالثا، و كأنه رجل بلغه أن جماعة من أعدائه افتروا عليه أمام الناس أنه سرق مالهم! فقال لهؤلاء الناس -استخفافا بهذا الافتراء، و ضحكا على من افتروه- نعم أنا سرقت منهم! و رآني الحارس إذ أسرق، "ربما" الجيران أيضا! هذا ما فعله المتنبي في رأيي، عد نفسه ميتا و مقتولا، انتفض من قبره و كفنه! و هناك ناس "شهدوا" دفنه!! -و هذه العبارة تتضمن سخرية لمن تأمل- و لكنهم ماتوا قبل أن يدفنوني! -و هذه العبارة تساوي معنى آية {قل موتوا بغيظكم} !-
ثم يأتي البيت الذي هو موضوعنا، فيصيب أعداءه في مقتل! و لو كنت عدو المتنبي لا يستغربْ أحدكم موتي احتراقا من هذا البيت!
المرء إذا أراد أن يغيظ عدوه بأنك لن تنال ما تتمناه فيَّ من سقم أو شدة أو موت، قال له لن تنال ذلك أبدا! و إذا أراد أن يغيظه أكثر قال: مثلي لا يصيبه ما أردتَ، و إذا أراد أشد من ذلك قال -مثلا- : إذا حجَّت البقرُ على قرونها! -كما نقول في الكويت!- فيستخدم مثلا مشهورا، أما المتنبي فلم يفعل هذا، فهو الفصيح المبين الشاعر صاحب الحكم و الأمثال السائرة، فصاغ مثلا بنفسه جديدا ردا عليهم، يستعمله الناس من بعده، فيتذكرون إغاظته لأعدائه كلما قالوه!
إذ أعرض المتنبي عن مخاطبته لهم مباشرة! و ارتأى قول مثل يبين فيه أنهم لن ينالوا دائما ما يريدون....! و مثل السفن مفهوم لا داعي لشرحه، و لكن فقط أردت أن ألفت الانتباه إلى دقة موقع البيت في الرد على خصومه و إحراقهم حتى الإفحام!
و الإعراض عن الخطاب المباشر، و ضرب المثل، ثم أن يكون المثل مخترعا حصريا لهم! و جميلا رائعا كهذا، إغاظةُ للأعداء أي إغاظة!
و إلى لقاء آخر مع روائع هذا العربي المبين الشريف!