بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وبه الاستعانة. والصلاة والسلام على صاحب الرسالة، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم القيامة وبعد ..
فإن الإيمان والكفر، محلهما القلبُ عند عامة أهل الإسلام، أهل السنة والجماعة، ولم ينازع في ذلك إلا فرق تشددت فزعمت أن العمل من أركان الإيمان، ثم إن مرتكب الكبيرة خارج عن الإيمان، وداخل في الكفر أو غير داخل في الكفر (منزلة بين منزلتين). وفرق تساهلت فجعلت العمل غير معتبر في هذا الباب، وأن مدار العذاب أو النجاة على ما في القلب وحده، بداية ونهاية.
ومع ظهور الأدلة على مذهب أهل السنة والجماعة، وضعف أدلة خصومهم، أبدأ كلامي في هذه الورقة فأقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر ونهى عن تكفير المسلم بغير حق، فقال عليه الصلاة والسلام: (من كفر مسلماً فقد كفر)، (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) .. وقال في من وصف شخصاً بالكفر لرؤية ظاهر حاله مع نطقه بالشهادتين (أشققت عن قلبه) .. وغير ذلك من شواهد ومتابعات في هذا الأصل.
ولا شك أن النتائج المترتبة على مسألة الإيمان والكفر، خطيرة، وتبعاتها الأخروية والدنيوية عظيمة، ففي الآخرة لا مجال للرحمة الإلهية لمن كفر بالله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، ووصف القرآن الكفار في النار بأنهم (خالدين فيها أبداً)، وكفى بذلك خطورة عظيمة في بيان مآل الكافرين بالله تعالى في أبد الآباد.
والاطلاع على أحقية الكفر في قلب عبد من العباد، أمر لا يمكن بدون النص الشرعي، ولذلك فإن أهل السنة والجماعة لا يقطعون بتكفير من لم ينص الشرع على كفره.
وفي هذا المجال هناك أمور مختلفة ينبغي التفريق بينها، بل إن عدم التفريق بينها مصيبة عظيمة في فهم الدين:
الأول: مسائل الكفر، والثاني: وصف ذات معينة من الناس باعتقادها الكفر وحصوله فيها. الثالث: تطبيق أحكام الكفر الظاهرة، والباطنة على من وصف بالكفر.
بالنسبة للأمر الأول: فإن مسائل الكفر، أي الأشياء التي في نفسها كفر من المعتقدات، أو الأفعال والأقوال الدالة على المعتقدات، أمر مقرر واضح لدى المسلم؛ لأن مدار ذلك كما هو معلوم في كتب العقائد- هو تكذيب الله تعالى في أمر ورد بالدليل القطعي ثبوته في ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
والأفعال والأقوال التي لازمت شرعاً أو عرفاً وعادة التكذيب، فهي في مرتبة التكذيب من حيث الثبوت، وإن اختلفت الدلالة في توصيف تلك الأفعال وتميزها عن الاعتقادات في نفسها.
أما وصف شخص معين بأنه كافر؛ أي قد تحققت فيه صفة المكذب لله تعالى، فيجب التفطن في ذلك إلى أمرين: الأول: أن يكون الاعتقاد أو الفعل أو القول، كفراً حقًّا، وليس متوهماً أو مشككاً فيه. الثاني: أن يكون التلازم بيناً بين ذات الموصوف بالكفر وبين الكفر المذكور آنفاً.
وفي هذا القسم يتنزل حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إن من ثبت إسلامه لقيام الدليل الظاهر عليه، من التلفظ بالشهادة، أو الدلالة الظاهرة على تلفظه بها، كالصلاة أو الحج أو غير ذلك من الأعمال الخاصة بالمسلمين، لا يجوز أن ينقل عن ذلك الوصف الثابت إلى الوصف بالكفر بشبهة وظن، بل لا بد من الاحتراس واليقظة في وصف الشخص بالكفر.
و(من كفر مسلماً فقد كفر)، معناه: أن وقوع المكفِّر في الكفر لأنه جعل الإسلام الثابت في حق المسلم كفراً، فهو قد ساوى بين الإسلام والكفر، فكان كافراً بذلك. مثال ذلك: من وصف شخصاً بالكفر لأنه يصلي، فهذا الواصف يكفر بذلك الإطلاق؛ لأنه ساوى بين الكفر والإيمان، وجعل الصلاة التي هي من الإيمان العملي، كفراً. وقس على ذلك ما ثبت دليله بالقطع في مسائل الإسلام.
فعندما تتعارض البينات الظاهرة في وصف شخص معيِّن فلا بد من الاحتراز، وعدم التسرع، بل حرمة التسرع في إطلاق هذا الوصف.
وهذه المسألة مختلفة عن مسألة بيان ما هو كفر في نفسه مما ليس هو كفر، ولهذا يذكر علماء العقائد أن التكفير مرجعه إلى الفقهاء؛ لأنهم يقدرون الألفاظ والأقوال وينظرون في الشروط والموانع المتحققة في واقعة معينة من شخص معين. ولأن لذلك أثراً علمياً آخر، وهو حكم الشريعة بقتل المرتد، وفسخ نكاحه، وميراثه، وغير ذلك من الأحكام المترتبة عليه في الدنيا.
إلا أن ذلك لا ينبغي أن يفهم منه عدم تكفير من اعتقد الكفر وظهر منه وبان، اعتقاداً أو عملاً، فإن الحكم بالتكفير من أحكام الشريعة أيضاً، وليس هو ببدع من الشريعة، فإن الإسلام وصف الناس وقسمهم إلى نوعين: مسلم وكافر، وامتلأ القرآن الكريم والسنة الشريفة، ببيان أسباب وأوصاف وأحكام الكفار، دنيا وآخرة.
فكما أنه لا يجوز تكفير المسلم، فلا يجوز كذلك وصف الكافر بالإسلام، بل إن وصفه بالإسلام إن كان كفره ظاهراً كفرٌ أيضاً بالدين؛ لأنه مساواة للكفر بالإيمان، وهذا تكذيب لله تعالى الذي فرق بينهما.
وشددوا تأديب مفت أخبرا .. بعدم الكفر لمن قد كفرا
بل ذا من الكفر عليه يرهب .. إذ لازم المذهب قيل مذهب
ولأن مدار الأمر يرجع إلى العلم وأصوله؛ فإن القسم الأول: الذي هو وصف معتقد الكفر في نفسه أو أقوال الكفر وأفعاله، يجب أن يكون معلوماً لدى الناس كافة، وأقصد بذلك جملة ما هو كفر، وتفصيل ما هو كفر مما هو معلوم بالضرورة من الدين. وذلك بأن يعتقد كل مسلم أن منكر وجود الله تعالى كافر، وأن واصف الله تعالى بالجهل كافر، وأن منكر الآخرة أو نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كافر .. إلى آخر ما هو مقرر في المسائل القاطعة في العقيدة.
لكن القسم الثاني: الذي هو وصف شخص معين، فإن الأمر يرجع فيه إلى العلماء إذا كانت هناك شبهة من الشبهات في كلام أو تفاصيل لا تشتهر لدى العامة. أما فيما هو مشتهر ومعلوم ولا تحقق للشبهة فيه، فإن وصف عامة المسلمين لمن التبس بالكفر الصريح بالكفر أمر مطلوب في نفسه، إذ هو مقتضى الإيمان.
وهنا لا أقصد مسألة سب الكافر أو لعنه أو تحقيق حكم من الأحكام عليه أو إيقاع عقوبة من العقوبات عليه، بل ذلك أمر آخر، مجاله التطبيقات الفقهية.
يتضح بذلك أن وصف العلماء لشخص ما بالكفر، إذا كان ذلك في محله، صادر من أهل العلم المدققين، ينبغي أن يواجه بالرضى والقبول؛ إذ العلماء ورثة الأنبياء، وهم مجال حفظ بيضة الإسلام، وهم المدافعون عن الدين عقائد وشرائع، وغير ذلك.
فالتردد في قبول كلام العلماء في هذه الحالة أمر خطير، فالدين ليس أمراً هيناً يقبل المرء ما فيه بالهوى والرأي المجرد، بل هو قواعد وأصول ينبغي أن تتلقى بالقبول.
فلا ننكر حينئذ قول الأئمة بأن معتقد قدم العالم كافر، أو نافي العلم التفصيلي عن الله تعالى كافر، أو أن منكر أبدية النار كافر، أو أن منكر حد الرجم كافر أو أن مثبت التحريف للقرآن زيادة أو نقصاً كافر، إلى غير ذلك مما هو مسطر لدى الأئمة الراسخين في ا لعلم.
ولا يصح للمسلم ولا لطالب العلم أن يصف مثل أقوال العلماء الكبار بأنه تضييق فكري، ووقوف على الموروث بجهل، وأنه حالة من الظلامية والدوغمائية أو غير ذلك من ألقاب يريد بها تخفيف المسائل القطعية في الدين وتوهينها؛ كأنما الدين ملكية خاصة له، ولا يعلم أن معرفة تلك القواعد هو أصل بناء الدين.
وجعل هذه المسألة باباً لوصف خصوم الدين بأنهم أعداء للنظر والاجتهاد!! كأن الاجتهاد شربة ماء يستطيع جاهلٌ أن يلجه دون رقيب أو حسيب .. وحسبنا الله ونعم الوكيل ..
أما القسم الثالث: الذي هو تطبيق الأحكام العملية فيمن كفر بعد الإيمان، فأمر لا يجوز الإقدام عليه من أحد بغير أن تكون له سلطة شرعية في ذلك، والذي له سلطة شرعية في العقوبات هو القاضي، وفي الأنكحة والمعاملات هو المفتي، فيسند الأمر إلى أهله ولا يتجاوز المسلم ما يقرروه في ذلك، على حسب ما هو مبين في ذلك في كتب الفقه وقواعده.
وفقكم الله تعالى



رد مع اقتباس