حجة في اللغة ( الإمام محمد بن الحسن رحمه الله)
في أكثر من مجلس في بيت سيدنا الشيخ سعيد حفظه الله تعالى، دار نقاش بيني وبين أخي الحبيب الشيخ الألمعي عماد الزبن -أطال الله عمره- كون الإمام محمد بن الحسن فقيه الدنيا رحمه الله تعالى حجة في اللغة.
وقد نقلت لأخي الحبيب قول ابن عابدين رحمه الله تعالى كون الإمام محمد بن الحسن حجة في اللغة، إلا أن الشيخ عماد أراد نقولاً غير ابن عابدين تزيد قناعته في ما نقلت.
وما زال هذا الموضوع في بالي، ولكثرة المشاغل تأخر إلى أن شاء الله تعالى.
ولا بدّ بداية من ذكر طرف من ثناء أهل العلم عليه في علمه وفقهه، وعلو كعبه وطول باعه في علوم الكتاب والسنة، وإذعانهم له بالإمامة والرفعة مما نقله الثقات في كتبهم:
قال فيه شيخه أبو يوسف قاضي الدنيا: إنه أعلم الناس. وقال مرة: إنه من أعلم الناس.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ما رأيت أعلم بكتاب الله تعالى من محمد، كأنه عليه نزل.
وقال أيضاً: لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلته لفصاحته
وقال: حملت عن محمد بن الحسن حمل بُختيّ (البعير العظيم ) كتباً، وما ناظرت أحداً إلا تغير وجهه ما خلا محمد بن الحسن.
وروى الصيمري بسنده عن الربيع بن سليمان المرادي تلميذ الشافعي قال: كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن وقد طلب منه كتبه لينسخها، فأخرها عنه فكتب إليه:
قل لمن لم تر عينُ من رآه مثلَه ** ومن كأنّ من رآه قد رأى مَن قبلهُ
العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله ** لعلّــــه يبـــــذلــــه لأهلـــه لـعلّهُ
قال: فأنفذ الكتب إليه من وقته هدية لا عارية كما في رواية المنتظم لابن الجوزي.
قال الإمام الكوثري رحمه الله تعالى بعد نقله هذا الخبر من طرق في بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني" ومن المعلوم أن الشافعي رأى مالكا ووكيع بن الجراح وابن عيينة، وقد اعترف في تلك الأبيات أنه لم ير مثل محمد بن الحسن، وعده يمثل علم أبي حنيفة الذي لم يدركه الشافعي، ولم يكن من الشعراء الذين يتزلفون بكل وسيلة، فمثل هذا الكلام لن يصدر عن مثله إلا وقلبه يواطىء لسانه" اه.
وروى الصيمري، وابن أبي العوام بسندهما عن حرملة قال: سمعت الشافعي يقول: ما سمعت أحداً قط كان إذا تكلم رأيت القرآن نزل بلغته غير محمد بن الحسن.
وروى الخطيب بسنده عن الربيع بن سليمان قال: وقف رجل على الشافعي فسأله عن مسألة فأجابه، فقال له الرجل: يا أبا عبدالله خالفك الفقهاء، فقال له الشافعي: وهل رأيت فقيها قط؟ اللهم إلا أن تكون رأيت محمد بن الحسن، فإنه كان يملأ العين والقلب، وما رأيت مبدناً قط أذكى من محمد بن الحسن.
وروى الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: ما رأيت أعقل ولا أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أحسن نطقاً وإيراداً من محمد بن الحسن.
وروى البيهقي بسنده في مناقب الشافعي عن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: ما رأت عيناي مثل محمد بن الحسن، ولم تلد النساء في زمانه مثله.
وقال ابن مفلح الحنبلي في الآداب الشرعية ما يلي: في "تاريخ عبدالله بن جعفر السرخسي" أبو محمد الفقيه، أخبرني محمد بن حامد، حدثنا عبدالله بن احمد، سمعت الربيع، سمعت الشافعي يقول: لو أن محمدا بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا عنه، لكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا فنفهمه.
وروى الخطيب بسنده في تاريخه عن الإمام المزني قال: سمعت الشافعي يقول: أمنّ الناس علي في الفقه محمد بن الحسن.
والشافعي رحمه الله تعالى - على إمامته وجلالته- مدين لمحمد بن الحسن بعلمه وحياته، فقد أمده بالعلم والمال، ونجاه من تهمة التشيع للعلويين، فكان سببا في ابقاء الرشيد عليه مع قتله من كان معه في خبر يطول ذكره، ساقه ابن عبد البر وغيره.
إمامته في اللغة:
في الأنساب للسمعاني: وروي عن احمد بن حنبل قال: إذا كان في المسألة قول ثلاثة لم تسع مخالفته فقلت من هم؟ قال: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، فأبو حنيفة أبصر الناس بالقياس، وأبو يوسف أبصر الناس بالآثار، ومحمد أبصر الناس بالعربية.
وقال القاضي أبو القاسم بن أبي العوام: سمعت أحمد بن محمد الطحاوي، يقول سمعت محمد بن شاذان، يقول سمعت الأخفش النحوي يقول: ما وضع شيء لشيء قط فوافق ذلك الشيء إلا كتاب محمد بن الحسن، فإنه وافق كلام الناس. يريد أنه موافق للعربية تمام الموافقة.
وقال الإمام أبو بكر الرازي في شرحه على الجامع الكبير للإمام محمد بن الحسن: كنت أقرأ بعض مسائل من الجامع الكبير على بعض المبرزين في النحو (يعني أبا علي الفارسي) فكان يتعجب من تغلغل واضع هذا الكتاب في النحو.
يتبع إن شاء الله.
وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!