بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد ..
فقد اطلعت على ورقات كتبها أو قل: سودها، أحد مدعي العلم والمعرفة في القضايا الإسلامي والفكر الإسلامي، تتعلق بمسألة عقوبة المرتد في الشريعة الإسلامية الغراء.
ونظراً لما قد حوت كتابته عن هذا الموضوع من الأغاليط واللغط، والدعاوى التي لا تستند إلى برهان ولا حجة واضحة، فقد استعنتُ الله تعالى في كتابة هذه الوريقات لبيان وجه الخطأ والزلل فيما نشره كاتب الموضوع، (ولنُعْلمَ من تجاوزَ حدَّه، في هذه المسألة، قَـدْرَهُ وحَدَّه) -ما بين القوسين من كلامه في مقاله-.
وقبل الدخول في تفاصيل المسألة والجواب عن شبهات المقال أحب أن أقدم مقدمة أشير فيها إلى بعض الواضحات، درءًا لنزعات أهل الجهل في الاعتراض على ما تحتويه المناقشات الجارية رداً وقبولاً للأفكار المتعلقة بالقضايا الدينية.
1- إن كتابة الردود على ما يكتبه الناس وينشرونه اليوم أمر غير منكر، خاصة في المسائل التي تتعلق بالشريعة الإسلامية، حيث إن الزاعمين لفهمها والكاتبين فيها في هذا الزمان أكثروا من الشذوذات، وابتعدوا عن الأصالة العلمية في البحث والنظر في القضايا الدينية، فالرد عليهم ليس تسويداً لصحف تكتب من أجل الرد، وإن كانت طائفة تقوم بهذا فعلاً، حيث يحلوا لها النقد من أجل النقد، فإذا لم يجدوا من ينتقدوا من معاصريهم المشابهين لهم، يتعدون لنقد الأئمة الماضين، هذا إن سلموا أن آراءهم ذات قيمة تستحق النقاش؛ فهم لا يرون إلا أنفسهم وحسب.
2- إن الحرية التي يتغنى بها الكثير من الشاذين الشاردين عن قواعد الشريعة وأصولها، وإن زعموا الانتماء إليها، بحجة عدم صحة احتكارها على بعض الناس دون بعض، ينبغي ألا تكون حكراً عليهم أيضاً، ذلك أن الكثير من الأفكار المطروحة يبنيها أصحابها على أصل حرية التعبير والاجتهاد، لكنهم يسلبون من يرد عليهم هذا الحق، ويتهموننا إن رددنا عليهم بأننا من الكلاسيكيين!! أو أصحاب الأفكار القديمة التي لا تصلح لزمان الثورة العالمية في الحياة التي ظهرت في القرن العشرين ميلادي، ونحن في القرن الحادي والعشرين!!
ولا أحسب هذا الاحتكار إلا لذر الرماد في عيون الناس أن تكشف عورات جهلهم بالشريعة الإسلامية، فيشتطون علينا في الدفاع عن فقه أئمتنا، رغم أن مبادئ الحرية التي يزعمونها ينبغي أن يقبولها منَّا أيضاً.
3- جرت عادة بعض العوام من المثقفين الذين نالوا قسطاً من العلوم الحديثة، وشيئاً أو نزرًا يسيرًا من العلوم الشرعية، أن يجعلوا صاحب الحق هو الذي أتقن فن الكتابة في التملق الخطابي، وأن الذي يكون أكثر أدباً في محاورة خصمه هو الجدير بالقبول، وأن يجعلوا بياننا لحقيقة الخصوم المعرفية، بوصفها الحقيقي دون مجاملة، دليلاً على عدم عمق معرفتنا بالقضايا الشرعية، في وقت انتشر فيه سلطان بعض الطوائف الإسلامية (وأقصد هنا الطائفة الوهابية التي تدعي الانتماء للسلف!) فاشتطت في وصف خصومها بأقبح الصفات، فيكون كل من وصف خصمه بصفة هي قبيحة، مدعاة لإلحاقه بهذه الطائفة أو تلك، التي تجاوزت الأوصاف إلى قلة الأدب والسقوط الأخلاقي في استخدام الألفاظ (1).
ولا بد لي من التذكير بأن وصف أحد طرفي النزاع للآخر بجهله لعلم من العلوم أو فن من الفنون أو قاعدة من القواعد العلمية، ليس معيباً إن صاحبته الحجة والدليل، فإن تكاثرت الجهالات فوصفه بما أعلى منها من اتباع الهوى والضلال بناءا على قواعد العلم والجدل، ليس فيه أي غضاضة. ويبقى واجب الخصم إقامة الدليل على خطأ خصمه. وإنما المعيب الوصف والقدح بألفاظ بذيئة كـ(الحمار، والكلب، والعميل، والصهيوني، والأحمق، والغبي .. )، أو الاستهزاء والسخرية منه ، مع الاعتذار للقارئ لذكري هذه الألفاظ هنا (2).
فما نحن فيه أمرٌ ديني، لا تصح فيه المهادنة، (إن هذا الأمر دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم) ونحن لسنا في خطاب لعوامِ الناس في قضايا أخلاقية، بل في باب الدفاع عن الحقائق الدينية، فبيان حقائق هؤلاء ليس فيه أي عيب، وإن كنت أيها القارئ الكريم في حرج من ذلك فتذكر ما وصف الله تعالى به اليهود والنصارى من أوصاف، لتعرف أن استخدامها ليس معيباً، مع فارق المشبه بهم في حالتي هذه!!
نعم أنا أقر وأؤمن قطعاً بأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، لكني أراه مقيدًا بالخطاب الموجه إلى المتأدبين من الناس، أو من ساءت أخلاقهم، دون أهل الضلال والبدع والأهواء، الذين تزعموا اليوم أبواب المنابر الإعلامية، فيضِّلون الناس، ولا ترجى توبتهم الفكرية عادةً، لما استقر في قلوبهم من الهوى، وإلا فإني كنت قد ألزمتُ الكاتب عدَّةَ مرات ما يبطل رأيه في بعض المسائل، فكان يقبل ما هو سهل من المسائل، ويصرُّ ولا يجيب عما هو من المسائل الخطيرة، بسوى أن هذا رأيه وهذا فهمه! دون إجابة علمية منهجية، كما يدعي هو!
وإن كان ما أفعله هنا عيباً في نظرك أيها القارئ، فلا أقل من أن تلتمس لي عذراً على حسب قواعد إنكارك على الخصوم، فلستُ بأقلَّ ممن تحاول أن تعتذر عن أخطائهم بما يمكنك. اللهم إلا إذا غلب الهوى على منكر ما أقول، فلا تنفع معه الحيلة حينئذ ولو خاطبته بأعلى خطاب التعظيم، وتأدبت بأقصى غايات الأدب (3)!!
4- إنني لا أزعم لنفسي مكانة علمية، ولا أدعي لنفسي علماً لا أعرفه، فإن أحسن حالي أن أكون طالب علم، لكن لا يستلزم هذا أن لا تقبلَ حجتي في مناقشة من أناقش، إن كنتُ بينت خطأه، ولا تجعل ميزان الحق أن يكون المرء مشهوراً أم لا؟ أو منتمياً إلى تلك الجماعة أو لا؟ فبحثي هذا لا أرجو منه سوى أن أحجز أخطاء هذا الكاتب ومن سار هو على خطاهم، ومن يحاول أن يجعلهم يسيرون على خطاه، وأنهم جمعياً ليسوا على الطريق، ولا أبتغي بذلك سوى وجه الله تعالى، سائلاً إياه الإخلاص، ومتوسلاً بجاه نبيه الكريم أن يتقبله، رغم ضعفي وعجزي، وهو بالإجابة جدير.
ثم إني لا أطلب منك أن تقبل ما أقوله، لأني قلته، فإني أدعي وحجتي ستراها واضحة وجلية- أني أدافع وأسير وأتبع أئمة المسلمين وفقهائهم وعلمائهم، الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الوقت الذي يعترف فيه من أناقشه بأنه يبحث عن الدليل ولا يتبع أياً من العلماء السابقين وأئمة الهدى والدين، فإن تبين لك صدق دعواي في دفاعي عن أئمة المسلمين، فأنت متبع لهم لا متبع لي، ومن أنا حتى أطلب من الناس أن يتبعوني!
*****
وللكلام بقية ...الهوامش:
1- وإن شئت النظر في أمثلة لهذا النوع من القبح والسقوط الأخلاقي في استخدامها للألفاظ عند مجادلة خصومهم، فاقرأ ما كتبه المدعو بأبي يعرب المرزوقي في مناقشاته مع خصومه، ومدى استخدامه للألفاظ التي جمعها من أرباب الفسق، وانظر إلى مثلها وإن كانت أقل درجة- ما استخدمه صلاح سلطان ومن قبله طه جابر العلواني، فترى عجبًا، إذ ينكرون على الوهابية هذه الطريقة ولا يتحاشون عن استخدامها عند فراغ جعبتهم من الشبهات التي يحسبونها دليلاً. ومن أناقشه في هذه المقالة من هذا النوع للأسف، واقرأ إن شئت ما كتبه في منتدى الأصلين من ألفاظ ساقطة جارحة، بعد أن فضح أمره!!
2- كما فعل عائض القرني في مقال كتبه في جريدة الشرق الأوسط يستهزئ بأئمة المسلمين ويسخر منهم أقبح سخرية، يمكن أن يقولها ممثل كوميدي ليس عنده أخلاق ولا دين!!
3 - وانظر مثال ذلك في كلام المدافعين عن الشيخ القرضاوي عندما كتب شيخي الأستاذ مصطفى الطرابلسي نقده لمنهج الشيخ القرضاوي، فلم يخاطبه إلا بأحسن الخطاب، فما كان منه ومنهم إلا أن زادوا إصراراً، وصاروا يبحثون في تاريخ هذا الشيخ: أله شهادة دكتواره أم لا؟ أله كتابات سابقة أم لا؟ أينتمي إلى الإخوان المسلمين أم موقفه السياسي مخالف؟ .. دون أن ينبسوا ببنت شفة في الجواب عن الحقائق الواضحة فيما كتبه!! نسأل الله السلامة من الهوى، الذي يعمي ويصم.
تعليق