الجوهرة الخامسة والسبعون
{ لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }
قال الرازى:
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } قولين أحدهما: أن قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } كلام تام، وقوله { مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } كلام مستأنف لبيان قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } كما وقع قوله{ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } [آل عمران: 110] بياناً لقوله{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } [آل عمران: 110] والمعنى أن أهل الكتاب الذين سبق ذكرهم ليسوا سواء، وهو تقرير لما تقدم من قوله { مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } ، ثم ابتدأ فقال: { مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } وعلى هذا القول احتمالان أحدهما: أنه لما قال: { مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } كان تمام الكلام أن يقال: ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر وتحقيقه أن الضدين يعلمان معاً، فذكر أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما، فلا جرم يحسن إهمال الضد الآخر. قال أبو ذؤيب:
دعاني إليها القلب إني لامرؤ مطيع فلا أدري أرشد طلابها
أراد أم غي فاكتفى بذكر الرشد عن ذكر الغي، وهذا قول الفراء وابن الأنباري، وقال الزجاج: لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة، لأن ذكر الأمة المذمومة قد جرى فيما قبل هذه الآيات فلا حاجة إلى إضمارها مرة أخرى، لأنا قد ذكرنا أنه لما كان العلم بالضدين معاً كان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر، وهذا كما يقال زيد وعبد الله لا يستويان زيد عاقل ديّن زكي، فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك، فكذا ههنا لما تقدم قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } أغنى ذلك عن الإضمار. والقول الثاني: أن قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } كلام غير تام ولا يجوز الوقف عنده، بل هو متعلق بما بعده، والتقدير: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وأمة مذمومة، فأمة رفع بليس وإنما قيل { لَّيْسُواْ } على مذهب من يقول: أكلوني البراغيث، وعلى هذا التقدير لا بد من إضمار الأمة المذمومة وهو اختيار أبي عبيدة إلا أن أكثر النحويين أنكروا هذا القول لاتفاق الأكثرين على أن قوله أكلوني البراغيث وأمثالها لغة ركيكة، والله أعلم. المسألة الثانية: يقال فلان وفلان سواء، أي متساويان وقوم سواء، لأنه مصدر لا يثنى ولا يجمع ومضى الكلام في { سَوَآء } في أول سورة البقرة.....
وقال السمين:
قوله تعالى: { لَيْسُواْ سَوَآءً }: الظاهرُ في هذه الآية أن الوقف على " سواء " تامٌ، فإنَّ الواوَ اسمُ " ليس " ، و " سواءً " خبر، والواو تعودُ على أهل الكتاب المتقدِّم ذكرُهم، والمعنى: أنهم منقسمون إلى مؤمن وكافر لقولِهِ:{ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } [آل عمران: 110] فانتفى استواؤُهم. و " سواء " في الأصلِ مصدرٌ فلذلك وُحِّد، وقد تقدَّم تحقيقُه أولَ البقرة.
وقال أبو عبيدة: " الواو في " ليسوا " علامةٌ جمعٍ وليست ضميراً، واسمُ " ليس " على هذا " أمةٌ " و " قائمةٌ " صفتها، وكذا " يَتْلُون " ، وهذا على لغة " أكلوني البراغيث " كقوله الآخر:
1389ـ يَلُومونني في اشتراءِ النخيــ ـــلِ أَهْلي فكلُّهمُ أَلْوَمُ
قالوا: " وهي لغةٌ ضعيفةٌ ". ونازع السهيلي النحويين في كونها ضعيفةً، ونَسبَها بعضُهم لأزدِ شنوءة، وكثيراً ما جاء عليها الحديث، وفي القرآنِ مثلُها، وسيأتي تحقيقُ هذا في المائدة بزيادةِ بيان.
قال ابن عطية: " وما قاله أبو عبيدةَ خطأٌ مردودٌ، ولم يُبَيِّن وجهَ الخطأ، وكأنه تَوَهَّم أنَّ اسم " ليس " هو " أمة قائمة " فقط، وأنه لا محذوف ثمَّ، إذ ليس الغرضُ تفاوتَ الأمةِ القائمة التالية، فإذا قُدِّر ثَمَّ محذوفٌ لم يكن قول أبي عبيدة خطأ مردوداً، إلا أن بعضهم رَدَّ قوله بأنها لغة ضعيفة، وقد تقدم ما فيها والتقدير الذي يَصِحُّ به المعنى، أي: ليس سواءً من أهل الكتاب أمةٌ قائمةٌ موصوفةٌ بما ذُكِر وأمةٌ كافرة، فهذا تقديرٌ يَصِحُّ به المعنى الذي نحا إليه أبو عبيدة.
وقال االفراء: " إنَّ الوقف لا يَتِمُّ على " سواء " ، فجعل الواوَ اسمَ " ليس " و " سواءً " خبرها، كما قال الجمهور، و " أمة " مرتفعة بـ " سواء " ارتفاعَ الفاعل، أي: ليس أهلُ الكتاب مستوياً منهم أمةٌ قائمةٌ موصوفةٌ بما ذُكِر وأمةٌ كافرة، فَحُذِفَتِ الجملةُ المعادِلة لدلالةِ القسمِ الأولِ عليها كقولِ الشاعر:
1390ـ دعاني إليها القلبُ إني لأَِمْرِها سميعٌ فما أَدْري أَرُشْدٌ طِلابُها
أي: أم غَيٌّ، فَحُذِف " الغَيّ " لدلالةِ ضدِّه عليه، ومثلُه قولُ الآخر:
1391ـ أراكَ فما أَدْرِي أَهَمٌّ هَمَمْتَه وذو الهَمِّ قِدْماً خاشِعٌ مُتَضائِلُ
أي: أَهَمٌّ هممته أم غيرُه، فَحُذِفَ للدلالةِ، وهو كثيرٌ، قال الفراء: " لأنَّ المساواة تقتضي شيئين كقولِهِ{ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ } [الحج: 25]، وقوله{ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ } [الجاثية: 21]. وقد ضُعِّف قولُ الفراء من حيث الحذفُ ومن حيث وَضْعُ الظاهرِ موضِعَ المضمر، إذ الأصل: منهم أمةٌ قائمة، فَوُضِعَ " أهلِ الكتابِ " موضعَ الضمير.
والوجه أن يكونَ " ليسوا سواءً " جملةً تامة، وقولُه: { مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ } جملةٌ برأسها، وقولُه: { يَتْلُونَ } جملةً أخرى مبيِّنَةً لعدم استوائِهم، كما جاءَتِ الجملةُ مِنْ قولِه:{ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } [آل عمران: 110] إلخ مبيِّنَةً للخيرية. ويجوزُ أن يكونَ " يتلون " في محلِّ رفعٍ صفةً لأمة.
ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من " أمة " لتخصُّصِها بالنعتِ، وأن يكونَ حالاً من الضميرِ في " قائمة " ، وعلى كونِها حالاً من " أمة " يكونُ العامل فيها الاستقرارَ الذي تَضَمَّنه الجارُّ، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الضمير المستكنِّ في هذا الجارِّ لوقوعهِ خبراً لأمة......
{ لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }
قال الرازى:
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } قولين أحدهما: أن قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } كلام تام، وقوله { مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } كلام مستأنف لبيان قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } كما وقع قوله{ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } [آل عمران: 110] بياناً لقوله{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } [آل عمران: 110] والمعنى أن أهل الكتاب الذين سبق ذكرهم ليسوا سواء، وهو تقرير لما تقدم من قوله { مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } ، ثم ابتدأ فقال: { مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } وعلى هذا القول احتمالان أحدهما: أنه لما قال: { مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } كان تمام الكلام أن يقال: ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر وتحقيقه أن الضدين يعلمان معاً، فذكر أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما، فلا جرم يحسن إهمال الضد الآخر. قال أبو ذؤيب:
دعاني إليها القلب إني لامرؤ مطيع فلا أدري أرشد طلابها
أراد أم غي فاكتفى بذكر الرشد عن ذكر الغي، وهذا قول الفراء وابن الأنباري، وقال الزجاج: لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة، لأن ذكر الأمة المذمومة قد جرى فيما قبل هذه الآيات فلا حاجة إلى إضمارها مرة أخرى، لأنا قد ذكرنا أنه لما كان العلم بالضدين معاً كان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر، وهذا كما يقال زيد وعبد الله لا يستويان زيد عاقل ديّن زكي، فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك، فكذا ههنا لما تقدم قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } أغنى ذلك عن الإضمار. والقول الثاني: أن قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } كلام غير تام ولا يجوز الوقف عنده، بل هو متعلق بما بعده، والتقدير: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وأمة مذمومة، فأمة رفع بليس وإنما قيل { لَّيْسُواْ } على مذهب من يقول: أكلوني البراغيث، وعلى هذا التقدير لا بد من إضمار الأمة المذمومة وهو اختيار أبي عبيدة إلا أن أكثر النحويين أنكروا هذا القول لاتفاق الأكثرين على أن قوله أكلوني البراغيث وأمثالها لغة ركيكة، والله أعلم. المسألة الثانية: يقال فلان وفلان سواء، أي متساويان وقوم سواء، لأنه مصدر لا يثنى ولا يجمع ومضى الكلام في { سَوَآء } في أول سورة البقرة.....
وقال السمين:
قوله تعالى: { لَيْسُواْ سَوَآءً }: الظاهرُ في هذه الآية أن الوقف على " سواء " تامٌ، فإنَّ الواوَ اسمُ " ليس " ، و " سواءً " خبر، والواو تعودُ على أهل الكتاب المتقدِّم ذكرُهم، والمعنى: أنهم منقسمون إلى مؤمن وكافر لقولِهِ:{ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } [آل عمران: 110] فانتفى استواؤُهم. و " سواء " في الأصلِ مصدرٌ فلذلك وُحِّد، وقد تقدَّم تحقيقُه أولَ البقرة.
وقال أبو عبيدة: " الواو في " ليسوا " علامةٌ جمعٍ وليست ضميراً، واسمُ " ليس " على هذا " أمةٌ " و " قائمةٌ " صفتها، وكذا " يَتْلُون " ، وهذا على لغة " أكلوني البراغيث " كقوله الآخر:
1389ـ يَلُومونني في اشتراءِ النخيــ ـــلِ أَهْلي فكلُّهمُ أَلْوَمُ
قالوا: " وهي لغةٌ ضعيفةٌ ". ونازع السهيلي النحويين في كونها ضعيفةً، ونَسبَها بعضُهم لأزدِ شنوءة، وكثيراً ما جاء عليها الحديث، وفي القرآنِ مثلُها، وسيأتي تحقيقُ هذا في المائدة بزيادةِ بيان.
قال ابن عطية: " وما قاله أبو عبيدةَ خطأٌ مردودٌ، ولم يُبَيِّن وجهَ الخطأ، وكأنه تَوَهَّم أنَّ اسم " ليس " هو " أمة قائمة " فقط، وأنه لا محذوف ثمَّ، إذ ليس الغرضُ تفاوتَ الأمةِ القائمة التالية، فإذا قُدِّر ثَمَّ محذوفٌ لم يكن قول أبي عبيدة خطأ مردوداً، إلا أن بعضهم رَدَّ قوله بأنها لغة ضعيفة، وقد تقدم ما فيها والتقدير الذي يَصِحُّ به المعنى، أي: ليس سواءً من أهل الكتاب أمةٌ قائمةٌ موصوفةٌ بما ذُكِر وأمةٌ كافرة، فهذا تقديرٌ يَصِحُّ به المعنى الذي نحا إليه أبو عبيدة.
وقال االفراء: " إنَّ الوقف لا يَتِمُّ على " سواء " ، فجعل الواوَ اسمَ " ليس " و " سواءً " خبرها، كما قال الجمهور، و " أمة " مرتفعة بـ " سواء " ارتفاعَ الفاعل، أي: ليس أهلُ الكتاب مستوياً منهم أمةٌ قائمةٌ موصوفةٌ بما ذُكِر وأمةٌ كافرة، فَحُذِفَتِ الجملةُ المعادِلة لدلالةِ القسمِ الأولِ عليها كقولِ الشاعر:
1390ـ دعاني إليها القلبُ إني لأَِمْرِها سميعٌ فما أَدْري أَرُشْدٌ طِلابُها
أي: أم غَيٌّ، فَحُذِف " الغَيّ " لدلالةِ ضدِّه عليه، ومثلُه قولُ الآخر:
1391ـ أراكَ فما أَدْرِي أَهَمٌّ هَمَمْتَه وذو الهَمِّ قِدْماً خاشِعٌ مُتَضائِلُ
أي: أَهَمٌّ هممته أم غيرُه، فَحُذِفَ للدلالةِ، وهو كثيرٌ، قال الفراء: " لأنَّ المساواة تقتضي شيئين كقولِهِ{ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ } [الحج: 25]، وقوله{ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ } [الجاثية: 21]. وقد ضُعِّف قولُ الفراء من حيث الحذفُ ومن حيث وَضْعُ الظاهرِ موضِعَ المضمر، إذ الأصل: منهم أمةٌ قائمة، فَوُضِعَ " أهلِ الكتابِ " موضعَ الضمير.
والوجه أن يكونَ " ليسوا سواءً " جملةً تامة، وقولُه: { مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ } جملةٌ برأسها، وقولُه: { يَتْلُونَ } جملةً أخرى مبيِّنَةً لعدم استوائِهم، كما جاءَتِ الجملةُ مِنْ قولِه:{ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } [آل عمران: 110] إلخ مبيِّنَةً للخيرية. ويجوزُ أن يكونَ " يتلون " في محلِّ رفعٍ صفةً لأمة.
ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من " أمة " لتخصُّصِها بالنعتِ، وأن يكونَ حالاً من الضميرِ في " قائمة " ، وعلى كونِها حالاً من " أمة " يكونُ العامل فيها الاستقرارَ الذي تَضَمَّنه الجارُّ، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الضمير المستكنِّ في هذا الجارِّ لوقوعهِ خبراً لأمة......
تعليق