حجية الإجماع مرة أخرى .. نقاش مع صلاح سلطان

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال علي الجهاني
    خادم أهل العلم
    • Jun 2003
    • 4022

    #1

    حجية الإجماع مرة أخرى .. نقاش مع صلاح سلطان

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد ..

    فقد أجرى موقع إسلام أون لاين لقاءا مع صلاح سلطان، ينكر فيه حجية الإجماع، ويعتبره نظرية لا علاقة لها بالواقع الفقهي.

    وهو في هذا لم يكن متفرداً برأي، فإن هذا الرأي قد ظهر في الزمان الأخير، على أيدي دعاة تجديد الفقه وأصوله، مع أن أصحاب هذه الدعوى عارون عن الفقه وأصوله، ولم يعلموا منه سوى نتفٍ التقطوها إبان طلبهم للعلم على طريق ليس فيه سداد؛ إذ منذ متى يتخرج العلماء من أروقة الجامعات العصرية؟ ومنذ متى تفرز لنا هذه الجامعات باحثين يستطيعون أن يقدموا لنا المفيد من العلم!!

    وقد أشار صلاح سلطان إلى أنه قد كتب بحثاً مطولاً في هذه المسألة، ولكني لم أطلع عليه، وقد لخص بحثه في مجموعة الأجوبة في هذا اللقاء، فأحببت أن أسلط عليها بعض الضوء؛ لأبين ما فيها من خلل وزلل، في المنهج والفكر. وبداية فإني لن أتعرض إلى العنوان الصحفي الذي حرره المشرف في إسلام أون لاين، إذ لا قيمة له سوى الإثارة الإعلامية، وإن كنتُ أجزمُ بأن صلاح سلطان لا يمانع من اختيار العنوان، بل يفرح به ويطرب.

    قال صلاح سلطان جواباً مجيباً عن هذا السؤال:

    * في البداية، هل كنت تتوقع وأنت تكتب في حجية الإجماع وتسبح ضد التيار أن يتقبل العلماء هذه الدراسة النقدية، خاصة أنك قدمتها في رسالة علمية (الدكتوراة) ومعروف أثناء مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراة أنها تناقش الباحث مناقشة عنيفة خاصة فيما يتبناه من آراء مخالفة للاجتهادات السائدة؟

    - الأصل ألا ينظر الباحث إلى مدى قبول العلماء أو رفضهم أثناء مناقشة القضية العلمية، وإنما ينظر إلى ما تؤدي إليه الأدلة التي أمامه، فليس من الموضوعية أن أحرص على تقديم ما يقبله الناس، فنحن لا نقدم ما يطلبه المستمعون، علماء كانوا أو غير علماء، وإنما نقدم ما يصلح المستمعين مما تقتضيه نصوص الكتاب والسنة، بمعنى آخر، لا يجوز أن ندخل إلى أية قضية بمقررات سابقة، فنلوي أعناق النصوص لكي نؤكدها.
    وعندنا مقررات كثيرة، تناقلها كثير من العلماء على مر العصور دون تمحيص، ومن هنا دخلت إلى قضية الإجماع دون مقرر سابق، ودون الاعتماد على ما قرره العلماء السابقون حول الإجماع من الأمور التي لم يدل عليها نصوص قطعية من الكتاب والسنة.


    أقول: نعم مقتضى الموضوعية أن يحرص الباحث على تقديم النتائج التي دلته عليها الأدلة والحجج، إلا أنه من مقتضى الموضوعية بل من شروطها ألا يقدم المرء على بحث دون أن تكون له الآلة التي بها يستطيع الولوج فيما يبحث فيه، ويشير العلماء في ذلك إلى العلوم التي تسمى بعلوم الآلة، لأنها تستخدم آلة إلى غيرها. ولا يتنافى هذا مع مبدأ الموضوعية رغم أن المرء يعتمد فيه على مقررات في علوم أخرى، كعلوم اللغة من أدب ونحو وبلاغة وغيرها من العلوم والمعارف.
    ومن ذلك معرفة آراء أهل العلم في المسائل المبحوث فيها، والنظر إليها لا بعين الازدراء، فإنهم باحثون عن الحق أيضاً، وما قدموه هو نتائج بحثهم، فأن ينسب نفسه إلى الموضوعية في البحث، والعلماء الذين سبقوه ممن يخالفهم هو إن صح تقدير أنه أهل لهذه المخالفة وذلك ما أخالفه وأخالف أنصاره فيه- إلى التقليد وعدم التمحيص، دون أن يقدم أي دليل على ذلك سوى أنهم وافقوا على ما ذهب إليه من قبلهم من الأئمة والعلماء!!
    فهل إذا أداه بحثه إلى حجية الإجماع وثبوتها نعتبره مقلداً وغير ممحص للمسألة؟ في الوقت الذي نعتبره فيه إذا كان مخالفاً باحثاً موضوعياً، ولا نعطي هذا القدر من الاحترام والتقدير إلى السابقين!!
    يمكنني أن أعتبر أن هذا الكلام أول دليل على فقدان صلاح سلطان للموضوعية التي يدعيها، وأنه بذلك يدلل على عصبية مقيتة، لأنها عصبية ناتجة عن تناقض، بعكس العصبية التي يذمها أصحاب هذه النحلة التي تدعي التجديد على مقلدي الفقهاء وأتباعهم.

    ثم قوله: (فنحن لا نقدم ما يطلبه المستمعون، علماء كانوا أو غير علماء، وإنما نقدم ما يصلح المستمعين مما تقتضيه نصوص الكتاب والسنة) إنما يدلل على نوع من التهريج وعدم الموضوعية، فإن هذا الأسلوب الشعري الذي يحرك العواطف كما يحركها كلام المغنين الذين يثيرون عواطف مستمعين بحق وبباطل يدلل أيضاً وبصراحة شديدة على عدم الموضوعية، ويشير إلى قدر من السخرية في نفس هذا الباحث الذي يريد أن يظهر نفسه منصفاً موضوعياً-.

    [أقول على الهامش: إنني قد التقيت هذا الرجل قبل سنوات في محاضرة ألقاها بجمعية التوحيد بمدينة روتردام بهولندا، عن مقاصد الشريعة، قدم فيها عرضاً بأهمية المقاصد وعلم الخلاف أساء فيها أيما إساءة للعلم، حتى إنه قد ذكر من أسماء الكتب التي بحثت فقه الخلاف بين الأمة: الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري، فعلمتُ قدره في العلم! فسألته إن كان يعلم أن هذه الكتب من كتب الخلاف الفقهي فأجاب بالإيجاب، فبينت له أن بعض الكتب التي ذكرها لا علاقة لها بالمقاصد وأن حشرها بهذا الشكل استعانة بالسراب، فوعد بالمراجعة والتأكد!! ثم إنه في أثناء كلامه عن مسألة مهمة في بناء التصور العام للشريعة الإسلامية (مقاصد الشريعة) صار يحدث الحضور عن برنامج البور بوينت ويقول بكل جرأة: إن فقدان المسلمين للسيستم والبوربوينت هو أحد العيوب التي ينبغي اجتنابها!!، فتأمل!!]

    ثم قال:
    وأنا أريد هنا أن أحكي سرا، فقد قرأت عن الإجماع ستة أشهر، ظللت أتنقل فيها بين كتب الأصول، فتبين لي أن فكرة الإجماع فكرة تجريدية أكثر منها عملية واقعية، فأردت أن أعرض هذا الأمر على أستاذي محمد البلتاجي حسن، وقد كان عالما ثريا في علمه إلا أنه كان عنيفا، وقد كنت أوصله من الجامعة إلى محطة مصر أحيانا، وفي الطريق نتناقش في بعض القضايا العلمية، وفي هذه المرة التي قررت أن أخبره فيها عما بدا لي حول الإجماع، أضمرت في نفسي ألا أخبره إلا بعد أن نصل إلى المحطة بالفعل، حتى لا يصيبني من عنفه إلا شتمة أو شتمتين قبل مجيء القطار!!

    وبالفعل انتظرت حتى وصلنا إلى محطة مصر، وأخبرته أنني أقرأ حول الإجماع منذ ستة أشهر، وتبين لي أن نظرية الإجماع كلها تحتاج إلى إعادة صياغة على مستوى الفكرة والشروط وغير ذلك، وأن جميع ما كتب حولها لا يعدو أن يكون نظرية تجريدية لا علاقة لها بالواقع العملي الذي قدمه الصحابة رضوان الله عليهم!!

    كنت أقول هذا وأنا أنتظر أن يلتفت إلي بعنفه المعهود، فإذا به يستدير إلي بعنف قائلا: "ولد أنت هييجي منك" ثم قال: إن هذا هو ما أومن به منذ 30 عاما، لكني أخشى من التصريح بهذا أو الكتابة عنه خشية من ضيقي الأفق، فاكتب وأنا سأدافع عنك إذا أثبت وجهة نظرك!

    ذهبت وأنا أشعر كأني ولدت من جديد؛ لأنني كنت بين أمرين: إن طلب مني أن أكتب عن الإجماع كما يكتب العلماء فكنت سأصرف النظر عن الكتابة في الموضوع، مضحيا بسنة من الدراسة، وأنتظر أن أكون حرا فأكتب ما أقتنع به.

    لكن الدكتور البلتاجي رفع عني هذا الحرج، فأخذت أتجول بين كتب الأصول وأتبحر فيها، فخرجت برؤية، قد أكون مخطئا فيها، لكنني أحسب إن شاء الله أنها أقرب إلى الصواب.

    وعندما انتهيت من الرسالة أعددت بحثا آخر عن الغلو في حجية الإجماع وألقيته في إحدى الجامعات العربية في لقاء علمي للأساتذة فقط، فقال أحد الأساتذة: إن هذا انقلاب في علم الأصول، قلت: لعله محاولة "انعدال". وقد ظللت أكثر من 10 سنين مترددا في نشر البحث على عامة الناس، لكنني بعد الاستخارة والاستشارة قررت نشره أملا أن يكون إضافة إلى علم الأصول في تضييق الفجوة بين الحقيقة والتنظير.


    أقول: كل هذا الكلام لا علاقة له بالموضوع، وإنما هو كلام يريد به أن يجلب الشفقة من القارئ، كأننا نتحدث عن مسألة سياسية يتم اضطهاده فيها إن أبدى رأيه أو انتقد خصمه!! ولا أدري أي استخفاف بعقل القارئ لهذا الكلام يطرحه صلاح سلطان؟! ألا يعلم أن جمهرة من الذين يشتهرون في مصر بالعلم يصرحون بهذا ويكتبونه في كتبهم؟!
    ثم ألا يدلل ذلك على عدم الموضوعية في البحث، فإن الذي يصل إلى نتيجة علمية مبنية على الدليل والبرهان، ويخفيها لفترة عن الجمهور، يجب عليه أن يظهرها، ذلك هو تقدير العلم و مكانته؟ دون النظر في المصالح الشخصية التي قد يخسرها إن جهر برأيه!! والجميع يعلم أن المسائل الشرعية لا يؤدب على مخالفتها سلطان الزمان، بله أن تكون مسألة لا يعرفها سوى المتخصصون ودارسي الأصول!! فأي عقوبة سيجدها من تصريحه برأيه.

    وقل مثل هذا عن الدكتور البلتاجي، الذي يمدحه صلاح سلطان بما ليس فيه، وهو قد توفي أسأل الله له الرحمة، لكني بواجب النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين أقول: إن د. البلتاجي ليس بتلك المكانة التي يصفه بها، ولا في عشرها، فقد كنت طالباً لديه مدة عام عندما كنت أحضر الماجستير في كلية دار العلوم بالقاهرة، ولم أجد منه إلا الاستهزاء بالأئمة، فقد سمعته بنفسي يجعل رتبة أساتذته مثل رتبة الأئمة الأربعة، بل يقول لنا: إنه ينبغي علينا ألا نغتر بهم هذا الاغترار، ويعتبر أن الأمة الإسلامية اليوم ملئية بآلاف المجتهدين في الفقه!! وكانت المادة التي يدرسها لنا هي أصول الفقه، ولم يعط فيها سوى درسين عن أصول الفقه، وباقي الدروس طوال العام جانبية هامشية لا تمت إلى الفقه وأصوله بأي صلة! وقد طلبَ منا في تلك السنة أن يقدم كل طالب بحثاً عن منهج أي فقيهة في التاريخ الإسلامي، وذلك أنه قد اشترك في مسابقة جائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية في موضوع المرأة في الإسلام!! فأشغل الطلاب طوال مدة الدراسة ببحوث مؤداها مسألة شخصية! فإن كانت دروسه في تلك الأيام تشابه الدروس التي حضرتها بنفسي (سنة 1995-1996) فيمكن أن يكون حصيلتها مثل صلاح سلطان في انحرافه عن الجادة والصواب، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

    وأريد تذكيرك أخي القاري بهذه البدعة الجديدة، التي نسمعها في هذه السنوات أن الشيوخ المشهورين بين الناس بالمشيخة!! يكتمون آراءا لهم منذ ثلاثين أو أربعين سنة!! فيقول أحدهم القرضاوي- إنه بقي ثلاثين سنة يخفي ميله إلى إنكار حد الرجم ومسائل فقهية لا يعلم لها مخالف!! وذلك يخفي ثلاثين سنة كلامه في الربا، وآخر يخفي عقوداً من الزمان رأيه في نكاح المتعة وإتيان المرأة في الدبر!! في الوقت الذي يبقى فيه إمامنا مالكاً ثلاثين سنة لا يصل إلى اجتهاد في مسألة ورعاً أن يقول في دين الله برأيه!!

    ثم قال صلاح سلطان مبيناً رأيه في الإجماع وتعريفه:
    -الإجماع حسب تعريف الأصوليين: "اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور بعد وفاته على حكم شرعي".

    معنى ذلك أنه لابد من حدوث اتفاق بين جميع المجتهدين، وإذا لم يحدث اتفاق بأن خالف ولو واحد منهم فلا يتحقق الإجماع. كما أنَّ الأمر مقصور على المجتهدين فلا دخل لغيرهم.

    كما نلاحظ أن الإجماع بهذا المفهوم لا يتحقق إلا بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم)، كما أن النطاق الذي يعمل فيه الإجماع هو الأمور الشرعية العملية دون العقائد والأخلاق.


    أقول: بحسب التعريف الذي اختاره فإن الأخلاق تدخل تحت الأحكام الشرعية، ذلك أنها ليست بمعزل عن التحسين والتقبيح الشرعيين.

    ثم قال:
    كما أنه لا يشترط تتابع العصور على الإجماع، بل يحدث الإجماع بمجرد اتفاق المجتهدين في أي عصر من العصور بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم).

    ومن الأشياء التي لاحظتها على تعريف الأصولين للإجماع:

    - أنه لم يحدث إجماع على تعريف الإجماع، بل لم يحصل اتفاق على أهم أركانه، مثل اشتراط دخول العوام في الإجماع أم المجتهدين فقط؟ وهل ينبغي تحقق الإجماع في كل العصور على أمر معين أم يكفي الاتفاق في عصر من العصور؟ وهل هو حجة في كل الأمور أم في الجوانب الدينية عامة أم الشرعية خاصة؟
    أقول: هذه الملاحظة لا قيمة لها، وإنما جاءت هذه الملاحظة من هذا الرجل لبعده عن فهم العقليات وتراكيب الأدلة، فإن إثبات الإجماع بالإجماع نوع من الدور، إذ كون الإجماع يثبت بالإجماع، يعني أن الإجماع يثبت نفسه بنفسه!! وهذا غير ممكن. أما لو قلنا: إن الأمة قد اتفقت على حجية الإجماع بسبب دلالة آيات قرآنية وأحاديث شريفة سنية على حجية هذا الأصل، فليس في هذا مطعن!!

    ثم إن تطلبه لوجود إجماع على الحجية يخرجه عن الموضوعية التي زعمها من قبل! فإن مقتضى هذه الموضوعية ألا ينظر إلا إلى حجج الآخرين، دون أن ينظر إلى آرائهم هم!! فليست الحجة في آرائهم بل في أدلتهم إن صحت، كما تراه واضحاً في كلامه!!

    ثم إن اختلاف مثبتي الإجماع في بعض المسائل الفرعية المتعلقة بهذا الأصل لا يبطل حجية الدليل، فإنه إن كان ينكر حجية الإجماع بسبب أنه لا إجماع على هذه المسائل، فهل يحق له أن يستدل بالخلاف في هذه المسائل على عدم حجيتها؟ ومتى كان الخلاف حجة في الإثبات والنفي هكذا بإطلاق؟!!

    أظنه جاء الوقت لكي يراجع هذا الباحث معنى الموضوعية وشروطها وتفاصيلها، ولعله يخبرنا هل اتفق علماء مناهج البحث على هذه الشروط أم اختلفوا؟ وهل إذا وجد اختلاف بينهم يعني أن الموضوعية التي يصف نفسه بها باطلة لا قيمة لها؟!!

    ثم قال:

    - بالرغم من شدة بحثي لم أجد تعريفا واحدا للإجماع لأحد من الصحابة رضوان الله عليهم أو التابعين أو تابعي التابعين أو أحد الأئمة الأربعة، أو كبار فقهاء القرن الثاني الهجري، مثل الليث بن سعد والأوزاعي ومحمد بن الحسن والشيباني وأبي يوسف.


    أقول: إن هذا الكلام لا يصدر من باحث عاقل يفهم المعاني ويدرك المعارف، وهو أشبه شيء بكلام سفهاء الوهابيين الذين يريدون إبطال العلوم الإسلامية بحجة أن الصحابة لم يتفوهوا بها ولم يعلموها زعماً باطلاً- الناس!!
    وإلا فهل وجد لهم تعريف للعام والخاص، وللمبين والمجمل، وللقرآن والسنة؟ وهل وجد لهم تعريف للنحو والبلاغة، وللاسم والفعل والحرف؟ أو للحديث الصحيح والضعيف والآحاد والمتواتر؟!!

    إن هذه الكلام من هذا الرجل فوق كونه باطلاً هو طريقة خطيرة لإبطال العلوم الإسلامية، وهي أحد الأساليب التي يستخدمها العلمانيون والمستشرقون للنيل من الشريعة الإسلامية!! والأمر أظهر من أن أطيل الكلام فيه.

    ثم قال:
    معنى ذلك أن القضية التي سيتم فيها الإجماع قضية جديدة، فمثلا هل توقف القول بوجوب الصلاة حتى يجتمع لها المجتهدون ويثبتون حجيتها من جديد؟ حتى يقال: ثبتت فرضية الصلاة بالكتاب والسنة والإجماع؟. ومثل ذلك نقول في حرمة الزنا، والقضايا القطعية، (القطعي- كما يقول الجويني- لا يحتاج إلى الاعتضاد بغيره).


    أقول: قول العلماء أن فرضية الصلاة ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع هو بيان للأدلة، وليس ذكر لما يكتفى به من الأدلة عن الآخر. وإلا فإن الاحتجاج بالكتاب الكريم يكفي عن الاحتجاج بالسنة الشريفة، فهو أصل الأصول.
    ثم إن ذكر الإجماع في مثل هذه الأحكام لبيان كونها من المعلوم من الدين بالضرورة، وبيان منزلتها العليا في الشريعة، بحيث لا يمكن مخالفتها.
    ثم إن تعريف الإجماع الذي ذكره قبل ذلك لا يتنافى مع ذكر العلماء لحجية الإجماع في المسائل القطعية، فليست حجية الإجماع قاصرة على المسائل الظنية! وهكذا.

    وأيضاً عندما يذكر مثل هذه الأحكام ويضاف إلى حجيتها الإجماع حتى لا يأتي متلاعب بأحكام الدين يغير عليها بالإبطال بحجة عدم وجود الدلالة القطعية على الآيات التي يحتج بها، كما يفعل بعض المارقين عندما يتحدثون عن الحجاب وأنه لم يثبت في القرآن والسنة، أو في تحريف القرآن بالنقص دون الزيادة، أو في عدم ختم الرسالة النبوية وإنما الختم للنبوة وحدها ويمكن أن يأتي وحي السماء إلى نبي جديد، وأن الإسلام ليس له علاقة بالأحكام القضائية وأن الحدود مسائل اجتهادية يمكن إلغاؤها، وغير ذلك كثير مما يقوله أعداء الإسلام اليوم. فهذا ما حمل علماء الأمة الملهمون على ذكر هذه التفاصيل. وكان ينبغي على هذا الرجل أن يتأمل ويفكر قبل أن ينتقد، فإن العجلة في هذه الأمور من الشيطان!!

    ثم قال مجيباً:

    * وماذا عن المذاهب الأربعة، ألم تقل بحجية الإجماع؟

    - نستطيع أن نستنتج بوضوح من خلال مراجعة كتب الأصول المختلفة أن نسبة حجية الإجماع إلى كل الأئمة الأربعة موضع نظر أو فيها شك!

    فالإجماع عند أبي حنيفة غير واضح ولم ينص على قبوله، وحديث الإمام مالك عن الإجماع يأتي في سياق الإجماع السكوتي وإجماع أهل المدينة خاصة، وهذا شيء آخر غير الإجماع الأصولي، والشافعي في الأغلب يرى الإجماع اتفاقا على نص قطعي في مسألة لا يجهلها أحد من المسلمين، ولا يعترف إلا بالإجماع في عصر الصحابة فقط.

    والإمام أحمد أقصى ما يقال عنه إنه أخذ بفكرة الإجماع السكوتي، والذي يسميه ما لم يعلم فيه خلاف، وفي الإجماع السكوتي اختلافات واسعة في حجيتها.




    أقول: بالنظر إلى شرط الموضوعية الذي ذكره هذا الرجل في أول كلامه، أن العبرة بالدليل وليس بأقوال العلماء، فإن كلامه مخالف للموضوعية التي طرحها، فإنه هنا يحتج على بطلان الإجماع وعدم الاحتجاج به بأنه غير واضح النقل أو صريح النقل عن الأئمة الأربعة!!

    فمن أين له أن عدم التصريح بالحجية دليل على عدم الحجية؟! والكلام معه في هذا الأمر كالكلام معه في عدم وجود تعريف للإجماع عند الصحابة الكرام، على حد حجيته المزعومة!!

    أما قوله:
    وعلى هذا فإن ما يردده كثير من الأصوليين أن الإجماع حجة عند الجمهور إلا فئة شاذة، مثل (النظام والإمامية وبعض الخوارج).. هذا القول فيه نظر؛ حيث يبدو أن الخلاف حول حجية الإجماع أوسع من ذلك بكثير.
    فلم يسق عليه أي دليل، فهو لم يأتنا بأي شخص آخر خالف في حجية الإجماع؟ فقوله إن ما يردده الأصوليون فيه نظر، غير صحيح، وهو لم يستطع نقضه؟ فهلا أتانا بنص عن الإمام أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي فيه رفض لحجية الإجماع؟
    مازلت أطالب هذا الرجل بأن يذكر لنا شروط منهج البحث العلمي وشروط الموضوعية التي يزعمها لنفسه.. فإنه ينادي على نفسه بفقدانها كما هو ظاهر.


    وما ذكره بعد ذلك إلى آخر مقاله لا عبرة به، ولا قيمة له، للآتي:

    أولاً: هو اعتمد على النقل عن المفسرين في تفسير آية النساء لينظر هل هي حجة لديهم على الإجماع أم ليست بحجة، وهذا خطأ منهجي على حسب قواعده؛ فإنه يزعم أن الآراء ينظر فيها إلى أدلتها، وليس إلى آراء العلماء، وحسب قواعد التفسير كان يجب عليه أن يبين وجه الدلالة في الآية لغة بحسب قواعد العربية والبيان والبلاغة، لا أن يجنح إلى ما يقوله المفسرون في الآية.

    ثم إن وجود بعض العلماء القائلين بعدم دلالة الآية على الإجماع، ليس بحجة على فهم الآية، ذلك أن بعض العلماء يقول بدلالتها على الإجماع، على رأسهم الإمام الشافعي رضي الله عنه. فليس قول بعضهم بحجة على بعض في هذه الحالة، بل الترجيح يرجع إلى قواعد الترجيح في التفسير وفهم القرآن.
    طبعاً لم يقم هذا الباحث بالاستقراء الكامل في كتب التفسير، وإنما بحث عن المخالفين، فإذا افترضنا أن المخالفين هم الذين ذكرهم، فهم إذا قلة قليلة بالنسبة إلى المفسرين الآخرين.
    لم يذكر مثلاً الإمام البيضاوي وكل وافقه ممن كتبوا حواشي مفيدة عليه.

    على أنه ينبغي أن يُـعلمَ أن الاستدلال بالآية ليس هو الاستدلال الوحيد، بل هو أحد الأدلة، والاقتصار على أحد الأدلة دون الأدلة الأخرى هو حيف وظلم لا ينبغي ..

    وكون الدلالة في هذه الآية ظنية وليست قطعية لا ينفي وجود نوع حجة منها، فإذا نظرت في كل النصوص المستدل بها على حجية الإجماع تخرج منها بقطعية ثبوت الإجماع، وهذا هو الذي ذهب إليه أئمة المسلمين.

    أما الدعوى بعد ذلك بأن آية النساء لم تدل على حجية الإجماع في عصر الصحابة ومن بعدهم فاستدلال بالنفي، فإن القول بعدم الحجية استناداً إلى عدم وجود تصريح من الصحابة خطأ صريح ..

    والله تعالى يتولانا جميعاً برحمته، ويوفقنا لما يحب ويرضى
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا
  • حسين علي اليدري
    طالب علم
    • Aug 2003
    • 456

    #2
    [align=justify]الاستاذ الفهامة جلال حفظه الله ونفع به في الدارين، فتح الله عليك فتوح العارفين بالله، ونفعنا بعلمك وفهمك وحرصك، ويا شيخنا جلال الجليل، لا تحزن فهؤلاء غثاء العلم والفهم، وإنما ظهروا في الساحة العلمية، تصديقا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: كما في حديث أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ "،قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطحاوي في شرح مشكل الآثار: وَالْأَخْلَافُ: هُمُ الَّذِينَ ذَكَرْنَا مِمَّنْ يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنْهُمْ، وَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى أَقْوَالِهِمْ، لَا مَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ لَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنْهُ، وَلَا يُرْجَعُ إِلَى قَوْلِهِ فِيهِ لِشُذُوذِهِ الَّذِي قَدْ شَذَّهُ، وَلِانْفِرَادِهِ الَّذِي قَدِ انْفَرَدَ بِهِ ) اهـ، وهذه مصيبة قد عمت وطمت بلاد الإسلام في العقود الأخيرة، وهي علامة من علامات القيامة الصغرى، وهذه آفة هذا العصر، حتى صار الواحد منا في تعلمه أو في تعليمه للناس لا ينفك من الإشارة إلى هذه الآفة التي انتشرت بين الناس، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: ـ كما في حديث عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَمَامَ الدَّجَّالِ سِنِينَ خَوَادِعَ يَكْثُرُ فِيهَا الْمَطَرُ وَيَقِلُّ فِيهَا النَّبْتُ وَيُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ مَنْ لَا يُؤْبَهُ لَهُ، فإلى الله المشتكى، وهو المستعان.[/align]
    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
    sigpic

    تعليق

    يعمل...