القياس الفقهي عند الامام الغزالي ومقاصد الشريعة للامام الشاطبي
نقد نقد العقل العربي الجزء الثالث
[ALIGN=JUSTIFY]تكلم الامام الغزالي في عدد من كتبه التي صنفها قبل ثلاثة قرون من " الموافقات " للشاطبي حول البرهان ، فقال رحمه الله في ( المستصفى ج1 ص29 طبعة بولاق ) : (( إعلم أن البرهان عبارة عن أقاويل مخصوصة ألفت تأليفا مخصوصا بشرط مخصوص يلزم منه رأي هو مطلوب النظر بالنظر )) وأضاف ( ص 37-38 ) : (( البرهان عبارة عن مقدمتين معلومتين تؤلفات تأليفا مخصوصا بشرط مخصوص فيتولد بينهما نتيجة ... فان كانت المقدمات قطعية سميت برهانا ، وان كانت مسلمة سميناها قياسا جدليا ، وان كانت مظنونة سميناها قياسا فقهيا )) ويفصل القول : (( أقل ما ينتظم منه برهان مقدمتان ، أعني علمين يتطرق اليهما التصديق والتكذيب ، وأقل ما تحصل منه مقدمة معرفتان توضع احداهما مخبرا عنها والاخرى خبرا ووصفا ، فقد انقسم البرهان الى مقدمتين وانقسمت كل مقدمة الى معرفتين تنسب احداهما الى الاخرى ، وكل مفرد هو معنى ويدل عليه لا محالة بلفظ ، فيجب ضرورة أن ننظر في المعاني المفردة واقسامها ثم في الالفاظ المفردة ووجوه دلالتها ، ثم اذا فهمنا اللفظ مفردا والمعنى مفردا الفنا معنيين وجعلناهما مقدمة ، وننظر في حكم المقدمة وشروطها ثم نجمع مقدمتين ونصوغ منهما برهانا ، وننظر في كيفية الصياغة الصحيحة . وكل من اراد أن يعرف البرهان بغير هذا الطريق فقد طمح الى الخيال ))
أما الشاطبي ، وبدراسة لكتاب ( الادلة الشرعية ) من كتابه ( الموافقات ) فأنه غير معني من قريب او من بعيد -في اطروحته عن انبناء الادلة الشرعية على مقدمتين- بنظرية المعرفة ، فعلى العكس من الغزالي فإنه لا يستهدف من البناء على مقدمتين الوصول الى انتاج اي معرفة جديدة ، فما يضعه نصب عينيه ليس توليد ( نتيجة مجهولة ) هي ( مطلوب الناظر بالنظر ) بل الخلوص الى موقف عملي بالمعنى التكليفي للكلمة ، وبلغته التقنية كاصولي (( تحقيق مناط الحكم )) بغية الاقدام على فعل او الامتناع عنه من منظور التحليل والتحريم . فالبناء على مقدمتين محصور الهدف عند الشاطبي بالافعال ولا يتعدى ابدا العمليات الى العقليات كما عند الغزالي ، وذلك هو أصلا مفهوم الدليل الشرعي عنده ، فكل ما لا يتعلق به التكليف ولا يدل على شيء من الاعمال خرج عن كونه دليلا شرعيا ( الموافقات ج 3 ص 15 ) . وصحيح أن الشاطبي يضع في صيغة مسالة كون (( الادلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول )) لكن العقول التي يضعها نصب عينيه هي عقول المكلفين وفي هذا يقول ( ج3 / ص13 ) : (( وبيان ذلك أن الادلة انما نصبت في الشريعة لتتلقاها عقول المكلفين حتى يعملوا بمقتضاها من الدخول تحت احكام التكليف )) .
وصحيح ان الشاطبي لا ينكر وجود ادلة شرعية مبنية على طريقة ( البرهان العقلي ) ولكن الأدلة التي يتوقف عندها تكاد تكون حصرا (( الأدلة الدالة على الأحكام التكليفية )) : والحال كما يقول ( المصدر نفسه ص 29 ) : (( أن هذه النصوص وأمثالها لم توضع وضع البراهين ، ولا اتي بها في محل استدلال ، بل جيء بها قضايا يعمل بمقتضاها مسلمة متلقاة بالقبول . وانما برهانها في الحقيقة المعجزة الدالة على صدق الرسول .. والدليل بهذا المعنى نتيجة أنتجتها المعجزة فصارت قولا مقبولا فقط )) وهذا (( القول المقبول )) يتنزل منزلة (( المقدمة النقلية )) التي يقول عنها (( واذا تحقق انها نقلية فلا تفتقر الى نظر او تأمل الا من جهة تصحيحها نقلا )) ( المصدر نفسه ص 25 ) وبهذا المعنى فإن المقدمة النقلية هي محض مرادف للحكم الشرعي ان لم تكن هي ( نفس الحكم الشرعي ) ، مما جاء بيانه في الكتاب او في السنة التي هي بيان لبيان الكتاب .
اما ( المقدمة النظرية ) فترجع ، لا الى الحكم ، بل الى (( تحقيق مناط الحكم )) ، وليست هي الحاكمة بل هي المحكوم عليها ، ودورها ثان وليس أول وقياسا على القياس الارسطي فهي مقدمة صغرى لا كبرى ، فليس لها من دور غير أن تدرج ما هو خصوص تحت ما هو عموم . فأن يكن الحكم ( = المقدمة النقلية الكبرى ) قد قضى بتحريم لحم الخنزير مثلا ، فلس للمقدمة النظرية الصغرى غير أن تقرر هل هذا اللحم لحم خنزير او لا ، وصحيح أن هذا التقرير قد يقتضي أحيانا إعمال ( الفكر والتدبر ) ولكنه قد يكتفي غالبا بضرورة الحس والتجربة . والمثال التقليدي الذي يضربه الشاطبي في هذا السياق هو مثال السكر فيقول ( المصدر نفسه ، ص23-24 ) : (( فاذا قلت إن كل مسكر حرام فلا يتم القضاء عليه حتى يكون بحيث يشار الى المقصود منه ليستعمل او لا يستعمل ، لأن الشرائع انما جاءت لتحكم على الفاعلين من جهة ما هم فاعلون ، فاذا شرع المكلف في تناول الخمر مثلا قيل له : أهذا خمر ام لا . فلا بد للنظر في كونه خمرا او غير خمر ، وهو معنى تحقيق المناط . فاذا وجد فيه امارة الخمر او حقيقتها بنظر معتبر قال : نعم هذا خمر ، فيقال له : كل خمر حرام الاستعمال فيجتنبه )) والحقيقة أن هذا المثال عينه قد ساقه الغزالي في المستصفى ( ج1/ص37-38( تمثيلا على انبناء الدليل الشرعي على مقدمتين فيقول (( مثال ذلك من الفقه قولنا : كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام ، فلزم أن كل نبيذ حرام ، فهاتان مقدمتان اذا سلمتا على هذا الوجه لزم بالضرورة تحريم النبيذ ...واذا ذكرنا أصل القياس فان كل مقدمة أصل ، فاذا ازدوج اصلان حصلت النتيجة ، وعادة الفقهاء في مثل هذا النظم أنهم يقولون : النبيذ مسكر فكان حراما قياسا على الخمر .... فان رد الى هذا النظم ولم يكن مسلما ، فلا تلزم النتيجة الا باقامة الدليل حتى يثبت كونه مسكرا ان نوزع فيه- بالحس والتجربة ، وكون المسكر حراما بالخبر وهو قوله ( صلى الله عليه واله وسلم ) : ((كل مسكر حرام)) ... واذا فهمت صورة هذا النظم فاعلم أن في هذا البرهان مقدمتين ، احداهما قولنا : كل نبيذ مسكر ، والاخرى قولنا كل مسكر حرام . وكل مقدمة تشتمل على جزئين : مبتدأ وخبر ، المبتدأ محكوم عليه والخبر حكم ))
يتبع .... [/ALIGN]
نقد نقد العقل العربي الجزء الثالث
[ALIGN=JUSTIFY]تكلم الامام الغزالي في عدد من كتبه التي صنفها قبل ثلاثة قرون من " الموافقات " للشاطبي حول البرهان ، فقال رحمه الله في ( المستصفى ج1 ص29 طبعة بولاق ) : (( إعلم أن البرهان عبارة عن أقاويل مخصوصة ألفت تأليفا مخصوصا بشرط مخصوص يلزم منه رأي هو مطلوب النظر بالنظر )) وأضاف ( ص 37-38 ) : (( البرهان عبارة عن مقدمتين معلومتين تؤلفات تأليفا مخصوصا بشرط مخصوص فيتولد بينهما نتيجة ... فان كانت المقدمات قطعية سميت برهانا ، وان كانت مسلمة سميناها قياسا جدليا ، وان كانت مظنونة سميناها قياسا فقهيا )) ويفصل القول : (( أقل ما ينتظم منه برهان مقدمتان ، أعني علمين يتطرق اليهما التصديق والتكذيب ، وأقل ما تحصل منه مقدمة معرفتان توضع احداهما مخبرا عنها والاخرى خبرا ووصفا ، فقد انقسم البرهان الى مقدمتين وانقسمت كل مقدمة الى معرفتين تنسب احداهما الى الاخرى ، وكل مفرد هو معنى ويدل عليه لا محالة بلفظ ، فيجب ضرورة أن ننظر في المعاني المفردة واقسامها ثم في الالفاظ المفردة ووجوه دلالتها ، ثم اذا فهمنا اللفظ مفردا والمعنى مفردا الفنا معنيين وجعلناهما مقدمة ، وننظر في حكم المقدمة وشروطها ثم نجمع مقدمتين ونصوغ منهما برهانا ، وننظر في كيفية الصياغة الصحيحة . وكل من اراد أن يعرف البرهان بغير هذا الطريق فقد طمح الى الخيال ))
أما الشاطبي ، وبدراسة لكتاب ( الادلة الشرعية ) من كتابه ( الموافقات ) فأنه غير معني من قريب او من بعيد -في اطروحته عن انبناء الادلة الشرعية على مقدمتين- بنظرية المعرفة ، فعلى العكس من الغزالي فإنه لا يستهدف من البناء على مقدمتين الوصول الى انتاج اي معرفة جديدة ، فما يضعه نصب عينيه ليس توليد ( نتيجة مجهولة ) هي ( مطلوب الناظر بالنظر ) بل الخلوص الى موقف عملي بالمعنى التكليفي للكلمة ، وبلغته التقنية كاصولي (( تحقيق مناط الحكم )) بغية الاقدام على فعل او الامتناع عنه من منظور التحليل والتحريم . فالبناء على مقدمتين محصور الهدف عند الشاطبي بالافعال ولا يتعدى ابدا العمليات الى العقليات كما عند الغزالي ، وذلك هو أصلا مفهوم الدليل الشرعي عنده ، فكل ما لا يتعلق به التكليف ولا يدل على شيء من الاعمال خرج عن كونه دليلا شرعيا ( الموافقات ج 3 ص 15 ) . وصحيح أن الشاطبي يضع في صيغة مسالة كون (( الادلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول )) لكن العقول التي يضعها نصب عينيه هي عقول المكلفين وفي هذا يقول ( ج3 / ص13 ) : (( وبيان ذلك أن الادلة انما نصبت في الشريعة لتتلقاها عقول المكلفين حتى يعملوا بمقتضاها من الدخول تحت احكام التكليف )) .
وصحيح ان الشاطبي لا ينكر وجود ادلة شرعية مبنية على طريقة ( البرهان العقلي ) ولكن الأدلة التي يتوقف عندها تكاد تكون حصرا (( الأدلة الدالة على الأحكام التكليفية )) : والحال كما يقول ( المصدر نفسه ص 29 ) : (( أن هذه النصوص وأمثالها لم توضع وضع البراهين ، ولا اتي بها في محل استدلال ، بل جيء بها قضايا يعمل بمقتضاها مسلمة متلقاة بالقبول . وانما برهانها في الحقيقة المعجزة الدالة على صدق الرسول .. والدليل بهذا المعنى نتيجة أنتجتها المعجزة فصارت قولا مقبولا فقط )) وهذا (( القول المقبول )) يتنزل منزلة (( المقدمة النقلية )) التي يقول عنها (( واذا تحقق انها نقلية فلا تفتقر الى نظر او تأمل الا من جهة تصحيحها نقلا )) ( المصدر نفسه ص 25 ) وبهذا المعنى فإن المقدمة النقلية هي محض مرادف للحكم الشرعي ان لم تكن هي ( نفس الحكم الشرعي ) ، مما جاء بيانه في الكتاب او في السنة التي هي بيان لبيان الكتاب .
اما ( المقدمة النظرية ) فترجع ، لا الى الحكم ، بل الى (( تحقيق مناط الحكم )) ، وليست هي الحاكمة بل هي المحكوم عليها ، ودورها ثان وليس أول وقياسا على القياس الارسطي فهي مقدمة صغرى لا كبرى ، فليس لها من دور غير أن تدرج ما هو خصوص تحت ما هو عموم . فأن يكن الحكم ( = المقدمة النقلية الكبرى ) قد قضى بتحريم لحم الخنزير مثلا ، فلس للمقدمة النظرية الصغرى غير أن تقرر هل هذا اللحم لحم خنزير او لا ، وصحيح أن هذا التقرير قد يقتضي أحيانا إعمال ( الفكر والتدبر ) ولكنه قد يكتفي غالبا بضرورة الحس والتجربة . والمثال التقليدي الذي يضربه الشاطبي في هذا السياق هو مثال السكر فيقول ( المصدر نفسه ، ص23-24 ) : (( فاذا قلت إن كل مسكر حرام فلا يتم القضاء عليه حتى يكون بحيث يشار الى المقصود منه ليستعمل او لا يستعمل ، لأن الشرائع انما جاءت لتحكم على الفاعلين من جهة ما هم فاعلون ، فاذا شرع المكلف في تناول الخمر مثلا قيل له : أهذا خمر ام لا . فلا بد للنظر في كونه خمرا او غير خمر ، وهو معنى تحقيق المناط . فاذا وجد فيه امارة الخمر او حقيقتها بنظر معتبر قال : نعم هذا خمر ، فيقال له : كل خمر حرام الاستعمال فيجتنبه )) والحقيقة أن هذا المثال عينه قد ساقه الغزالي في المستصفى ( ج1/ص37-38( تمثيلا على انبناء الدليل الشرعي على مقدمتين فيقول (( مثال ذلك من الفقه قولنا : كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام ، فلزم أن كل نبيذ حرام ، فهاتان مقدمتان اذا سلمتا على هذا الوجه لزم بالضرورة تحريم النبيذ ...واذا ذكرنا أصل القياس فان كل مقدمة أصل ، فاذا ازدوج اصلان حصلت النتيجة ، وعادة الفقهاء في مثل هذا النظم أنهم يقولون : النبيذ مسكر فكان حراما قياسا على الخمر .... فان رد الى هذا النظم ولم يكن مسلما ، فلا تلزم النتيجة الا باقامة الدليل حتى يثبت كونه مسكرا ان نوزع فيه- بالحس والتجربة ، وكون المسكر حراما بالخبر وهو قوله ( صلى الله عليه واله وسلم ) : ((كل مسكر حرام)) ... واذا فهمت صورة هذا النظم فاعلم أن في هذا البرهان مقدمتين ، احداهما قولنا : كل نبيذ مسكر ، والاخرى قولنا كل مسكر حرام . وكل مقدمة تشتمل على جزئين : مبتدأ وخبر ، المبتدأ محكوم عليه والخبر حكم ))
يتبع .... [/ALIGN]
تعليق