--------------------------------------------------------------------------------
حكم قتل المدنيين ( دراسة فقهية )
عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد :
فهذا بحث موجز في حكم قتل المدنيين, وقد كثر الكلام حول هذه المسألة, وما أكثر ما وقع فيها من خلط وخبط وإفراط وتفريط, والسبب في ذلك هو عدم الرجوع إلى ما قرره الفقهاء والعلماء السابقون رضي الله عنهم, وإهمال التراث الفقهي الإسلامي, والنظر السطحي غير الشمولي في الأدلة الشرعية والفهم السقيم لها
وقد جعلت الموضوع في ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : حكم قتل المدنيين من المسلمين
والمبحث الثاني : حكم قتل المدنيين من أهل الذمة والمعاهدين والمستأمنين
والمبحث الثالث : حكم قتل المدنيين من أهل دار الحرب
تمهيد: في من هم المدنيون ؟ :
قبل الحديث عن حكم قتل المدنيين لا بد من معرفة ماذا تعني كلمة المدنيين لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.. فالمدنيون : مصطلح معاصر يراد به من عدى العسكريين, فكل من ليس بعسكري فهو مدني, وهنا يأتي سؤال مهم جدا وهو: هل العسكري والحربي بمعني واحد؟. هذا ما سيأتي الحديث عنه مفصلا إن شاء الله
المبحث الأول :
حكم قتل المدنيين من المسلمين
لا يخفى على أحد أن دم المسلم من أعظم المحرمات سواء كان مدنيا أم عسكريا ولو لم يكن في ذلك إلا قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) لكفى في بيان عظيم هذا الجرم, والآيات والأحاديث في حرمة دم المسلم كثيرة جدا ولا داعي لإيرادها؛ لأنها أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر.
ولكن هناك حالات تبيح دم المسلم, -على خلافٍ في بعضها بين أهل العلم- ومن تلك الحالات:
- حالة القصاص, والزنا مع الإحصان, والارتداد عن الدين (وسمي مسلما مجازا باعتبار ما كان) وهذه الثلاث الحالات ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق من الدين التارك للجماعة)اه رواه البخاري ومسلم
- ومن تلك الحالات: البغي على الإمام, وترك الصلاة, والحرابة, والسحر...إلخ, والأدلة الشرعية على جواز القتل في تلك الحالات وأقوال أهل العلم فيها مبسوطة في مظانها.
وهذه الحالات السابقة كلها ليس القتل فيها لآحاد الناس بل هي إلى الإمام أو نائبه ولا يجوز الافتئات عليه, لأنها أمور تحتاج إلى البينات والشهادة وغير ذلك مما يحتاج إليه القضاء, وخصوصا قضية الارتداد فإن الجهل والهوى يدخلان فيها بكثرة, وما أكثر ما أهدرت دماء تحت دعوى الارتداد وخصوصا في مسائل العقائد, وهذه بعض أقوال أهل العلم في ذلك:
- قال ابن الهمام الحنفي في فتح القدير 6/98: (وقتل المرتد مطلقا إلى الإمام عند عامة أهل العلم إلا عند الشافعي في وجه! في العبد إلى سيده)اه
- وقال زكريا الأنصاري الشافعي في أسنى المطالب 4/122 في المرتد: (ويتولاه) أي قتله (الحاكم), ولو بنائبه (بضرب الرقبة لا الإحراق) بالنار أو غيره لما فيه من المثلة, فلو تولاه غير الحاكم أو الحاكم بغير ضرب الرقبة عزر)اه
- وقال الرحيباني الحنبلي في مطالب أولى النهى 6/289: (ولا يقتل المرتد إلا الإمام أو نائبه) حرا كان أو عبدا; لأنه قتل لحق الله تعالى; فكان إلى الإمام كرجم الزاني المحصن, ولا يعارضه حديث: " { أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم } لأن قتل المرتد لكفره لا حدا (فإن قتله); أي: المرتد (غيرهما); أي الإمام أو نائبه ( بلا إذن ) من أحدهما (أساء وعزر) لافتئاته على ولي الأمر)اه
*ومن الحالات التي تبيح دم المسلم: الدفاع عن النفس أو العرض أو المال لحديث: (من قتل دون مظلمته فهو شهيد) رواه أبو داود, وللحديث عدة ألفاظ
*ومن الحالات التي تبيح دم المسلم: تترس الكفار به لكن ذلك في حالة الضرورة فقط, في مذهب الجمهور, ومن أهل العلم من منع من ذلك مطلقا, على تفاصيل لأهل العلم في ذلك, وهذه بعض أقوال أهل العلم في المسألة:
- في بدائع الصنائع للكاساني 7/100: (ولا بأس برميهم بالنبال, وإن علموا أن فيهم مسلمين من الأسارى والتجار لما فيه من الضرورة, إذ حصون الكفرة قلما تخلو من مسلم أسير, أو تاجر فاعتباره يؤدي إلى انسداد باب الجهاد, ولكن يقصدون بذلك الكفرة دون المسلمين; لأنه لا ضرورة في القصد إلى قتل مسلم بغير حق. وكذا إذا تترسوا بأطفال المسلمين فلا بأس بالرمي إليهم; لضرورة إقامة الفرض, لكنهم يقصدون الكفار دون الأطفال)اه
- وفي شرح الخرشي على خليل 3/114: (وإن تترسوا بمسلمين فإنهم يقاتلون ولا يُقصُدُ الترسُ بالرمي وإن خفنا على أنفسنا; لأن دم المسلم لا يباح بالخوف على النفس إلا أن يخاف منهم على أكثر المسلمين فيسقط حينئذ حرمة الترس, إلا أنه ذكر في الجواهر قيودا زائدة حيث قال: إذا تترسوا بهم في الصف, ولو تركناهم لانهزم المسلمون وعظم الشر وخيف استئصال قاعدة الإسلام وجمهورهم وأهل القوة منهم وجب الدفع وسقط مراعاة الترس انتهى)اه
- وفي أسنى المطالب لزكريا الأنصاري 4/191: (أو) تترسوا (بمسلم أو ذمي فلا) نرميهم إن لم تدع ضرورة إلى رميهم واحتمل الحال الإعراض عنهم صيانة للمسلمين وأهل الذمة, وفارق النساء والصبيان [من أهل الحرب] بأن المسلم والذمي محقونا الدم لحرمة الدين والعهد فلم يجز رميهم بلا ضرورة, والنساء والصبيان حقنوا لحق الغانمين فجاز رميهم بلا ضرورة)اه
- وقال ابن قدامة في المغني10/495: (وإن تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة إلى رميهم لكون الحرب غير قائمة أو لإمكان القدرة عليهم بدونه أو للأمن من شرهم لم يجز رميهم فان رماهم فأصاب مسلما فعليه ضمانه وان دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين جاز رميهم لأنها حال ضرورة ويقصد الكفار. وإن لم يخف على المسلمين لكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي: فقال الأوزاعي والليث: لا يجوز رميهم لقول الله تعالى: {ولولا رجال مؤمنون.. } الآية, وقال الليث: ترك فتح حصن يقدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق, وقال الأوزاعي: كيف يرمون من لا يرونه؟ إنما يرمون أطفال المسلمين, وقال القاضي والشافعي: يجوز رميهم إذا كانت الحرب قائمة لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد)اه
- واستدل من منع مطلقا بالآية السابقة: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات...) الآية, وبما هو مشهورة في السيرة من نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل من أخرج يوم بدر من المسلمين كرها في جيش المشركين كما في سيرة ابن هشام 3/177, ونقله عن سيرة ابن إسحاق
المبحث الثاني:
حكم قتل المدنيين من أهل الذمة والمعاهدين والمستأمنين
أهل الذمة: هم الكفار الذين أُقروا في دار الإسلام على كفرهم بالتزام الجزية ونفوذ أحكام الإسلام فيهم
والمعاهدون: هم الذين صالحهم إمام المسلمين على إنهاء الحرب مدة معلومة لمصلحة يراها, من العهد وهو الصلح المؤقت, ويسمى الهدنة والمهادنة والمعاهدة والمسالمة والموادعة.
والمستأمن في الأصل: الطالب للأمان, وهو الكافر يدخل دار الإسلام بأمان, أو المسلم إذا دخل دار الكفار بأمان, قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة 2/ 873-874: ( الكفار: إما أهل حرب وإما أهل عهد, وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة وأهل هدنة وأهل أمان.
وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابا فقالوا: باب الهدنة, باب الأمان, باب عقد الذمة, ولفظ الذمة والعهد يتناول هؤلاء كلهم في الأصل... ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء:
أهل الذمة: عبارة عمن يؤدي الجزية وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله
بخلاف أهل الهدنة: فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم سواء كان الصلح على مال أو غير مال لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة.
وأما المستأمن: فهو الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان لها, وهؤلاء أربعة أقسام: رسل وتجار ومستجيرون -حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن فإن شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم- وطالبوا حاجة من زيارة أو غيرها
وحكم هؤلاء ألا يهاجروا ولا يقتلوا ولا تؤخذ منهم الجزية وأن يعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن فإن دخل فيه فذاك وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به ولم يعرض له قبل وصوله إليه فإذا وصل مأمنه عاد حربيا كما كان)اه
وهذه الثلاثة الأصناف لا يجوز أيضا قتلهم سواء كانوا مدنيين أم عسكريين, وقد وردت الآيات والأحاديث والآثار الكثيرة في الدلالة على ذلك ومنها:
- قال تعالى في أهل الذمة: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر... حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)
- وقال تعالى في أهل العهد: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين)
- وقال تعالى في أهل الأمان: ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون)
- وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما) اه وأخرجه أحمد والنسائي بلفظ: (من قتل قتيلا من أهل الذمة...)
- والحديث رواه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصحح إسناده عن أبي بكرة, ورواه ابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة, ورواه النسائي وأحمد عن القاسم بن مخيمرة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم
- وروى أبو داود والترمذي عن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس -أو برذون- وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، فإذا هو عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء»، فرجع معاوية)اه
- وروى أبو داود عن صفوان بن سليم: عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن آبائهم، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نف، فأنا حجيجه يوم القيامة)اه
- وروى البخاري ومسلم عن أم هانئ أخت علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما-، قالت:... فلما انصرف فلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي عليّ: أنه قاتل رجلا قد أجرته -فلان بن هبيرة- فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ)اه
- وفي موطأ مالك: (أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل جيش، كان بعثه: إنه بلغني أن رجالا منكم يطلبون العلج، حتى إذا أسند في الجبل وامتنع، قال رجل: «مترس» يقول: لا تخف، فإذا أدركه قتله، وإني-والذي نفسي بيده - لا أعلم مكان أحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه!)اه
- وفي صحيح البخاري ومسلم: (عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل)اه ورواه مسلم عن أبي هريرة
- وروى الحاكم وصحح إسناده: (عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذمة المسلمين واحدة، فإن جازت عليهم جائزة، فلا تخفروها، فإن لكل غادر لواء، يعرف به يوم القيامة)اه
- وروى ابن أبي شيبة أيضا: (قال أبو فرقد: كنا مع أبي موسى الأشعري يوم فتحنا سوق الأهواز، فسعى رجل من المشركين وسعى رجلان من المسلمين خلفه، فبينما هو يسعى ويسعيان إذ قال له أحدهما: مترس، فأخذاه فجاءا به وأبو موسى يضرب أعناق الأسارى حتى انتهى الأمر إلى الرجل فقال أحدهما: إن هذا قد جعل له الأمان، فقال أبو موسى: وكيف جعل له الأمان، قال: إنه كان يسعى ذاهبا في الأرض فقلت له: مترس، فقام : فقال أبو موسى: وما مترس؟ قال: لا تخف، قال: هذا أمان، خليا سبيله، فخليا سبيل الرجل)اه
- وروى ابن أبي شيبة: (عن مجاهد قال: قال عمر: أيما رجل من المسلمين أشار إلى رجل من العدو لان نزلت لأقتلنك، فنزل وهو يرى أنه أمان فقد أمنه. وعن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: كتب عمر إلى أمراء الأجناد: أيما رجل من المسلمين أشار إلى رجل من العدو: لئن نزلت لأقتلنك فنزل، وهو يرى أنه أمان فقد أمنه)اه
- فإذا كان قول المسلم للكافر الحربي العجمي كلمة (لأقتلنك) بطريقة يرى الكافر أن المسلم يقصد بها الأمان يصير به الكافر آمنا؛ فكيف إذا كان المسلم يقول له بصريح العبارة: أنت آمن, وقد قرأت في بعض المواقع أن بعض المسلمين في بلد مسلم محتل قالوا لبعض المحتلين الكفار بعدما حاصروهم: سلموا أنفسكم وأنتم آمنون, فلما سلم المحتلون أنفسهم قتلهم المسلمون, وهذا حرام كما لا يخفى
مسائل مهمة تتعلق بالثلاثة الأصناف:
أولا: مسائل تتعلق بالذمي:
1- إذا لم يأخذ وليُ الأمر الجزيةَ من أهل الذمة فلا يجوز أبدا أن تستحل دماؤهم لأجل ذلك, لأن الجزية قد تسقط عن أهل الذمة في بعض الحالات, ومنها عند استعدادهم للاشتراك في واجب الدفاع عن دار الإسلام, فقد:
- أعفى عتبةُ بن فرقد -عاملُ عمر على أذربيحان- من الجزية من اشترك من أهلها في الدفاع مع المسلمين, كما في تاريخ الطبري 5/250
- وأعفى سراقةٌ بن عمرو من الجزية أهلَ أرمينيا مقابل أن يقوموا معه ضد عدو المسلمين وأجازه بذلك عمر كما في تاريخ الطبري 5/256
- وأعفى سويدُ بن مقرن -القائد من قبل عمر- من استعان به من أهل جورجان من الجزية كما في تاريخ الطبري 5/ 254
- وأعفى حبيبُ بن مسلم الفهري -القائد من قبل أبي عبيدة- أهلَ أنطاكية من الجزية مقابل أن يكونوا أعوانا للمسلمين في نواحيهم كما في تاريخ الطبري 5/ 217, قال الشيخ عبد الكريم زيدان في كتابه أحكام أهل الذمة ص131: (في البلاد الإسلامية في الوقت الحاضر ذميون لا تؤخذ منهم الجزية في معظم الدول الإسلامية, ويمكن توجيه ذلك شرعا بأن يقال: الذميون في هذه الدول يشتركون مع المسلمين في الدفاع عن دار الإسلام, والمساهمة في هذا الواجب تسقط الجزية بعد وجوبها أو تمنع وجوبها أصلا كما رأينا في بعض النماذج التاريخية السابقة, فهم يؤدون الخدمة العسكرية ويساهمون في الدفاع عن الوطن) اه
2- ولو فرض أن ولي الأمر قصر في أخذ الجزية من أهل الذمة مع قعودهم عن الدفاع فإن هذا لا يبيح دمائهم بلا شك, لأنهم لا يؤخذون بتقصير غيرهم (ولا تزر وازرة وزر أخرى), نعم لأهل الحل والعقد حينئذ أن يوجهوا السؤال لولي الأمر ويقولوا له : لماذا لا تأخذ الجزية من أهل الذمة؟ فإن أبدا عذرا فذاك وإلا نصحوه بأن لا يقصر في ذلك, فإن استجاب فالحمد لله وإلا فيتحمل هو وزر ذلك ولا دخل لأهل الذمة في تقصيره, وتتصور المسألة في زماننا هذا في الكفار الذين يعيشون في بلاد الإسلام وقد كان آباؤهم يعيشون فيها مع دفع الجزية
3- إذا امتنع الذمي عن أداء الجزية فإن ذلك لا يبيح دمه ولا ينتقض بذلك عهده في مذهب الحنفية وغيرهم خلافا للجمهور, قالوا: ويحمل امتناعه على العجز ولا ينتقض العهد بالاحتمال, كما في بدائع الصنائع 7/113 وفتح القدير4/380
4- إذا حصل من الذمي تجسس فلا يستباح بذلك دمه في مذهب الجماهير من أهل العلم, ففي شرح النووي على مسلم 12/67: (وأما الجاسوس المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي: يصير ناقضا للعهد, فإن رأى استرقاقه أرقه ويجوز قتله, وقال جماهير العلماء: لا ينتقض عهده بذلك قال أصحابنا: إلا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك)اه
5- قتل الذمي للمسلم وزناه بالمسلمة كرها وتعرضه للدين بالإساءة كل ذلك لا ينتقض به عهده في مذهب الحنفية وغيرهم خلافا للجمهور, وإنما يعامل بحسب ما يقتضيه عمله من غير أن ينتقض بذلك عهده, وانظر بدائع الصنائع 7/113 وفتح القدير4/380, وإذا حصل العكس فقَتلَ المسلمُ ذميا فإنه يقتل به في مذهب الحنفية أيضا خلافا للجمهور
6- حكم الحاكم واختيار ولي الأمر يرفع الخلاف فيما يتعلق بالمسائل المختلف فيها بن أهل العلم في التعامل مع أهل العهد وأهل الذمة والمستأمنين, وفي غيرها من المسائل, كما هو مقرر عند أهل العلم, قال القرافي في الفروق2/103: (اعلم أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف ويرجع المخالف عن مذهبه لمذهب الحاكم وتتغير فتياه بعد الحكم عما كانت عليه على القول الصحيح من مذاهب العلماء) اه
ثانيا: مسائل تتعلق بالمستأمن:
1- المستأمن لا يمكِن أن يعيش بصفة الأمان في بلاد الإسلام إلى الأبد, وإلا لبطلت عقود الذمة والجزية, وقد اختلف أهل العلم في الفترة التي يجوز لولي الأمر أن يعطيها للمستأمن:
- ففي مذهب الحنفية كما في شرح كنز الدقائق 3/268 -وهو قول في مذهب الشافعية-: لا بد ألا تصل إلى سنةٍ
- وفي مذهب الشافعية : لا تزيد عن أربعة أشهر في الرجل ولا حد لها في المرأة كما في مغني المحتاج للشربيني 4/238
- وفي مذهب الحنابلة: لا تزيد عن عشر سنين كما في كشاف القناع للبهوتي 1/695
2- إذا تأخر المستأمن فزاد على المدة المسموح له بها فلا يجوز أن يستباح دمه لأجل ذلك, بل ينذره الإمام بالخروج فإن خرج فذاك وإلا فينقلب ذميا وتلزمه الجزية, كما في المبسوط10/84 , وبدائع الصنائع 7/110, وإذا لم ينذره الإمام بالخروج فمن أهل العلم من قال: يصير ذميا بانتهاء المدة, ومنهم من قال: لا يصير ذميا ولو طالت المدة إلا بالإنذار كما في فتح القدير 4/351
3- يدخل في المستأمنين: العاملون في السفارات والسائحون والعاملون في الشركات...ألخ ولو كانت بلادهم من بلاد أهل الحرب لأنهم دخلوا بلاد الإسلام بالأمان, والأمان إنما يكون للمستأمنين من أهل دار الحرب أما الذمي والمعاهد فهو آمن بالذمة والعهد, وعليه فلو دخل أمريكي أو إسرائيلي بلاد الإسلام بالأمان فلا يجوز أن يتعرض له بسوء لأنه محرم الدم والمال والعرض, والأمر في ذلك ظاهر ولا خلاف فيه, وإنما نبهنا عليه لما يحصل فيه من تجاوزات ممن لا علم له بالأدلة الشرعية وكلام أهل العلم
4- الأمان: منه ما هو نصي ومنه ما هو عرفي, ومن العرفي: أن الرسل لا تقتل كما في قصة رسل مسيلمة الكذاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم, ومن ذلك أن من دخل دار الإسلام ليفادي أسيرا فإنه لا يقتل كما في قصة عمير بن وهب الجمحي, ومن ذلك أن من أتى للتفاوض لا يقتل كما في قصة أبي سفيان بعد نقض صلح الحديبية, ومنه أن التجار لا يقتلون كما سيأتي... إلخ, ومن الأمان العرفي في زماننا: أن الإعلاميين في مواقع القتال لا يقتلون وأن الأطباء والمسعفين في مواضع القتال لا يقتلون... إلخ
5- لو فرض أن أهل الحل والعقد في دولة معينة حكموا على ولي الأمر فيها بالكفر وبأن ولايته صارت غير شرعية فإن ذلك لا يبيح دماء من أعطاهم ذلك الوليُ الأمانَ من أهل الحرب, لأنهم وإن فرضنا عدم اعتبار الأمان النصي في حقهم فقد بقي لهم الأمان العرفي
6- من دخل دار الحرب بأمان من أهلها فهم آمنون منه على دمائهم وأموالهم وأعراضهم, تماما كما يأمن من دخل منهم دار الإسلام بالأمان, وعليه فمن أُعطي تأشيرة للدخول إلى بلد ما فإنه بذلك قد أعطاهم الأمان من نفسه فلا يجوز أبدا أن يخفر ذمتهم, ففي كتاب الأم [4/355] قال الإمام الشافعي: (إذا دخل قوم من المسلمين بلاد الحرب بأمان فالعدو منهم آمنون إلى أن يفارقوهم أو يبلغوا مدة أمانهم وليس لهم ظلمهم ولا خيانتهم)اه, وقال الإمام ابن قدامة في المغنى 10/515: (من دخل إلى أرض العدو بأمان لم يخنهم في مالهم.. وأما خيانتهم فمحرمة لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطاً بتركه خيانتهم وأمنه إياهم من نفسه وإن لم يكن ذلك مذكوراً في اللفظ فهو معلوم في المعنى, ولذلك من جاءنا منهم بأمان فخاننا كان ناقضاً لعهده . فإذا ثبت هذا لم تحل له خيانتهم لأنه غدر ولا يصلح في ديننا الغدر وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم المسلمون عند شروطهم ) فإن خانهم أو سرق منهم أو اقترض شيئاً وجب عليه رد ما أخذ)اه
ثالثا:مسائل تتعلق بالمعاهد:
1- أغلب الدول الآن قد دخلت مع بعضها البعض في عهود صلح وهدنة, وقد تعارفوا على ذلك بوجود التمثيل الدبلوماسي, بل مجرد الانتساب إلى هيئة الأمم المتحدة يعني الدخول في عهد وصلح وهدنة مع كل الدول الأعضاء, كما ينص على ذلك نظامها الداخلي, وقد أجاز الحنفية كما في بدائع الصنائع للكاساني (15/319) وهو وجه عند الحنابلة اختار ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة كما في الإنصاف للمرداوي (7/157) وهو قول للإمام الشافعي كما في أحكام أهل الذمة (ص 158): الدخولَ في هدنة مطلقة من غير تحديد المدة, قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة (ص 158): (والقول الثاني -وهو الصواب- أنه يِجوز عقدها مطلقة ومؤقته، فإذا كانت مؤقتة جاز أن تجعل لازمة. ولو جعلت جائزة بحيث يجوز لكل منهما فسخها متى شاء جاز ذلك، لكن بشرط أن ينبذ إليهم على سواء. ويجوز عقدها مطلقة. وإذا كانت مطلقة لم يمكن أن تكون لازمة التأبيد، بل متى شاء نقضها. وعامةُ عهود النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين كانت كذلك مطلقة غير مؤقتة، جائزة غير لازمة منها عهده مع أهل خيبر )اه, صحيح أن الفقهاء قد منعوا من التنصيص على تأبيد الهدنة, لأن في ذلك إلغاءا للجهاد, ولكن العرف الدولي الآن على أن قطع العلاقات الدبلوماسية بين بلدين يعني إلغاء الهدنة بين البلدين, فلا تأبيد إذن, هذا كله بغض النظر عن أنظمة الأمم المتحدة المخالفة للشريعة الإسلامية, لأن الذي يعنينا هنا هو العهد والهدنة والصلح وليس فيه مخالفة للشريعة الإسلامية ما لم يكن في بنود الصلح ما يعارض الشريعة, على أن الضرورة لها أحكام والضرورات تبيح المحظورات كما هو مقرر في قواعد الفقه وفروعه
2- ليس لآحاد الناس الحكم على ذمي أو مستأمن أو معاهد بنقض العهد بل ذلك لولي الأمر فقط, ومن باب أولى ليس لآحاد الناس أن يستبيحوا دم أحد ممن سبق لأجل ذلك الحكم, لأن ذلك كله يحتاج إلى البينات والشهود ...إلخ ما يتعلق بالقضاء
3- من دخل من أهل دار العهد دار الإسلام بغير أمان جديد سوى العهد لم يتعرض له؛ لأنه آمن بالعهد، فكما أنه لا يحل للمسلمين أن يتعرضوا له في داره فكذلك إذا دخل دار الإسلام... وكذلك لو دخل رجلٌ من أهل العهد دارَ الحرب فظهر المسلمون عليهم لم يتعرضوا له؛ لأنه في أمان المسلمين حيث كان بمنزلة ذمي يدخل دار الحرب. وانظر المبسوط للسرخسي (12/ 188)
4- تقدم معنا أن المعاهد إذا تجسس في دار الإسلام لصالح دولته الكافرة فإن ذلك لا يبيح دمه في مذهب جماهير أهل العلم
حكم قتل المدنيين ( دراسة فقهية )
عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد :
فهذا بحث موجز في حكم قتل المدنيين, وقد كثر الكلام حول هذه المسألة, وما أكثر ما وقع فيها من خلط وخبط وإفراط وتفريط, والسبب في ذلك هو عدم الرجوع إلى ما قرره الفقهاء والعلماء السابقون رضي الله عنهم, وإهمال التراث الفقهي الإسلامي, والنظر السطحي غير الشمولي في الأدلة الشرعية والفهم السقيم لها
وقد جعلت الموضوع في ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : حكم قتل المدنيين من المسلمين
والمبحث الثاني : حكم قتل المدنيين من أهل الذمة والمعاهدين والمستأمنين
والمبحث الثالث : حكم قتل المدنيين من أهل دار الحرب
تمهيد: في من هم المدنيون ؟ :
قبل الحديث عن حكم قتل المدنيين لا بد من معرفة ماذا تعني كلمة المدنيين لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.. فالمدنيون : مصطلح معاصر يراد به من عدى العسكريين, فكل من ليس بعسكري فهو مدني, وهنا يأتي سؤال مهم جدا وهو: هل العسكري والحربي بمعني واحد؟. هذا ما سيأتي الحديث عنه مفصلا إن شاء الله
المبحث الأول :
حكم قتل المدنيين من المسلمين
لا يخفى على أحد أن دم المسلم من أعظم المحرمات سواء كان مدنيا أم عسكريا ولو لم يكن في ذلك إلا قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) لكفى في بيان عظيم هذا الجرم, والآيات والأحاديث في حرمة دم المسلم كثيرة جدا ولا داعي لإيرادها؛ لأنها أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر.
ولكن هناك حالات تبيح دم المسلم, -على خلافٍ في بعضها بين أهل العلم- ومن تلك الحالات:
- حالة القصاص, والزنا مع الإحصان, والارتداد عن الدين (وسمي مسلما مجازا باعتبار ما كان) وهذه الثلاث الحالات ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني والمارق من الدين التارك للجماعة)اه رواه البخاري ومسلم
- ومن تلك الحالات: البغي على الإمام, وترك الصلاة, والحرابة, والسحر...إلخ, والأدلة الشرعية على جواز القتل في تلك الحالات وأقوال أهل العلم فيها مبسوطة في مظانها.
وهذه الحالات السابقة كلها ليس القتل فيها لآحاد الناس بل هي إلى الإمام أو نائبه ولا يجوز الافتئات عليه, لأنها أمور تحتاج إلى البينات والشهادة وغير ذلك مما يحتاج إليه القضاء, وخصوصا قضية الارتداد فإن الجهل والهوى يدخلان فيها بكثرة, وما أكثر ما أهدرت دماء تحت دعوى الارتداد وخصوصا في مسائل العقائد, وهذه بعض أقوال أهل العلم في ذلك:
- قال ابن الهمام الحنفي في فتح القدير 6/98: (وقتل المرتد مطلقا إلى الإمام عند عامة أهل العلم إلا عند الشافعي في وجه! في العبد إلى سيده)اه
- وقال زكريا الأنصاري الشافعي في أسنى المطالب 4/122 في المرتد: (ويتولاه) أي قتله (الحاكم), ولو بنائبه (بضرب الرقبة لا الإحراق) بالنار أو غيره لما فيه من المثلة, فلو تولاه غير الحاكم أو الحاكم بغير ضرب الرقبة عزر)اه
- وقال الرحيباني الحنبلي في مطالب أولى النهى 6/289: (ولا يقتل المرتد إلا الإمام أو نائبه) حرا كان أو عبدا; لأنه قتل لحق الله تعالى; فكان إلى الإمام كرجم الزاني المحصن, ولا يعارضه حديث: " { أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم } لأن قتل المرتد لكفره لا حدا (فإن قتله); أي: المرتد (غيرهما); أي الإمام أو نائبه ( بلا إذن ) من أحدهما (أساء وعزر) لافتئاته على ولي الأمر)اه
*ومن الحالات التي تبيح دم المسلم: الدفاع عن النفس أو العرض أو المال لحديث: (من قتل دون مظلمته فهو شهيد) رواه أبو داود, وللحديث عدة ألفاظ
*ومن الحالات التي تبيح دم المسلم: تترس الكفار به لكن ذلك في حالة الضرورة فقط, في مذهب الجمهور, ومن أهل العلم من منع من ذلك مطلقا, على تفاصيل لأهل العلم في ذلك, وهذه بعض أقوال أهل العلم في المسألة:
- في بدائع الصنائع للكاساني 7/100: (ولا بأس برميهم بالنبال, وإن علموا أن فيهم مسلمين من الأسارى والتجار لما فيه من الضرورة, إذ حصون الكفرة قلما تخلو من مسلم أسير, أو تاجر فاعتباره يؤدي إلى انسداد باب الجهاد, ولكن يقصدون بذلك الكفرة دون المسلمين; لأنه لا ضرورة في القصد إلى قتل مسلم بغير حق. وكذا إذا تترسوا بأطفال المسلمين فلا بأس بالرمي إليهم; لضرورة إقامة الفرض, لكنهم يقصدون الكفار دون الأطفال)اه
- وفي شرح الخرشي على خليل 3/114: (وإن تترسوا بمسلمين فإنهم يقاتلون ولا يُقصُدُ الترسُ بالرمي وإن خفنا على أنفسنا; لأن دم المسلم لا يباح بالخوف على النفس إلا أن يخاف منهم على أكثر المسلمين فيسقط حينئذ حرمة الترس, إلا أنه ذكر في الجواهر قيودا زائدة حيث قال: إذا تترسوا بهم في الصف, ولو تركناهم لانهزم المسلمون وعظم الشر وخيف استئصال قاعدة الإسلام وجمهورهم وأهل القوة منهم وجب الدفع وسقط مراعاة الترس انتهى)اه
- وفي أسنى المطالب لزكريا الأنصاري 4/191: (أو) تترسوا (بمسلم أو ذمي فلا) نرميهم إن لم تدع ضرورة إلى رميهم واحتمل الحال الإعراض عنهم صيانة للمسلمين وأهل الذمة, وفارق النساء والصبيان [من أهل الحرب] بأن المسلم والذمي محقونا الدم لحرمة الدين والعهد فلم يجز رميهم بلا ضرورة, والنساء والصبيان حقنوا لحق الغانمين فجاز رميهم بلا ضرورة)اه
- وقال ابن قدامة في المغني10/495: (وإن تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة إلى رميهم لكون الحرب غير قائمة أو لإمكان القدرة عليهم بدونه أو للأمن من شرهم لم يجز رميهم فان رماهم فأصاب مسلما فعليه ضمانه وان دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين جاز رميهم لأنها حال ضرورة ويقصد الكفار. وإن لم يخف على المسلمين لكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي: فقال الأوزاعي والليث: لا يجوز رميهم لقول الله تعالى: {ولولا رجال مؤمنون.. } الآية, وقال الليث: ترك فتح حصن يقدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق, وقال الأوزاعي: كيف يرمون من لا يرونه؟ إنما يرمون أطفال المسلمين, وقال القاضي والشافعي: يجوز رميهم إذا كانت الحرب قائمة لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد)اه
- واستدل من منع مطلقا بالآية السابقة: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات...) الآية, وبما هو مشهورة في السيرة من نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل من أخرج يوم بدر من المسلمين كرها في جيش المشركين كما في سيرة ابن هشام 3/177, ونقله عن سيرة ابن إسحاق
المبحث الثاني:
حكم قتل المدنيين من أهل الذمة والمعاهدين والمستأمنين
أهل الذمة: هم الكفار الذين أُقروا في دار الإسلام على كفرهم بالتزام الجزية ونفوذ أحكام الإسلام فيهم
والمعاهدون: هم الذين صالحهم إمام المسلمين على إنهاء الحرب مدة معلومة لمصلحة يراها, من العهد وهو الصلح المؤقت, ويسمى الهدنة والمهادنة والمعاهدة والمسالمة والموادعة.
والمستأمن في الأصل: الطالب للأمان, وهو الكافر يدخل دار الإسلام بأمان, أو المسلم إذا دخل دار الكفار بأمان, قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة 2/ 873-874: ( الكفار: إما أهل حرب وإما أهل عهد, وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة وأهل هدنة وأهل أمان.
وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابا فقالوا: باب الهدنة, باب الأمان, باب عقد الذمة, ولفظ الذمة والعهد يتناول هؤلاء كلهم في الأصل... ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء:
أهل الذمة: عبارة عمن يؤدي الجزية وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله
بخلاف أهل الهدنة: فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم سواء كان الصلح على مال أو غير مال لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة.
وأما المستأمن: فهو الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان لها, وهؤلاء أربعة أقسام: رسل وتجار ومستجيرون -حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن فإن شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم- وطالبوا حاجة من زيارة أو غيرها
وحكم هؤلاء ألا يهاجروا ولا يقتلوا ولا تؤخذ منهم الجزية وأن يعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن فإن دخل فيه فذاك وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به ولم يعرض له قبل وصوله إليه فإذا وصل مأمنه عاد حربيا كما كان)اه
وهذه الثلاثة الأصناف لا يجوز أيضا قتلهم سواء كانوا مدنيين أم عسكريين, وقد وردت الآيات والأحاديث والآثار الكثيرة في الدلالة على ذلك ومنها:
- قال تعالى في أهل الذمة: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر... حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)
- وقال تعالى في أهل العهد: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين)
- وقال تعالى في أهل الأمان: ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون)
- وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما) اه وأخرجه أحمد والنسائي بلفظ: (من قتل قتيلا من أهل الذمة...)
- والحديث رواه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصحح إسناده عن أبي بكرة, ورواه ابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة, ورواه النسائي وأحمد عن القاسم بن مخيمرة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم
- وروى أبو داود والترمذي عن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس -أو برذون- وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، فإذا هو عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء»، فرجع معاوية)اه
- وروى أبو داود عن صفوان بن سليم: عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن آبائهم، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نف، فأنا حجيجه يوم القيامة)اه
- وروى البخاري ومسلم عن أم هانئ أخت علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما-، قالت:... فلما انصرف فلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي عليّ: أنه قاتل رجلا قد أجرته -فلان بن هبيرة- فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ)اه
- وفي موطأ مالك: (أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل جيش، كان بعثه: إنه بلغني أن رجالا منكم يطلبون العلج، حتى إذا أسند في الجبل وامتنع، قال رجل: «مترس» يقول: لا تخف، فإذا أدركه قتله، وإني-والذي نفسي بيده - لا أعلم مكان أحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه!)اه
- وفي صحيح البخاري ومسلم: (عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل)اه ورواه مسلم عن أبي هريرة
- وروى الحاكم وصحح إسناده: (عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذمة المسلمين واحدة، فإن جازت عليهم جائزة، فلا تخفروها، فإن لكل غادر لواء، يعرف به يوم القيامة)اه
- وروى ابن أبي شيبة أيضا: (قال أبو فرقد: كنا مع أبي موسى الأشعري يوم فتحنا سوق الأهواز، فسعى رجل من المشركين وسعى رجلان من المسلمين خلفه، فبينما هو يسعى ويسعيان إذ قال له أحدهما: مترس، فأخذاه فجاءا به وأبو موسى يضرب أعناق الأسارى حتى انتهى الأمر إلى الرجل فقال أحدهما: إن هذا قد جعل له الأمان، فقال أبو موسى: وكيف جعل له الأمان، قال: إنه كان يسعى ذاهبا في الأرض فقلت له: مترس، فقام : فقال أبو موسى: وما مترس؟ قال: لا تخف، قال: هذا أمان، خليا سبيله، فخليا سبيل الرجل)اه
- وروى ابن أبي شيبة: (عن مجاهد قال: قال عمر: أيما رجل من المسلمين أشار إلى رجل من العدو لان نزلت لأقتلنك، فنزل وهو يرى أنه أمان فقد أمنه. وعن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: كتب عمر إلى أمراء الأجناد: أيما رجل من المسلمين أشار إلى رجل من العدو: لئن نزلت لأقتلنك فنزل، وهو يرى أنه أمان فقد أمنه)اه
- فإذا كان قول المسلم للكافر الحربي العجمي كلمة (لأقتلنك) بطريقة يرى الكافر أن المسلم يقصد بها الأمان يصير به الكافر آمنا؛ فكيف إذا كان المسلم يقول له بصريح العبارة: أنت آمن, وقد قرأت في بعض المواقع أن بعض المسلمين في بلد مسلم محتل قالوا لبعض المحتلين الكفار بعدما حاصروهم: سلموا أنفسكم وأنتم آمنون, فلما سلم المحتلون أنفسهم قتلهم المسلمون, وهذا حرام كما لا يخفى
مسائل مهمة تتعلق بالثلاثة الأصناف:
أولا: مسائل تتعلق بالذمي:
1- إذا لم يأخذ وليُ الأمر الجزيةَ من أهل الذمة فلا يجوز أبدا أن تستحل دماؤهم لأجل ذلك, لأن الجزية قد تسقط عن أهل الذمة في بعض الحالات, ومنها عند استعدادهم للاشتراك في واجب الدفاع عن دار الإسلام, فقد:
- أعفى عتبةُ بن فرقد -عاملُ عمر على أذربيحان- من الجزية من اشترك من أهلها في الدفاع مع المسلمين, كما في تاريخ الطبري 5/250
- وأعفى سراقةٌ بن عمرو من الجزية أهلَ أرمينيا مقابل أن يقوموا معه ضد عدو المسلمين وأجازه بذلك عمر كما في تاريخ الطبري 5/256
- وأعفى سويدُ بن مقرن -القائد من قبل عمر- من استعان به من أهل جورجان من الجزية كما في تاريخ الطبري 5/ 254
- وأعفى حبيبُ بن مسلم الفهري -القائد من قبل أبي عبيدة- أهلَ أنطاكية من الجزية مقابل أن يكونوا أعوانا للمسلمين في نواحيهم كما في تاريخ الطبري 5/ 217, قال الشيخ عبد الكريم زيدان في كتابه أحكام أهل الذمة ص131: (في البلاد الإسلامية في الوقت الحاضر ذميون لا تؤخذ منهم الجزية في معظم الدول الإسلامية, ويمكن توجيه ذلك شرعا بأن يقال: الذميون في هذه الدول يشتركون مع المسلمين في الدفاع عن دار الإسلام, والمساهمة في هذا الواجب تسقط الجزية بعد وجوبها أو تمنع وجوبها أصلا كما رأينا في بعض النماذج التاريخية السابقة, فهم يؤدون الخدمة العسكرية ويساهمون في الدفاع عن الوطن) اه
2- ولو فرض أن ولي الأمر قصر في أخذ الجزية من أهل الذمة مع قعودهم عن الدفاع فإن هذا لا يبيح دمائهم بلا شك, لأنهم لا يؤخذون بتقصير غيرهم (ولا تزر وازرة وزر أخرى), نعم لأهل الحل والعقد حينئذ أن يوجهوا السؤال لولي الأمر ويقولوا له : لماذا لا تأخذ الجزية من أهل الذمة؟ فإن أبدا عذرا فذاك وإلا نصحوه بأن لا يقصر في ذلك, فإن استجاب فالحمد لله وإلا فيتحمل هو وزر ذلك ولا دخل لأهل الذمة في تقصيره, وتتصور المسألة في زماننا هذا في الكفار الذين يعيشون في بلاد الإسلام وقد كان آباؤهم يعيشون فيها مع دفع الجزية
3- إذا امتنع الذمي عن أداء الجزية فإن ذلك لا يبيح دمه ولا ينتقض بذلك عهده في مذهب الحنفية وغيرهم خلافا للجمهور, قالوا: ويحمل امتناعه على العجز ولا ينتقض العهد بالاحتمال, كما في بدائع الصنائع 7/113 وفتح القدير4/380
4- إذا حصل من الذمي تجسس فلا يستباح بذلك دمه في مذهب الجماهير من أهل العلم, ففي شرح النووي على مسلم 12/67: (وأما الجاسوس المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي: يصير ناقضا للعهد, فإن رأى استرقاقه أرقه ويجوز قتله, وقال جماهير العلماء: لا ينتقض عهده بذلك قال أصحابنا: إلا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك)اه
5- قتل الذمي للمسلم وزناه بالمسلمة كرها وتعرضه للدين بالإساءة كل ذلك لا ينتقض به عهده في مذهب الحنفية وغيرهم خلافا للجمهور, وإنما يعامل بحسب ما يقتضيه عمله من غير أن ينتقض بذلك عهده, وانظر بدائع الصنائع 7/113 وفتح القدير4/380, وإذا حصل العكس فقَتلَ المسلمُ ذميا فإنه يقتل به في مذهب الحنفية أيضا خلافا للجمهور
6- حكم الحاكم واختيار ولي الأمر يرفع الخلاف فيما يتعلق بالمسائل المختلف فيها بن أهل العلم في التعامل مع أهل العهد وأهل الذمة والمستأمنين, وفي غيرها من المسائل, كما هو مقرر عند أهل العلم, قال القرافي في الفروق2/103: (اعلم أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف ويرجع المخالف عن مذهبه لمذهب الحاكم وتتغير فتياه بعد الحكم عما كانت عليه على القول الصحيح من مذاهب العلماء) اه
ثانيا: مسائل تتعلق بالمستأمن:
1- المستأمن لا يمكِن أن يعيش بصفة الأمان في بلاد الإسلام إلى الأبد, وإلا لبطلت عقود الذمة والجزية, وقد اختلف أهل العلم في الفترة التي يجوز لولي الأمر أن يعطيها للمستأمن:
- ففي مذهب الحنفية كما في شرح كنز الدقائق 3/268 -وهو قول في مذهب الشافعية-: لا بد ألا تصل إلى سنةٍ
- وفي مذهب الشافعية : لا تزيد عن أربعة أشهر في الرجل ولا حد لها في المرأة كما في مغني المحتاج للشربيني 4/238
- وفي مذهب الحنابلة: لا تزيد عن عشر سنين كما في كشاف القناع للبهوتي 1/695
2- إذا تأخر المستأمن فزاد على المدة المسموح له بها فلا يجوز أن يستباح دمه لأجل ذلك, بل ينذره الإمام بالخروج فإن خرج فذاك وإلا فينقلب ذميا وتلزمه الجزية, كما في المبسوط10/84 , وبدائع الصنائع 7/110, وإذا لم ينذره الإمام بالخروج فمن أهل العلم من قال: يصير ذميا بانتهاء المدة, ومنهم من قال: لا يصير ذميا ولو طالت المدة إلا بالإنذار كما في فتح القدير 4/351
3- يدخل في المستأمنين: العاملون في السفارات والسائحون والعاملون في الشركات...ألخ ولو كانت بلادهم من بلاد أهل الحرب لأنهم دخلوا بلاد الإسلام بالأمان, والأمان إنما يكون للمستأمنين من أهل دار الحرب أما الذمي والمعاهد فهو آمن بالذمة والعهد, وعليه فلو دخل أمريكي أو إسرائيلي بلاد الإسلام بالأمان فلا يجوز أن يتعرض له بسوء لأنه محرم الدم والمال والعرض, والأمر في ذلك ظاهر ولا خلاف فيه, وإنما نبهنا عليه لما يحصل فيه من تجاوزات ممن لا علم له بالأدلة الشرعية وكلام أهل العلم
4- الأمان: منه ما هو نصي ومنه ما هو عرفي, ومن العرفي: أن الرسل لا تقتل كما في قصة رسل مسيلمة الكذاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم, ومن ذلك أن من دخل دار الإسلام ليفادي أسيرا فإنه لا يقتل كما في قصة عمير بن وهب الجمحي, ومن ذلك أن من أتى للتفاوض لا يقتل كما في قصة أبي سفيان بعد نقض صلح الحديبية, ومنه أن التجار لا يقتلون كما سيأتي... إلخ, ومن الأمان العرفي في زماننا: أن الإعلاميين في مواقع القتال لا يقتلون وأن الأطباء والمسعفين في مواضع القتال لا يقتلون... إلخ
5- لو فرض أن أهل الحل والعقد في دولة معينة حكموا على ولي الأمر فيها بالكفر وبأن ولايته صارت غير شرعية فإن ذلك لا يبيح دماء من أعطاهم ذلك الوليُ الأمانَ من أهل الحرب, لأنهم وإن فرضنا عدم اعتبار الأمان النصي في حقهم فقد بقي لهم الأمان العرفي
6- من دخل دار الحرب بأمان من أهلها فهم آمنون منه على دمائهم وأموالهم وأعراضهم, تماما كما يأمن من دخل منهم دار الإسلام بالأمان, وعليه فمن أُعطي تأشيرة للدخول إلى بلد ما فإنه بذلك قد أعطاهم الأمان من نفسه فلا يجوز أبدا أن يخفر ذمتهم, ففي كتاب الأم [4/355] قال الإمام الشافعي: (إذا دخل قوم من المسلمين بلاد الحرب بأمان فالعدو منهم آمنون إلى أن يفارقوهم أو يبلغوا مدة أمانهم وليس لهم ظلمهم ولا خيانتهم)اه, وقال الإمام ابن قدامة في المغنى 10/515: (من دخل إلى أرض العدو بأمان لم يخنهم في مالهم.. وأما خيانتهم فمحرمة لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطاً بتركه خيانتهم وأمنه إياهم من نفسه وإن لم يكن ذلك مذكوراً في اللفظ فهو معلوم في المعنى, ولذلك من جاءنا منهم بأمان فخاننا كان ناقضاً لعهده . فإذا ثبت هذا لم تحل له خيانتهم لأنه غدر ولا يصلح في ديننا الغدر وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم المسلمون عند شروطهم ) فإن خانهم أو سرق منهم أو اقترض شيئاً وجب عليه رد ما أخذ)اه
ثالثا:مسائل تتعلق بالمعاهد:
1- أغلب الدول الآن قد دخلت مع بعضها البعض في عهود صلح وهدنة, وقد تعارفوا على ذلك بوجود التمثيل الدبلوماسي, بل مجرد الانتساب إلى هيئة الأمم المتحدة يعني الدخول في عهد وصلح وهدنة مع كل الدول الأعضاء, كما ينص على ذلك نظامها الداخلي, وقد أجاز الحنفية كما في بدائع الصنائع للكاساني (15/319) وهو وجه عند الحنابلة اختار ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة كما في الإنصاف للمرداوي (7/157) وهو قول للإمام الشافعي كما في أحكام أهل الذمة (ص 158): الدخولَ في هدنة مطلقة من غير تحديد المدة, قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة (ص 158): (والقول الثاني -وهو الصواب- أنه يِجوز عقدها مطلقة ومؤقته، فإذا كانت مؤقتة جاز أن تجعل لازمة. ولو جعلت جائزة بحيث يجوز لكل منهما فسخها متى شاء جاز ذلك، لكن بشرط أن ينبذ إليهم على سواء. ويجوز عقدها مطلقة. وإذا كانت مطلقة لم يمكن أن تكون لازمة التأبيد، بل متى شاء نقضها. وعامةُ عهود النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين كانت كذلك مطلقة غير مؤقتة، جائزة غير لازمة منها عهده مع أهل خيبر )اه, صحيح أن الفقهاء قد منعوا من التنصيص على تأبيد الهدنة, لأن في ذلك إلغاءا للجهاد, ولكن العرف الدولي الآن على أن قطع العلاقات الدبلوماسية بين بلدين يعني إلغاء الهدنة بين البلدين, فلا تأبيد إذن, هذا كله بغض النظر عن أنظمة الأمم المتحدة المخالفة للشريعة الإسلامية, لأن الذي يعنينا هنا هو العهد والهدنة والصلح وليس فيه مخالفة للشريعة الإسلامية ما لم يكن في بنود الصلح ما يعارض الشريعة, على أن الضرورة لها أحكام والضرورات تبيح المحظورات كما هو مقرر في قواعد الفقه وفروعه
2- ليس لآحاد الناس الحكم على ذمي أو مستأمن أو معاهد بنقض العهد بل ذلك لولي الأمر فقط, ومن باب أولى ليس لآحاد الناس أن يستبيحوا دم أحد ممن سبق لأجل ذلك الحكم, لأن ذلك كله يحتاج إلى البينات والشهود ...إلخ ما يتعلق بالقضاء
3- من دخل من أهل دار العهد دار الإسلام بغير أمان جديد سوى العهد لم يتعرض له؛ لأنه آمن بالعهد، فكما أنه لا يحل للمسلمين أن يتعرضوا له في داره فكذلك إذا دخل دار الإسلام... وكذلك لو دخل رجلٌ من أهل العهد دارَ الحرب فظهر المسلمون عليهم لم يتعرضوا له؛ لأنه في أمان المسلمين حيث كان بمنزلة ذمي يدخل دار الحرب. وانظر المبسوط للسرخسي (12/ 188)
4- تقدم معنا أن المعاهد إذا تجسس في دار الإسلام لصالح دولته الكافرة فإن ذلك لا يبيح دمه في مذهب جماهير أهل العلم
تعليق