الحفاظ على الاستقرار في المنظور التشريعي الاسلامى(2)
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
.
تحريم الخروج بالسيف " التغيير المسلح": ومن القواعد التي تؤسس للحفاظ على الاستقرار قاعده تحريم الخروج بالسيف، اى التغيير باستخدام القوه المسلحة ، والتي اجمع عليها علماء أهل ألسنه ، يقول الإمام ابن تيمية (وأما أهل العلم والدين والفضل؛ فلا يرخّصون لأحدٍ فيما نهى الله عنه:من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرِف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا، ومن سيرة غيرهم) (مجموع الفتاوى:35/12)، ويقول أيضًا (فلهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة: لزوم الجماعة، وترْك قتال الأئمة في الفتنة، وأما أهل الأهواء - كالمعتزلة - فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم)( الاستقامة:2/215 216)،ويقول الإمام النووي (وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين - وإن كانوا فسقة ظلمة - وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق) (شرح مسلم:12/432-433)، ويقول الإمام الأشعري في (رسالة أهل الثغر)(وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كل مَنْ ولي شيئًا من أمورهم عن رضي أو غلبة، وامتدت طاعته - مِنْ برٍّ وفاجر - لا يلزم الخروج عليه بالسيف جارَ أو عَدَل، وعلى أن يُغْزا معه العدو، ويُحَجَّ معهم البيت، وتُدْفع إليهم الصدقات إذا طلبوها، ويُصَلَّى خلفهم الجُمَع و الأعياد) (ص 297:ط / مكتبة العلوم والحكم)، ويقول الصابوني في (عقيدة السلف أصحاب الحديث))(ص 106/ ط. مكتبة الغرباء): (ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم، برًّا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفار معهم، وإن كانوا جَوَرة فَجَرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح، والتوفيق، والصلاح، وبَسْط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف... ). أما إذا اذا كان المقصود بالخروج التغيير السلمي ، فان حكمه يتغير بحسب ما يفضى إليه ، حسب قاعده سد الذرائع وفتحها كما سنبين لاحقا .
أهل السنة والتوازن بين التغيير والاستقرار : وقد حاول أهل السنة تحقيق توازن بين الاستقرار والتغيير من خلال القواعد التالية :
اولويه الإصلاح : فقد اجمع أهل السنة على الأخذ بالإصلاح كنمط تغيير تدريجي جزئي، يقوم على آليات شرعيه متعددة كالتقويم والنصح ، باعتباره نمط التغيير الاصلى ، يقول الباقلاني بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه وعدم جواز خلعه بالسيف( بل يجب وعظه و تخويفه ، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله)(التمهيد 186).
منع وإيجاب الثورة استنادا إلى قاعدة سد الذرائع وفتحها: ولكن علماء أهل السنة ، اختلفوا في حكم الثورة كنمط تغيير فجائي كلى( والتي عبروا عنها بمصطلح خلع السلطان الجائر) ، إلى مذهبين :المذهب الأول: المنع: يقول الإمام ابن تيمية ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى ، 28) ، المذهب الثاني: الاباحه: ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي: 10 \ 311)،ومن الواضح أن الحكم بالمنع أو الإيجاب فى المذهبين مبنى على قاعدة سدا لذرائع وفتحها يقول القرافي ( اعلم أنَّ الذريعة كما يجب سدّها ، يجب فتحها وتكره وتندب وتباح ؛ فإن الذريعة هي الوسيلة ، فكما أنَّ وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة ؛ كالسعي للجمعة والحج ) (شرح تنقيح الفصول، ص449 ) ، فالمذهب الأول قال بالمنع سدا للذرائع ، اى ترجيحا للمفسدة المترتبة على خلع الحاكم الظالم - وهى هنا غياب الاستقرار- على المصلحة المتحققة من خلعه، وقال المذهب الثانى بالإيجاب فتحا للذرائع ،اى ترجيحا للمصلحة المتحققة من خلع الحاكم الظالم على المفسدة التي قد تلزم من خلعه. ويمكن الجمع بين المذهبين بالقول بان الحكم بالمنع أو الإيجاب أنما يكون طبقا لرجحان المفسدة التي قد تلزم من خلع الحاكم الظالم ، أو المنفعة التي قد تتحقق من ذلك ، وبالتالي الحكم بالمنع - على درجاته من كراه او تحريم - حسب درجه المفسدة التي قد تلزم من ذلك" ومن هذه المفاسد غياب الاستقرار"، والحكم بالإيجاب -على درجاته من اباحه واستحباب ووجوب- حسب درجه المصلحة التي قد تتحقق من ذلك، وهذه المصلحة لا تتحقق إلا بالتزام بجمله من الضوابط الشرعية كالوحدة ونبذ التفرق ونبذ العنف إلا في حاله الدفاع عن النفس .. فالحكم بالإيجاب يقتصر على الثورة التي تتبع أساليب التغيير السلمية، ولا يتعداه إلى الثورة التي تتبع أساليب التغيير المسلح،لان هذه الأساليب تتعارض مع إجماع علماء أهل السنة على تحريم " الخروج بالسيف " كما سبق الاشاره إليه ....
المذاهب التي تتعارض مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعي : ورغم أن الحفاظ على الاستقرار أصل شرعي ، أوجبته كثير من النصوص، وأسست له كثير من القواعد الشرعية، إلا انه قد ظهر في الفكر السياسي الاسلامى الحديث والمعاصر ، بعض المذاهب التي تتعارض مع تقرير أن الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعي الأصل الشرعي، ومن هذه المذاهب :
مذهب التفسير السياسي للدين : من هذه المذهب مذهب "التفسير السياسي للدين" - الذي يعبر عنه البعض خطاْ - بمصطلح " الإسلام السياسي" ، وهو مذهب يقوم على محاوله إثبات علاقة بين الدين والدولة، لكنه يتطرف في هذا الإثبات إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ، وليست علاقة ارتباط ووحده ، ومرجع هذا التطرف أن هذا مذهب ظهر في المجتمعات المسلمة ، في العصور الحديثة والمعاصرة ، كرد فعل على اللبيراليه والتي باستنادها إلى العلمانية ، القائمة على فصل الدين عن الدولة، نفت اى علاقة للدين بالدولة . وهذا المذهب يتعارض في ذاته" اى المفاهيم التي يستند إليها " ، وفيما يلزم منه " اى المفاهيم التي يلزم منه "مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى :
ا/الامامه" السلطة" أصل من أصول الدين : ففيما يتعلق بهذا المذهب في ذاته " اى المفاهيم التي يستند اليها" نجد انه يستند إلى القول بأن الامامه" بمعنى السلطة" أصل من أصول الدين وليست فرع من فروعه، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، والقائم على أن الامامه هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله-خلافا للمذهب الشيعي - يقول الإيجي ( وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) ، أما الأقوال الواردة عن علماء أهل السنة عن وجوب نصب إمام تتحدث عن نصب الأمام في كل زمان ، وليس نصب الإمام في زمان معين اى تتعلق بالدولة وليست بالسلطة ، فمفهوم الدولة اشمل من مفهوم السلطة ، ذلك أن أركان الدولة هي الشعب والأرض والسلطة، ، يقول الإيجي ( نَصْبُ الإمام عندنا واجبٌ علينا سمعاًوقال : انه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي ? على امتناع خلو الوقت عن إمام، حتى قال أبو بكر رضي اله عنه في خطبته ألا إن محمداً قد مات، ولا بدَّ لهذا الدين ممن يقوم به ، فبادر الكل إلى قبوله، وتركوا له أهم الأشياء، وهو دفن رسول الله ، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر)(المواقف ، ص 395 )،اتساقا مع تقرير علماء أهل السنة أن الامامه بمعنى السلطة هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، وأن قولهم بوجوب نصب إمام يتصل بالدولة وضرورتها الاجتماعية، ولا يتعلق بالسلطة، فقد قرر علماء أهل السنة أن الوجوب هنا هو وجوب كفائي لا عيني، اى أن نصب الإمام فرض كفاية لا فرض عين خلافا لمذهب الشيعي القائل أنها فرض عين ، يقول الماوردي ( فإذا ثبت وجوبها ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط ففرضها على الكفاية..)( الأحكام السلطانية: ص 5) ، ويقول الإمام النووي: (تولي الإمامة فرض كفاية ، فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعين عليه ، ولزمه طلبها إن لم يبتدؤه، هذا إذا كان الدافع له الحرص على مصلحة المسلمين ، وإلا فإن من شروط الإمام ألا يطلبها لنفسه كما سيأتي في الشروط) (روضة الطالبين :10/43). وهذا القول يتعارض مع تقرير ان الحفاظ على الاستقرار أصل شرعى ، لأنه يقوم على أن السلطة"وما يتصل بها من تغيير سياسي " هي أصل من أصول الدين ، بالتالي يجب ان يقدم على ما سواه من فروع الدين ومنها الحفاظ على الاستقرار.
ب/ اباحه الاختلاف على مستوى أصول الدين : كما أن هذا المذهب يلزم منه الكثير من المفاهيم ، التي يتعارض بعضها مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى، ومن هذه المفاهيم اباحه الاختلاف " التعدد "على مستوى أصول الدين:وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف ،على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة : يقول تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية (104). ولا شك ان التفرق الناتج عن الاختلاف على مستوى أصول الدين مهدد اساسى لاستقرار المجتمع المسلم ، لذا اعتبر الإمام ابن تيميه أن التفرق من أعظم الشرور والفتن (وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان، فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديما وحديثا) .
مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة: ومن هذه المذاهب مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة وهو مذهب يقوم على بدعيتين بينهما علاقة تلازم، البدعة الأولى هي الغلو في التكفير ، ويلزم منها البدعة الثانية وهى استحلال الدماء المحرمة " كدماء المسلمين وأهل الذمة والمعاهدين وغير المقاتلين من الكفار.."، فهو مذهب يقوم على الإطلاق البدعى لمفهومي التكفير والقتال ، من خلال عدم الالتزام بضوابطهما الشرعية ، وهو مذهب يفارق مذهب أهل السنة- الذي يمثل الفهم الصحيح للإسلام - لأنه يقوم على الضبط الشرعي لهذين المفهومين ، من خلال الالتزام بضوابطهما الشرعية .ويتمثل هذا المذهب في ماضي الامه في مذهب الخوارج الذي يقوم على الإطلاق البدعى للتكفير والقتال، من خلال عدم الالتزام بضوابط التكفير والقتال الشرعية....كما يتمثل هذا المذهب في حاضر الامه في مذهب أهل الغلو في التكفير والقتال ، الذي يلتقي مع مذهب الخوارج في الإطلاق البدعى للتكفير والقتال، ويفارق مذهب أهل السنة القائم على الضبط الشرعي للمفهومين، وقد أشار الإمام ابن تيميه إلى هذا الالتقاء بين أهل الغلو الخوارج في الإطلاق البدعى للتكفير والقتال، حيث يقول في وصف الخوارج (ولهم خاصيتان مشهورتان فارقوا بها جماعه المسلمين وأئمتهم ، احدهما خروجهم من عن السنة ، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة، و ما ليس بحسنه حسنه.. الفرق الثاني: في الخوارج وأهل البدع أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات ، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وان دار الإسلام دار حرب ودارهم هي دار إيمان ،وكذلك يقول جمهور الرافضة وجمهور المعتزلة والجهميه، وطائفة من غلاه المنتسبين إلى أهل الحديث والفقه ومتكلميهم... فينبغي على للمسلم أن يحذر من هذين الأصلين الخبيثين ،وما يتولد عنهما من بغض المسلمين وذمهم ولعنهم واستحلال دمائهم وأموالهم)( مجموع الفتاوى 19/72).
-وقد اجمع علماء أهل السنة ،على كون مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المعصومة الذي مثله في عصرهم الخوارج - مذهب بدعي ضال ، وانه يجب قتال أصحابه في حال تطبيقهم لمذهبهم في استحلال الدماء المعصومة ، يقول الإمام ابن تيمية (َإِنَّ ْأُمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ الْخَوَارِجِ وَتَضْلِيلِهِمْ ... ) ( الفتاوى : 28/518 ) . والإطلاق البدعى للقتال، بعدم الالتزام بضوابطه الشرعية ، يخرجه من دائرة الجهاد ، ويدخله في دائرة الهرج ، الذي تنبأت العديد من النصوص بأنه سيكثر آخر الزمان ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي (صلى الله عليه وسلم ) ( لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج - وهو القتل القتل - حتى يكثر فيكم المال فيفيض) (صحيح البخاري - كتاب الجمعة- أبواب الاستسقاء - باب ما قيل في الزلازل والآيات- حديث1002(. كما ان القتال الذى مفسدته أكثر من مصلحته ليس جهادا بل قتال فته كما قال الإمام ابن تيميه (أن القتال إذا كانت مفسدته أكبر من مصلحته: فهو قتال فتنة...). وبناء على ما سبق فان مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء يتعارض مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى لأنه يلزم منه الهرج " القتال دون الالتزام ضوابطه الشرعية، وقتال الفتنه " القتال الذى مفسدته اكبر من مصلحته "وكلاهما مهدد اساسى لاستقرار المجتمع المسلم .
لزيارة موقع د. صبري محمد خليل اضغط هنا
https://sites.google.com/site/sabriymkh
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
.
تحريم الخروج بالسيف " التغيير المسلح": ومن القواعد التي تؤسس للحفاظ على الاستقرار قاعده تحريم الخروج بالسيف، اى التغيير باستخدام القوه المسلحة ، والتي اجمع عليها علماء أهل ألسنه ، يقول الإمام ابن تيمية (وأما أهل العلم والدين والفضل؛ فلا يرخّصون لأحدٍ فيما نهى الله عنه:من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرِف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا، ومن سيرة غيرهم) (مجموع الفتاوى:35/12)، ويقول أيضًا (فلهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة: لزوم الجماعة، وترْك قتال الأئمة في الفتنة، وأما أهل الأهواء - كالمعتزلة - فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم)( الاستقامة:2/215 216)،ويقول الإمام النووي (وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين - وإن كانوا فسقة ظلمة - وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق) (شرح مسلم:12/432-433)، ويقول الإمام الأشعري في (رسالة أهل الثغر)(وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كل مَنْ ولي شيئًا من أمورهم عن رضي أو غلبة، وامتدت طاعته - مِنْ برٍّ وفاجر - لا يلزم الخروج عليه بالسيف جارَ أو عَدَل، وعلى أن يُغْزا معه العدو، ويُحَجَّ معهم البيت، وتُدْفع إليهم الصدقات إذا طلبوها، ويُصَلَّى خلفهم الجُمَع و الأعياد) (ص 297:ط / مكتبة العلوم والحكم)، ويقول الصابوني في (عقيدة السلف أصحاب الحديث))(ص 106/ ط. مكتبة الغرباء): (ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم، برًّا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفار معهم، وإن كانوا جَوَرة فَجَرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح، والتوفيق، والصلاح، وبَسْط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف... ). أما إذا اذا كان المقصود بالخروج التغيير السلمي ، فان حكمه يتغير بحسب ما يفضى إليه ، حسب قاعده سد الذرائع وفتحها كما سنبين لاحقا .
أهل السنة والتوازن بين التغيير والاستقرار : وقد حاول أهل السنة تحقيق توازن بين الاستقرار والتغيير من خلال القواعد التالية :
اولويه الإصلاح : فقد اجمع أهل السنة على الأخذ بالإصلاح كنمط تغيير تدريجي جزئي، يقوم على آليات شرعيه متعددة كالتقويم والنصح ، باعتباره نمط التغيير الاصلى ، يقول الباقلاني بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه وعدم جواز خلعه بالسيف( بل يجب وعظه و تخويفه ، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله)(التمهيد 186).
منع وإيجاب الثورة استنادا إلى قاعدة سد الذرائع وفتحها: ولكن علماء أهل السنة ، اختلفوا في حكم الثورة كنمط تغيير فجائي كلى( والتي عبروا عنها بمصطلح خلع السلطان الجائر) ، إلى مذهبين :المذهب الأول: المنع: يقول الإمام ابن تيمية ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى ، 28) ، المذهب الثاني: الاباحه: ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي: 10 \ 311)،ومن الواضح أن الحكم بالمنع أو الإيجاب فى المذهبين مبنى على قاعدة سدا لذرائع وفتحها يقول القرافي ( اعلم أنَّ الذريعة كما يجب سدّها ، يجب فتحها وتكره وتندب وتباح ؛ فإن الذريعة هي الوسيلة ، فكما أنَّ وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة ؛ كالسعي للجمعة والحج ) (شرح تنقيح الفصول، ص449 ) ، فالمذهب الأول قال بالمنع سدا للذرائع ، اى ترجيحا للمفسدة المترتبة على خلع الحاكم الظالم - وهى هنا غياب الاستقرار- على المصلحة المتحققة من خلعه، وقال المذهب الثانى بالإيجاب فتحا للذرائع ،اى ترجيحا للمصلحة المتحققة من خلع الحاكم الظالم على المفسدة التي قد تلزم من خلعه. ويمكن الجمع بين المذهبين بالقول بان الحكم بالمنع أو الإيجاب أنما يكون طبقا لرجحان المفسدة التي قد تلزم من خلع الحاكم الظالم ، أو المنفعة التي قد تتحقق من ذلك ، وبالتالي الحكم بالمنع - على درجاته من كراه او تحريم - حسب درجه المفسدة التي قد تلزم من ذلك" ومن هذه المفاسد غياب الاستقرار"، والحكم بالإيجاب -على درجاته من اباحه واستحباب ووجوب- حسب درجه المصلحة التي قد تتحقق من ذلك، وهذه المصلحة لا تتحقق إلا بالتزام بجمله من الضوابط الشرعية كالوحدة ونبذ التفرق ونبذ العنف إلا في حاله الدفاع عن النفس .. فالحكم بالإيجاب يقتصر على الثورة التي تتبع أساليب التغيير السلمية، ولا يتعداه إلى الثورة التي تتبع أساليب التغيير المسلح،لان هذه الأساليب تتعارض مع إجماع علماء أهل السنة على تحريم " الخروج بالسيف " كما سبق الاشاره إليه ....
المذاهب التي تتعارض مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعي : ورغم أن الحفاظ على الاستقرار أصل شرعي ، أوجبته كثير من النصوص، وأسست له كثير من القواعد الشرعية، إلا انه قد ظهر في الفكر السياسي الاسلامى الحديث والمعاصر ، بعض المذاهب التي تتعارض مع تقرير أن الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعي الأصل الشرعي، ومن هذه المذاهب :
مذهب التفسير السياسي للدين : من هذه المذهب مذهب "التفسير السياسي للدين" - الذي يعبر عنه البعض خطاْ - بمصطلح " الإسلام السياسي" ، وهو مذهب يقوم على محاوله إثبات علاقة بين الدين والدولة، لكنه يتطرف في هذا الإثبات إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ، وليست علاقة ارتباط ووحده ، ومرجع هذا التطرف أن هذا مذهب ظهر في المجتمعات المسلمة ، في العصور الحديثة والمعاصرة ، كرد فعل على اللبيراليه والتي باستنادها إلى العلمانية ، القائمة على فصل الدين عن الدولة، نفت اى علاقة للدين بالدولة . وهذا المذهب يتعارض في ذاته" اى المفاهيم التي يستند إليها " ، وفيما يلزم منه " اى المفاهيم التي يلزم منه "مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى :
ا/الامامه" السلطة" أصل من أصول الدين : ففيما يتعلق بهذا المذهب في ذاته " اى المفاهيم التي يستند اليها" نجد انه يستند إلى القول بأن الامامه" بمعنى السلطة" أصل من أصول الدين وليست فرع من فروعه، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، والقائم على أن الامامه هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله-خلافا للمذهب الشيعي - يقول الإيجي ( وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) ، أما الأقوال الواردة عن علماء أهل السنة عن وجوب نصب إمام تتحدث عن نصب الأمام في كل زمان ، وليس نصب الإمام في زمان معين اى تتعلق بالدولة وليست بالسلطة ، فمفهوم الدولة اشمل من مفهوم السلطة ، ذلك أن أركان الدولة هي الشعب والأرض والسلطة، ، يقول الإيجي ( نَصْبُ الإمام عندنا واجبٌ علينا سمعاًوقال : انه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي ? على امتناع خلو الوقت عن إمام، حتى قال أبو بكر رضي اله عنه في خطبته ألا إن محمداً قد مات، ولا بدَّ لهذا الدين ممن يقوم به ، فبادر الكل إلى قبوله، وتركوا له أهم الأشياء، وهو دفن رسول الله ، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر)(المواقف ، ص 395 )،اتساقا مع تقرير علماء أهل السنة أن الامامه بمعنى السلطة هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، وأن قولهم بوجوب نصب إمام يتصل بالدولة وضرورتها الاجتماعية، ولا يتعلق بالسلطة، فقد قرر علماء أهل السنة أن الوجوب هنا هو وجوب كفائي لا عيني، اى أن نصب الإمام فرض كفاية لا فرض عين خلافا لمذهب الشيعي القائل أنها فرض عين ، يقول الماوردي ( فإذا ثبت وجوبها ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط ففرضها على الكفاية..)( الأحكام السلطانية: ص 5) ، ويقول الإمام النووي: (تولي الإمامة فرض كفاية ، فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعين عليه ، ولزمه طلبها إن لم يبتدؤه، هذا إذا كان الدافع له الحرص على مصلحة المسلمين ، وإلا فإن من شروط الإمام ألا يطلبها لنفسه كما سيأتي في الشروط) (روضة الطالبين :10/43). وهذا القول يتعارض مع تقرير ان الحفاظ على الاستقرار أصل شرعى ، لأنه يقوم على أن السلطة"وما يتصل بها من تغيير سياسي " هي أصل من أصول الدين ، بالتالي يجب ان يقدم على ما سواه من فروع الدين ومنها الحفاظ على الاستقرار.
ب/ اباحه الاختلاف على مستوى أصول الدين : كما أن هذا المذهب يلزم منه الكثير من المفاهيم ، التي يتعارض بعضها مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى، ومن هذه المفاهيم اباحه الاختلاف " التعدد "على مستوى أصول الدين:وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف ،على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة : يقول تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية (104). ولا شك ان التفرق الناتج عن الاختلاف على مستوى أصول الدين مهدد اساسى لاستقرار المجتمع المسلم ، لذا اعتبر الإمام ابن تيميه أن التفرق من أعظم الشرور والفتن (وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان، فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديما وحديثا) .
مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة: ومن هذه المذاهب مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة وهو مذهب يقوم على بدعيتين بينهما علاقة تلازم، البدعة الأولى هي الغلو في التكفير ، ويلزم منها البدعة الثانية وهى استحلال الدماء المحرمة " كدماء المسلمين وأهل الذمة والمعاهدين وغير المقاتلين من الكفار.."، فهو مذهب يقوم على الإطلاق البدعى لمفهومي التكفير والقتال ، من خلال عدم الالتزام بضوابطهما الشرعية ، وهو مذهب يفارق مذهب أهل السنة- الذي يمثل الفهم الصحيح للإسلام - لأنه يقوم على الضبط الشرعي لهذين المفهومين ، من خلال الالتزام بضوابطهما الشرعية .ويتمثل هذا المذهب في ماضي الامه في مذهب الخوارج الذي يقوم على الإطلاق البدعى للتكفير والقتال، من خلال عدم الالتزام بضوابط التكفير والقتال الشرعية....كما يتمثل هذا المذهب في حاضر الامه في مذهب أهل الغلو في التكفير والقتال ، الذي يلتقي مع مذهب الخوارج في الإطلاق البدعى للتكفير والقتال، ويفارق مذهب أهل السنة القائم على الضبط الشرعي للمفهومين، وقد أشار الإمام ابن تيميه إلى هذا الالتقاء بين أهل الغلو الخوارج في الإطلاق البدعى للتكفير والقتال، حيث يقول في وصف الخوارج (ولهم خاصيتان مشهورتان فارقوا بها جماعه المسلمين وأئمتهم ، احدهما خروجهم من عن السنة ، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة، و ما ليس بحسنه حسنه.. الفرق الثاني: في الخوارج وأهل البدع أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات ، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وان دار الإسلام دار حرب ودارهم هي دار إيمان ،وكذلك يقول جمهور الرافضة وجمهور المعتزلة والجهميه، وطائفة من غلاه المنتسبين إلى أهل الحديث والفقه ومتكلميهم... فينبغي على للمسلم أن يحذر من هذين الأصلين الخبيثين ،وما يتولد عنهما من بغض المسلمين وذمهم ولعنهم واستحلال دمائهم وأموالهم)( مجموع الفتاوى 19/72).
-وقد اجمع علماء أهل السنة ،على كون مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المعصومة الذي مثله في عصرهم الخوارج - مذهب بدعي ضال ، وانه يجب قتال أصحابه في حال تطبيقهم لمذهبهم في استحلال الدماء المعصومة ، يقول الإمام ابن تيمية (َإِنَّ ْأُمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ الْخَوَارِجِ وَتَضْلِيلِهِمْ ... ) ( الفتاوى : 28/518 ) . والإطلاق البدعى للقتال، بعدم الالتزام بضوابطه الشرعية ، يخرجه من دائرة الجهاد ، ويدخله في دائرة الهرج ، الذي تنبأت العديد من النصوص بأنه سيكثر آخر الزمان ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي (صلى الله عليه وسلم ) ( لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج - وهو القتل القتل - حتى يكثر فيكم المال فيفيض) (صحيح البخاري - كتاب الجمعة- أبواب الاستسقاء - باب ما قيل في الزلازل والآيات- حديث1002(. كما ان القتال الذى مفسدته أكثر من مصلحته ليس جهادا بل قتال فته كما قال الإمام ابن تيميه (أن القتال إذا كانت مفسدته أكبر من مصلحته: فهو قتال فتنة...). وبناء على ما سبق فان مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء يتعارض مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى لأنه يلزم منه الهرج " القتال دون الالتزام ضوابطه الشرعية، وقتال الفتنه " القتال الذى مفسدته اكبر من مصلحته "وكلاهما مهدد اساسى لاستقرار المجتمع المسلم .
لزيارة موقع د. صبري محمد خليل اضغط هنا
https://sites.google.com/site/sabriymkh