سنة وشيعة... وكراهية حتى الموت
سعد الله خليل
قلت لصاحب مكتبة تعنى بكتب التراث، وأنا أتصفح أحد كتب التلاسن والتجريح بين السنة والشيعة: يبدو أن هذه الحالة ستستمر لثلاثين سنة أخرى على الأقل. فأجابني بسرعة مصححا وكأنه يعبر عن دخيلته: بل قل لثلاثين ألف سنة أخرى!
يحار المرء في الأسباب القوية التي استدعت طيلة هذه القرون، كل هذا الصراع الدموي الدائر بين شريحتين من شرائح السنة والشيعة. وللأسف الشديد أن هاتين الشريحتين غارقتان في الجهل والتعصب والتخلف، وليست قليلة العدد، وليست على المدى القريب عابرتين.
لم يثبت الطرفان على مدى التاريخ الإسلامي قدرتهما على العيش المشترك طوعا فيما بينهم، وكل الأقاويل والادعاءات الأخرى التي تنفي ذلك، إنما هي تبجحات باطلة، غايتها الخداع وإخفاء الحقيقة أمام العالم، مثلها كمثل الذي يحاول إخفاء الشمس بغربال، فالنفوس تحمل من الحقد والضغينة، ما لم تستطع مئات كثيرة من السنين غسله ومحوه، وكل تعايش تم عبر التاريخ بين الطرفين، كان بقوة السلاح والإكراه، ولحساب فئة ضد فئة أخرى. فما هو سر هذه البغضاء الشديدة القاتلة؟ هل هو صراع سياسي على السلطة؟ أم هو صراع ديني غايته كسب ود الإله كما يتوهمون؟ أم هو تخلف وجهل وتعصب؟ ومن هو المسؤول الحقيقي عن هذه الضغائن؟ هل هو حقا الاستعمار الغربي والإمبريالية وإسرائيل الذين لا يزيد عمر وجودهم في بلادنا عن ستين أو سبعين عاما، وأنهم هم الذين يلقمون نار الفتنة والاقتتال حطب الحقد والكراهية؟ أم أنه الاستعمار العثماني- إذا اعتبرناه استعمارا- والذي لا يزيد عمره أيضا عن خمسمائة عام، هو الذي نشر البغضاء والضغينة؟ أم هي مصالح السياسيين وبعض رجال الدين الجهلة المتخلفين؟ أم أن هذا كذب كله، وذر للرماد في العيون، هدفه تبرئة النفس أمام العالم، والتمويه، والتعليق على مشجب الآخرين؟ لأن الكراهية متأصلة في القلوب والنفوس والعقول منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة عام، اشتد أوارها واستحكمت بمقتل عثمان بن عفان؟ أو بحرب صفين؟
ماذا يجري في العراق اليوم؟ يوميا عشرات القتلى المدنيين في الشوارع، وعشرات الجثث في القفار والأنهار، لا لذنب ارتكبه أصحابها، سوى أنهم ولدوا على مذهب إسلامي مختلف. حتى مجالس العزاء أصبحت هدفا لشاربي الدماء، وحتى المساجد والمراقد والمصلين لم يسلموا من التدمير والتفجير، وحتى الصحفيين. ولا يقتصر الأمر على العراق وحده، فما يجري في الباكستان غير قليل، يفجرون مساجد بعضهم بعضا بمن فيها، وعلى من فيها، وفي أفغانستان قبلها لم يكن الأمر أيضا على ما يرام، والنار ما زالت تتأجج تحت الرماد في البحرين واليمن، وفي كل بلد إسلامي تتواجد فيه هاتان الشريحتان حيث تُهمش إحداها لحساب الأخرى.
ماذا لو كان أحد الطرفين يملك أسلحة دمار شامل، جرثومية أو نووية، هل يتورع عن استخدامها ضد الآخر، الذي يعتبره عدوا أبديا لله، وعدوا أبديا للأولياء والصديقين والصالحين، والأجداد والآباء والأبناء؟
هل يظن هؤلاء أنهم بالقتل يتقربون من الله؟ وهل هم فعلا مؤمنون ومتيقنون أن الله يفرح بهذه الأعمال الوحشية ويباركها، ويرضى عمن يقتل ويزهق أرواح الناس، ويمنحه بركاته وجناته، واثنان وسبعين امرأة يطفئ فيهم شبقه، وخمرا ممتعا يروي منه ظمأه؟
ألا لعنة الله على هذه الشهوة الحيوانية التي تبيح لهؤلاء القتل والتفجير والتدمير! ألا لعنة الله على هذا الشبق الجنسي الذي يدفع صاحبه لذبح النساء والأطفال! ألا لعنة الله على هذه الرغبة بالخمر التي تدفع الإنسان لقتل جاره وزميله وقريبه! فأي جهل أعمى هذا، وأي تخلف وعنصرية؟
إن السنة والشيعة وجميع أطياف المجتمع محكومون بالعيش معا، وعلى أرض واحدة، فماذا فعل رجال الدين منذ أكثر من ألف عام حتى الآن لوقف هذه الكراهية طالما أنهم يمقتونها ويحاربونها؟ وماذا فعلوا ضد محركيها ومشعليها؟ لماذا لا تخصص كل الخطب لنبذ هذه البغضاء والقضاء عليها، إلى أن تزول؟ لماذا لا تفتي المؤسسات الدينية بتحريم هذه الأعمال؟ ولماذا لا يحض رجال الدين على المحبة والتسامح وقبول الآخر، ليعيش الناس جميعا في مساواة ووئام وسلام؟ لماذا لا يتم تكفير القتلة والمحرضين على الحقد والبغضاء والكراهية، بدلا من تكفير المخالفين في المذهب والعقيدة وهدر دمائهم؟ لماذا لا تقوم المؤسسات التربوية والتعليمة بتغير المناهج لتتوائم مع هذا التوجه؟ ولماذا لا تسن الدول العربية والإسلامية قوانين بهذا الاتجاه؟
Saadkhalil1@hotmail.com
سعد الله خليل
قلت لصاحب مكتبة تعنى بكتب التراث، وأنا أتصفح أحد كتب التلاسن والتجريح بين السنة والشيعة: يبدو أن هذه الحالة ستستمر لثلاثين سنة أخرى على الأقل. فأجابني بسرعة مصححا وكأنه يعبر عن دخيلته: بل قل لثلاثين ألف سنة أخرى!
يحار المرء في الأسباب القوية التي استدعت طيلة هذه القرون، كل هذا الصراع الدموي الدائر بين شريحتين من شرائح السنة والشيعة. وللأسف الشديد أن هاتين الشريحتين غارقتان في الجهل والتعصب والتخلف، وليست قليلة العدد، وليست على المدى القريب عابرتين.
لم يثبت الطرفان على مدى التاريخ الإسلامي قدرتهما على العيش المشترك طوعا فيما بينهم، وكل الأقاويل والادعاءات الأخرى التي تنفي ذلك، إنما هي تبجحات باطلة، غايتها الخداع وإخفاء الحقيقة أمام العالم، مثلها كمثل الذي يحاول إخفاء الشمس بغربال، فالنفوس تحمل من الحقد والضغينة، ما لم تستطع مئات كثيرة من السنين غسله ومحوه، وكل تعايش تم عبر التاريخ بين الطرفين، كان بقوة السلاح والإكراه، ولحساب فئة ضد فئة أخرى. فما هو سر هذه البغضاء الشديدة القاتلة؟ هل هو صراع سياسي على السلطة؟ أم هو صراع ديني غايته كسب ود الإله كما يتوهمون؟ أم هو تخلف وجهل وتعصب؟ ومن هو المسؤول الحقيقي عن هذه الضغائن؟ هل هو حقا الاستعمار الغربي والإمبريالية وإسرائيل الذين لا يزيد عمر وجودهم في بلادنا عن ستين أو سبعين عاما، وأنهم هم الذين يلقمون نار الفتنة والاقتتال حطب الحقد والكراهية؟ أم أنه الاستعمار العثماني- إذا اعتبرناه استعمارا- والذي لا يزيد عمره أيضا عن خمسمائة عام، هو الذي نشر البغضاء والضغينة؟ أم هي مصالح السياسيين وبعض رجال الدين الجهلة المتخلفين؟ أم أن هذا كذب كله، وذر للرماد في العيون، هدفه تبرئة النفس أمام العالم، والتمويه، والتعليق على مشجب الآخرين؟ لأن الكراهية متأصلة في القلوب والنفوس والعقول منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة عام، اشتد أوارها واستحكمت بمقتل عثمان بن عفان؟ أو بحرب صفين؟
ماذا يجري في العراق اليوم؟ يوميا عشرات القتلى المدنيين في الشوارع، وعشرات الجثث في القفار والأنهار، لا لذنب ارتكبه أصحابها، سوى أنهم ولدوا على مذهب إسلامي مختلف. حتى مجالس العزاء أصبحت هدفا لشاربي الدماء، وحتى المساجد والمراقد والمصلين لم يسلموا من التدمير والتفجير، وحتى الصحفيين. ولا يقتصر الأمر على العراق وحده، فما يجري في الباكستان غير قليل، يفجرون مساجد بعضهم بعضا بمن فيها، وعلى من فيها، وفي أفغانستان قبلها لم يكن الأمر أيضا على ما يرام، والنار ما زالت تتأجج تحت الرماد في البحرين واليمن، وفي كل بلد إسلامي تتواجد فيه هاتان الشريحتان حيث تُهمش إحداها لحساب الأخرى.
ماذا لو كان أحد الطرفين يملك أسلحة دمار شامل، جرثومية أو نووية، هل يتورع عن استخدامها ضد الآخر، الذي يعتبره عدوا أبديا لله، وعدوا أبديا للأولياء والصديقين والصالحين، والأجداد والآباء والأبناء؟
هل يظن هؤلاء أنهم بالقتل يتقربون من الله؟ وهل هم فعلا مؤمنون ومتيقنون أن الله يفرح بهذه الأعمال الوحشية ويباركها، ويرضى عمن يقتل ويزهق أرواح الناس، ويمنحه بركاته وجناته، واثنان وسبعين امرأة يطفئ فيهم شبقه، وخمرا ممتعا يروي منه ظمأه؟
ألا لعنة الله على هذه الشهوة الحيوانية التي تبيح لهؤلاء القتل والتفجير والتدمير! ألا لعنة الله على هذا الشبق الجنسي الذي يدفع صاحبه لذبح النساء والأطفال! ألا لعنة الله على هذه الرغبة بالخمر التي تدفع الإنسان لقتل جاره وزميله وقريبه! فأي جهل أعمى هذا، وأي تخلف وعنصرية؟
إن السنة والشيعة وجميع أطياف المجتمع محكومون بالعيش معا، وعلى أرض واحدة، فماذا فعل رجال الدين منذ أكثر من ألف عام حتى الآن لوقف هذه الكراهية طالما أنهم يمقتونها ويحاربونها؟ وماذا فعلوا ضد محركيها ومشعليها؟ لماذا لا تخصص كل الخطب لنبذ هذه البغضاء والقضاء عليها، إلى أن تزول؟ لماذا لا تفتي المؤسسات الدينية بتحريم هذه الأعمال؟ ولماذا لا يحض رجال الدين على المحبة والتسامح وقبول الآخر، ليعيش الناس جميعا في مساواة ووئام وسلام؟ لماذا لا يتم تكفير القتلة والمحرضين على الحقد والبغضاء والكراهية، بدلا من تكفير المخالفين في المذهب والعقيدة وهدر دمائهم؟ لماذا لا تقوم المؤسسات التربوية والتعليمة بتغير المناهج لتتوائم مع هذا التوجه؟ ولماذا لا تسن الدول العربية والإسلامية قوانين بهذا الاتجاه؟
Saadkhalil1@hotmail.com
تعليق