عقيدة السلف والأئمة الأربع

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علاء حسام داود
    طالب علم
    • Mar 2009
    • 406

    #1

    عقيدة السلف والأئمة الأربع

    بسم الله الرحمن الرحيم

    بين شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام شيخ الإسلام النووي بأن مدار عقائد السلف في الآيات المتشابهات على طريقين :-

    الأول :- وعليه جمهور السلف ، ألا وهو التفويض ؛ وهو كما بينه الإمام السلفي ابن قدامة المقدسي أن الأئمة الأربعة والسلف يثبتون لفظها ويفوضون معناها مع تنزيهها عن ظاهرها الموهم للتشبيه والتجسيم ...

    والثاني :- التأويل ، وهو منقول من بعض الصحابة والسلف والتابعين ....

    ومعلوم أن هذا منهج جمهور علماء المسلمين من الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة غير شرذمة من الحنابلة إلتحقوا بالتجسيم كالدارمي والقاضي أبي يعلى واتبعهم ابن تيمية وابن القيم خالفوا الجمهور وشذوا وحرفوا كلام السلف جريا وراء الدارمي والكرامية والسالمية ...

    ولنبدأ بالقسم الأول :-



    يقول الإمام أبو حنيفة النعمان :- أرأيت لو قيل لك أين الله تعالى :- يقال له :- كان الله تعالى ولا مكان قبل أن يخلق الخلق وكان الله تعالى ولم يكن شيء وخلق كل شيء ) الفقه الأبسط

    وقال الإمام أحمد ابن حنبل :- ( والله تعالى لم يلحقه تغير ولا تبديل ولا يلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش )طبقات الحنابلة (2-297)

    وقال ( وأنكر على من يقول بالجسم لأن أهل اللغة وضعوه لكل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف ، والله تعالى خارج عن ذلك كله )

    وقال (له يدان وهما صفة له ليستا بجارحتين ولا من جنس المحدود وليستا من جنس الأجسام والتركيب والأبعاض ولا يقاس على ذلك اطلاق قولهم يد إلا ما نطق به القرآن الكريم )

    وجاء في العقيدة السلفية ( العقيدة الطحاوية ) المجمع عليها ، بيان كلام السلف فقال :-

    ( ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه فإن ربنا موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية ليس في معناه أحدا من البرية تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات )

    وقال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر (ص50) :-

    ( ويتكلم لا ككلامنا ونحن نتكلم بالآلات والحروف والله تعالى يتكلم بلا آلة ولا حروف والحروف مخلوقة وكلام الله غير مخلوق )

    وجاء في طبقات الحنابلة ص 461 ما نصه :

    قال الوالد السعيد:- فمن اعتقد بأن الله جسم أو أعطاه حقيقة الجسم من التأليف والإنتقال فهو كافرلأنه غير عارف بالله...

    وقال الوالد السعيد في أخبار الصفات :- قبول هذه الأحاديث على ما جاءت به ... مع الإعتقاد بأن الله بخلاف كل شيء وكل ما يقع بالخاطر من حد أو تشبيه فالله يتعالى عنهفالله لا يوصف بصفات المخلوقين الدالة على حدثهم ولا يجوز عليه التغير من حال إلى حال ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض وأنه لم يزل ولا يزال ولا يتصور في الأوهام وصفاته لا تشبه صفات المخلوقين..

    وفي ص 460 :-

    ( إعتقاد الوالد السعيد وسلفه قدس الله أرواحهم الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تمر كما جاءت من غير زيادة ولا نقصان وأقروا بالعجز عن إدراك معرفة حقيقة هذا الشأن ولا يدرك حقائقها بالفكر ولم يطلع الله أحدا على كنه معرفتها قال تعالى ( وما يعلم تأويله إلا الله )

    وفي آخر الصفحة :-

    ( اعتقاد الحنابلة أن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته ومعانيها عن العالمين وفارق فيها سائر الموصوفين.

    وهذا تماما مذهب المنزهة الأشاعرة في قبول وإثبات كل الآيات والأحاديث المتشابهة وتفويض معانيها إليه سبحانه مع تنزيهه عن الأدوات والحدود والتغير و...

    وكما جاء في اعتقاد أهل الحديث للإسماعيلي ص52:-

    ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء بلا اعتقاد كيف يداه إذ لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف ولا يعتقد فيه الأعضاء والجوارح ولا الطول ولا العرض ولا الغلظ والدقة ونحو هذا مما يكون مثله في الخلق وأنه ليس كمثله شيء ولا يوصف بما فيه نقص أو عيب أو آفة فإنه سبحانه تعالى عن ذلك ...
    وأنه يرى في الآخرة من غير اعتقاد التجسيم في الله عز وجل ولا التحديد له ولكن يرونه بأعينهم على ما يشاء هو بلا كيف .

    وهذا التنزيه هو عقيدة السلف ومن سار مسارهم من الأشاعرة وهو المحفوظ في العقيدة السلفية الطحاوية من تنزيه الله عن الأدوات والحدود والأجزاء والإنتقال والتغير فهو القديم الذي لم يزل ولا يزال بصفاته أبدا ...

    وكما بين الإمام ابن الجوزي أن الإختلاف ليس باليد ولا بالعين ولا ..أنها صفات ليست من جنس المحدود ولا الأجزاء فتكون صفات معنوية لله لا كما فعل ابن تيمية حيث جعلها من جنس المحدود وجعلها قائمة بنفسها كأجزاء وأبعاض من الذات وقال أنها لا تنفصل عن الذات وسماها صفات عينية وأثبت الأدوات والحركة وابتدع في كون نوع الحوادث قديمة مع الله وهذا ما جعل الألباني يتهمه باتباع الفلاسفة وغيره كالهراس في كتابه ابن تيمية وقال بفناء النار !!!!!!!!!!!! كما لا يخفى على المدققين ولقد رد عليه الألباني كذلك ...


    واتبعه من دعاة السلفية اليوم الذّين يقولون بأن الله له قدم ورجل جزء لا تنفصل عنه يمشي بها ويهرول حقيقة!!!!! وأنه ينزل بالحركة والنقلة وأن له يدا بمعنى الكف مس بها لآدم وشكله ( أدوات )ويفسرون المتشابهات بظاهرها الموضوع للبشر كمافي اللغة العربية وأن له عينان يرى بهما ( أدوات ) ويقول ابن عثيمين بعد كل هذا في شرحه للعقيدة الواسطية وهي لا تقبل الإنفصال عنه ويده وعينيه ورجله نظير ما عندنا من اليد والعينين والرجل ,,, وهكذا حرفيا من كلامه ويقول في شريط القواعد المثلى بالنص بأنه لا يوجد في كتاب الله ولا سنة رسوله ما ينفي تشبيه الله بخلقه نقلا عن ابن تيمية .

    يتبع لبيان طريقة التأويل عند السلف بإذن الله تعالى ..

  • علاء حسام داود
    طالب علم
    • Mar 2009
    • 406

    #2
    منهج التفويض والتأويل هما الثابتان عن السلف الصالح

    وأريد أن أأكد على أن الأشاعرة ( جمهور علماء المسلمين ) كلهم يصرحون بأن الأسلم هو منهج التفويض كما كان عليه السلف الصالح أو لنقل جمهورهم ..ومن إلتزم به فقد كان من الفرقة الناجية التي عليها الصحابة والتابعين والسلف (جمهورهم) وعلى هذا فهم لا يدخلون بالتأويل لأنه تقول على الله بالشك والعقل وهو بلا شك ليس بأسلم وإنما الأسلم هو تفويض معانيها لله تعالى مع نفي الظاهر الموهم للتشبيه الذي هو من جنس المحدود ...

    ولهذا يقول إمام السلف إبن قدامة المقدسي في مقدمة كتابه لمعة الإعتقاد :-( وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له بالتأويل والتشبيه والتمثيل وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا وترك التعرض لمعناه ونرد علمه إلى قائله )

    وطبعا هذا مخالف لعقيدة ابن تيمية التي ابتدعها فهو لا يفوض معنى المتشابه بل يثبته على ظاهره ولذلك تراهم يحرفون كلام السلف الواضح فيقولون أن ابن قدامة أخطأ في تقرير عقيدة السلف .. وهكذا في كل نص ثابت عند السلف رحمهم الله وهذا من أشر الخبث لأن العامة تحسن الظن بهؤلاء ولا يتوقعون تحريفهم لكلام السلف والسلف منهم براء !!!!

    لاحظ أن ابن قدامة قسم الصفات إلى قسمين

    الأول :- قسم محكم يجب إثباته على ظاهره بلا تأويل وهو كل الصفات التي تأتي في سياق قطعي الدلالة ولا تحمل إلا معنى واحدا كالسميع البصير الحي ... وتدل على الكمال المطلق ...

    الثاني :- قسم متشابه (وجب الإيمان بها لفظا وتفويض معناها إلا الله مع نفي ظاهرها الموهم للتشبيه الذي هو من جنس المحدود ) وهي الصفات التي تأتي في نصوص ظنية الدلالة وتحمل أكثر من معنى كاليد والعين والساق .. فاليد مثلا لها 25 معنى في اللغة العربية ... وتدل في سياقها على معاني مختلفة بحسب سياقها .. فالواجب تفويض معناها إلى الله مع تنزيهه عن ظاهرها الذي هو اليد الجزء المحدود من الذات !!! ولا نقول هي قدرته ولا نعمته لأنه لا يعلم حقيقة معانيها في سياقها إلا الله تعالى لقول الله تعالى :- ( ولا يعلم تأويله إلا الله ) .. وعلى هذا جمهور السلف والخلف إلا ابن تيمية وأتباعه !!!

    وهذا تماما كما بينه شيخ السلف ابن قدامة المقدسي وغيره من العلماء الأربعة ...

    ثم أتى ابن قدامة بكلام الإمام أحمد يبين فيه أن الآيات والأحاديث المتشابهة يجب الإيمان بها وتصديقها بلامعنى ولا كيف ولا حد .

    وهذا منهج تفويض المعنى ونفي الكيف مع نفي الحدود عن الله تعالى ...

    أما ابن تيمية وأتباعه فمنهجه إثبات أن الله محدود من الجهات الست وإثبات المعنى على ظاهره الموهم للتشبيه وإثبات الكيف وهو كما ترى على خلاف تام مع عقيدة السلف الصريحة الواضحة ...

    فلا بأس أن تقول أن الصفات المتشابهة كاليد والساق والعين والنزول والوجه ... كلها نثبتها لله تعالى لفظا كصفات معنوية غير محدودة وتفويض معانيها إلى الله ولا يجوز تأويلها أبدا ..

    وهذا قول الإمام أبو حنيفة النعمان ( أن لله يد وعين وساق صفات بلا حد ولا نتأولها كأن نقول أن يده قدرته ولا نعمته )

    بناء على قوله تعالى :- ( ولا يعلم تأويله إلا الله )... وهذا منهج جمهور السلف كما بينه الحفاظ العالمون المحققون الفقهاء الإمام ابن حجر والنووي والبيهقي والعز بن عبد السلام والحافظ ابن كثير ومحي السنة البغوي والشوكاني والحافظ ابن الجوزي وجمهور العلماء من الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة ولهذا انتشر المذهب الأشعري في أنحاء العالم كله واتسع خلال العشرة قرون السابقة وما زال .. ولو أن الله يقبض العلم بقبض العلماء فلا نكاد نجد اليوم أحدا من الحفاظ الفقهاء العارفين .. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    والآن لنبين منهج التأويل والمنقول كذلك عن بعض السلف والصحابة والتابعين ...

    لأنهم ساروا على خطى الصحابي الجليل ابن عباس ومجاهد وغيره من الذين قالوا أن الراسخين بالعلم يعلمون تأويله ..
    وهذا خلاف الجمهور ولكنه مقبول جائز ففسروا الواو في قوله تعالى :- ( ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون بالعلم ) جعلوها واو العطف فأفاد ذلك مشاركتهم في تعيين المعاني المناسبة لله تعالى التي تظهر من سياق الآيات المتشابهات ...

    وسأسوق تأويل ابن عباس والسلف الصالح للصفات المتشابهات ..

    ولكن يجب أن نؤكد أن التفويض هو عدم تحديد معنى معين والتأويل هو تحديده بناء على اللغة العربية الصحيحة والمعنى الذي يظهر من السياق والموافق للآيات والأحاديث المحكمة واللائق بالله تعالى ولا ماتع من تفويض معناها لله لأنه مذهب جمهور السلف مع نفي الظاهر الموهم للتشبيه ..

    وهذا ما بينه الحافظ أمير المؤمنين بالحديث ابن حجر العسقلاني وغيره من العلماء الثقات فقط نقل عن الحافظ ابن دقيق العيد قوله في الإعتقاد ( نقول بالصفات المشكلة إنها حق وصدق على المعنى الذي أراده الله ومن تأولها نظرنا فإن كان تأويله قريبا من مقتضى لسان العرب لم ننكر عليه وإن كان بعيدا توقفنا عنه ورجعنا إلى التصديق مع التنزيه وما كان معناه مفهوما من تخاطب العرب حملناه عليه كقوله تعالى :- ( يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) فتقول أن الجنب الصفة الائقة بالله التي هي من غير جنس المحدودة هي حق الله تعالى ..

    لاحظ أن التأويل أفضل لمن كان في قلبه مرض التشبيه والتفويض أفضل لمن كان منزها لله عن الأجزاء والأبعاض وما هو من جنس المحدود (فالله ليس كمثله شيء ) فليس له قدم ولا ساق ولا يد كجزء بل هي صفات كالقدرة والرحمة والحفظ والعناية كما بين ابن عباس وبعض السلف وهذا لا يختلف عن منهج التفويض فالمنهجان ينفون الظاهر المتبادر للأذهان ويفوضون المعنى بشكل عام فلا يحددونه كالجمهور وأما المؤولة من الصحابة والسلف فيثيتونه بما هو لائق له ...

    الأمثلة :-

    وبين كذلك أنها تمر على ظاهرها بلا تغير ولا تبديل لحرف واحد لها ...


    تعليق

    • علاء حسام داود
      طالب علم
      • Mar 2009
      • 406

      #3
      وفبل أن أنقل كلام الصحابة والسلف في التأويل يجب أن أأكد أنه ليس لله يد ولا قدم والآيات التي جاءت بها مثل هذه الألفاظ فإنها تثبت لفظا وتفوض معانيها كالجمهور وإما تؤول كمنهج ابن عباس مثلا :- وإليك التبيين من كبار علماء الحديث بلسانهم:-

      فمثلا يقول الحافظ أبو حاتم (ابن حبان) في صحيحه تعليقا على حديث (إلا كأنما يضعها في يد الرحمن ) :-

      ( هذه الأخبار اطلقت من هذا النوع توهم من لم يحكم صناعة العلم أن أصحاب الحديث مشبهة معاذ الله أن يخطر ذلك ببال أحد من أصحاب الحديث ولكن أطلقت هذه الأخبار بألفاظ التمثيل لصفاته على حسب ما يتعارفه الناس فيما بينهم ..
      ووضح ذلك التنزيه في تعليقه على حديث (حتى يضع الرب جل وعلا قدمه فيها ) فقال :-

      (هذا الخبر من الأخبار التي أطلقت بتمثيل المجاورة وذلك أن يوم القيامة يلقى في النار من الأمم والأمكنة التي عصي الله عليها فلا تزال تستزيد حتى يضع الرب جل وعلا موضعا من الكفار والأمكنة في النار فتمتلئ فتقول قط قط ؛لأن العرب تطلق في لغتها اسم القدم على الموضع قال الله تعالى :- ( لهم قدم صدق عند ربهم ) يريد موضع صدق لا أن الله يضع قدمه في النار جل وتعالى عن مثل هذا وأشباهه)
      وعلى هذا طريق السلف فعن الإمام السلفي ابن قدامة في لمعة الإعتقاد أنها تثبت لفظا وتفوض معانيها لله تعالى ...

      وفي العقيدة السلفية الخالصة الطحاوية :-( تعالى الله عن الأدوات والحدود والأبعاض والأجزاء والجهات... )

      لا كما يفعل مجسمة اليوم دعاة السلفية الّذين يحرفون كلام السلف ولا يرضونه ويستبدلونه بكلام رجل جاء في القرن السابع يثبتون المعنى المتبادر للأذهان الظاهر .. وهذا ما تعوذ بالله منه الإمام ابن حبان والترمذي وابن قدامة و أحمد وكل السلف المتقين المنزهين لله عن التشبيه والتجسيم ..

      وقد خالفهم ابن تيمية فأثبت الحدود والأدوات والأبعاض والأجزاء التي لا تفترق والجهة والمماسة في كتابه أساس التقديس والعقيدة التدمرية وخالف السلف سامحه الله تعالى في كثير من الأمور كبقاء النار وقدم نوع الحوادث وتجدد صفات الله مما جعل العلماء الذين انتبهوا لكلامه أن يبدعوه وبعضهم كفره ...

      وكما يقول الإمام الألباني أنه كان يتمنى لو أن ابن تيمية ما دخل في هذه المتاهات من الفلاسفة وعلم الكلام ...وسأنقل رسالة لأحد العلماء في عصره وهو الحافظ الفقية تاج الدين السبكي الذي عاصره :_



      الكتاب : الدرة المضية في الرد على ابن تيمية
      المؤلف : الإمام المجتهد تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي (683 - 756 هـ)
      الدُّرَّةُ الْمُضِيَّة
      في الرَّدِّ علَى ابنِ تَيمِيَّة
      تصنيف
      الإمام الفقيه الأصولي المجتهد النظَّار
      تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي
      السبكي الأنصاري الشافعي
      رحمه الله تعالى
      (683 - 756 هـ)
      ________________________________________
      بسم الله الرحمن الرحيم
      الحمد لله الذي أرسلَ رسولَه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
      والصلاة والسلام على سيدنا محمَّدٍ الذي نصر دينه بالجلاد والجدال، وتكفَّلَ لأمَّته أن لا يزالوا على الحق ظاهرين حتى يقاتل آخرَهم الدجال، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الذين وصفهم بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، وألحق التابعين بإحسان في رضاه بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسلم تسليماً كثيراً.
      أما بعد ...
      فإنه لما أحدثَ ابنُ تيمية ما أحدثَ في أصول العقائد، ونقضَ من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتِّباع إلى الابتداع، وشذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة، وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأنَّ القرآن محدَثٌ تكلَّم اللهُ به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم (والتزامه) بالقول بأنه لا أول للمخلوقات[1]!!، فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّةٍ من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همة[2].
      وكلُّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِلُّ جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع، فإن متلقي الأصول عنه وفَاهِمَ ذلك منه هم الأقلُّون[3]، والداعي إليه من أصحابه هم الأرذلون، وإذا حُوققوا في ذلك أنكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه، ونبهاء أصحابه ومتدينوهم لا يظهر لهم إلا مجرَّد التبعية للكتاب والسنة والوقوف عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل.
      وأما ما أحدثه في الفروع فأمرٌ قد عمَّت به البلوى، وهو الإفتاء في تعليق الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث.
      وقد استروحَ العامَّة إلى قوله وتسارعوا إليه وخَفَّت عليهم أحكام الطلاق، وتعدى إلى القول بأن الثلاثَ لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة، وكتب في المسألتين كراريسَ مطوَّلة ومختصرة، أتى فيها بالعجب العجاب، وفتح من الباطل كلَّ باب[4]!!

      وكان الله تعالى قد وفَّقَ لبيان خطئه وتهافت قوله ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة.
      وقد عرف ذلك خواصُّ العلماء ومن يفهم من عوام الفقهاء.

      ولهذا تم سجنه من قبل قضاة المذاهب الأربعة إلى أن توفى رحمه الله تعالى ...

      ولو أنه سامحه الله آية في الفقه ولكن كما بين ابن حجر فإنه اتبع الفلاسفة وابتدع في الدين ما خالف فيه السلف الصالح ...

      وهذه الأمور مع قلتها إلا أنها خطيرة جدا ولهذا كثير من العلماء ما عرفوها والقليل المعاصرين الذين انكشفت لهم تلك البدع والله الموفق .

      وأقول إن الّذين يتبين لهم الفرق بين مذهب السلف وابن تيمية فاختاروا ابن تيمية وتجاهلوا كلام السلف اتقوا الله واعلموا أنكم واقفون بين يديه يوم القيامة ..

      والآن لنمضي في عرض التأويل على منهج السلف الصالحين والعلماء العارفين المتبعين .

      ونأكد أن العلماء المفسرين كلهم منزهون لله تعالى فإما يفوضون وإما يؤولون وحتى ابن كثير تلميذ ابن تيمية فقد إلتزم مذهب السلف وترك ما ابتدعه ابن تيمية فانظر تفسيره ..

      وهكذا المؤمن الصادق يستفيد من كل كتب ابن تيمية وأما أخطاءه فيتركها ويوافق السلف فيها وهذا فصل الخطاب .

      تفسير قوله تعالى قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي )

      قال الشوكاني :- أي ما صرفك وصدك عن السجود لما توليت خلقه من غير واسطة ، وأضاف خلقه إلى نفسه تكريما له وتشريفا ، مع أنه خالق كل شيء ، كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد ،

      وقال مجاهد وهو تلميذ ابن عباس :- اليد هنا بمعنى التأكيد والصلة مجازا كقوله ( ويبقى وجه ىربك ) .

      وقيل أراد باليد القدرة ، يقال :- مالي بهذا الأمر يدان.


      2) قوله تعالى (وقالت اليهود يد الله مغلولة )

      قال :- اليد عند العرب تطلق على الجارحة مثل قوله تعالى (وخذ بيدك ضغثا )وعلى النعمة ك(قل إن الفضل بيد الله ) وعلى التأييد ومنه قول الرسول عليه السلام ( يد الله مع القاضي حين يقضي ) وتطلق على البخل كقوله تعالى :- ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ).. وهذا تفسير اليد هنا .

      قوله تعالى ( بل يداه مبسوطتان ) :- أي بل هو غاية ما يكون من الجود وذكر اليدين مع أنهم ذكروا يدا واحدة مبالغة في الرد عليهم بإثبات ما يدل على غاية السخاء. فنسبة الجود إلى اليدين أبلغ من نسبته إلى اليد الواحدة .

      3) قوله تعالى :- ( ثم استوى على العرش )


      اختلف العلماء على أربعة عشر قولا أحقها وأولاها مذهب السلف الصالح أن الإستواء على العرش صفة لله بلا كيف على الوجه الّذي يليق بجلاله مع تنزهه عما لا يجوز عليه وبينه بقوله في سورة النحل ، قال :- أي استولى عليه بالحفظ والتدبير ، أو استوى أمره ، أو أقبل على خلق العرش ...والراجح في التأويل ما ذكره الإمام الطبري أنه علا علو ملك وسلطان لا علو حركة وانتقال .

      قوله تعالى :- ( يد الله فوق أيديهم )

      قال الشوكاني الأشعري المنزه :- مستأنفة لتقرير ما قبلها على طريق التخييل والمعنى أن عقد لالميثاق مع رسول الله عليه السلام كعقده مع الله سبحانه من غير تفاوت .
      قال الكلبي :- المعنى أن نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة.
      وقيل : يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء .
      وقال ابن كيسان : قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم.

      5) قوله تعالى مما عملت أيدينا ) ..
      أي مما أبدعناه وعملناه من غير واسطة ولا شركة ، وإسناد العمل إلى الأيدي مبالغة في الإختصاص والتفرد بالخلق.

      6) قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى )
      قال ثعلب :- الإستواء الإقبال على الشيء .وكذا قال الزجاج والفراء.
      وقيل : هو كناية عن الملك والسلطان ، والذي ذهب إليه أبو الحسن الأشعري أنه ( سبحانه استوى ) على عرشه بغير حد ولا كيف ، وإلى هذا القول سبقه الجماهير من السلف الصالح ..

      7) قوله تعالى : (يريدون وجهه) أي يتوجهون بذل إليه لا إلى غيره .
      (فثم وجه الله ) : أي قبلة الله أينما توجهوا .
      (كل شيء هالك إلا وجهه ) أي إلا ذاته .
      (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) : الوجه :- عبارة عن ذاته سبحانه وتعالى ووجوده .

      8) ( إليه يصعد الكلم الطيب ) : أي يتقبله .أو صعود الملائكة بما يكتبونه من الصحف .
      و(تعرج الملائكة إليه ) :- أي :- تصعد في تلك المعارج التي جعلها الله لهم .
      و( إني ذاهب إلى ربي ) :- أي :- إلى حيث أمرني ربي .

      9) قوله تعالى ( وهو القاهر فوق عباده ) :- قال :- هي فوقية الإستعلاء بالقهر والغلبة لا فوقية المكان .

      وقوله ( سبح اسم ربك الأعلى ) أي نزهه عن كل ما لا يليق به .

      10) قوله تعالى :- ( وجاء ربك ) أي جاء أمره وقضاءه وظهرت آياته..وهو منقول عن الإمام أحمد بن حنبل وغيره.

      وقوله ( والأرض جميعا قبضته ) أي :- أنه أخبر سبحانه عن عظيم قدرته بأن الأرض كلها مع عظمهتها في مقدوره كالشيء الّذي يقبض عليه القابض بكفه .

      وقوله ( والسماوات مطويات بيمينه ) قال :- ذكر اليمين للمبالغة في كمال القدرة ...

      وقد أول الإمام أحمد بعض الآيات ك ( وجاء ربك ) قال الإمام أحمد :- أي جاء ثوابه (ابن كثير البداية والنهاية 10-327)


      ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام )

      قال المراد قدرته وأمره

      وأول الشافعي فقال في قوله تعالى :-

      ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) فقال ( الوجهة التي وجهكم الله إليها ) الأسماء والصفات للبيهقي 309.

      وأول مالك كما ذكره الذهبي في السير 8-105 :-

      أنه أول نزول الله بنزول أمره سبحانه .

      وأول مجاهد الوجه بالقبلة (فثم وجه الله :- قال قبلة الله )البيهقي 309 .

      وأول البخاري صفة الضحك فقال ضحكه أي رحمته (فتح الباري 7-82) البيهقي 470

      وأول جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل (كما يقول ذلك الإمام السلفي الطبري ) أولوا الساق بأنه الأمر الشديد الذي يظهره الله لهم .

      وأول ابن عباس الساق بالشدة (فتح الباري 13-428)

      وأول الحافظ ابن حبان القدم بالموضع وقال معاذ الله أن تكون له قدم ولكن المحدثين والحفاظ يذكرون الأحاديث المتشابهة مع اعتقادهم بعدم ظاهرها الموهم بالتشبيه المحدود وبأن لها معاني واضحة في اللغة العربية فإما نذكرها لفظا ونفوض معناها وإما نؤولها اعتمادا على القرآن المحكم والأحاديث المحكمة ولغة العرب والسياق فلقد ذكر الله القدم بمعنى الموضع حيث قال ( لهم قدم صدق عند ربهم ) أي موضع صدق ... وهذا عمل العلماء في المتشابه أن يردوه للمحكم ...

      كما قال تعالى ( منه آيات محكمات هن أم الكتاب _ أي يرد إليها علم المتشابهات _ وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم مرض فيتبعون ما تشابه منه ) أي يفصلونه عن المحكم ويثبتونه جنبا إلى جنب مع المحكم فيقولون له سمع وبصر ويد وهذا خطأ إذ السمع والبصر محكمات أما اليد فمن المتشابهات التي يجب أن يبين للناس أنها صفة معنوية لها معنى مناسب يليق بجلال الله وأما ظاهرها التجسيمي المحدود فقطعا ننفيه عن الله تعالى ..
      كما قال الحافظ ابن حبان ( معاذ الله أن تكون له قدم يضعها بالنار ) وليس المقصود أنه يرد الحديث بل مقصوده أن ليس لله جزء يسمى بالقدم بل أن لها معنى في اللغة العربية لائق بالله تعالى ..فإما التفويض إن علم أن الله ليس كمثله شيء وإما التاويل كما بين أن القدم هنا بمعنى الموضع واعتمد على المحكم من القرآن الكريم وخاصة للعامة ولمن كان في قلبه مرض التشبيه كما بين العلماء ...يتبع بإذن الله ..

      كتبته بسرعة لصديقي أحمد وأصحابة ولمن أداد الحق ...

      يتبع بإذن الله ..

      تعليق

      يعمل...