إرث التجسيم في الحضارة الإسلامية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علاء حسام داود
    طالب علم
    • Mar 2009
    • 406

    #1

    إرث التجسيم في الحضارة الإسلامية

    أولا :- اليهود :- وهم الأساس وسأنقل عنهم بعد الكلام عن التجسيم عند المسلمين الذي انتشر هذا الزمان بزي السلف الصالح . وهذا الموضوع أنقله هنا لبعض السذج الذين يعتقدون أن التجسيم والتشبيه أن نقول يدالله كأيدينا (فقط) من حيث الشكل والحجم .. ولا يعرف ذلك المسكين أني لا أعلم أحد من فرق المجسمة قال هذا القول بل كلهم يقولون أن يده لا تشبه أيدنا بل هي أكبر وأعظم ولها شكلها الخاص !!! ولهذا نفى سلفنا الصالح من الإئمة الأربعة وغيرهم الحدود والأدوات عن الله فليست عينه ويده وساقه أجزاء من جنس المحدود بل هي صفات غير محدودة تليق بالله تعالى نفوض العلم بها إلى الله أو نتأولها كما تأولها المتأولون من الصحابة والتابعين والسلف الصالح ( وهذا قوم إمام المفسرين السلفي الطبري في قوله (يوم يكشف عن ساق ) .

    وهذا ما يجهله مجسمة اليوم التيميين ومن اتبعهم من العوام الجاهلين.

    ثانياً: فرق المجسمة من المنتسبين إلى أهل الحديث

    المقاتلية:

    وهم أصحاب أبي الحسن مقاتل بن سليمان البلخي (150هـ)( ) الذي اهتم بعلم التفسير حتى روي عن ابن المبارك أنه قال: (ما أحسن تفسير مقاتل لو كان ثقة )( )
    وكان مقاتل واسع الدائرة في التفسير معجباً بكثرة ما جمع حتى أنه قعد في مجلسه مرة وقال: سلوني عن ما دون العرش، فقال له رجل: آدم حين حج من حلق رأسه؟ فقال: ليس هذا من عملكم ولكن الله أراد أن يبتليني بما أعجبتني نفسي( ) . ولم يتهافت أهل الحديث على كثرة ما جمع مقاتل بل زهدوا في الرواية عنه لضعفه ولما أظهره من التجسيم( )
    وقد سبقت الإشارة إلى إنكار السلف على مقالة مقاتل، وهذا موضع التفصيل في مقالته.

    فقد قال الإمام الأشعري: (حكي عن أصحاب مقاتل أن الله جسم وأن له جثةً وأنه على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم وجوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت وهو مع ذلك لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره)( )

    وحكى عنه الشهرستاني أنه قال قد ورد في الخبر أن الله خلق آدم على صورة الرحمن فلا بد من تصديقه( ) ومن مرويات مقاتل في التجسيم ما أخرجه الذهبي بسنده عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: (إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين حبيب الله ؟ فيتخطى صفوف الملائكة حتى يصير إلى العرش حتى يجلسه معه على العرش حتى يمس ركبته)( )

    فقد أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أحمد بن سيار( ) أنه قال: (مقاتل متروك الحديث كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه)( )
    وأخرج بسنده عن الإمام أحمد أنه قال مقاتل بن سليمان كانت له كتب ينظر فيها( )
    وقال ابن حبان: (كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث)( )
    وقال الذهبي: (ظهر بخراسان الجهم بن صفوان ودعا إلى تعطيل صفات الله عز وجل.. وظهر في خراسان في قبالته مقاتل بن سليمان المفسر وبالغ في إثبات الصفات حتى جسم وقام على هؤلاء علماء التابعين وأئمة السلف وحذروا من بدعهم)( )
    وهؤلاء لا يطعن في نقلهم بانحرافهم عن مقاتل. وأما استشهاد ابن تيمية رحمه الله بعلم مقاتل في التفسير فلم يبرئه الذهبي بهذا العلم من التجسيم بل قال: (..قد لطخ بالتجسيم مع أنه كان من أوعية العلوم بحراً في التفسير)( ) على أن الخطيب نقل في تاريخ بغداد ما يطعن في هذا التفسير أيضا فقد نقل أنه جمع تفاسير الناس فجعلها لنفسه وحدث بها من غير سماع( )
    إذا تبين هذا نقول: هل من علاقة بين الرغبة في تبرئة مقاتل واتفاق ما يسمى بعقيدة السلف مع قول مقاتل في إثبات الصورة والإقعاد على العرش ؟نعم إن ابن تيمية يؤمن بهذا التجسيم ولذلك تراه يحاول تبرئته بكل وسيلة !!!

    الكرامية:

    قبل التعريف بهذه الفرقة لابد من التنبيه إلى تميز هذه الفرقة عن فرق المجسمة، فهذه الفرقة لم تمت مقالاتها بموت مؤسسها، وتمكنت هذه الفرقة بتلبسها لباس الزهد والتقشف أن تخدع السلطان وتقنعه بمقالاتها وتفوز بأحضانه وقمعه لمخالفيها، وتميزت أيضا بتسرب بعض مقالاتها إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية.
    وتاريخ هذه الفرقة يوضح كيفية انتشار مقالة التجسيم بين العوام لانخداعهم بما يظهر على أصحاب المقالة من زهد وتقشف وعبادة وانخداعهم بتشنيع أصحاب المقالة على التنزيه بدعوى موافقته للفلسفة الأجنبية. وتوضيح ما سبق يتم بإطلالة على تاريخ هذه الفرقة ودراسة مقالتها.
    أما مؤسس هذه الفرقة فهو أبو عبد الله محمد بن كرام( )السجزي( )
    ولد في سجستان ونشأ فيها. ويقول الشهرستاني: (نبغ رجل متنمس بالزهد من سجستان قليل العلم قد قمش من كل مذهب ضعثاً وأثبته في كتابه وروجه على سواد بلاد خراسان. فانتظم ناموسه وصار ذلك مذهباً)( )ويقول ابن السبكي: (وكان من خبر ابن كرام هذا وهو شيخ سجستاني مجسم أنه سمع يسيراً من الحديث ونشأ بسجستان ثم دخل خراسان...وعاد إلى نيسابور وباح بالتجسيم. وكان من إظهار التنسك والتأله والتعبد والتقشف على جانب عظيم فافترق الناس فيه على قولين، منهم المعتقد ومنهم المنتقد..قال الحاكم: لقد بلغني أنه كان معه جماعة من الفقراء وكان لباسه مسك ضأن مدبوغ غير مخيط. وعلى رأسه قلنسوة بيضاء، وقد نصب له دكان من لبن وكان يطرح له قطعة فرو فيجلس عليها فيحفظ ويذكر ويحدث قال وأثنى عليه فيما بلغني ابن خزيمة واجتمع به غير مرة..)( )
    وقال تفي الدين الحصني: (..وسمع الحديث الكثير وأظهر التقشف.. واتخذ قطعة فرو يجلس عليها ويحفظ ويحدث ويتخشع حتى أخذ بقلوب العوام والضعفاء من الطلبة لوعظه وزهده، حتى حصر من تبعه من الناس فإذا هم سبعون ألفاً..)( )
    فلما أظهر ابن كرام بدعته أنكر العلماء عليه وسعوا في سجنه وقتله.
    يقول ابن السبكي: (وصاحب سجستان هو الذي نفاه، ولم يكن قصد الساعين إلا إراقة دمه وإنما صاحب سجستان هاب قتله لما رأى من مخايل العبادة والتقشف)( ) وهذا ابن خزيمة الذي كان قد حكي عنه ثناؤه على ابن كرام يكفر من قال مقالة الكرامية( ) قال ابن حجر (ولما نفي من سجستان وأتى نيسابور أجمع ابن خزيمة وغيره من الأئمة على نقله منها فسكن بيت المقدس)( ) ومات فيها سنة خمس وخمسين ومائتين. وكان أصحابه ببيت المقدس نحو عشرين ألفاً وكان له من الأتباع مثل ذلك في خراسان وسجستان( ) ومع أن ابن كرام لم يكن يحسن العلم ولا الأدب فقد ألف تصانيف كثيرة كما ذكر ذلك البغدادي ثم قال: (إلا أن كلامه في غاية الركة والسقوط)( ) وكان مصير مؤلفاته الحرق بعدما أظهر بدعته، ونجا كتابه عذاب القبر من النار إذ نقل منه البغدادي وغيره قول ابن كرام في وصف الله عز وجل أنه أحدي الذات أحدي الجوهر.( )
    ولم تمت الكرامية بموت مؤسسها بل تهذبت مقالته في التجسيم وزُيفت حتى كثر أتباعها واستحسنها السلطان واعتنق مذهبها. وامتُحن بذلك بعضُ الكبار من علماء أهل السنة المنزهين لله عز وجل عن الجسمية ولوازمها.
    ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الذين قاموا بمذهبه إسحاق بن محمشاد الذي صنف في فضائل ابن كرام. يقول ابن حجر (إسحاق بن محمشاد روى عن أبي الفضل التميمي حديثاً هو وضعه بقلة حياء منه: "يجيء في آخر الزمان رجل يقال له ابن كرام تحيا السنة به". فانظر إلى المادح والممدوح وسند حديثة مجاهيل)( )
    ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الشاعر أبو الفتح علي بن محمد البستي(402هـ)( ) الذي اتصل بالملك ناصر الدولة سبكتكين( ) وعمل في خدمته فقربه منه حتى تأثر ملك آل سبكتكين( ) بالكرامية فنصروا المذهب وقسوا على مخالفيه.
    ومن أتباع ابن كرام أبو عبد الله محمد بن الهيصم الذي اجتهد في إرمام مقالة ابن كرام حتى ردها من المحال الفاحش إلى نوع يُفهم بين العقلاء، فمن ذلك أنه عدل بإثبات الجسم إلى معنى زعم أنه المراد وهوالقائم بالذات، وهذا هو الرأي الذي مال إليه ابن تيمية رحمه الله. ومنه أيضاً أنه زعم أن الفوقية بمعنى العلو مع إثبات البينونة غير المتناهية بينه وبين خلقه( ) وقال الشهرستاني: (قد تخطى بعض الكرامية إلى إثبات الجسمية فقال أعني بها القيام بالنفس، وذلك تلبيس على العقلاء وإلا فمذهب أستاذهم مع كونه محلاً للحوادث..مستوياً على العرش استقراراً مختصة بجهة فوق مكاناً واستعلاءً فليس ينجيه من هذه المخازي تزويراتُ ابن هيصم فليس يريد بالجسمية القيام بالنفس...وإنما هو إصلاح مذهب لا يقبل الإصلاح. وكيف يستوي الظل والعود أعوج وكيف استوى المذهب وصاحب المقال أهوج)( ).وكان ابن الهيصم من مجالسي السلطان محمود بن سبكتكين( ) وكان ابن فورك( ) هو الذي يناظر ابن الهيصم في هذا المجلس( ) وكانت هذه المناظرات سبباً في قتل ابن فورك. قال ابن السبكي: (وكان ابن فورك شديداً على الكرامية، وأذكر أن ما حصل له من المحنة من شغب أصحاب ابن كرام وشيعتهم من المجسمةفتحزبوا عليه ونموا عليه غير مرة وهو ينتصر عليهم فلما أيست الكرامية من الوشاية والمكايدة عدلت إلى السعي في موته والراحة من تعبه فسلطوا عليه من سمه فمضى حميداً شهيداً)( )
    وكان أبو إسحاق الاسفرائيني قد تعين عليه مناظرة الكرامية بعد ابن فورك. ومن هذه المناظرات ما ذكره أبو المظفر الاسفراييني قال: (سأل بعض أتباع الكرامية في مجلس السلطان محمد بن سبكتكين إمامَ زمانه أبا إسحاق الإسفراييني رحمه الله عن هذه المسألة الاستواء على العرش فقال:هل يجوز أن يقال: إن الله تعالى على العرش؟ وأن العرش مكان له؟ فقال: لا. وأخرج يديه ووضع إحدى كفيه على الأخرى، وقال: كون الشيء على الشيء يكون هكذا، ثم لايخلو إما أن يكون أكبر منه أو أصغر منه فلا بد من مخصص خصه وكل مخصوص يتناهى والمتناهي لايكون إلهاًفلم يمكنهم أن يجيبوا عنه فأغروا به رعاعهم حتى دفعهم عنه السلطان بنفسهولما ورد عليهم هذا الإلزام تحيروا فقال قوم إنه أكبر من العرش وقال قوم إنه مثل العرش. وارتكب ابن المهاجر منهم قوله إن عرضه عرض العرش. وهذه الأقوال كلها متضمنة لإثبات النهاية وذلك علم الحدوث لايجوز أن يوصف به الصانع)( )
    وابتلي الإمام الفخر الرازي بمناظرة الكرامية بعد ابن فورك وأبي إسحاق، وكان رأس الكرامية في زمانه مجد الدين بن عمر المعروف بابن القدوة وهو الذي تسبب في محنة الفخر الرازي مستغلاً مكانته عند الغوريين الذين خلفوا آل سبكتكين في حكم بلادهم ( ). وحدثت بذلك فتنة عظيمة ذكرها ابن الأثير في حوادث (595هـ) فقال: (وفي هذه السنة حدثت فتنة عظيمة بعسكر غياث الدين ملك الغور وغزنة ( )..وسببها أن الفخر محمد بن عمر الرازي كان قد قدم إلى غياث الدين فأكرمه واحترمه وبنى له مدرسة بهراة( ) فقصده الفقهاء من البلاد فعظم ذلك على الكرامية وهم كثيرون بهراة، وأما الغورية فكلهم كراميةفاتفق الفقهاء من الكرامية والحنفية والشافعية عند غياث الدين للمناظرة وحضر الفخر الرازي وابن القدوة وهو من الكرامية الهيصمية وله عندهم محل كبير لزهده وعلمه وبيته، فتكلم الرازي فاعترض عليه ابن القدوة، وطال الكلام فاستطال عليه الفخر الرازي وسبه وشتمه وبالغ في أذاه، وابن القدوة لايزيد على أن يقول: لايفعل مولانا، وأخذك الله، وأستغفر الله، فانفصلوا على هذا، وقام ضياء الدين( ) في هذه الحادثة وشكر إلى غياث الدين وذم الفخر الرازي ونسبه إلى الزندقة ومذهب الفلاسفة فلم يصغ غياث إليه. فلما كان الغد وعظ ابن القدوة بالجامع فلما صعد المنبر قال بعد أن حمد الله وصلى على النبي: لا إله إلا الله، ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين، أيها الناس إنا لانقول إلا ما صح عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما علم أرسطاليس وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي فلانعلمها، فلأي شيء يُشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله وعن سنة رسول نبيه، وبكى وضج الناس وبكى الكرامية واستغاثواوثار الناس من كل جانب وامتلأ البلد فتنة وكادوا يقتتلون ويجري ما يهلك فيه خلق كثير فبلغ ذلك السلطان فأرسل جماعة من عنده إلى الناس وسكَّنهم ووعدهم بإخراج الفخر من عندهم وتقدم إليه بالعودة إلى هراة فعاد إليها)( ) وهذه حادثة مهمة في تاريخة التجسيم إذا أردنا أن نأخذ من دراسته العبر.
    مقالة الكرامية في التجسيم:
    اختلف كتاب الملل والنحل في ذكر فرق الكرامية فالبغدادي جعل الكرامية ثلاثة أصناف، وجعلها الرازي ستة فرق، وأوصلها الشهرستاني إلى اثنتي عشرة فرقة. ولانطيل في تفصيل مقالاتهم لسببين أولهما أن جهداً قد بُذل من قبل في مذهب الكرامية( )، والثاني أن هذه الفرق وإن كان لكل واحدة منها رأي إلا أن الشهرستاني قال: (..إلا أن ذلك لما لم يصدر عن علماء معتبرين بل عن سفهاء جاهلين( ) لم نفردها مذهباً. وأوردنا مذهب صاحب المقالة وأشرنا إلى ما يتفرع منه )( )
    فهذا بيان مقالة ابن كرام وما تفرع منها:
    وأهم مقالاته تجسيم معبوده إذ زعم أنه جسم له حد ونهاية من تحته وهي الجهة التي يلاقي منها العرش( )
    ثم اختلف أصحابه في النهاية فمنهم من وافقه، ومنهم من أثبت النهاية له من ست جهات، ومنهم من أنكر النهاية له وقال هو عظيم.
    ولهم في معنى العظمة خلاف فقال بعضهم معنى عظمته أنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته، وهو فوق ذلك على الوجه الذي هو فوق جزء منه. وقال بعضهم معنى عظمنه أنه يلاقي مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد وهو يلاقي جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم.( )
    وقد سبق أن ابن كرام زعم أن معبوده أحدي الذات أحدي الجوهر. وقد حاول بعض أتباعه تهذيب هذا الوصف في ما حكاه البغدادي فقال: (وأتباعه اليوم لايبوحون بإطلاق لفظ الجوهر على الله تعالى عند العامة خوفاً من الشناعة عند الإشاعة. وإطلاقهم لفظ الجسم عليه أشنع من اسم الجوهر وامتناعهم من تسميته جوهراً مع قولهم بأنه جسم كامتناع شبطان الطاق الرافضي من تسمية الإله جسماً مع قوله بأنه على صورة الإنسان)( )
    واتفق أكثر الكرامية على إطلاق لفظ الجسم، واجتهد بعضهم في تزيين هذه المقالة فزعم أنه يريد بلفظ الجسم أنه قائم بنفسه وزعم أن هذا هو حد الجسم. قال الشهرستاني: (وبنوا على هذا أن من من حكم القائمين بأنفسهما أن يكونا متجاوربن أو متباينين فقضى بعضهم بالتجاور مع العرش وحكم بعضهم بالتباين. وبما قالوا كل موجودين فإما أن يكون أحدهما بحيث الآخر كالعرض مع الجوهر وإما أن يكون بجهة منه. والباري ليس بعرض إذ هو قائم بنفسه فيجب أن يكون بجهة من العالم وأشرفها جهة فوق فقلنا هو بجهة فوق بالذات)( ) وعين هذا الاستدلال موجود في المؤلفات التي توصف بجمع العقيدة السلفية، مع أن أحداً من السلف لم يهمس فيه ببنت شفة إلا أن يكون الكرامية ومن اغتر بهم من المحدثين هم السلف دون الصحابة والتابعين.
    ونعود إلى مقالة ابن كرام الذي زاد على ما سبق زعمَه أن الله تعالى مماس لعرشه من الصفحة العليا( ). وأبدل أصحابه لفظ المماسة بلفظ الملاقاة منه للعرش، وقالوا لايصح وجود جسم بينه وبين العرش إلا أن يحيط به العرش إلى أسفل، وهذا هو معنى المماسة التي امتنعوا من لفظها كما نبه عليه البغدادي( ) ومنهم من قال إنه على بعض أجزاء العرش، وقال بعضهم إن العرش قد امتلأ به، وصار المتأخرون منهم إلى أنه بجهة فوق وأنه محاذ للعرش( )
    واختلفت الكرامية في المسافة التي أثبتوها بينه وبين العرش فمنهم من قال إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قُدِّر مشغولاً بالجواهر لاتصلت به. وقال ابن الهيصم: إن بينه وبين العرش بعداً لا يتناهى وهو مباين للعالم بينونة أزلية ونفى التحيز والمحاذاة وأثبت الفوقية والمباينة( ) وسوف نرى تسرب هذه المقالة إلى ما يسمى بعقيدة السلف.
    واختلفت الكرامية في الاستواء على العرش فنص ابن كرام على أن معبوده على العرش استقر وأنه بجهة فوق ذاتاً وأن العرش مكان له، وجوز عليه الانتقال والنزول. وسوف نرى مدى تسرب هذه المقالة إلى ما يسمى بعقيدة السلف أيضاً.
    وزاد بعض أصحابه فزعم أن العرش مكان له وأنه لو خلق بإزاء العرش عروشاً موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكاناً له لأنه أكبر منها كلها. قال البغدادي: (وهذا القول يوجب أن عرشه اليوم كبعضه في عرضه. ومنهم من قال: إنه لايزيد على عرشه من جهة المماسة ولايفضل منه شيء على العرش. وهذا يقتضي أن يكون عرضه بعرض العرش)( ) وقال أيضاً: (وأعجب من هذا كله أن ابن كرام وصف معبوده بالثقل وذلك أنه قال في كتاب عذاب القبر في تفسير قوله تعالى "إذا السماء انفطرت"( ) إنها انفطرت من ثقل الرحمن عليها)( ) وسوف نرى من وافق على ذلك من المنتسبين إلى السلف.
    ومن مقالة ابن كرام أنه أثبت الكيفية لله عز وجل في ما نقله البغدادي من كتاب عذاب القبر قال البغدادي: (ثم إن ابن كرام ذكر في كتابه عذاب القبر باباً له ترجمة عجيبة فقال: باب في كيفوفية الله عز وجل، ولايدري العاقل من ماذا يتعجب أمن جسارته على إطلاق لفظ الكيفية في صفات الله عز وجل؟ أم من قبح عبارته عن الكيفية بالكيفوفية، وله من جنس هذه العبارة أشكال وقد عبر عن مكان معبوده في بعض كتبه بالحيثوثية وهذه العبارات لائقة بمذهبه السخيف)( ) وهذه المقالة مما تسرب إلى ما يسمى بعقيدة السلف أيضاً.
    ومن مقالة أصحابه التي زادوا فيها على مقالة كبيرهم أنهم عدوا في صفات الله تعالى اليدين والوجه فأثبتوها صفاتٍ قديمةً قائمة بذاته، وقالوا: له يد لا كالأيدي ووجه لا كالوجوه( ) وأثبتوا جواز رؤيته من جهة فوق دون سائر الجهات( )
    وزعم ابن الهيصم أن الذي أطلقه المجسمة من الهيأة والصورة والجوف وغيرها لا يشبه ما أطلق الكرامية من أنه خلق آدم بيديه وأنه استوى على العرش وأنه يجيء يوم القيامة لمحاسبة خلقه، قال: وذلك لأنا لا نعتقد ذلك على معنى فاسد من جارحة وعضو أو مطابقة للمكان والاستقرار بالعرش في تفسير الاستواء ولاتردد في الأماكن التي تحيط به في تفسير المجيء، قال: وإنما ذهبنا في ذلك إلى إطلاق ما أطلقه القرآن فقط من غير تكييف ولا تشبيه، ومالم يرد به القرآن والخبر فلا نطلقه كما أطلقه سائر المشبهة ( )
    وهذه محاولة ترقيع وترميم فاشلة لم يُميَّز فيها بين ألفاظ القرآن وبين ما جاء في المتون المنكرة بالأسانيد الواهية ولا بين فهمها فهماً صحيحا وبين فهمها فهماً قبيحاً، فخلطوا ألفاظ القرآن مع هذه الفهوم وتلك المنكرات، وأثبتوا الجميع مرقوعاً بزعمهم أنه على الوجه الذي يليق بجلاله ومستوراً بنفي التكييف والتشبيه لفظاً. وسوف نرى مثل هذا الترميم في ما يسمى بعقيدة السلف.
    وقبل أن نختم القول في تاريخة المجسمة وفرقهم نشير إلى بعض العبر والفوائد التي يجب أن لا تغيب عن الأذهان في دراسة مثل هذه الآراء.
    العبر والفوائد التي يجب أن لا تغيب عن الأذهان في دراسة مقالات التجسيم.
    أولاً: إن اتباع الكتاب والسنة والسلف شعار يرفعه حتى من خالف قواطع الكتاب والسنة والسلف، فها هو ابن القدوة الكرامي يزعم أنه آمن بما أنزل وما صح، وهذا مقاتل وشيطان الطاق يزعم كل منهما أنه لم يثبت صورة للرحمن على صورة آدم إلا اتباعاً للأثر.
    ثانياً: أن هذا الشعار يُلبَّس بتشنيع مذهب المخالف بنسبته إلى الفلسفة كما فعل ابن القدوة.
    ثالثاً: أن مثل هذه المقالات الشنيعة وَقُودها العوام الذين لا يحسنون الاستنباط ويفتقرون إلى الفهم الدقيق، وربما فتن بهذه المقالة بعض ضعاف الطلبة الذين يتململون من إعمال الفكر فيقتنعون في اعتقادهم بتقليد من أظهر مخايل الزهد وأطال في النسك وأثر في الوعظ، ويستدلون بما يظهر من التدين على ما بطن من الدين، فها هو ابن كرام على شناعة مقالته ينخدع بزهده ووعظه الآلاف.
    رابعاً: أن هؤلاء العوام يُستغلون في حماية صاحب هذه المقالة من بطش أهل الحق تارة -كما هاب صاحب سجستان قتل ابن كرام واكتفى بنفيه- وتارة يُستظهر بهم في إيذاء المخالفين وإثارة الفتن كما فعل ابن القدوة.
    خامساً: أن المقالة التي بان فسادها لن تعدم من يحاول ترميمها واستئصال ما انكشف من عوارها فيتبرأ المرمم مما لايمكن إصلاحه أو يتلاعب بألفاظها ويحملها على معان أخرى غير المعاني التي بان فسادها.
    سادساً: أن أكثر الناس تصريحاً بالعقائد الباطلة في هذا الباب يتمسكون بنفي التشبيه وإثبات ما أثبتوه على الوجه اللائق، فهذا هشام بن الحكم يزعم أنه إنما أثبت جسماً لا كالأجسام. وفي هذه المقالة يقول ابن السبكي:
    كذب ابن فاعلة يقول لجهله الله جسم ليس كالجسمان
    لو كان جسما كان كالأجسام يا مجنون فاصغ وعد عن بهتان( )
    ومن ذلك أيضا أن مقاتل بن سليمان بعد أن تجرأ على الله عز وجل بإثبات الجسم والصورة والأعضاء والجوارح زعم أنه مع ذلك لا يشبهه شيء ولا يشبه غيره وهذا تماما فعل سلفية اليوم .

    وهذه النقاط لا تغيب في عصر من العصور عن فكر الخائضين في وصف الله عز وجل والمتبعين لما تشابه من كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
  • علاء حسام داود
    طالب علم
    • Mar 2009
    • 406

    #2
    المبحث الثالث: التجسيم في فكر المحدثين

    من المعروف أن أهل الحديث ليس لهم مذهب مستقل لا في الفقه ولا في الاعتقاد. وكتب الرجال وبيان حال الرواة ومصنفات المحدثين تشهد بأن في رواة الحديث من الحنابلة والشافعية وسائر المذاهب الفقهية، وفيهم من الحشوية والرافضة والخوارج وغيرها من المذاهب الفكرية من لم يخرجهم مذهبهم الفكري من دائرة المحدثين، وإن حُكم عليهم بالبدعة ومخالفة السنة. وحتى المحدثون من أهل السنة فيهم من اختار مذهب الاشاعرة أو الماتريدية، و فيهم أيضا من اختار المذهب الذي يحكيه الشيخ ابن تيمية وغيره عن أهل الحديث على أنه مذهب السلف وأهل السنة. والدافع إلى هذا الانتساب إلى الحديث والسلف هو ما في الحديث النبوي والسلف الصالح من القدسية والمكانة عند أهل السنة. فكلهم يدعي وصلاً بالحديث والسلف ويطعن في فهم مخالفه لحقيقة مذهبهم.
    وقد يستغل بعضُ من أخطأ في فهم مذهبهم مكانةَ الحديث والسلف للتشنيع على مخالفه وتقبيح مذهبه والتنفير عنه برميه بالتنكب عن منهجهم. وهذا يوجب أن نحرر مذهب أهل الحديث في مسألتنا خاصة ونضبط من يشمله عموم هذا الانتساب ومن هوالحقيق بشرف إقرار الحديث الشريف له بما ادعاه من الوصال.
    فأهل الحديث هم المشتغلون برواية الحديث ودرايته, فكل من صنف في متون الحديث النبوي وكل من اندرج في أسانيده وكل من غلب عليه الاشتغال بعلم مصطلحه استحق أن يعد من أهل الحديث. وفي هذه الدائرة يتفاوت هؤلاء في مواقفهم من التجسيم. ويمكن إجمال تفاوتهم في موقفين
    الأول: موقف من يجاهر بتنزيه الله عز وجل باختيار مذهب التفويض أو التأويل في المتشابه. وعلى رأس هؤلاء من المحدثين إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله. الذي كان ينهى عن التحديث بالأحاديث التي توهم التشبيه وتشكل في المعنى( ) مثل الحديث الذي جاء في صورة آدم وكان ينكر ذلك إنكاراً شديدا كما في سير أعلام النبلاء للذهبي( )
    وكان مجرد السؤال عن المتشابه موجباً لغضبه على السائل وطرده من المجلس كما هو مشهور عنه، فأين الإنكار على مجرد التحديث ومجرد السؤال عن التحديث بخلق آدم على صورة وجهه و إثبات الاستواء مع الأطيط ونحو ذلك مما يعدونه مذهباً لأهل الحديث؟
    ومن أصحاب هذا الموقف الإمام أحمد بن حنبل الذي ثبت عنه التأويل وتفويض المعنى ولم يثبت عنه غيره. كما سبق. ومن أصحاب هذا الموقف من حكينا عنهم اختيار التفويض الذي يعده ابن تيمية من شر أقوال أهل البدع كما سبق.
    ومنهم أيضا من نص على اختيار وجه من وجوه التأويل في أحد الأحاديث كما سبق فلولا أنه رأى ما يقتضيه الحمل على الظاهر من مخالفة أدلة التنزيه ما اختار التأويل.وهؤلاء الذين ساروا على نهج الإمام مالك وأحمد بن حنبل هم الجديرون بالإنتساب إلى الحديث الشريف.
    الموقف الثاني: موقف من يثبت بعض الأخبار الواهية المنكرة التي لا تكاد تحتمل التأويل.
    ومن هذا الفريق من ألف وجمع من هذه الأحاديث والأخبار التي يسمونها أخبار الصفات. وعلى هؤلاء العمدة في تقرير ما يسمونه اليوم بعقيدة السلف. ولا بد من الإشارة إلى بعض هذه المصنفات مع المرور على بعض ما فيها لندرك البون الشاسع بين أصحاب الموقف الأول وأصحاب هذا الموقف.
    أولاً:كتاب الرد على الجهمية وكتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد
    لعثمان بن سعيد الدارمي(280 هـ)( )
    أما كتاب الجهمية فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، وعقد فيه باباً في تكفير الجهمية، وباباً في قتلهم واستتابتهم من الكفر، ولا يخفى أن الجهمية مصطلح تشنيع لا يراد به فرقة انتسبت إلى الجهم بن صفوان لأن الجهم مات وماتت معه أفكاره إلا أن الدارمي ومن تابعه يعنون بالجهمية من خالفهم في صفات الله عز وجل فيدخل في هذا الوصف المعتزلة وأهل السنة من الأشاعرة والماتريدية.
    أما كتابه الآخر فهو مثل سابقه، وزاد فيه إثباتَ الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وغير ذلك مما هو مبسوط في موضعه.
    وهذان الكتابان لهما منزلة عظيمة عند ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم وقد أكثرا النقل عن هذين الكتابين ويقول ابن القيم بعد الثناء على الدارمي: (وكتاباه من أجل الكتب المصنفة في السنة وأنفعها، وينبغي لكل طالب سنة مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة أن يقرأ كتابيه. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يوصي بهذين الكتابين أشد الوصية ويعظمهما جداً. وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما)( )
    ومع أن الحافظ الذهبي ينقل عن الدارمي ويثني عليه إلا أنه نبه إلى غلو الدارمي فقال: (وفي كتابه بحوث عجيبة مع المريسي يبالغ فيها في الإثبات والسكوت عنها أشبه بمنهج السلف في القديم)( )
    وهذا التنبيه لا يكفي لأننا نحتاج أن نعلم إلى أي مدى وصل الدارمي في الإثبات. ويلاحظ تردد الحافظ الذهبي في الحكم على ما أثبته الدارمي فهو يكتفي بأن ينبه إلى أن السكوت عنه أشبه بمنهج السلف. فهل يشتبه منهج السلف بإثبات الثقل والحركة والحد والقرب الحسي وغير ذلك من لوازم الجسم التي أثبتها الدارمي بحيث يعد السكوت عن إثباتها أشبه بمنهجهم؟
    ثانياً:كتاب السنة لابن أبي عاصم
    هذا الكتاب لمؤلفه أبي بكر بن أبي عاصم أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني من أهل البصرة (287هـ) وكان مذهبه القول بالظاهر( ). وأثبت في كتابه من الأخبار المنكرة ما هو مذكور في موضعه، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك.
    ثالثاً: كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (290هـ )
    وأخذ هذا الكتاب من نسبته إلى ابن الإمام أحمد مكانة كبيرة عند المنتسبين إلى السلف خاصة في العصر الحديث. وسوف نشير إلى مكانته عند المعاصرين في موضعه. وقد قطع محققه بنسبة الكتاب إلى مؤلفه وبذل وسعه في الرد على من نزه الإمام أحمد عن أن يخوض ولده الذي تربى في كنفه في كل ما خاض فيه المؤلف. ولم يأت المحقق بشيء علمي بل اجتهد في كلام خطابي لا يدفع ما ذكره هو نفسه من الاعتراف بوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه. والذي يبدو لي أن هذا الكتاب من مؤلفات من يسمونه شيخ الإسلام أبا إسماعيل الهروي صاحب المؤلفات المعروفة في ما يسمونه العقيدة السلفية. وهذا الهروي شديد التعصب ربما ركب له إسناداً فرواه عن أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم القراب الهروي( ) عن شيخ مجهول عن شيخ مجهول عن المؤلف. وأبو إسماعيل الهروي لا يستبعد منه صدور ما في هذا الكتاب منه. كما سوف يتبين في الحديث على مؤلفاته السلفية. أما ابن الإمام أحمد فلا نظن به أن يتعدى على الله وعلى رسوله وعلى الإمام أحمد والإمام أبي حنيقة النعمان. وقد ذكر المحقق في توثيق الكتاب وصحة نسبته إلى المؤلف نقلَ الحنابلة عنه وأخذَهم منه. وكل من ذكر نقلَهم عنه مِن بعد عصر الهروي المذكور، فلا تدفع هذه النقول هذا الشك في نسبة الكتاب إليه ولا الشك في صحة نسبة صحته إلى المؤلف.
    واشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، بل في بعضها تكفيره، وأنه أُخِذ من لحيته كأنه تيس يدار به على الحلق يستتاب من الكفر أكثر من مرة، وأنه أفتى بأكل لحم الخنزير، وفيه نقلٌ عن الإمام مالك أنه ذكره بسوء، وقال: كاد الدين ومن كاد الدين فليس من الدين ووثق المحقق رجال سند هذه الرواية( ) وغير ذلك من المثالب التي تقشعر منها الأبدان. عامل الله بعدله واضعها وغفر لمحققها وناشرها. وتخريج هذه الرواية في كتاب صنف لجمع السنة والعقيدة المتوارثة خير مثال على أن الطعن بأكابر المسلمين وعلمائهم ركن من أركان هذه العقيدة التي تصدى لها العلماء، فما من سبيل إلا الطعن بهم ورميهم بالتجهم والتنكب عن منهج السلف ونحو ذلك مما تركوا به الجواب العلمي واستبدلوا به هذا الأسلوب الناجح في فتنة العوام المأخوذين بما يظهره هؤلاء من التزهد الهروي الكرامي، المخدوعين بلافتات الدعوة إلى الكتاب والسنة واتباع السلف.
    ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرس قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه وغير ذلك مما سيكشف عنه البحث.
    ومما اشتمل عليه في حق الإمام أحمد أنه نقل عنه تصحيح الأخبار التي تثبت جلوسَه عز وجل على العرش وحصولَ الأطيط من هذا الجلوس، وأنه واضع رجليه على الكرسي وأن الكرسي موضع قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع. وغير ذلك مما لم يغب نكارته ولا ضعف سنده على بعضهم، وسكتوا عن نسبة تصحيحه إلى إمامهم وابن إمامهم. فحاشا لله أن يصحح الإمام أحمد هذه الأخبار فيخفى عليه ضعف سندها وما في متنها من النكارة ومخالفة عقيدة السلف ثم يأتي المحقق ليكشف عن ذلك؟
    رابعاً: كتاب السنة للخلال
    وهو أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي الخلال (311هـ)
    قال الذهبي: (أخذ الفقه عن خلق كثير من أصحاب الإمام أحمد..ورحل إلى فارس وإلى الشام والجزيرة يتطلب فقه الإمام أحمد وفتاويه وأجوبته وكتبَ عن الكبار والصغار حتى كتب عن تلامذته وجمع فأوعى...ولم يكن قبله للإمام مذهب مستقل حتى تتبع هو نصوص أحمد ودونها وبرهنها بعد الثلاث مئة فرحمه الله تعالى.
    قال الخطيب في تاريخه جمع الخلال علوم أحمد وتطلبها وسافر لأجلها وكتبها وصنفها كتباً لم يكن فيمن ينتحل مذهب أحمد أحدٌ أجمع لذلك منه)( )
    وفي كتاب السنة أطال الخلال في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش. وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه رجل لم يسمع عن الإسلام شيئاً لظن أن هذا الخبر ركن من أركان الإسلام. وفيه أيضاً الكذب على الإمام أحمد وأنه تلهف لسماع هذا الخبر إذ لم تحصل روايته له من علو.( )
    وفيه أن الله عز وجل ينادي: يا داود اُدن مني فلا يزال يدنيه حتى يمس بعضه ويقول: كن أمامي فيقول رب ذنبي ذنبي، فيقول الله له كن خلفي خذ بقدمي.
    ثم يقول الخلال في آخر كتابه: (وبعد هذا أسعدكم الله فلو ذهبنا نكتب حكايات الشيوخ والأسانيد والروايات لطال الكتاب غير أنا نؤمل من الله عز وجل أن يكون في بعض ما كتبنا بلغةٌ لمن أراد الله به فثقوا بالله وبالنصر من عنده على مخالفيكم فإنكم بعين الله بقربه وتحت كنفه)( )
    خامساً: كتاب التوحيد لا بن خزيمة
    وهو أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابورى(311هـ) صاحب الصحيح المشهود له بالفقه والرواية ( ) ولكن العلماء أخذوا عليه خوضه في الكلام. ولعله تأثر برأس الكرامية فقد نقل ابن السبكي عن الحاكم أنه ذكر في تاريخه محمد بن كرام فقال..وقد أثنى عليه فيما بلغنى ابن خزيمة واجتمع به غير مرة)( )
    وقد لامه بعض المحدثين على الخوض في ما لا يحسنه. فمن ذلك ما أخرجه البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أنه قال: (ما لأبي بكر والكلام ؟ إنما الأولى بنا وبه ألا نتكلم فيما لم نتعلمه..-قال البيهقي - والقصة فيه طويلة وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال والله أعلم)( )
    واعترف ابن خزيمة على نفسه بأنه لايحسن الكلام فقد نقل البيهقي عنه أنه قال: (ما تنكرون على فقيه راوي حديث لا يحسن الكلام)( )
    وكتاب التوحيد هو جزء من صحيحه على التحقيق لأنه يحيل في أكثر من موضع على أبواب الصلاة وغيرها من أبواب الصحيح. وفيه باب بعنوان إثبات الأصابع لله عز وجل، وباب في إثبات القدم، ونحو ذلك. ومع أنه اشترط الصحة في ما يذكره إلا أنه لم يلتزم بذلك فأخرج فيه متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً، منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته فينتفض تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك مما هو مبسوط في موضعه.

    سادساً: كتاب الصفات للدارقطني
    وهو الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الذي انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال مع الصدق وصحة الاعتقاد.( ) وهذا الكتاب تشهد حاله الحديثية على براءة الدارقطني البصير بعلل الحديث ورجاله منه. وإنما يصلح أن يكون من صنيع من رواه عنه. فلا تصح نسبته إلى الدارقطني كما نبه عليه الكوثري( ) لأن في سنده إليه أبا العز بن كادش أحمد بن عبيد الله (526هـ) قال الذهبي في ترجمته: (أقر بوضع حديث وتاب وأناب)( )
    ولا يخفى أن هذه التوبة لاتعني قبول روايته لأمرين الأول أن من قواعد المحدثين أن التائب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل روايته أبداً وإن حسنت طريقته، حكاه السيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل وغيره من المحدثين.( )
    الثاني: أنه حتى على مذهب من يقبل توبته لا يلزم قبولُ روايته لأنه ضعيف الرواية قبل الكذب وبعده. نقل ابن حجر في ترجمته أنه كان كذاباً لا يحتج بمثله وللأئمة فيه مقال( )
    ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي أبي طالب العشاري قال الذهبي في ترجمته: (شيخ صدوق معروف لكن أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي -وذكر بعض الأباطيل عنه ثم قال - فقبح الله من وضعه والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل)( )
    وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن ونحو ذلك.
    سابعاً:كتاب التوحيد لابن مندة.
    وهو أبو عبد الله محمد بن إسحاق " ابن مندة " (395هـ) ( ) وله أيضا كتاب الرد على الجهمية وفيه أن الله يكشف يوم القيامة عن ساقيه، وعزاه إلى البخاري ومسلم، مع أنه ليس في أحدهما( ) وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من الأخبار.
    ثامنا: كتاب العرش وماروي فيه
    لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة (297هـ) وحال الكتاب من حال مؤلفه الذي نقل الذهبي تضعيفه عن الجمهور وتكذيبَه عن عبد الله بن أحمد بن حنبل.وعن غيره الاتهام بالوضع( )
    وفي هذا الكتاب أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام، وأن السماء منفطرة من ثقل الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في روضة خضراء ونحو ذلك مما هو مبسوط في موضعه.
    تاسعا: كتاب الأربعين في دلائل التوحيد لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي.
    والهروي هو الذي كان المجسمة بهراة يلقبونه شيخ الإسلام نكاية بمن سمى به الحافظ أبا عثمان الصابوني، قال ابن السبكي: (وأما المجسمة بمدينة هراة فلما ثارت نفوسهم من هذا اللقب عمدوا إلى أبي إسماعيل عبد الله الأنصاري صاحب كتاب ذم الكلام فلقبوه بشيخ الإسلام. وكان الأنصاري المشار إليه رجلاً كثير العبادة محدثاً إلا أنه يتظاهر بالتجسيم والتشبيه وينال من أهل السنة وقد بالغ في كتابه ذم الكلام حتى ذكر أن ذبائح الأشعرية لا تحل..وكان أهل هراة في عصره فئتين فئة تعتقده وتبالغ فيه لما عنده من التقشف والتعبد وفئة تكفره لما يظهره من التشبيه.
    ومن مصنفاته التي فوقت نحوه سهام أهل الإسلام كتاب ذم الكلام وكتاب الفاروق في الصفات وكتاب الأربعين، وهذه الكتب الثلاثة أبان فيها عن اعتقاد التشبيه وأفصح.. وكان شديد التعصب للفرق الحنبلية بحيث كان ينشد على المنبر على ما حكى عنه تلميذه محمد بن طاهر
    أنا حنبلي ما حييت وإن أمت فوصيتي للناس أن يتحنبلوا
    وترك الرواية عن شيخه القاضي أبي بكر الحيري لكونه أشعرياً وكل هذا تعصب زائد برأنا الله من الأهواء)( )
    وفي كتاب الأربعين أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة. وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، ومن عناوينها يتبين ما تحتها من الأخبار التي سيكشف عنها البحث.
    ومن كتابه ذم الكلام ينقل ابن تيمية تعثر الهروي في الوقيعة بالإمام الأشعري فيقول ابن تيمية: (وقال شيخ الاسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري في كتاب ذم الكلام في آخره لما عقد باباً في ذكر هؤلاء الأشعرية المتأخرين فقال باب في ذكر كلام الأشعري، ولما نظر المبرزون من علماء الأمة وأهل الفهم من أهل السنة طوايا كلام الجهمية وما أودعته من رموز الفلاسفة ولم يقع منهم إلا على التعطيل البحت وأن قطب مذهبهم ومنتهى عقيدتهم ما صرحت به رؤوس الزنادقة قبلهم أن الفلك دوار والسماء خالية..وأن قولهم سميع بلا سمع.. بلا نفس ولا شخص ولا صورة، ..فقد شحنت كتاب تكفير الجهمية من مقالات علماء الإسلام ورن الخلفاء فيهم ودق عامة أهل السنة عليهم وإجماع المسلمين على إخراجهم من الملة..يردون على اليهود قولهم يد الله مغلولة فينكرون الغل وينكرون اليد فيكونوا أسوأ حالاً من اليهود لأن الله سبحانه أثبت الصفة ونفى العيب واليهود أثبتت الصفة وأثبتت العيب وهؤلاء نفوا الصفة كما نفوا العيب..وإنما اعتقادهم أن القرآن غير موجود، لفظية الجهمية الذكور بمرة والجهمية الإناث بعشر مرات.
    ..قالوا وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري كان لا يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي)( )
    نقل ذلك ابن تيمية مستشهداً به على ذم من سماهم المتأخرين من أصحاب الأشعري مع أن من سماه شيخ الإسلام لم يوفر منهم أحداً بل حكى الإجماع على تكفيرهم وشحن كتبه في ذلك وسعى بين السلاطين في فتنتهم، ونضح بما فيه من وصفهم ذلك الوصف الذي خرج به عن حدود الأدب وصار من بعده سنة سيئة عليه وزرها ثم على ابن تيمية مثل ذلك الوزر لأنه عمل بهذه السنة في أكثر من موضع حتى تابعه عليها ابن القيم ومن افتتن بهم من المعاصرين.
    وبما سبق يتبين شيء من حال هذه المصنفات وسوف يكشف في ثنايا البحث عن تفصيل هذا الإجمال. ولكن لا بد أن نبين هنا غلط هؤلاء المصنفين على سبيل الإجمال أيضاً.
    غلط هؤلاء المصنفين على وجه الإجمال:
    أولاً: أنهم جمعوا فيها أخباراً متفرقة فأحدث هذا الجمع في دلالتها تقوية لظاهرها الموهم كما سبق في الكلام على التفويض.
    ثانياً: أنهم لم يفرقوا فيها بين النصوص التي تتفاوت دلالة وثبوتاً فمثلاً جعلوا قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)( ) مع الأخبار المنكرة التي تتحدث عن القعود على العرش وأطيط العرش من ثقل الجبار فوقه، وجعلوا هذين المتفاوتين من أدلة الاستواء على العرش. وبقية الأمثلة مبسوطة في الشبه السمعية.
    ثالثاً: أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا. بل ربما عارضوا ما هو مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرويات عن أحد التابعين. ومثال ذلك تفسير المقام المحمود بالإقعاد على العرش. بل لم يفرقوا بين حديث نبوي وخبر إسرائيلي، فربما جعلوا ما لقول الرسول صلى الله عليه وسلم من القدسية والمكانة ثابتاً لقول أهل الكتاب. ومثال ذلك ما ذكروه في الاستلقاء على العرش ووضع إحدى رجليه على الأخرى وغير ذلك مما هو مبسوط في الشبه السمعية.
    رابعاً: أنهم لم يفرقوا بين منقول بالتواتر من الكتاب والسنة وخبر لم يصح سنده فأثبتوا بالثاني ما أثبتوه بالأول. وقد سبق بعض الأمثلة لذلك وسيأتي في الشبه السمعية بسط ذلك.
    أمثلة تثبت وقوع الاختلاف والنزاع بين اهل الحديث بسبب الاعتقاد
    بعد أن ذكرنا عن أهل الحديث ما يستحيل معه حكاية اتفاقهم على مذهب واحد نؤكد اختلافهم ببعض ما حصل بين الفريقين من النزاع والتنازع. فمن ذلك ما فعله يحيى بن عمار السجزي شيخ أبي إسماعيل الهروي بالحافظ ابن حبان رحمه الله، كما ذكره الذهبي في ترجمة ابن حبان فقال: (قال أبو إسماعيل الأنصاري شيخ الإسلام سألت يحيى بن عمار عن أبي حاتم ابن حبان فقال: رأيته، ونحن أخرجناه من سجستان كان له علم كثير ولم يكن له كبير دين قدم علينا فأنكر الحد لله فأخرجناه)( )
    فانظر إلى هذا التباين بين الفريقين فمن جانب يُعد إثبات الحد لله عز وجل مخالفاً لتنزيه الله عز وجل عنه لأنه من لوازم الجسم، ومن جانب آخر يُعد نفيه طعناً في الدين وموجباً لطرد من ينفيه. وإن شئت فهناك موقف ثالث متذبذب كالذي ذكره الحافظ الذهبي تعليقاً على قول يحيى بن عمار قال: (قلت: إنكاره الحد وإثباتكم للحد نوع من فضول الكلام، والسكوت عن الطرفين أولى إذ لم يأت نص بنفي ذلك ولا إثباته والله تعالى ليس كمثله شيء فمن أثبته قال له خصمه جعلت لله حداً برأيك ولا نص معك بالحد والمحدود مخلوق تعالى الله عن ذلك. وقال هو للنافي ساويت ربك بالشيء المعدوم إذ المعدوم لا حد له فمن نزه الله وسكت سلم وتابع السلف)( )
    وهذا الموقف الذي لا يرضى عن الموقفين السابقين موقف متهافت فقد حصل النزاع في الحد نفياً وإثباتاً فإن كان الحد من لوازم الجسم التي يجب تنزيه الله عز وجل عنها فلا يسع النافي أن يسكت على إثبات التجسيم. وإن كان نفي الحد موجباً لعدم الباري فلا يسع المثبت السكوت على نفيه. أما ما ذكره من لزوم عدمه فهو شبهة من شبه التجسيم سيأتي الجواب عنها.
    وبهذا يتبين أن المحدثين ليس لهم عقيدة جامعة فيكون عزو عقيدةٍ إلى جماعة الحديت تمويهاً( ) ويتبن أيضا أنه لا يصح قولُ ابن تيمية رحمه الله في المتكلمين: (..ولو اعتصموا بالكتاب والسنة لاتفقوا كما اتفق أهل السنة والحديث فإن أئمة السنة والحديث لم يختلفوا في شيء من أصول دينهم)( )

    تعليق

    يعمل...