أولا :- اليهود :- وهم الأساس وسأنقل عنهم بعد الكلام عن التجسيم عند المسلمين الذي انتشر هذا الزمان بزي السلف الصالح . وهذا الموضوع أنقله هنا لبعض السذج الذين يعتقدون أن التجسيم والتشبيه أن نقول يدالله كأيدينا (فقط) من حيث الشكل والحجم .. ولا يعرف ذلك المسكين أني لا أعلم أحد من فرق المجسمة قال هذا القول بل كلهم يقولون أن يده لا تشبه أيدنا بل هي أكبر وأعظم ولها شكلها الخاص !!! ولهذا نفى سلفنا الصالح من الإئمة الأربعة وغيرهم الحدود والأدوات عن الله فليست عينه ويده وساقه أجزاء من جنس المحدود بل هي صفات غير محدودة تليق بالله تعالى نفوض العلم بها إلى الله أو نتأولها كما تأولها المتأولون من الصحابة والتابعين والسلف الصالح ( وهذا قوم إمام المفسرين السلفي الطبري في قوله (يوم يكشف عن ساق ) .
وهذا ما يجهله مجسمة اليوم التيميين ومن اتبعهم من العوام الجاهلين.
ثانياً: فرق المجسمة من المنتسبين إلى أهل الحديث
المقاتلية:
وهم أصحاب أبي الحسن مقاتل بن سليمان البلخي (150هـ)( ) الذي اهتم بعلم التفسير حتى روي عن ابن المبارك أنه قال: (ما أحسن تفسير مقاتل لو كان ثقة )( )
وكان مقاتل واسع الدائرة في التفسير معجباً بكثرة ما جمع حتى أنه قعد في مجلسه مرة وقال: سلوني عن ما دون العرش، فقال له رجل: آدم حين حج من حلق رأسه؟ فقال: ليس هذا من عملكم ولكن الله أراد أن يبتليني بما أعجبتني نفسي( ) . ولم يتهافت أهل الحديث على كثرة ما جمع مقاتل بل زهدوا في الرواية عنه لضعفه ولما أظهره من التجسيم( )
وقد سبقت الإشارة إلى إنكار السلف على مقالة مقاتل، وهذا موضع التفصيل في مقالته.
فقد قال الإمام الأشعري: (حكي عن أصحاب مقاتل أن الله جسم وأن له جثةً وأنه على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم وجوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت وهو مع ذلك لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره)( )
وحكى عنه الشهرستاني أنه قال قد ورد في الخبر أن الله خلق آدم على صورة الرحمن فلا بد من تصديقه( ) ومن مرويات مقاتل في التجسيم ما أخرجه الذهبي بسنده عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: (إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين حبيب الله ؟ فيتخطى صفوف الملائكة حتى يصير إلى العرش حتى يجلسه معه على العرش حتى يمس ركبته)( )
فقد أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أحمد بن سيار( ) أنه قال: (مقاتل متروك الحديث كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه)( )
وأخرج بسنده عن الإمام أحمد أنه قال مقاتل بن سليمان كانت له كتب ينظر فيها( )
وقال ابن حبان: (كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث)( )
وقال الذهبي: (ظهر بخراسان الجهم بن صفوان ودعا إلى تعطيل صفات الله عز وجل.. وظهر في خراسان في قبالته مقاتل بن سليمان المفسر وبالغ في إثبات الصفات حتى جسم وقام على هؤلاء علماء التابعين وأئمة السلف وحذروا من بدعهم)( )
وهؤلاء لا يطعن في نقلهم بانحرافهم عن مقاتل. وأما استشهاد ابن تيمية رحمه الله بعلم مقاتل في التفسير فلم يبرئه الذهبي بهذا العلم من التجسيم بل قال: (..قد لطخ بالتجسيم مع أنه كان من أوعية العلوم بحراً في التفسير)( ) على أن الخطيب نقل في تاريخ بغداد ما يطعن في هذا التفسير أيضا فقد نقل أنه جمع تفاسير الناس فجعلها لنفسه وحدث بها من غير سماع( )
إذا تبين هذا نقول: هل من علاقة بين الرغبة في تبرئة مقاتل واتفاق ما يسمى بعقيدة السلف مع قول مقاتل في إثبات الصورة والإقعاد على العرش ؟نعم إن ابن تيمية يؤمن بهذا التجسيم ولذلك تراه يحاول تبرئته بكل وسيلة !!!
الكرامية:
قبل التعريف بهذه الفرقة لابد من التنبيه إلى تميز هذه الفرقة عن فرق المجسمة، فهذه الفرقة لم تمت مقالاتها بموت مؤسسها، وتمكنت هذه الفرقة بتلبسها لباس الزهد والتقشف أن تخدع السلطان وتقنعه بمقالاتها وتفوز بأحضانه وقمعه لمخالفيها، وتميزت أيضا بتسرب بعض مقالاتها إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية.
وتاريخ هذه الفرقة يوضح كيفية انتشار مقالة التجسيم بين العوام لانخداعهم بما يظهر على أصحاب المقالة من زهد وتقشف وعبادة وانخداعهم بتشنيع أصحاب المقالة على التنزيه بدعوى موافقته للفلسفة الأجنبية. وتوضيح ما سبق يتم بإطلالة على تاريخ هذه الفرقة ودراسة مقالتها.
أما مؤسس هذه الفرقة فهو أبو عبد الله محمد بن كرام( )السجزي( )
ولد في سجستان ونشأ فيها. ويقول الشهرستاني: (نبغ رجل متنمس بالزهد من سجستان قليل العلم قد قمش من كل مذهب ضعثاً وأثبته في كتابه وروجه على سواد بلاد خراسان. فانتظم ناموسه وصار ذلك مذهباً)( )ويقول ابن السبكي: (وكان من خبر ابن كرام هذا وهو شيخ سجستاني مجسم أنه سمع يسيراً من الحديث ونشأ بسجستان ثم دخل خراسان...وعاد إلى نيسابور وباح بالتجسيم. وكان من إظهار التنسك والتأله والتعبد والتقشف على جانب عظيم فافترق الناس فيه على قولين، منهم المعتقد ومنهم المنتقد..قال الحاكم: لقد بلغني أنه كان معه جماعة من الفقراء وكان لباسه مسك ضأن مدبوغ غير مخيط. وعلى رأسه قلنسوة بيضاء، وقد نصب له دكان من لبن وكان يطرح له قطعة فرو فيجلس عليها فيحفظ ويذكر ويحدث قال وأثنى عليه فيما بلغني ابن خزيمة واجتمع به غير مرة..)( )
وقال تفي الدين الحصني: (..وسمع الحديث الكثير وأظهر التقشف.. واتخذ قطعة فرو يجلس عليها ويحفظ ويحدث ويتخشع حتى أخذ بقلوب العوام والضعفاء من الطلبة لوعظه وزهده، حتى حصر من تبعه من الناس فإذا هم سبعون ألفاً..)( )
فلما أظهر ابن كرام بدعته أنكر العلماء عليه وسعوا في سجنه وقتله.
يقول ابن السبكي: (وصاحب سجستان هو الذي نفاه، ولم يكن قصد الساعين إلا إراقة دمه وإنما صاحب سجستان هاب قتله لما رأى من مخايل العبادة والتقشف)( ) وهذا ابن خزيمة الذي كان قد حكي عنه ثناؤه على ابن كرام يكفر من قال مقالة الكرامية( ) قال ابن حجر (ولما نفي من سجستان وأتى نيسابور أجمع ابن خزيمة وغيره من الأئمة على نقله منها فسكن بيت المقدس)( ) ومات فيها سنة خمس وخمسين ومائتين. وكان أصحابه ببيت المقدس نحو عشرين ألفاً وكان له من الأتباع مثل ذلك في خراسان وسجستان( ) ومع أن ابن كرام لم يكن يحسن العلم ولا الأدب فقد ألف تصانيف كثيرة كما ذكر ذلك البغدادي ثم قال: (إلا أن كلامه في غاية الركة والسقوط)( ) وكان مصير مؤلفاته الحرق بعدما أظهر بدعته، ونجا كتابه عذاب القبر من النار إذ نقل منه البغدادي وغيره قول ابن كرام في وصف الله عز وجل أنه أحدي الذات أحدي الجوهر.( )
ولم تمت الكرامية بموت مؤسسها بل تهذبت مقالته في التجسيم وزُيفت حتى كثر أتباعها واستحسنها السلطان واعتنق مذهبها. وامتُحن بذلك بعضُ الكبار من علماء أهل السنة المنزهين لله عز وجل عن الجسمية ولوازمها.
ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الذين قاموا بمذهبه إسحاق بن محمشاد الذي صنف في فضائل ابن كرام. يقول ابن حجر (إسحاق بن محمشاد روى عن أبي الفضل التميمي حديثاً هو وضعه بقلة حياء منه: "يجيء في آخر الزمان رجل يقال له ابن كرام تحيا السنة به". فانظر إلى المادح والممدوح وسند حديثة مجاهيل)( )
ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الشاعر أبو الفتح علي بن محمد البستي(402هـ)( ) الذي اتصل بالملك ناصر الدولة سبكتكين( ) وعمل في خدمته فقربه منه حتى تأثر ملك آل سبكتكين( ) بالكرامية فنصروا المذهب وقسوا على مخالفيه.
ومن أتباع ابن كرام أبو عبد الله محمد بن الهيصم الذي اجتهد في إرمام مقالة ابن كرام حتى ردها من المحال الفاحش إلى نوع يُفهم بين العقلاء، فمن ذلك أنه عدل بإثبات الجسم إلى معنى زعم أنه المراد وهوالقائم بالذات، وهذا هو الرأي الذي مال إليه ابن تيمية رحمه الله. ومنه أيضاً أنه زعم أن الفوقية بمعنى العلو مع إثبات البينونة غير المتناهية بينه وبين خلقه( ) وقال الشهرستاني: (قد تخطى بعض الكرامية إلى إثبات الجسمية فقال أعني بها القيام بالنفس، وذلك تلبيس على العقلاء وإلا فمذهب أستاذهم مع كونه محلاً للحوادث..مستوياً على العرش استقراراً مختصة بجهة فوق مكاناً واستعلاءً فليس ينجيه من هذه المخازي تزويراتُ ابن هيصم فليس يريد بالجسمية القيام بالنفس...وإنما هو إصلاح مذهب لا يقبل الإصلاح. وكيف يستوي الظل والعود أعوج وكيف استوى المذهب وصاحب المقال أهوج)( ).وكان ابن الهيصم من مجالسي السلطان محمود بن سبكتكين( ) وكان ابن فورك( ) هو الذي يناظر ابن الهيصم في هذا المجلس( ) وكانت هذه المناظرات سبباً في قتل ابن فورك. قال ابن السبكي: (وكان ابن فورك شديداً على الكرامية، وأذكر أن ما حصل له من المحنة من شغب أصحاب ابن كرام وشيعتهم من المجسمةفتحزبوا عليه ونموا عليه غير مرة وهو ينتصر عليهم فلما أيست الكرامية من الوشاية والمكايدة عدلت إلى السعي في موته والراحة من تعبه فسلطوا عليه من سمه فمضى حميداً شهيداً)( )
وكان أبو إسحاق الاسفرائيني قد تعين عليه مناظرة الكرامية بعد ابن فورك. ومن هذه المناظرات ما ذكره أبو المظفر الاسفراييني قال: (سأل بعض أتباع الكرامية في مجلس السلطان محمد بن سبكتكين إمامَ زمانه أبا إسحاق الإسفراييني رحمه الله عن هذه المسألة الاستواء على العرش فقال:هل يجوز أن يقال: إن الله تعالى على العرش؟ وأن العرش مكان له؟ فقال: لا. وأخرج يديه ووضع إحدى كفيه على الأخرى، وقال: كون الشيء على الشيء يكون هكذا، ثم لايخلو إما أن يكون أكبر منه أو أصغر منه فلا بد من مخصص خصه وكل مخصوص يتناهى والمتناهي لايكون إلهاًفلم يمكنهم أن يجيبوا عنه فأغروا به رعاعهم حتى دفعهم عنه السلطان بنفسهولما ورد عليهم هذا الإلزام تحيروا فقال قوم إنه أكبر من العرش وقال قوم إنه مثل العرش. وارتكب ابن المهاجر منهم قوله إن عرضه عرض العرش. وهذه الأقوال كلها متضمنة لإثبات النهاية وذلك علم الحدوث لايجوز أن يوصف به الصانع)( )
وابتلي الإمام الفخر الرازي بمناظرة الكرامية بعد ابن فورك وأبي إسحاق، وكان رأس الكرامية في زمانه مجد الدين بن عمر المعروف بابن القدوة وهو الذي تسبب في محنة الفخر الرازي مستغلاً مكانته عند الغوريين الذين خلفوا آل سبكتكين في حكم بلادهم ( ). وحدثت بذلك فتنة عظيمة ذكرها ابن الأثير في حوادث (595هـ) فقال: (وفي هذه السنة حدثت فتنة عظيمة بعسكر غياث الدين ملك الغور وغزنة ( )..وسببها أن الفخر محمد بن عمر الرازي كان قد قدم إلى غياث الدين فأكرمه واحترمه وبنى له مدرسة بهراة( ) فقصده الفقهاء من البلاد فعظم ذلك على الكرامية وهم كثيرون بهراة، وأما الغورية فكلهم كراميةفاتفق الفقهاء من الكرامية والحنفية والشافعية عند غياث الدين للمناظرة وحضر الفخر الرازي وابن القدوة وهو من الكرامية الهيصمية وله عندهم محل كبير لزهده وعلمه وبيته، فتكلم الرازي فاعترض عليه ابن القدوة، وطال الكلام فاستطال عليه الفخر الرازي وسبه وشتمه وبالغ في أذاه، وابن القدوة لايزيد على أن يقول: لايفعل مولانا، وأخذك الله، وأستغفر الله، فانفصلوا على هذا، وقام ضياء الدين( ) في هذه الحادثة وشكر إلى غياث الدين وذم الفخر الرازي ونسبه إلى الزندقة ومذهب الفلاسفة فلم يصغ غياث إليه. فلما كان الغد وعظ ابن القدوة بالجامع فلما صعد المنبر قال بعد أن حمد الله وصلى على النبي: لا إله إلا الله، ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين، أيها الناس إنا لانقول إلا ما صح عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما علم أرسطاليس وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي فلانعلمها، فلأي شيء يُشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله وعن سنة رسول نبيه، وبكى وضج الناس وبكى الكرامية واستغاثواوثار الناس من كل جانب وامتلأ البلد فتنة وكادوا يقتتلون ويجري ما يهلك فيه خلق كثير فبلغ ذلك السلطان فأرسل جماعة من عنده إلى الناس وسكَّنهم ووعدهم بإخراج الفخر من عندهم وتقدم إليه بالعودة إلى هراة فعاد إليها)( ) وهذه حادثة مهمة في تاريخة التجسيم إذا أردنا أن نأخذ من دراسته العبر.
مقالة الكرامية في التجسيم:
اختلف كتاب الملل والنحل في ذكر فرق الكرامية فالبغدادي جعل الكرامية ثلاثة أصناف، وجعلها الرازي ستة فرق، وأوصلها الشهرستاني إلى اثنتي عشرة فرقة. ولانطيل في تفصيل مقالاتهم لسببين أولهما أن جهداً قد بُذل من قبل في مذهب الكرامية( )، والثاني أن هذه الفرق وإن كان لكل واحدة منها رأي إلا أن الشهرستاني قال: (..إلا أن ذلك لما لم يصدر عن علماء معتبرين بل عن سفهاء جاهلين( ) لم نفردها مذهباً. وأوردنا مذهب صاحب المقالة وأشرنا إلى ما يتفرع منه )( )
فهذا بيان مقالة ابن كرام وما تفرع منها:
وأهم مقالاته تجسيم معبوده إذ زعم أنه جسم له حد ونهاية من تحته وهي الجهة التي يلاقي منها العرش( )
ثم اختلف أصحابه في النهاية فمنهم من وافقه، ومنهم من أثبت النهاية له من ست جهات، ومنهم من أنكر النهاية له وقال هو عظيم.
ولهم في معنى العظمة خلاف فقال بعضهم معنى عظمته أنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته، وهو فوق ذلك على الوجه الذي هو فوق جزء منه. وقال بعضهم معنى عظمنه أنه يلاقي مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد وهو يلاقي جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم.( )
وقد سبق أن ابن كرام زعم أن معبوده أحدي الذات أحدي الجوهر. وقد حاول بعض أتباعه تهذيب هذا الوصف في ما حكاه البغدادي فقال: (وأتباعه اليوم لايبوحون بإطلاق لفظ الجوهر على الله تعالى عند العامة خوفاً من الشناعة عند الإشاعة. وإطلاقهم لفظ الجسم عليه أشنع من اسم الجوهر وامتناعهم من تسميته جوهراً مع قولهم بأنه جسم كامتناع شبطان الطاق الرافضي من تسمية الإله جسماً مع قوله بأنه على صورة الإنسان)( )
واتفق أكثر الكرامية على إطلاق لفظ الجسم، واجتهد بعضهم في تزيين هذه المقالة فزعم أنه يريد بلفظ الجسم أنه قائم بنفسه وزعم أن هذا هو حد الجسم. قال الشهرستاني: (وبنوا على هذا أن من من حكم القائمين بأنفسهما أن يكونا متجاوربن أو متباينين فقضى بعضهم بالتجاور مع العرش وحكم بعضهم بالتباين. وبما قالوا كل موجودين فإما أن يكون أحدهما بحيث الآخر كالعرض مع الجوهر وإما أن يكون بجهة منه. والباري ليس بعرض إذ هو قائم بنفسه فيجب أن يكون بجهة من العالم وأشرفها جهة فوق فقلنا هو بجهة فوق بالذات)( ) وعين هذا الاستدلال موجود في المؤلفات التي توصف بجمع العقيدة السلفية، مع أن أحداً من السلف لم يهمس فيه ببنت شفة إلا أن يكون الكرامية ومن اغتر بهم من المحدثين هم السلف دون الصحابة والتابعين.
ونعود إلى مقالة ابن كرام الذي زاد على ما سبق زعمَه أن الله تعالى مماس لعرشه من الصفحة العليا( ). وأبدل أصحابه لفظ المماسة بلفظ الملاقاة منه للعرش، وقالوا لايصح وجود جسم بينه وبين العرش إلا أن يحيط به العرش إلى أسفل، وهذا هو معنى المماسة التي امتنعوا من لفظها كما نبه عليه البغدادي( ) ومنهم من قال إنه على بعض أجزاء العرش، وقال بعضهم إن العرش قد امتلأ به، وصار المتأخرون منهم إلى أنه بجهة فوق وأنه محاذ للعرش( )
واختلفت الكرامية في المسافة التي أثبتوها بينه وبين العرش فمنهم من قال إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قُدِّر مشغولاً بالجواهر لاتصلت به. وقال ابن الهيصم: إن بينه وبين العرش بعداً لا يتناهى وهو مباين للعالم بينونة أزلية ونفى التحيز والمحاذاة وأثبت الفوقية والمباينة( ) وسوف نرى تسرب هذه المقالة إلى ما يسمى بعقيدة السلف.
واختلفت الكرامية في الاستواء على العرش فنص ابن كرام على أن معبوده على العرش استقر وأنه بجهة فوق ذاتاً وأن العرش مكان له، وجوز عليه الانتقال والنزول. وسوف نرى مدى تسرب هذه المقالة إلى ما يسمى بعقيدة السلف أيضاً.
وزاد بعض أصحابه فزعم أن العرش مكان له وأنه لو خلق بإزاء العرش عروشاً موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكاناً له لأنه أكبر منها كلها. قال البغدادي: (وهذا القول يوجب أن عرشه اليوم كبعضه في عرضه. ومنهم من قال: إنه لايزيد على عرشه من جهة المماسة ولايفضل منه شيء على العرش. وهذا يقتضي أن يكون عرضه بعرض العرش)( ) وقال أيضاً: (وأعجب من هذا كله أن ابن كرام وصف معبوده بالثقل وذلك أنه قال في كتاب عذاب القبر في تفسير قوله تعالى "إذا السماء انفطرت"( ) إنها انفطرت من ثقل الرحمن عليها)( ) وسوف نرى من وافق على ذلك من المنتسبين إلى السلف.
ومن مقالة ابن كرام أنه أثبت الكيفية لله عز وجل في ما نقله البغدادي من كتاب عذاب القبر قال البغدادي: (ثم إن ابن كرام ذكر في كتابه عذاب القبر باباً له ترجمة عجيبة فقال: باب في كيفوفية الله عز وجل، ولايدري العاقل من ماذا يتعجب أمن جسارته على إطلاق لفظ الكيفية في صفات الله عز وجل؟ أم من قبح عبارته عن الكيفية بالكيفوفية، وله من جنس هذه العبارة أشكال وقد عبر عن مكان معبوده في بعض كتبه بالحيثوثية وهذه العبارات لائقة بمذهبه السخيف)( ) وهذه المقالة مما تسرب إلى ما يسمى بعقيدة السلف أيضاً.
ومن مقالة أصحابه التي زادوا فيها على مقالة كبيرهم أنهم عدوا في صفات الله تعالى اليدين والوجه فأثبتوها صفاتٍ قديمةً قائمة بذاته، وقالوا: له يد لا كالأيدي ووجه لا كالوجوه( ) وأثبتوا جواز رؤيته من جهة فوق دون سائر الجهات( )
وزعم ابن الهيصم أن الذي أطلقه المجسمة من الهيأة والصورة والجوف وغيرها لا يشبه ما أطلق الكرامية من أنه خلق آدم بيديه وأنه استوى على العرش وأنه يجيء يوم القيامة لمحاسبة خلقه، قال: وذلك لأنا لا نعتقد ذلك على معنى فاسد من جارحة وعضو أو مطابقة للمكان والاستقرار بالعرش في تفسير الاستواء ولاتردد في الأماكن التي تحيط به في تفسير المجيء، قال: وإنما ذهبنا في ذلك إلى إطلاق ما أطلقه القرآن فقط من غير تكييف ولا تشبيه، ومالم يرد به القرآن والخبر فلا نطلقه كما أطلقه سائر المشبهة ( )
وهذه محاولة ترقيع وترميم فاشلة لم يُميَّز فيها بين ألفاظ القرآن وبين ما جاء في المتون المنكرة بالأسانيد الواهية ولا بين فهمها فهماً صحيحا وبين فهمها فهماً قبيحاً، فخلطوا ألفاظ القرآن مع هذه الفهوم وتلك المنكرات، وأثبتوا الجميع مرقوعاً بزعمهم أنه على الوجه الذي يليق بجلاله ومستوراً بنفي التكييف والتشبيه لفظاً. وسوف نرى مثل هذا الترميم في ما يسمى بعقيدة السلف.
وقبل أن نختم القول في تاريخة المجسمة وفرقهم نشير إلى بعض العبر والفوائد التي يجب أن لا تغيب عن الأذهان في دراسة مثل هذه الآراء.
العبر والفوائد التي يجب أن لا تغيب عن الأذهان في دراسة مقالات التجسيم.
أولاً: إن اتباع الكتاب والسنة والسلف شعار يرفعه حتى من خالف قواطع الكتاب والسنة والسلف، فها هو ابن القدوة الكرامي يزعم أنه آمن بما أنزل وما صح، وهذا مقاتل وشيطان الطاق يزعم كل منهما أنه لم يثبت صورة للرحمن على صورة آدم إلا اتباعاً للأثر.
ثانياً: أن هذا الشعار يُلبَّس بتشنيع مذهب المخالف بنسبته إلى الفلسفة كما فعل ابن القدوة.
ثالثاً: أن مثل هذه المقالات الشنيعة وَقُودها العوام الذين لا يحسنون الاستنباط ويفتقرون إلى الفهم الدقيق، وربما فتن بهذه المقالة بعض ضعاف الطلبة الذين يتململون من إعمال الفكر فيقتنعون في اعتقادهم بتقليد من أظهر مخايل الزهد وأطال في النسك وأثر في الوعظ، ويستدلون بما يظهر من التدين على ما بطن من الدين، فها هو ابن كرام على شناعة مقالته ينخدع بزهده ووعظه الآلاف.
رابعاً: أن هؤلاء العوام يُستغلون في حماية صاحب هذه المقالة من بطش أهل الحق تارة -كما هاب صاحب سجستان قتل ابن كرام واكتفى بنفيه- وتارة يُستظهر بهم في إيذاء المخالفين وإثارة الفتن كما فعل ابن القدوة.
خامساً: أن المقالة التي بان فسادها لن تعدم من يحاول ترميمها واستئصال ما انكشف من عوارها فيتبرأ المرمم مما لايمكن إصلاحه أو يتلاعب بألفاظها ويحملها على معان أخرى غير المعاني التي بان فسادها.
سادساً: أن أكثر الناس تصريحاً بالعقائد الباطلة في هذا الباب يتمسكون بنفي التشبيه وإثبات ما أثبتوه على الوجه اللائق، فهذا هشام بن الحكم يزعم أنه إنما أثبت جسماً لا كالأجسام. وفي هذه المقالة يقول ابن السبكي:
كذب ابن فاعلة يقول لجهله الله جسم ليس كالجسمان
لو كان جسما كان كالأجسام يا مجنون فاصغ وعد عن بهتان( )
ومن ذلك أيضا أن مقاتل بن سليمان بعد أن تجرأ على الله عز وجل بإثبات الجسم والصورة والأعضاء والجوارح زعم أنه مع ذلك لا يشبهه شيء ولا يشبه غيره وهذا تماما فعل سلفية اليوم .
وهذه النقاط لا تغيب في عصر من العصور عن فكر الخائضين في وصف الله عز وجل والمتبعين لما تشابه من كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا ما يجهله مجسمة اليوم التيميين ومن اتبعهم من العوام الجاهلين.
ثانياً: فرق المجسمة من المنتسبين إلى أهل الحديث
المقاتلية:
وهم أصحاب أبي الحسن مقاتل بن سليمان البلخي (150هـ)( ) الذي اهتم بعلم التفسير حتى روي عن ابن المبارك أنه قال: (ما أحسن تفسير مقاتل لو كان ثقة )( )
وكان مقاتل واسع الدائرة في التفسير معجباً بكثرة ما جمع حتى أنه قعد في مجلسه مرة وقال: سلوني عن ما دون العرش، فقال له رجل: آدم حين حج من حلق رأسه؟ فقال: ليس هذا من عملكم ولكن الله أراد أن يبتليني بما أعجبتني نفسي( ) . ولم يتهافت أهل الحديث على كثرة ما جمع مقاتل بل زهدوا في الرواية عنه لضعفه ولما أظهره من التجسيم( )
وقد سبقت الإشارة إلى إنكار السلف على مقالة مقاتل، وهذا موضع التفصيل في مقالته.
فقد قال الإمام الأشعري: (حكي عن أصحاب مقاتل أن الله جسم وأن له جثةً وأنه على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم وجوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت وهو مع ذلك لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره)( )
وحكى عنه الشهرستاني أنه قال قد ورد في الخبر أن الله خلق آدم على صورة الرحمن فلا بد من تصديقه( ) ومن مرويات مقاتل في التجسيم ما أخرجه الذهبي بسنده عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: (إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين حبيب الله ؟ فيتخطى صفوف الملائكة حتى يصير إلى العرش حتى يجلسه معه على العرش حتى يمس ركبته)( )
فقد أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أحمد بن سيار( ) أنه قال: (مقاتل متروك الحديث كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه)( )
وأخرج بسنده عن الإمام أحمد أنه قال مقاتل بن سليمان كانت له كتب ينظر فيها( )
وقال ابن حبان: (كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث)( )
وقال الذهبي: (ظهر بخراسان الجهم بن صفوان ودعا إلى تعطيل صفات الله عز وجل.. وظهر في خراسان في قبالته مقاتل بن سليمان المفسر وبالغ في إثبات الصفات حتى جسم وقام على هؤلاء علماء التابعين وأئمة السلف وحذروا من بدعهم)( )
وهؤلاء لا يطعن في نقلهم بانحرافهم عن مقاتل. وأما استشهاد ابن تيمية رحمه الله بعلم مقاتل في التفسير فلم يبرئه الذهبي بهذا العلم من التجسيم بل قال: (..قد لطخ بالتجسيم مع أنه كان من أوعية العلوم بحراً في التفسير)( ) على أن الخطيب نقل في تاريخ بغداد ما يطعن في هذا التفسير أيضا فقد نقل أنه جمع تفاسير الناس فجعلها لنفسه وحدث بها من غير سماع( )
إذا تبين هذا نقول: هل من علاقة بين الرغبة في تبرئة مقاتل واتفاق ما يسمى بعقيدة السلف مع قول مقاتل في إثبات الصورة والإقعاد على العرش ؟نعم إن ابن تيمية يؤمن بهذا التجسيم ولذلك تراه يحاول تبرئته بكل وسيلة !!!
الكرامية:
قبل التعريف بهذه الفرقة لابد من التنبيه إلى تميز هذه الفرقة عن فرق المجسمة، فهذه الفرقة لم تمت مقالاتها بموت مؤسسها، وتمكنت هذه الفرقة بتلبسها لباس الزهد والتقشف أن تخدع السلطان وتقنعه بمقالاتها وتفوز بأحضانه وقمعه لمخالفيها، وتميزت أيضا بتسرب بعض مقالاتها إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية.
وتاريخ هذه الفرقة يوضح كيفية انتشار مقالة التجسيم بين العوام لانخداعهم بما يظهر على أصحاب المقالة من زهد وتقشف وعبادة وانخداعهم بتشنيع أصحاب المقالة على التنزيه بدعوى موافقته للفلسفة الأجنبية. وتوضيح ما سبق يتم بإطلالة على تاريخ هذه الفرقة ودراسة مقالتها.
أما مؤسس هذه الفرقة فهو أبو عبد الله محمد بن كرام( )السجزي( )
ولد في سجستان ونشأ فيها. ويقول الشهرستاني: (نبغ رجل متنمس بالزهد من سجستان قليل العلم قد قمش من كل مذهب ضعثاً وأثبته في كتابه وروجه على سواد بلاد خراسان. فانتظم ناموسه وصار ذلك مذهباً)( )ويقول ابن السبكي: (وكان من خبر ابن كرام هذا وهو شيخ سجستاني مجسم أنه سمع يسيراً من الحديث ونشأ بسجستان ثم دخل خراسان...وعاد إلى نيسابور وباح بالتجسيم. وكان من إظهار التنسك والتأله والتعبد والتقشف على جانب عظيم فافترق الناس فيه على قولين، منهم المعتقد ومنهم المنتقد..قال الحاكم: لقد بلغني أنه كان معه جماعة من الفقراء وكان لباسه مسك ضأن مدبوغ غير مخيط. وعلى رأسه قلنسوة بيضاء، وقد نصب له دكان من لبن وكان يطرح له قطعة فرو فيجلس عليها فيحفظ ويذكر ويحدث قال وأثنى عليه فيما بلغني ابن خزيمة واجتمع به غير مرة..)( )
وقال تفي الدين الحصني: (..وسمع الحديث الكثير وأظهر التقشف.. واتخذ قطعة فرو يجلس عليها ويحفظ ويحدث ويتخشع حتى أخذ بقلوب العوام والضعفاء من الطلبة لوعظه وزهده، حتى حصر من تبعه من الناس فإذا هم سبعون ألفاً..)( )
فلما أظهر ابن كرام بدعته أنكر العلماء عليه وسعوا في سجنه وقتله.
يقول ابن السبكي: (وصاحب سجستان هو الذي نفاه، ولم يكن قصد الساعين إلا إراقة دمه وإنما صاحب سجستان هاب قتله لما رأى من مخايل العبادة والتقشف)( ) وهذا ابن خزيمة الذي كان قد حكي عنه ثناؤه على ابن كرام يكفر من قال مقالة الكرامية( ) قال ابن حجر (ولما نفي من سجستان وأتى نيسابور أجمع ابن خزيمة وغيره من الأئمة على نقله منها فسكن بيت المقدس)( ) ومات فيها سنة خمس وخمسين ومائتين. وكان أصحابه ببيت المقدس نحو عشرين ألفاً وكان له من الأتباع مثل ذلك في خراسان وسجستان( ) ومع أن ابن كرام لم يكن يحسن العلم ولا الأدب فقد ألف تصانيف كثيرة كما ذكر ذلك البغدادي ثم قال: (إلا أن كلامه في غاية الركة والسقوط)( ) وكان مصير مؤلفاته الحرق بعدما أظهر بدعته، ونجا كتابه عذاب القبر من النار إذ نقل منه البغدادي وغيره قول ابن كرام في وصف الله عز وجل أنه أحدي الذات أحدي الجوهر.( )
ولم تمت الكرامية بموت مؤسسها بل تهذبت مقالته في التجسيم وزُيفت حتى كثر أتباعها واستحسنها السلطان واعتنق مذهبها. وامتُحن بذلك بعضُ الكبار من علماء أهل السنة المنزهين لله عز وجل عن الجسمية ولوازمها.
ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الذين قاموا بمذهبه إسحاق بن محمشاد الذي صنف في فضائل ابن كرام. يقول ابن حجر (إسحاق بن محمشاد روى عن أبي الفضل التميمي حديثاً هو وضعه بقلة حياء منه: "يجيء في آخر الزمان رجل يقال له ابن كرام تحيا السنة به". فانظر إلى المادح والممدوح وسند حديثة مجاهيل)( )
ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الشاعر أبو الفتح علي بن محمد البستي(402هـ)( ) الذي اتصل بالملك ناصر الدولة سبكتكين( ) وعمل في خدمته فقربه منه حتى تأثر ملك آل سبكتكين( ) بالكرامية فنصروا المذهب وقسوا على مخالفيه.
ومن أتباع ابن كرام أبو عبد الله محمد بن الهيصم الذي اجتهد في إرمام مقالة ابن كرام حتى ردها من المحال الفاحش إلى نوع يُفهم بين العقلاء، فمن ذلك أنه عدل بإثبات الجسم إلى معنى زعم أنه المراد وهوالقائم بالذات، وهذا هو الرأي الذي مال إليه ابن تيمية رحمه الله. ومنه أيضاً أنه زعم أن الفوقية بمعنى العلو مع إثبات البينونة غير المتناهية بينه وبين خلقه( ) وقال الشهرستاني: (قد تخطى بعض الكرامية إلى إثبات الجسمية فقال أعني بها القيام بالنفس، وذلك تلبيس على العقلاء وإلا فمذهب أستاذهم مع كونه محلاً للحوادث..مستوياً على العرش استقراراً مختصة بجهة فوق مكاناً واستعلاءً فليس ينجيه من هذه المخازي تزويراتُ ابن هيصم فليس يريد بالجسمية القيام بالنفس...وإنما هو إصلاح مذهب لا يقبل الإصلاح. وكيف يستوي الظل والعود أعوج وكيف استوى المذهب وصاحب المقال أهوج)( ).وكان ابن الهيصم من مجالسي السلطان محمود بن سبكتكين( ) وكان ابن فورك( ) هو الذي يناظر ابن الهيصم في هذا المجلس( ) وكانت هذه المناظرات سبباً في قتل ابن فورك. قال ابن السبكي: (وكان ابن فورك شديداً على الكرامية، وأذكر أن ما حصل له من المحنة من شغب أصحاب ابن كرام وشيعتهم من المجسمةفتحزبوا عليه ونموا عليه غير مرة وهو ينتصر عليهم فلما أيست الكرامية من الوشاية والمكايدة عدلت إلى السعي في موته والراحة من تعبه فسلطوا عليه من سمه فمضى حميداً شهيداً)( )
وكان أبو إسحاق الاسفرائيني قد تعين عليه مناظرة الكرامية بعد ابن فورك. ومن هذه المناظرات ما ذكره أبو المظفر الاسفراييني قال: (سأل بعض أتباع الكرامية في مجلس السلطان محمد بن سبكتكين إمامَ زمانه أبا إسحاق الإسفراييني رحمه الله عن هذه المسألة الاستواء على العرش فقال:هل يجوز أن يقال: إن الله تعالى على العرش؟ وأن العرش مكان له؟ فقال: لا. وأخرج يديه ووضع إحدى كفيه على الأخرى، وقال: كون الشيء على الشيء يكون هكذا، ثم لايخلو إما أن يكون أكبر منه أو أصغر منه فلا بد من مخصص خصه وكل مخصوص يتناهى والمتناهي لايكون إلهاًفلم يمكنهم أن يجيبوا عنه فأغروا به رعاعهم حتى دفعهم عنه السلطان بنفسهولما ورد عليهم هذا الإلزام تحيروا فقال قوم إنه أكبر من العرش وقال قوم إنه مثل العرش. وارتكب ابن المهاجر منهم قوله إن عرضه عرض العرش. وهذه الأقوال كلها متضمنة لإثبات النهاية وذلك علم الحدوث لايجوز أن يوصف به الصانع)( )
وابتلي الإمام الفخر الرازي بمناظرة الكرامية بعد ابن فورك وأبي إسحاق، وكان رأس الكرامية في زمانه مجد الدين بن عمر المعروف بابن القدوة وهو الذي تسبب في محنة الفخر الرازي مستغلاً مكانته عند الغوريين الذين خلفوا آل سبكتكين في حكم بلادهم ( ). وحدثت بذلك فتنة عظيمة ذكرها ابن الأثير في حوادث (595هـ) فقال: (وفي هذه السنة حدثت فتنة عظيمة بعسكر غياث الدين ملك الغور وغزنة ( )..وسببها أن الفخر محمد بن عمر الرازي كان قد قدم إلى غياث الدين فأكرمه واحترمه وبنى له مدرسة بهراة( ) فقصده الفقهاء من البلاد فعظم ذلك على الكرامية وهم كثيرون بهراة، وأما الغورية فكلهم كراميةفاتفق الفقهاء من الكرامية والحنفية والشافعية عند غياث الدين للمناظرة وحضر الفخر الرازي وابن القدوة وهو من الكرامية الهيصمية وله عندهم محل كبير لزهده وعلمه وبيته، فتكلم الرازي فاعترض عليه ابن القدوة، وطال الكلام فاستطال عليه الفخر الرازي وسبه وشتمه وبالغ في أذاه، وابن القدوة لايزيد على أن يقول: لايفعل مولانا، وأخذك الله، وأستغفر الله، فانفصلوا على هذا، وقام ضياء الدين( ) في هذه الحادثة وشكر إلى غياث الدين وذم الفخر الرازي ونسبه إلى الزندقة ومذهب الفلاسفة فلم يصغ غياث إليه. فلما كان الغد وعظ ابن القدوة بالجامع فلما صعد المنبر قال بعد أن حمد الله وصلى على النبي: لا إله إلا الله، ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين، أيها الناس إنا لانقول إلا ما صح عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما علم أرسطاليس وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي فلانعلمها، فلأي شيء يُشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله وعن سنة رسول نبيه، وبكى وضج الناس وبكى الكرامية واستغاثواوثار الناس من كل جانب وامتلأ البلد فتنة وكادوا يقتتلون ويجري ما يهلك فيه خلق كثير فبلغ ذلك السلطان فأرسل جماعة من عنده إلى الناس وسكَّنهم ووعدهم بإخراج الفخر من عندهم وتقدم إليه بالعودة إلى هراة فعاد إليها)( ) وهذه حادثة مهمة في تاريخة التجسيم إذا أردنا أن نأخذ من دراسته العبر.
مقالة الكرامية في التجسيم:
اختلف كتاب الملل والنحل في ذكر فرق الكرامية فالبغدادي جعل الكرامية ثلاثة أصناف، وجعلها الرازي ستة فرق، وأوصلها الشهرستاني إلى اثنتي عشرة فرقة. ولانطيل في تفصيل مقالاتهم لسببين أولهما أن جهداً قد بُذل من قبل في مذهب الكرامية( )، والثاني أن هذه الفرق وإن كان لكل واحدة منها رأي إلا أن الشهرستاني قال: (..إلا أن ذلك لما لم يصدر عن علماء معتبرين بل عن سفهاء جاهلين( ) لم نفردها مذهباً. وأوردنا مذهب صاحب المقالة وأشرنا إلى ما يتفرع منه )( )
فهذا بيان مقالة ابن كرام وما تفرع منها:
وأهم مقالاته تجسيم معبوده إذ زعم أنه جسم له حد ونهاية من تحته وهي الجهة التي يلاقي منها العرش( )
ثم اختلف أصحابه في النهاية فمنهم من وافقه، ومنهم من أثبت النهاية له من ست جهات، ومنهم من أنكر النهاية له وقال هو عظيم.
ولهم في معنى العظمة خلاف فقال بعضهم معنى عظمته أنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته، وهو فوق ذلك على الوجه الذي هو فوق جزء منه. وقال بعضهم معنى عظمنه أنه يلاقي مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد وهو يلاقي جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم.( )
وقد سبق أن ابن كرام زعم أن معبوده أحدي الذات أحدي الجوهر. وقد حاول بعض أتباعه تهذيب هذا الوصف في ما حكاه البغدادي فقال: (وأتباعه اليوم لايبوحون بإطلاق لفظ الجوهر على الله تعالى عند العامة خوفاً من الشناعة عند الإشاعة. وإطلاقهم لفظ الجسم عليه أشنع من اسم الجوهر وامتناعهم من تسميته جوهراً مع قولهم بأنه جسم كامتناع شبطان الطاق الرافضي من تسمية الإله جسماً مع قوله بأنه على صورة الإنسان)( )
واتفق أكثر الكرامية على إطلاق لفظ الجسم، واجتهد بعضهم في تزيين هذه المقالة فزعم أنه يريد بلفظ الجسم أنه قائم بنفسه وزعم أن هذا هو حد الجسم. قال الشهرستاني: (وبنوا على هذا أن من من حكم القائمين بأنفسهما أن يكونا متجاوربن أو متباينين فقضى بعضهم بالتجاور مع العرش وحكم بعضهم بالتباين. وبما قالوا كل موجودين فإما أن يكون أحدهما بحيث الآخر كالعرض مع الجوهر وإما أن يكون بجهة منه. والباري ليس بعرض إذ هو قائم بنفسه فيجب أن يكون بجهة من العالم وأشرفها جهة فوق فقلنا هو بجهة فوق بالذات)( ) وعين هذا الاستدلال موجود في المؤلفات التي توصف بجمع العقيدة السلفية، مع أن أحداً من السلف لم يهمس فيه ببنت شفة إلا أن يكون الكرامية ومن اغتر بهم من المحدثين هم السلف دون الصحابة والتابعين.
ونعود إلى مقالة ابن كرام الذي زاد على ما سبق زعمَه أن الله تعالى مماس لعرشه من الصفحة العليا( ). وأبدل أصحابه لفظ المماسة بلفظ الملاقاة منه للعرش، وقالوا لايصح وجود جسم بينه وبين العرش إلا أن يحيط به العرش إلى أسفل، وهذا هو معنى المماسة التي امتنعوا من لفظها كما نبه عليه البغدادي( ) ومنهم من قال إنه على بعض أجزاء العرش، وقال بعضهم إن العرش قد امتلأ به، وصار المتأخرون منهم إلى أنه بجهة فوق وأنه محاذ للعرش( )
واختلفت الكرامية في المسافة التي أثبتوها بينه وبين العرش فمنهم من قال إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قُدِّر مشغولاً بالجواهر لاتصلت به. وقال ابن الهيصم: إن بينه وبين العرش بعداً لا يتناهى وهو مباين للعالم بينونة أزلية ونفى التحيز والمحاذاة وأثبت الفوقية والمباينة( ) وسوف نرى تسرب هذه المقالة إلى ما يسمى بعقيدة السلف.
واختلفت الكرامية في الاستواء على العرش فنص ابن كرام على أن معبوده على العرش استقر وأنه بجهة فوق ذاتاً وأن العرش مكان له، وجوز عليه الانتقال والنزول. وسوف نرى مدى تسرب هذه المقالة إلى ما يسمى بعقيدة السلف أيضاً.
وزاد بعض أصحابه فزعم أن العرش مكان له وأنه لو خلق بإزاء العرش عروشاً موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكاناً له لأنه أكبر منها كلها. قال البغدادي: (وهذا القول يوجب أن عرشه اليوم كبعضه في عرضه. ومنهم من قال: إنه لايزيد على عرشه من جهة المماسة ولايفضل منه شيء على العرش. وهذا يقتضي أن يكون عرضه بعرض العرش)( ) وقال أيضاً: (وأعجب من هذا كله أن ابن كرام وصف معبوده بالثقل وذلك أنه قال في كتاب عذاب القبر في تفسير قوله تعالى "إذا السماء انفطرت"( ) إنها انفطرت من ثقل الرحمن عليها)( ) وسوف نرى من وافق على ذلك من المنتسبين إلى السلف.
ومن مقالة ابن كرام أنه أثبت الكيفية لله عز وجل في ما نقله البغدادي من كتاب عذاب القبر قال البغدادي: (ثم إن ابن كرام ذكر في كتابه عذاب القبر باباً له ترجمة عجيبة فقال: باب في كيفوفية الله عز وجل، ولايدري العاقل من ماذا يتعجب أمن جسارته على إطلاق لفظ الكيفية في صفات الله عز وجل؟ أم من قبح عبارته عن الكيفية بالكيفوفية، وله من جنس هذه العبارة أشكال وقد عبر عن مكان معبوده في بعض كتبه بالحيثوثية وهذه العبارات لائقة بمذهبه السخيف)( ) وهذه المقالة مما تسرب إلى ما يسمى بعقيدة السلف أيضاً.
ومن مقالة أصحابه التي زادوا فيها على مقالة كبيرهم أنهم عدوا في صفات الله تعالى اليدين والوجه فأثبتوها صفاتٍ قديمةً قائمة بذاته، وقالوا: له يد لا كالأيدي ووجه لا كالوجوه( ) وأثبتوا جواز رؤيته من جهة فوق دون سائر الجهات( )
وزعم ابن الهيصم أن الذي أطلقه المجسمة من الهيأة والصورة والجوف وغيرها لا يشبه ما أطلق الكرامية من أنه خلق آدم بيديه وأنه استوى على العرش وأنه يجيء يوم القيامة لمحاسبة خلقه، قال: وذلك لأنا لا نعتقد ذلك على معنى فاسد من جارحة وعضو أو مطابقة للمكان والاستقرار بالعرش في تفسير الاستواء ولاتردد في الأماكن التي تحيط به في تفسير المجيء، قال: وإنما ذهبنا في ذلك إلى إطلاق ما أطلقه القرآن فقط من غير تكييف ولا تشبيه، ومالم يرد به القرآن والخبر فلا نطلقه كما أطلقه سائر المشبهة ( )
وهذه محاولة ترقيع وترميم فاشلة لم يُميَّز فيها بين ألفاظ القرآن وبين ما جاء في المتون المنكرة بالأسانيد الواهية ولا بين فهمها فهماً صحيحا وبين فهمها فهماً قبيحاً، فخلطوا ألفاظ القرآن مع هذه الفهوم وتلك المنكرات، وأثبتوا الجميع مرقوعاً بزعمهم أنه على الوجه الذي يليق بجلاله ومستوراً بنفي التكييف والتشبيه لفظاً. وسوف نرى مثل هذا الترميم في ما يسمى بعقيدة السلف.
وقبل أن نختم القول في تاريخة المجسمة وفرقهم نشير إلى بعض العبر والفوائد التي يجب أن لا تغيب عن الأذهان في دراسة مثل هذه الآراء.
العبر والفوائد التي يجب أن لا تغيب عن الأذهان في دراسة مقالات التجسيم.
أولاً: إن اتباع الكتاب والسنة والسلف شعار يرفعه حتى من خالف قواطع الكتاب والسنة والسلف، فها هو ابن القدوة الكرامي يزعم أنه آمن بما أنزل وما صح، وهذا مقاتل وشيطان الطاق يزعم كل منهما أنه لم يثبت صورة للرحمن على صورة آدم إلا اتباعاً للأثر.
ثانياً: أن هذا الشعار يُلبَّس بتشنيع مذهب المخالف بنسبته إلى الفلسفة كما فعل ابن القدوة.
ثالثاً: أن مثل هذه المقالات الشنيعة وَقُودها العوام الذين لا يحسنون الاستنباط ويفتقرون إلى الفهم الدقيق، وربما فتن بهذه المقالة بعض ضعاف الطلبة الذين يتململون من إعمال الفكر فيقتنعون في اعتقادهم بتقليد من أظهر مخايل الزهد وأطال في النسك وأثر في الوعظ، ويستدلون بما يظهر من التدين على ما بطن من الدين، فها هو ابن كرام على شناعة مقالته ينخدع بزهده ووعظه الآلاف.
رابعاً: أن هؤلاء العوام يُستغلون في حماية صاحب هذه المقالة من بطش أهل الحق تارة -كما هاب صاحب سجستان قتل ابن كرام واكتفى بنفيه- وتارة يُستظهر بهم في إيذاء المخالفين وإثارة الفتن كما فعل ابن القدوة.
خامساً: أن المقالة التي بان فسادها لن تعدم من يحاول ترميمها واستئصال ما انكشف من عوارها فيتبرأ المرمم مما لايمكن إصلاحه أو يتلاعب بألفاظها ويحملها على معان أخرى غير المعاني التي بان فسادها.
سادساً: أن أكثر الناس تصريحاً بالعقائد الباطلة في هذا الباب يتمسكون بنفي التشبيه وإثبات ما أثبتوه على الوجه اللائق، فهذا هشام بن الحكم يزعم أنه إنما أثبت جسماً لا كالأجسام. وفي هذه المقالة يقول ابن السبكي:
كذب ابن فاعلة يقول لجهله الله جسم ليس كالجسمان
لو كان جسما كان كالأجسام يا مجنون فاصغ وعد عن بهتان( )
ومن ذلك أيضا أن مقاتل بن سليمان بعد أن تجرأ على الله عز وجل بإثبات الجسم والصورة والأعضاء والجوارح زعم أنه مع ذلك لا يشبهه شيء ولا يشبه غيره وهذا تماما فعل سلفية اليوم .
وهذه النقاط لا تغيب في عصر من العصور عن فكر الخائضين في وصف الله عز وجل والمتبعين لما تشابه من كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
..وقد أثنى عليه فيما بلغنى ابن خزيمة واجتمع به غير مرة)( )
تعليق