الإبـَاضِـيَّة في قفص الاتـِّهام

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • منصور بن سعيد الحارثي
    طالب علم
    • Feb 2010
    • 75

    #1

    الإبـَاضِـيَّة في قفص الاتـِّهام

    إنَّ وضع الإبـَاضِـيَّة بالنسبة إلى إخوانهم من المذاهب الأخرى وضع غريب، فبرغم من أنـَّهم يعيشون في بعض البلاد مندمجين مختلطين بإخوتهم من المذاهب الأخرى، يتعاملون معهم في جميع شؤون الحياة كما يتعامل بعضهم مع بعض. وتربط الكثير منهم علاقات مودَّة وصداقة أوثق كثيرا مِمَّا تربط أهل المذهب الواحد، ويتصرَّف أولئك الإبـَاضِـيُّون في المجتمع تصرُّف المسلم الطبيعيِّ، لا يخفى ولا يشذُّ شيء من سلوكهم الدينيِّ أو المدنيِّ، ولا ينقم عليهم إخوتــهم ــ أولئك الذين يعيشون معهم في السرَّاء والضرَّاء ــ بدعةً يعرفونها، أو انحرافاً يرونه، أو خلافاً يدعو إلى سوء الظنِّ. رغم كلّ هذا فإنَّ تلك الكلمة التي أطلقتها عليهم شفة مغرضة مجهولة، في فترة كانت السياسة تلعب فيها أهمَّ الأدوار في توجيه الفهم لمن ينتقد انحرافها عن منهج العدول من أصحاب الرسول (ص)، منذ ذلك التاريخ في العصر الأمويِّ ــ فيما يبدو ــ والإبـَاضِـيَّة يقفون في قفص الاتـِّهام، يقاسون ألم الجفاء من إخوتهم لأنـَّهم ــ فيما تزعم تلك التهمة الظالمة ــ (خوارج)؛ ومن المؤسف أنَّ أكثر الكـتَّاب ــ سواء كانوا كتـَّاب مقالات في العقائد، أو كتـَّاب تاريخ يتتـبَّعون مجاري الأحداث السياسيَّة ــ وقفوا بالنسبة إلى الإبـَاضِـيَّة موقف المدَّعي العامِّ الذي يعتقد أنَّ نجاح مرافعته يتوقَّف على إثبات التهمة أو قاضي التحقيق الذي يهمُّه أن يضع أوزار الجريمة على من ساقته الظروف إليه، ووضعته التحريات بين يديه.
    فهم يضعون هذا المذهب وأتباعه في قفص الاتـِّهام أوَّلاً، ويحكمون عليهم بأنـَّهم مخطئون لأنـَّهم خوارج، وبعد ذلك قد يبحثون عن الأدلّـة، ولكن لإثبات هذه التهمة، لا لمعرفة الحقيقة.
    وعندما يتقدَّم الإبـَاضِـيَّة بعرض عقائدهم وآرائهم والأدلَّة الشرعيَّة التي استندوا إليها، ويـبـيِّنون سيرتهم وسلوكهم، يعتبر ذلك منهم كلاماً في موقف الدفاع، لا يجوز على القاضي الذكيِّ، فهو لا يسمعه، ولا ينظر فيه، وإذا استمع إليه فلكي يلتقط جملاً تعَزِّزُ التهمة، وقد يحرِّفها قليلا حَـتَّى تكون صالحة كدليل للإثبات.
    وقد يعرض الإبـَاضِـيَّة عقيدة أو رأياً لهم بأدلَّته وبراهينه وهو في نفس الأمر يوافق عقيدة القاضي. ولكن القاضي يصرُّ مع ذلك أنَّ القوم مخطئون وأنَّ ما يقولونه إِنـَّمَا هو كلام للدفاع؛ ثُمَّ يحكم برفض الدفاع، وإثبات الدعوى، لا لشيء إِلاَّ لأنـَّهم حسبما بلغ إلى علمه (خوارج)، وحـتَّى عندما يقول الإبـَاضِـيَّة عن عقيدة أو رأي: إنـَّه عندهم كفر وخروج من الملَّة، فإنَّ هذا القول لا يقبل منهم، ويستمرُّ إثباته لهم ومحاسبتهم عليه. وقد يبرأون من رجل ومن أعماله وأقواله مِمـَّن لا ينتمي إليهم ولكن يقال لهم أيضًا: بل هذا الرجل من أئمَّتكم، ولو أنكرتم ذلك.
    والمشكلة أنَّ رافعي الاتـِّهام لا يحاولون أبدا أن يبحثوا عن الحقيقة، ولا أن يرجعوا في تحقيقهم إلى مصادر الإبـَاضِـيَّة، وإنـَّما يتناقلون التهمة بنصِّها من جيل إلى جيل دون اعتبار لصراخ المتـَّهم الموجود في القفص، أو اهتمام به أو سماع لدفاعه.
    وفي عصرنا هذا اهتمَّ عدد من كتـَّاب المقالات، ومحقِّقي الكتب: بشؤون الفرق الإسلاميَّة، وعَرض بعضهم فيما عرض للإبـَاضِـيَّة، وبين يديه كتب قيِّمة لهم يستطيع أن يتَّخذها مراجع يستقي منها أقوالهم ويستطيع أن يعرف فيها أصول ديانتهم وفروعها ويصحِّح ــ متأكِّداً ــ ما يجده من أخطاء عنهم في غيرها، وإلى جانبه علماء فضلاء منهم في إمكانهم أن ييسِّروا له الوصول إلى الحقِّ وَلَكِـنَّهُ في الواقع يزورُّ عن ذلك، ولا يرجع إلى تلك الكتب، ولا إلى أولئك العلماء، وإنـَّما يعود بالتفتيش إلى كتب ليست لهم وإنـَّما كتبها غيرهم عنهم في ظروف مجهولة، وهي غالبا لا تسلم من الأخطاء عن حسن النـيَّة إن سلمت من سوء النـيَّة، بل هي عرضة للأخطاء من عدَّة جوانب منها:
    1- عدم توافر النزاهة الكاملة في الكتـَّاب.
    2- سيطرة آراء معيَّنة على الكاتب تجعله غير مستعدٍّ لفهم غيرها، أو حَـتَّى مجرَّد مناقشتها.
    3- كفاءة الدراسة والتحقيق قد لا تكون عنده بالدرجة التي يفرِّق بها بين الصواب والخطإ.
    4- المصادر التي يستقي منها ويعتمد عليها ــ سواء كانت كتبا أم بشراً ــ قد تكون مغرضة، وقد تكون مستغلَّة وقد تكون جاهلة لحقيقة ما تـثبت.
    5- وسائل الاتـِّصال التي تساعد على البحث والوصول إلى الحقيقة كالاتـِّصال الشخصيِّ المباشر كانت غير سهلة ولا ميسورة.
    6- النفرة بين أتباع المذاهب المختلفة وسوء الظنِّ، وشدَّة التعصُّب، وتمسُّك كلٍّ بما عنده، والحكم مسبقاً على الآخرين بالخطإ والضَّلال؛ هذه العراقيل كلُّـها أو بعضها تجعل الوصول إلى الحقيقة عسيرا حَـتَّى بالنسبة للنزيه الحريص على الحقِّ، فإنَّ سوء الظنِّ يلقي ظلالا من الشكِّ عليه لا تمكِّنه من الإطلاع.
    7- الإشاعات الكاذبة، والدعايات المضلِّلة التي تنطلق عن دوافع سياسيَّة غالباً، فتصل إلى ناس موثوق بهم، فتجري على ألسنتهم أو أقلامهم، فتتلقَّفها الآذان دون معرفة مصدرها الحقيقيِّ، والدوافع السياسيَّة الماكرة إلى الإيحاء بها.
    هذه بعض الجوانب التي كانت تؤثِّر على الكتـَّاب الأقدمين، وقد انتبه إلـيـها بعضهم، وعرف مدى تأثيرها على المؤلِّفين، وما يتسبَّب عنها من أباطيل تلتصق بطوائف من المسلمين هم منها أبرياء.
    يقول أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعريُّ( ) ما يلي:
    - مقالات الإسلاميين طبعة النهضة 1369هـ ص33.
    «ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنَّفون في النحل والديانات، من بين مقصِّر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين معتمدٍ للكذب في الحكاية، إرادة التشنيع على من يخالفه، ومن بين تارك للتقصِّي لروايته فيما يرويه، من اختلاف المختلفين، ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظنُّ أنَّ الحجَّة تلزمهم به». فأنت ترى أن أبا الحسن الأشعريَّ ــ وهو من أوائل من كتب في هذا الموضوع ــ قد انتقد عدَّة عيوب في أولئك الذين يتصدَّون للحديث عن مخالفيـهم، كالتقصير في التحقيق، واعتماد الكذب والغلط وعدم التقصِّي في البحث، والزيادة في الأقوال لإلزام المخالفين الحجَّة.
    أمـَّا الشهرستانيُّ في كتـَابه (الملل والنحل) فهو لم يذكر نقداً بهذه التفاصيل وإنـَّما أشار إليها من طرف خفيٍّ، فقد قال ما يلي( ):
    «وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كلِّ فرقة على ما وجدته في كـتبـهم، ومن غير تعصُّب لهم، ولا كره عليهم، دون أن أبيـِّن صحيحه من فاسده، وأعيـِّن حقَّه من باطله».
    وهذا الكلام يشعر أنَّ الشهرستانيَّ رأى كما رأى الأشعريُّ من قبله، عدم التحقيق فيما يقال عن الفرق، ولذلك فقد شرط على نفسه أن يأخذ أقوال أصحاب الفرق من كتبهم، دون التعرُّض لنقدها أو تصحيحها.
    فهل استطاع أبو الحسن الأشعريُّ أن يتحقَّق أنَّ ما أورده عن الفرق قد سلم من تلك العيوب التي ذكرها وعزم أن يتحرَّز منها، والتي انتقدها على غيره من المتحدِّثين والكتـَّاب بقوَّة وجرأة تستدعيان أن تجاب؟!! وهل استطاع الشهرستانيُّ أن يوفِّي بشرطه؟ وأن لا ينقل مقالات أهل الفرق إِلاَّ من كتبهم ومصادرهم؟! وأن يلتزم معها الحياد الكامل فلا يصوِّب ولا يخطِّئ ولا يرجِّح؟
    ذلك ما سوف نراه في الفصول الآتية إن شاء الله تعالى، ونحن نرافق هؤلاء الأئمـَّة العظام وغيرهم في رحلة علميـَّة، نستمع فيها إليهم ونقرأ لهم، ونأخذ عنهم، ونسترشدهم في الوصول إلى الحقِّ الذي هو غاية الجميع.

    - الملل، والنحل طبعة 1368 هـ ص 60 من الجزء الأول
  • منصور بن سعيد الحارثي
    طالب علم
    • Feb 2010
    • 75

    #2
    القسم الأوَّل
    مـَعَ الـقُـدَمـَــاء
    إنَّ الذين كـتـبـوا عـن الـعـقـائد الإسلامـيَّـة، واسـتـعرضـوا مـقالات الـفرق فـيـها ــ مـن القدماء ــ عدد كبير، وليس في وسع الدارس أن يتـتـبَّعهم جميعـًا، ولا أن يستحضر كلّ ما قالوه، ولكن في إمكانه أن يقوم بدراسات بعضهم، وأن يأخذهم كأمثلة أو نماذج يستدلُّ بها على الأسلوب أو المنهج الذي سلكوه أو سلكه أكثرهم.
    وبعد دراسة لموضوع الإباضـيَّة في عدد من تلك الكتب، واستعراض لمناهجها وأساليـبها في البحث، استقرَّ رأيي على خمسة من المؤلِّفين لأقوم معهم بهذه الرحلة العلمـيَّة، التي آمل أن يجد كلُّ قارئ يصحبنا فيها بعض المتعة إذا لم يتحصَّل فيها على فائدة.
    وقد فضَّلت أن أبدأ المسير مع هؤلاء الخمسة الذين اخترتهم كنماذج حسب ترتيبهم الزمنيِّ على ما يأتي:
    1. أبو الحسن عليُّ بن إسماعيل الأشعريُّ، المتوفَّى سنة 330 هـ.
    2. عبد القاهر بن طاهر البغداديُّ المتوفَّى سنة 429 هـ.
    3. أبو محمَّد عليُّ بن أحمد بن سعيد بن حزم المتوفَّى سنة 456 هـ.
    4. أبو المظفَّر شاهفور بن طاهر الأسفرايينيُّ المتوفَّى سنة 471 هـ.
    5. أبو الفتح محمَّد بن عبد الكريم الشهرستانيُّ المتوفَّى سنة 548 هـ.
    إنـَّني أعتقد أنَّ هؤلاء الكتـَّاب هم من أشهر من كتب في هذه المواضيع، وكتبهم تعتبر مصادر ومراجع لا يستغني عنها باحث في هذا المجال، وكلُّ من جاء بعدهم إنما هو عالة عليهم، منهم يأخذ أو على مناهجهم يسير.
    وَأَمـَّا الكتب فهاهي حسب ترتيبهم السابق:
    1. مقالات الإسلاميِّـيـن واختلاف المصلِّين. الأشعريُّ.
    2. الـفَـرْقُ بين الـفـِرَقِ. البغداديُّ.
    3. الفصل في الملل والنحل. ابن حزم.
    4. التبصير في الدين. الإسفرايينيُّ.
    5. الملل والنحل. الشهرستانيُّ.

    تعليق

    • منصور بن سعيد الحارثي
      طالب علم
      • Feb 2010
      • 75

      #3
      الإبـَاضـِيَة عند الأشعريِّ
      قد يعجب القارئ الكريم إذا قلت له: إنَّ أبا الحسن الأشعريَّ رغم أنـَّه كتب عن الإباضـيَّة كثيرًا، فإنـَّه لا يعرف عن الإباضـيَّة شيـئًا، وإنَّ أكثر ما كتبه عنهم لا علاقة لهم به، ولا علاقة له بهم، وليتـَّضح للقارئ الكريم هذا القول فإنـَّني أرجو منه أن يرافقني قليلاً، وأن يقرأ الفصول المعقودة لدراسة أبي الحسن الأشعريِّ مع الإباضـيَّة.
      يقول أبو الحسن الأشعريُّ في كتـابه (مقالات الإسلاميـِّين) صفحة 171 من الجزء الأوَّل ما يلي:
      «ومن الخوارج الإباضـيَّة:
      فالفرقة الأولى منهم يقال لهم الحفصيـَّة كان إمامهم حفص بن أبي المقدام، زعم أنَّ بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده، فمن عرف الله سبحانه ثُمَّ كفر بما سواه من رسول أو جـنَّة أو نار، أو عمل بجميع الخبائث من قتل النفس، واستحلال الزنى، وسائر ما حرَّم الله من فروج النساء، فهو كافر برئ من الشرك».
      واستمرَّ الأشعريُّ يذكر أمثال هذه الشنائع لهذه الفرقة ثُمَّ قال:
      «والفرقة الثانية منهم يسمَّون اليزيديَّة، كان إمامهم يزيد بن أنيسة» ثُمَّ ذكر آراء هذه الفرقة وشنائعها، ومنها: «وزعم أنَّ الله سبحانه سيبعث رسولا في العجم، وينزل عليه كتابا من السماء يكتب في السماء وينزل عليه جملة واحدة» ويقول بعد أسطرٍ: «وتولَّى ــ أبو يزيد هذا ــ من شهد لمحمَّد (ص) بالنبوءة من أهل الكتاب، وإن لم يدخلوا في دينه، ولم يعملوا بشريعته، وزعم أنـَّهم بذلك مؤمنون».
      ثُمَّ يقول:
      «والفرقة الثالثة من الإباضـيَّة أصحاب حارث الإباضيِّ، قالوا في القدر بقول المعتزلة، وخالفوا فيه سائر الإبـَاضِـية». وبعد أن يذكر لهم جملة من الـتـشـنيـعـات يقول:
      «والفرقة الرابعة منهم، يقولون بطاعة لا يراد الله بها، على مذهب أبي الهذيل، ومعنى ذلك أنَّ الإنسان قد يكون مطيعًا لله، إذا فعل شيـئًا أمره الله به، وإن لم يقصد الله بذلك الفعل، ولا أراده به».
      هكذا بدأ أبو الحسن الأشعريُّ حديثه عن الإبـَاضِـيـَّة فبمجرد ما ذكرهم بدأ في تقسيمهم إلى فرق، وجعل ينسب إلى كلِّ فرقة جملة من الآراء والأقوال.
      والقارئ الكريم عندما يبدأ في قراءة ما كتبه الأشعريَّ عن الإبـَاضِـيَّة ينقسمون إلى أربع فرق كبرى هي هذه الفرق التي ذكرها، وأنَّ بعض هذه الفرق قد انقسم أيضًا إلى فرق أخرى فرعيـَّة، وذكر الأشعريُّ أقوالاً أخرى وشنائع أخرى نسب بعضها إلى جميع الإبـَاضِـيَّة، ونسب بعضها إلى إحدى تلك الفرق.
      وعند الرجوع إلى كتب الإبـَاضِـيـَّة التي أُلــِّفت في عصر أبي الحسن والتي ألـِّفت قبله والتي ألفت بعده، فإنَّ القارئ لن يجد فيها شيـئًا عن هذه الفرق، ولا عن أسمائها ولا عن آرائها ولا عن أئمَّتها. وخذ ما شئت من كتب السير والتراجم عند الإبـَاضِـيـَّة، التي تـتـقصَّى أخبار أئمَّتها وعلمائها ومشائخها، فإنـَّك لن تجد ولا إشارة عابرة إلى أولئك الأئمَّة الذين ذكرهم الأشعريُّ واعتبـرهم أئمـَّة لفرق كاملة من الإباضيـَّة.
      واقرأ ما شئت من كتب العقائد عند الإباضيـَّة، فإنـَّك لن تجد ذكرًا لهذه الفرق ولا لآرائها، وكلُّ ما نستطيع أن نعتذر به عن إيراد أبي الحسن لهذه التفاصيل أنـَّه وقع فريسة لبعض المشنـِّعين، فكان يتلقَّى مقالات الفرق عن ناس يثق بهم، ولكنـَّهم ليسوا في المحلِّ الذي يراه لهم ويضعهم فيه من الثقة والصدق. سواء كان نقله عنهم عن طريق الرواية والسماع، أو عن طريق القراءة والاطِّلاع في كتب مدوَّنة. فهو لم يشر إلى أيِّ ذلك على كلِّ حال.
      ويكفي فيما أعتقد لنفي أن يكون ما قاله أبو الحسن عن الإباضيـَّة صحيحـًا جهلهم به، وعدم ذكرهم لأيِّ شيء منه في مراجعهم العامـَّة والخاصَّة المكتوبة والمتحدِّثة.
      يقول أبو الحسن: «فالفرقة الأولى يقال لهم الحفصيـَّة، كان إمامهم حفص بن أبي المقدام» ومع كثرة ما قلَّبت في كتب الإباضيـَّة ومع العناية والبحث فإنـَّني لم أعثر على هذا الاسم الذي اعتبره أبو الحسن إماما من أئمَّتهم. ولم أعثر كذلك على شيء من أخبار فرقته وآرائها، وقد نسب أبو الحسن إلى هذه الفرقة وإمامها أقوالاً يكفي بعضها لإخراجهم من الإسلام، والحكم عليهم بالشرك والردَّة، إذا سبق أن كانوا مسلمين، منها: إنكار النبوءة، وإنكار الجـنَّة والنار، ومنها استحلال الزنى، وغيره مِمَّا حرمه الله، وأشياء أخرى من هذا النوع، وهي كافية ــ إذا قال بها حقـًّا ــ للحكم بخروجه وخروج من تبعه فيها من الإسلام. فكيف يصحُّ أن تنسب هذه الفرقة إلى إحدى فرق المسلمين؟، وكيف يصحُّ أن يقال فيهم إنـَّهم فرقة من الإباضيـَّة؟!.
      قد تكون هذه الفرقة موجودة ولها علاقة ما بفرقة أخرى من فرق المسلمين وقد يكون حفص هذا إماما في أيـَّة فرقة أخرى. أَمـَّا أن يكـون هو وأتـبـاعـه ــ إنْ وُجِدَ ووُجِدُوا ــ في الإباضيـَّة، وأن تكون آراؤه التي ساقها أبو الحسن آراء الإباضيـَّة، فهذا هو المستحيل بعينه. وبتصفُّح أي كتـَّاب من كتب العقائد عند الإباضيـَّة سوف يتـَّضح أنَّ ما بها يـناقض مناقضة كاملة لهذه المزاعم التي ساقها أبو الحسن على لسان حفص ونسبه ونسبها إلى الإباضيـَّة.
      ويقول أبو الحسن الأشعريُّ: «والفرقة الثانية يسمَّون اليزيديـَّة، كان إمامهم يزيد بن أنيسة» وذكر فيما ذكر من آراء هذه الفرقة ما يلي: «وزعم ــ أي يزيد بن أنيسة ــ أنَّ الله سبحانه سيبعث رسولا من العجم، ويُنزل عليه كتـابا من السماء يكتب في السماء وينزل عليه جملة واحدة، فترك شريعة محمَّد، ودان بشريعة غيرها، وزعم أنَّ ملَّة ذلك النبيء الصابئة، وليست هذه الصابئة التي عليها الناس اليوم، وليسوا هم الصابئين الذين ذكرهم الله في القرآن، ولم يأتوا بعد، وتولَّى من شهد لمحمَّد (ص) بالنبوءة من أهل الكتاب وإن لم يدخلوا في دينه ولم يعملوا بشريعته، وزعم بذلك أنـَّهم مؤمنون».
      والغريب في الأمر أنَّ القارئ الكريم إذا رجع إلى مصادر الإباضيـَّة من كتب وأسماء علماء منذ أوائل القرن الثاني الهجريِّ إلى هذا العصر فإنـَّه لن يجد عند الإباضيـَّة هذا الإمام الذي سمـَّاه أبو الحسن الأشعريُّ «يزيد بن أنيسة» ولا يجد عندهم ذكرا لفرقته ولا لآرائه، بل إنـَّهم يحكمون على من يدين بمثل تلك المقالات بأنـَّه مشرك خارج عن الملَّة، ومن كان مشركا خارجا عن ملَّة الإسلام، لا يمكن أن يحسب في فرق المسلمين. ولست أدري كيف ساغ لأبي الحسن أن يزيد ــ هذا اليزيد ــ إلى الإباضيـَّة، وأن يحشر معهم فرقته ــ هذا إن وجد حقًّا ووجدت له فرقة ــ، وكيف ساغ له أن يحسبها في فرق الإسلام، وينسبها إلى إحدى طوائفه وهو نفسه يحكم عليها بالخروج من الإسلام حين يقول في الفقرة السابقة: «فترك ــ أي يزيد بن أنيسة ــ شريعة محمَّد (ص) ودان بشريعة غيرها». ويضيف أبو الحسن الفرقة الثالثة إلى الإباضيـَّة فيقول: «الفرقة الثالثة من الإباضيـَّة أصحاب حارث الإبـَاضِـي، قالوا في القدر بقول المعتزلة وخالفوا فيه سائر الإباضيـَّة، وزعموا أنَّ الاستطاعة قبل الفعل».
      وهذا الحارث أيضًا لم يحرث عند الإباضيـَّة ولم يزرع لا آراء ولا حبوباً، ولم يحصد الإباضيـَّة عنه أو عن فرقته شيـئًا. إن كان حقـًّا حرث في أيِّ مكان.
      ولو أنَّ أبا الحسن حشر هذا الحارث مع المعتزلة لكان أقرب ما دام يقول بقولهم في القدر، ومسألة القدر هي أمُّ المسائل في النقاش الفلسفيِّ الذي جرى بين المذاهب الإسلامـيَّة في وقت مبكِّر، وكانت المميِّزَ الواضحَ بين مذاهبهم. والمهمُّ في الموضوع أنـَّه لا يوجد لهذا الحارث الذي لم يجد [له] أبو الحسن أبا فجاء به هكذا يسوقه حَـتَّى أدخله عند الإباضيـَّة وتركه. فلا يوجد عند الإباضيـَّة أيُّ ذكر لهذا الحارث أو رأي أو فرقة أو نسب، ولا حَـتَّى مرور ضيافة في مراجع الإباضيـَّة مِمَّا استطعت الحصول عليه خالية منه ومن آرائه في الواقع كما هي عند الإباضيـَّة فإنـَّه رجل لا وجود له ولا لفرقته. أمـَّا آراؤه فهي صورة في مخـيِّلة مشـنِّع على الإباضيـَّة ألقاها على أبي الحسن فوثق به وأثبتها في كتـَابه دون نقد أو تحميص.
      ويستمرُّ أبو الحسن في تعداد فرق الإباضيـَّة فيقول:
      «والفرقة الرابعة منهم يقولون بطاعة لا يراد الله بها على مذهب أبي الهذيل».
      ثُمَّ يشرح هذه العبارة فيقول: «معنى ذلك أنَّ الإنسان قد يكون مطيعـًا لله، إذا فعل شيـئًا أمره الله به وإن لم يقصد الله بذلك الفعل ولا أراده به».
      ويبدو أن أبا الحسن لم يجد لهذه الفرقة إمامـًا، فلم يذكر لها إمامـًا، وإنـَّما جاء يسوق أتباعها كما يساق القطيع حَـتَّى أدخلهم في حضيرة الإباضيـَّة وتركهم. ولو أنـَّه سمَّى هذه الفرقة بالهذليـَّة ما دامت تقول بقوله، لكان لذلك وجه، لأَنـَّهُ لم يذكر لهذه الفرقة قولا غير القول السابق.
      وعلى كلِّ حال فهذه فرقة ليس لها إمام وليس لها اسم، وكلُّ ما في الأمر أنـَّه نسب إليها قولاً يناقض مناقضة كاملة ما عند الإباضيـَّة في هذا الموضوع، فكيف تكون من الإباضيـَّة وهي تقول بما يناقض رأي الإباضيـَّة مناقضة كاملة!.
      والباحث إذا تأمـَّل ما جاء عن الإباضيـَّة في كتـاب «مقالات الإسلاميـِّين» لأبي الحسن الأشعريِّ ثُمَّ قارنه بما عند الإباضيـَّة، سواء كان ذلك يَتَعَلَّق بأسماء الأئمـَّة والعلماء، أو بأسماء الفرق، أو بالآراء والمذاهب، فإنـَّه يخرج بنتيجة غريبة، وهي أنَّ ما أتعب الإمام الكبير به نفسه، وكتب فيه صفحات طوالاً عن الإباضيـَّة فيما يظنُّ، لا علاقة له البتـَّة بالإباضيـَّة، وأنَّ أولئك الأئمـَّة الذين زعمهم أئمـَّة لفرق منهم، ليسوا هم ولا فرقهم من الإباضيـَّة في قليل ولا كثير، إذا صحَّ التعبيـر. أمـَّا مقالاتهم وآراؤهم فهي ليست أقرب إلى الإباضيـَّة منها إلى الشافعيـَّة أو المالكيـَّة أو غيرها من المذاهب الإسلامـيَّة.
      ويستطيع القارئ الكريم أن يعود إلى كتب التاريخ وكتب العقائد التي ألـَّفها الإباضيـَّة قبل أبي الحسن الأشعريِّ وبعده إذا شاء أن يتأكَّد ويعرف الحقيقة بنفسه، فقد ألـَّف علماء الإباضيـَّة وأئمَّتهم الحقيقيـُّون كثيرا من الكتب في التفسير والحديث والفقه بجميع فروعه، وفي التوحيد وعلم الكلام، وفي أصول الفقه كتبا مختلفة منها الذي يعتبر من أهمِّ مصادر الثقافة الإسلامـيَّة التي تشعُّ نورًا على مختلف العصور ويعتبـر من الذخائر التي تزخر بها المكتبة الإسلامـيَّة العامـَّة.
      كما ألـَّفوا في السير والتاريخ والتراجم، ولا سيما سير أئمـَّة الإباضيـَّة وعلمائهم، ولكن ليس في شيء من هذه المؤلـَّفات شيء مِمَّا ذكره الإمام الأشعريُّ عن الإباضيـَّة في هذا الفصل من كتـابة الكبير.
      وفي عصر أبي الحسن الأشعريِّ كان الإباضيـَّة وعلماؤهم منتشرين في جميع ما يسمَّى اليوم بالبلاد العربـيَّة: كالحجاز والعراق والشام وجنوب الجزيرة، ومصر؛ بل إنـَّهم كانوا يكوِّنون أغلب السكان في المغربين الإسلاميين الأدنى والأوسط، ويوجد لهم عدد من كبار العلماء ــ حينئذ ــ في كلِّ الحواضر الإسلامـيَّة كمكَّة والمدينة والبصرة وعُمان وحضرموت واليمن ومصر وبلدان الشمال الإفريقيِّ.
      ومع هذا فإنَّ أبا الحسن لم يذكر أحدا من أئمـَّة الإباضيـَّة كجابر بن زيد وجعفر بن السماك العبيديِّ، وأبي سفيان قنبر، وصحار العـبدي وأمثالهم من أئمَّتهم في النصف الثاني من القرن الأوَّل ولا ذكر شيـئًا من أقوالهم.
      ولم يذكر أحداً من أئمَّتهم في النصف الأوَّل من القرن الثاني أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمَّام بن السائب، وأبي نوح صالح الدهَّان، وعبد الله بن يحيى الكندي، والجلندا بن مسعود العماني، وأبي الخطَّاب عبد الأعلى المعافري، وهلال بن عطيـَّة الخرساني وأضرابهم، ولا ذكر شيـئًا من أقوالهم، ولم يذكر أحدا من علماء النصف الثاني للقرن الثاني أمثال الربيع بن حبيب، وأبي سفيان محبوب بن الرحيل، وأبي صفرة عبد الملك بن صفرة، وعبد الرحمن بن رستم، ومحمد بن يانس، وأبي الحسن الأبدلاني وأضرابهم، ولا ذكر شيـئًا من أقوالهم.
      ولم يذكر أحدًا من علمائهم في النصف الأوَّل للقرن الثالث أمثال أفلح بن عبد الوهَّاب وعبد الخالق الفزَّاني، ومحمَّد الهواري والمهـنَّا بن جيفر، وموسى بن علي، وأبي عيسى الخراساني، وأضرابهم، ولا ذكر شيـئًا من أقوالهم.
      ولم يذكر أحدًا من علمائهم في النصف الثاني من القرن الثالث، أمثال محمَّد ابن محبوب، ومحمَّد بن عابد، والصلت بن مالك، وأبي اليقظان بن أفلح، وأبي منصور إلياس وعمروس بن فتح وهود بن محكَّم، ولم يذكر شيـئًا من أقوالهم.
      ولم يذكر أحدًا من علمائهم في النصف الأوَّل من القرن الرابع الهجري أمثال أبي خرز يغلى بن أيـُّوب، وأبي القاسم يزيد بن مخلد، وأبي هارون موسى بن هارون، ولا ذكر شيـئًا من أقوالهم. وقد كان علماء هذه الطبقة والطبقة التي سبقتها معاصرين لأبي الحسن الأشعريِّ، لأَنـَّهُ عاش ثلاثين سنة من القرن الرابع فهو معاصر لعلماء النصف الثاني للقرن الثالث وعلماء النصف الأوَّل للقرن الرابع، ورغم ذلك فإنَّ أبا الحسن لم يذكر أحدًا من هؤلاء الأئمـَّة أو مِمـَّن كان معاصرًا لهم أو سبقهم من علماء وأئمَّة الإباضيـَّة المعروفين ولم يذكر شيـئًا من مقالاتهم.
      فهو إمـَّا أنـَّه لا يعرفهم أو لا يعرف شيـئًا من مقالاتهم، وإمـَّا أنـَّه يعرفهم أو يعرف بعضهم على الأقلِّ ويعرف مقالاتهم، وَلَكِـنَّهُ لا يجد فيها شيـئًا يستدعي النقد والتعليق أو حَـتَّى مجرَّد العرض، فلم يتحدَّث عنهم وعن مقالاتهم بخير ولا بشرٍّ. فترك الإباضيـَّة الحقيقيـِّين برجالهم ومقالاتهم، وأُلقيت بين يديه مقالات وأسماء لفرق مجهولة عند الإباضيـَّة كلَّ الجهل، وأقوالها تناقض ما عند الإباضيـَّة كلَّ المناقضة، فزعمت المصادر التي استقى منها أنَّ هذه الفرق والمقالات هي للإباضيـَّة باعتبارهم إباضيـَّة أو منهم، والإباضيـَّة منها برآء بعداء ليسوا أقرب إليها من أبي الحسن نفسه.
      فكيف وقع أبو الحسن في هذا الخطإ الشنيع، مع أنـَّه من أوائل من انتبه إلى أسباب الزيف عند كتـَّاب المقالات ومن أوائل من شرح الطرق التي يصل منها الخطأ إلى من يكتبون عن الفرق ومقالاتهم ومذاهبها، ومن أوائل من حذَّر من الوقوع فيها ؟!!.

      تعليق

      • منصور بن سعيد الحارثي
        طالب علم
        • Feb 2010
        • 75

        #4
        تشـنِـيعـَات الأشعـَري على الإباضيـَّة
        علمت أيـُّها القارئ الكريم في الفصل السابق أنَّ من ذكرهم أبو الحسن الأشعريُّ تحت عنوان «الإباضيـَّة بأئمَّتهم وفرقهم ومقالاتهم» ليسوا في الإباضيـَّة من قليل ولا كثير، ونضيف لك في هذا الفصل أنَّ التشنيعات التي نسبها إلى الإباضيـَّة لا علاقة لها بهم البتـَّة، فإن كانت تلك الشنائع آراء لتلك الفرق التي ذكرها سابقـًا، وأنَّ تلك الفرق كانت موجودة بالفعل، فإنَّ تلك الفرق أبعد الناس عن الإباضيـَّة وأنَّ بعض مقالاتها كاف عند الإباضيـَّة للحكم على أصحابها بالشرك.
        وإن شئت المزيد من ذلك فاستمع إليه يورد أقوالاً عن الإباضيـَّة تنسب إليهم قصد التشنيع عليهم:
        يقول أبو الحسن:
        «وقالوا من سرق خمسة دراهم فصاعدا قطع».
        «وقال بعضهم فيمن دخل في دين المسلمين وجبت عليه الشرائع والأحكام، وقف على ذلك أو لم يقف، سمعه أو لم يسمعه».
        «وقال بعضهم: ليس على الناس المشي إلى الصلاة والركوب إلى الحجِّ ولا شيء من أسباب الطاعات، التي يتوصَّل بها إليها، إِنـَّمَا عليهم فعلها فقط».
        «وقالوا جميعهم: إنَّ الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل، فإن تاب وإِلاَّ قتل، كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لا يسع جهله».
        «وقالوا: من زنى أو سرق أقيم عليه الحدُّ، ثُمَّ استتيب فإن تاب وإلاَّ قتل».
        «وقال بعضهم: ليس من جحد الله وأنكره مشركـًا حَـتَّى يجعل معه إلهـًا غيره».
        «وقال بعضهم بتحليل الأشربة التي يسكر كثيرها إذا لم تكن الخمر بعينها».
        هذه أمثلة من الأقوال التي نسبها أبو الحسن إلى الإباضيـَّة، وظاهرٌ أنَّ القصد من نسبة هذه الأقوال إليهم إِنـَّمَا هو التشنيع عليهم وتكريههم إلى بقـيَّة فرق المسلمين وتأمَّل قوله: «وقالوا جميعهم إنَّ الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل، فإن تاب وإلاَّ قتل».
        والتناقض واضح بين الأقوال التي ينسبها أبو الحسن إلى الإباضيـَّة أو إلى بعض فرق الإباضيـَّة حسب زعمه. وقارن إن شئت الفرقة السابقة بما يقوله عن الإباضيـَّة( ). «ويزعمون أنَّ مخالفيهم من أهل الصلاة كفَّار وليسوا بمشركين حلال مناكحتهم وموارثتهم». ويقول بعض أسطر:
        - - يزعم هنا أنـَّهم يوجبون استتابة مخالفيهم، فمن لم يقبل قتل، ثُمَّ يقول في نفس الكتاب: إنـَّهم 4
        يجوِّزون مناكحة مخالفيهم وموارثـتهم وشهادتهم على أوليائهم وحرَّموا دماءهم. فكيف تقبل
        «وحرام قتلهم وسبيهم»، التناقض هنا واضح، وقصد التشنيع مِمـَّن نسب إليهم ذلك واضح. ولست أتـَّهم أبا الحسن كما قلت غير مرَّة، ولكـنِّي أتـَّهم المصادر التي استقى منها والمراجع التي اعتمد عليها، سواء كانت مصادر مكتوبة أو كانت مصادر محدِّثة، ونحن نعتب على أبي الحسن ــ وهو الذي يقرِّر في أوَّل كتـابه أنَّ كثيرا مِمـَّن يكتب عن مقالات الفرق يَتَعَرَّض للكذب، وعدم التحرِّي، وعدم التقصِّي في البحث، والغلط في إيراد الأخبار ــ أن يقع فريسة سهلة رغم معرفته لذلك، وأن يقع فيما وقع فيه غيره مِمـَّن خفيت عليهم دسائس السياسة الماكرة ومكائد العصبيـَّة الفاجرة، وأكاذيب الغلاة والمتنطِّعين، وهم موجودون في كلِّ مذهب وفرقة بلا استثناء.
        وممـَّا يدخل في هذا الباب من تلفيق الأخبار والقصص، للتشنيع على الفرق المخالفة ما أورده أبو الحسن في كتـَابه السابق فقد قال: في ص 175 ما يلي:
        «وكان رجل من الإباضيـَّة يقال له: إبراهيم، أفتى بأنَّ بيع الإماء من مخالفيهم جائز، فبرئ منه رجل منهم يقال له ميمون، وممـَّن استحلَّ ذلك، ووقف قوم منهم فلم يقولوا بتحليل ولا تحريم، وكتبوا يستفتون العلماء منهم في ذلك فأفتوا بأنَّ بيعهنَّ حلال، وهبتهنَّ في دار التقيـَّة حلال، ويستتاب أهل الوقف من وقفهم في ولاية إبراهيم ومن أجاز ذلك، وأن يستتاب ميمون من قوله، وأن يبرأ من امرأة كانت معهم، كانت وقفت فماتت قبل ورود الفتوى، وأن يستتاب إبراهيم في عذره لأهل الوقف في حجدهم الولاية عنه ــ وهو مسلم يظهر إسلامه ــ وأن يستتاب أهل الوقف في حجدهم البراءة عن ميمون ــ وهو كافر يظهر كفره ــ فَأَمـَّا الذين وقفوا ولم يتوبوا من الوقف وثبتوا عليه، فسمُّوا الواقفة، وبرئت الخوارج منهم، وثبت إبراهيم على رأيه في التحليل لبيع الإمام من مخالفيهم وتاب ميمون».
        ولم تنته القصَّة عند هذا الحدِّ، وإنـَّما استطرد الإمام ثُمَّ عاد بعد سـبـعـة أسطر فقال:
        «ثمَّ رجع بنا القول إلى الأخبار عن الاختلاف في أمر المرأة، فافترقت فرقة في الواقفة وهم الضحَّاكية، فأجازوا أن يزوِّجوا المرأة المسلمة عندهم من كفَّار قومهم في دار التقيـَّة، كما يسع الرجل منهم أن يتزوج المرأة الكافرة من قومه في دار التقية، فَأَمـَّا في دار العلانية ــ وقد جاز حكمهم فيها ــ فإنـَّهم لا يستحلُّون ذلك فيها.
        ومن الضحَّاكـيَّة فرقة وقفت فلم تبرأ مِمـَّن فعله، وقالوا: لا نعطي هذه المرأة المتزوِّجة من كفَّار قومنا شيـئًا من حقوق المسلمين، ولا نصلِّي عليها إن ماتت، ونقف فيها، ومنهم من برئ منها.
        واختلفوا في أصحاب الحدود فمنهم من برئ منهم، ومنهم من تولاَّهم، ومنهم من وقف. واختلف هؤلاء في أهل دار الكفر عندهم، فمنهم من قال: هم عندنا كفارًا، إِلاَّ من عرفنا إيمانه بعينه، ومنهم من قال: هم أهل دار خلط فلا نتولىَّ إِلاَّ من عرفنا
        شهادة من يجوز قتله وكيف تربط أواصر مصاهرة مع من ترى وجوب قتله! إنـَّه التناقض الذي لا يخفي وهو كلام يسقط نفسه.
        فيه إسلامـًا. ونقف فيمن لا نعرف إسلامه، وتوليِّ بعض هؤلاء بعضا على اختلافهم، وقالوا: الولاية تجمعنا، فسمُّوا أصحاب النساء، وسمـُّوا من خالفهم من الواقفة أصحاب المرأة، وصارت فرقتين، فرقة تولَّوا الناكحة، وفرقة ينتسبون إلى عبد الجبار بن سليمان، وهم الذين يتبرَّأون من المرأة الناكحة من كفَّار قومهم.
        وهذا خبر عبد الجبار الذي الذي خطب إلى ثعلبة ابنته، فسأل ثعلبة أن يمهرها أربعة آلاف درهم، فأرسل الخاطب إلى أمِّ الجارية مع امرأة يقال لها "أمُّ سعيد" يسأل: هل بلغت ابنتهم أم لا؟ وقال: إن كانت بلغت وأقرَّت بالإسلام لم أبال ما أمهرها! فلـمَّا بلغتها أمُّ سعيد ذلك قالت: ابنتي مسلمة بلغت أم لم تبلغ، ولا تحتاج أن تدعى إذا بلغت، فردَّ مرَّة أخرى ذلك عليها، ودخل ثعلبة على ذلك الحال، فسمع تنازعهما، فنهاهما عنه، ثُمَّ دخل عبد الكريم بن عجرد وهما على تلك الحال، فأخبره ثعلبة الخبر، فزعم عبد الكريم أنـَّه يجب دعاؤها إذا بلغت، وتجب البراءة منها حَـتَّى تدعى إلى الإسلام، فردَّ عليه ثعلبة ذلك وقال: لا !بل تـثبت على ولايتها فإن لم تدع لم تعرف الإسلام، فبرئ بعضهم من بعض على ذلك».
        هكذا انتهت هذه القصَّة التي أخذت جهدًا غير قليل من الإمام الكبير، وحيِّـزًا فسيحًا من كتـابه القيِّم، ووقـتًا ثمينـًا من أوقات القارئ، وواضح أنـَّه ليس لهذه القصَّة أيـَّة قيمة، اللهمَّ إِلاَّ إذا كانت للتسلية والضحك، أو عند من يجمع مشاكل الناس اليومـيـَّة للتهويل والتشنيع.
        يضاف إلى ذلك أنَّ جميع أبطال القصَّة ناس مجهولون لا يعرف عنهم شيء. إنَّ أيَّ كاتب يستطيع أن يجد عشرات القصص من هذا النوع في الأحداث اليوميَّة التي تجري بين الناس، فيختلفون ويتخاصمون، ويلعن بعضهم بعضـًا، ويدعون عليه بالثبور، وعظائم الأمور، وقد يتضاربون فتكون نهاية مشاكلهم عند المحاكم أو حَـتَّى في السجون. وأنَّ كثيرا مِمَّا نراه ونسمعه في كلّ المجتمعات قد تكون أحداثه أكثر عجبـًا وإثارة من هذه القصَّة التافهة التي تمنِّـيت بحقٍّ ــ لو أنَّ الإمام الكبير أبا الحسن أكرم كتابه، ونزَّه قلمه عن الخوض في هذه الترَّهات، وربأ بنفسه عن الاندماج في هذه السفاسف المفتعلات، والتي تنال من كرامة قائليها أكثر مِمَّا تنال من كرامة من تنسب إليهم.
        ولو أنَّ أبا الحسن لم ينسب هذه القصَّة إلى الإباضيـَّة لما كان لي بها شأن في الوقت الحاضر، أما وقد نسبها إلى الإباضيـَّة فأراني ــ وأنا أكتب عنهم في هذا الموضوع ــ مضطرًّا أن أوضِّح للقارئ الكريم فيها بعض النقط.
        1 - وردت في القصَّة أسماء عدد من الأشخاص هم: إبراهيم، ميمون، عبد الجبار، سليمان، ثعلبة، عبد الكريم بن عجرد، أمُّ سعيد؛ كما وردت فيها أوصاف لعدَّة أشخاص هم: العلماء، الإماء، امرأة، ثعلبة، إلخ...
        وهذه الشخصيات كلّـها مجهولة، سواء ما ذكر منها بالاسم أو بالوصف، ولا يعرف عنها شيء، فما قيمة هذه الـمشاجرة التي تقع بين أفراد مجهولين في تحقيق علميٍّ يراد منه إثبات آراء في العقائد، وتصنيف فرق الأمـَّة على أساس تلك الآراء، إنَّ أبا الحسن لم يذكر شيـئـًا عن تلك الأسماء المجرَّدة، فهل يكفي هذا ليكونوا في الإباضيـَّة؟ ولماذا لم يحسبوا من المالكيـَّة أو المعتزلة أو الشيعة أو غيرهم من الفرق والمذاهب الأخرى، ثُمَّ إذا فرض أنـَّهم كانوا حقـًّا من أتباع الإباضيـَّة أو غير الإباضيـَّة من المذاهب فهل يكفي هذا الـموقف في الشجار والـملاعنة لأن يكون كلُّ فرد من المتشاجرين صاحب رأي ورئيس فرقة؟
        2 - إنـَّك واجد في جميع الطوائف الإسلامـيَّة مشاجرات واختلافات من هذا النوع في كلّ عصر، بل ربـَّما تجد أحدَّ منها وأوسع مدى، فما الذي رفع قيمة هذه المشاجرة حَـتَّى اهتمَّ بها الإمام أبو الحسن، وأثبتها في كتابه؟
        3 - إنَّ البحث عن أسماء مجرَّدة هكذا كإبراهيم، وسليمان، وميمون، في أحداث التاريخ بحث لا طائل تحته ولا يوصل منه إلى نتيجة، ومع ذلك فقد حاولت أن أتقصَّى كلَّ أسماء إبراهيم، وسليمان، وميمون، وثعلبة، وعبد الكريم، لعلِّي أجد ما يربط بين أحد تلك الأسماء وبعض أحداث القصَّة السابقة ــ فيما بين يديَّ من مصادر التاريخ الإبـَاضِـيِّ وكتب مقالاتهم ــ فلم أتمكَّن من تحقيق هذه النزوة الحمقاء التي أخذت مـنِّي جهدا غير قليل في البحث والتنقيب. وحاولت أنْ أجد قصَّة عند الإباضيـَّة تشبه من قريب أو بعيد أحداث هذه القصَّة ولو اختلفت فيها أسماء الأبطال فلم أوفق في ذلك. وعلمت في كتب المقالات أنَّ بعض هذه الأسماء تنسب إليهم فرق مستقلة تحت العنوان الكبير (الخوارج) ويطلق عليها أسماء منسوبة إليهم كالثعالبة، والعجاردة، والميمونيـَّة.
        ومن المؤسف أن الإباضيـَّة لا يعرفون شيـئًا ــ لا تاريخيًّا، ولا دينيًّا ــ عن قصَّة تنسب إليهم كادت تشغل البوليس الدوليَّ، مِمَّا يدلُّ على أنـَّهم في الواقع لم يحضروا ذلك النزاع الواقع على بيع الإماء، ولا النزاع الواقع في خطبة بنت ثعلبة، ولم يقفوا في تلك السوق الحامية، ولا شهدوا ذلك العرس الذي نتج عنه سيل من الشتائم وتبادل اللعنات. فنسبة هذه القصَّة إلى الإباضيـَّة من أعجب العجب، ونسبة أبطالها إلى أئمـَّة الإباضيـَّة أو علمائهم من أكاذيب التاريخ التي التي لم تتستَّر حتَّى بقليل من الحياء، وإن جازت حتَّى على كبار الأئمـَّة أمثال أبي الحسن.
        ولا شكَّ أنَّ مخترع هذه القصَّة إنما أراد أن يكثر من عدد الفرق الفرعية المنسوبة إلى الإباضيـَّة حتَّى يظهرهم بمظهر المتشدِّدين الذين يتنازعون لأتـفـه الأسباب، فيتخالفون ويفتـرقون انسياقـًا وراء العواطف ودوافع الغضب أكثر مِمَّا هو انسياقـًا وراء دوافع العقيدة والدين.
        وقد استطاع أن يخترع هذه القصَّة وأن يولِّد من أحدثها عددًا من الفرق أطلق عليها أسماء: الضحَّاكـيَّة، أصحاب النساء، أصحاب المرأة، الواقفة.
        ومفهوم بالبداهة أن شخصـًا ما أراد التشنيع على الإباضيـَّة فاخترع هذه القصَّة ونسجها على هذا المنوال ثُمَّ وجد أبا الحسن الأشعريَّ وهو يهتمُّ بدراسة الفرق وأقوالها وآرائها فألقاها إليه فأثبتها أبو الحسن دون تمحيص أو تحقيق، وليت أبا الحسن حين كتب هذا نسبه إلى مصدره حتَّى تبرأ ساحة الإمام العظيم من أيـَّة مسؤوليـَّة، وتكون العهدة راجعة إلى أصحابها.

        تعليق

        • منصور بن سعيد الحارثي
          طالب علم
          • Feb 2010
          • 75

          #5
          مقـَالاَت الإباضيـَّة عند الأشعـَريِّ
          لقد علم القارئ الكريم أن أبا الحسن الأشعريَّ كان يحسب أنَّ الإباضيـَّة يتكوَّنون من الفرق السابقة التي ناقشناه فيها، والتي اثبتنا للقارئ الكريم بأنـَّه لا صلة بينها وبين الإباضيـَّة، وفي حديثه عن تلك الفرق كان يعرض ــ حسب ظنـِّه ــ مقالات الإباضيـَّة ونحن في هذا الفصل سوف نحاول أن نكشف أنَّ أبا الحسن في عرضه لتلك المقالات كان أيضـًا عرضة للاِنسياق مع قوم غلب عليهم حبُّ التشنيع، فالتجأوا إلى الغموض والإبهام حينـًا، وإلى عبارات موهمة لمعان غير محدودة أو غير مقصودة حينًا آخر، كما تساهلوا في إضافة أقوال أو تغييرها لإثبات ما يريدون.
          يقول أبو الحسن في كتابه مقالات الإسلاميـِّيـن( ) وهو يتحدَّث عن الإباضيـَّة: «وجمهور الإباضيـَّة يتولَّى المحكِّمة كلَّها إِلاَّ من خرج، ويزعمون أنَّ مخالفيهم من أهل الصلاة كفَّار وليسوا بمشركين، حلال مناكحتهم وموارثتهم، حلال غـنيـمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب، حرم ما وراء ذلك، وحرام قتلهم وسبيهم في السرِّ، إِلاَّ من دعا إلى الشرك في دار التقيـَّة ودان به، وزعموا أنَّ الدار ــ يعنون دار مخالفيهم ــ دار توحيد إِلاَّ معسكر السلطان فإنـَّه دار كفر يعني عندهم.
          وحكى عنهم أنـَّهم أجازوا شهادة مخالفهم على أوليائهم، وحرَّموا الاستعراض إذا خرجوا، وحرَّموا دماء مخالفيهم حتَّى يدعوهم إلى دينهم، وقالوا إنَّ كلّ طاعة إيمان ودين، وإنَّ مرتكبي الكبائر موحدون وليسوا بمؤمنيـن».
          ويقول في موضع آخر من الكتاب:
          «والإباضيـَّة يقولون: إنَّ جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان، وأنَّ كلّ كبيرة هي كفر نعمة لا كفر شرك، وأنَّ مرتكبي الكبائر في النار مخلَّدون فيها.
          ووقف كثير من الإباضيـَّة في إيلام أطفال المشركين في الآخرة، فجوَّزوا أن يؤلـمهم الله سبحانه في الآخرة على غير طريق الانتقام، وجوَّزوا أن يدخلهم الجـنَّة تفضُّلاً. ومنهم من قال: إنَّ الله سبحانه يؤلمهم على طريق الإيجاب، لا على طريق التجويز».
          ويقول في صفحة 186 من نفس الكتاب:
          «ومن مؤلِّفي كتبهم ومتكلِّميهم عبد الله بن يزيد، ومحمَّد بن حرب، ويحيى بن كامل وهؤلاء إباضيـَّة».
          ويقول في صفحة 189 من نفس الكتاب ما يلي:
          «إلاَّ أنَّ الإباضيـَّة لا ترى اعتراض الناس بالسيف، ولكـنَّهم يرون إزالة أئمـَّة الجور، ومنعهم من أن يكونوا أئمـَّة بأيِّ شيء قدروا عليه بالسيف أو بغيره...».
          هذا أهمُّ ما قاله أبو الحسن الأشعريُّ عن الإباضيـَّة ومقالاتهم، بالإضافة إلى التشنيعات السابقة التي نقلت للقارئ الكريم أكثرها فيما مضى. ولعلَّه من المهمِّ أنْ أوضِّحَ للقارئ الكريم في هذا الفصل أنَّ جميع الأسماء التي وردت في الفصل الذي كتبه أبو الحسن عن الإباضيـَّة لا علاقة لها بالإباضيـَّة فيما عدا اسمين هما عبد الله بن إباض وهو الإمام الذي ينسب إليه المذهب، وعبد الله بن يزيد الفزاري كان من الإباضيـَّة وخالفهم في بعض المسائل فانفصل عنهم وانتظم في فرقة النكَّار، وقد ذكر ابن النديم عددًا من الكتب المنسوبة إليه منها:
          كتاب التوحيد، كتاب الردِّ على المعتزلة، كتَاب الردِّ على الرافضة، كتاب الاستطاعة. ولا أعلم أنَّ شيئـًا من هذه الكتب قد بقي في مكان، أمـَّا أصحاب هذه الفرقة فلم يبق لهم وجود فيما أعلم.
          أمـَّا محمَّد بن حرب، ويحيى بن كامل اللذان نصَّ أبو الحسن أنـَّهما من متكلِّمي الإباضيـَّة ومؤلِّفيهم كأنـَّما كان يشكُّ في السابقين وهو على يقين في هؤلاء، فإنـَّه لا يوجد لهما أيُّ ذكر عند الإباضيـَّة فيما اطَّلعت عليه، ويؤسفني أن أردَّ على الإمام الكبير نصَّه هذا. وله أن يحشرهما في أيـَّة فرقة أخرى؛ أمـَّا عند الإباضيـَّة فليس لهما مكان، إنـَّه لا يوجد لهما أيُّ أثر في المكتبة الإباضيـَّة الواسعة التي حرصت أن تحتفظ بتراثها منذ القرن الأوَّل فحفظت فتاوى ومراسلات الأئمـَّة جابر وأبي عبيدة وغيرهم، وحـتَّى ما ضاع منها خَفِظَت أسماءها وبعض ما جاء فيها كديوان جابر، وتفسيـر عبد الرحمن بن رستم، وتفسير أبي يعقوب الوارجلانيِّ.
          إن كتب الإباضيـَّة، التاريخيَّة منها والشرعيَّة، لم تذكر لنا شيـئًا عن هذين الرجلين ولا عن مقالاتهما أو مؤلَّفاتهما كما لم تذكر ذلك عمَّن سبق أن نسبه أبو الحسن إلى الإباضيـَّة، وأنا حين أؤكِّد للقارئ الكريم هذا النفي فإنـَّما أؤكِّده فيما وصلت إليه يديَّ من كتب الإباضيـَّة المطوَّلة منها والمختصرة، ولا أدَّعي استقصاءها فإنَّ ذلك من المستحيل.
          وقد يقول قائل ربَّما ضاعت هذه الكتب في زحمة التاريخ وهذا شيء مألوف. ولا شكَّ أنَّ ضياع الكتب شيء لا ينكر، ولكنَّ الكتاب إذا أُلـِّف وعرفه الناس فلا بدَّ أن ينقل عنه أو على الأقلِّ أن يذكر اسمه ويذكر مؤلِّفه. سواء أُخذت منه آراء أو أقوال أو لم تؤخذ، وهذا ما لم يحدث بالنسبة لهؤلاء، فلم تذكر أسماؤهم ولا كتبهم ولا بعض آرائهم ما يجعلنا نجزم بأنـَّهم لم يكونوا من الإباضيـَّة مطلقـًا، بل نجزم أنـَّهم غير معروفين عند الإباضيـَّة؛ وحـتَّى الذين ذكروهم في تعداد الفرق كالقطب وعبد الكافي فإنـَّما اعتمد على غير مصادر الإباضيـَّة.
          ولا شكَّ إن الإباضيـَّة من أوَّل المذاهب التي اهتمَّت بالتأليف وحرصت على الاحتفاظ بآثار الأئمـَّة وتاريخهم وتراجمهم، وليس فيما اطَّلعت عليه أيُّ ذكر لهؤلاء الناس، ومعنى ذلك أنـَّهم من غير الإباضيـَّة ونسبوا إليهم خطأ. وهذا يؤكِّد ما ذهبنا إليه أوَّلاً في أنَّ أبا الحسن لا يعرف الإباضيـَّة في الحقيقة، وأنَّ ما كتبه عنهم إِنـَّمَا نسب إليهم خطأ أو جهلاً أو قصدًا للتشنيع. أمـَّا المقالات التي نسبها إلى الإباضيـَّة في عمومها والتي نقلت لك بعضها في أوَّل هذا الفصل، فهي مزيج مِمَّا يقرُّه الإباضيـَّة ويقولون به، وممـَّا ينكرونه ويردُّونه، وممـَّا يحكمون على من يقول به بالردة والكفر، وواضح من هذا أنَّ ما جاء موافقًا لمقالاتهم وعقائدهـ[ـم] فإنـَّما جاء عن طريق الصدفة، لا عن طريق الدراسة والمعرفة.
          ويهمُّني في ختام هذا الفصل أن أؤكِّد من جديد للقارئ الكريم أنـَّني أضع الإمام أبا الحسن فوق الشبهات، وإنـَّما أنجر إليه الخطأ عن طريق من وثق فيه ونقل عنه، في عصر كثرت فيه النزاعات.
          ونستخلص من مناقشاتنا لأبي الحسن في الفصول السابقة ما يلي:
          1 - إنَّ جميع الأشخاص الذين اعتبرهم أبو الحسن إمـَّا رؤساء لفرق من الإباضيـَّة ومن مؤلِّفيهم ومتكلِّميهم لا وجود لهم عند الإباضيـَّة.
          2 - الإباضيـَّة لا يعرفون شيـئًا عن هؤلاء الرجال ولا عن فرقهم.
          3 - الإباضيـَّة لا يعرفون أيـَّة فرقة من تلك الفرق التي نسبها أبو الحسن إليهم ولا يقولون بأكثر أقوالها.
          4 - المقالات التي نسبها ــ هكذا على العموم ــ إلى الإباضيـَّة أو إلى جمهورهم هي خليط مِمَّا يذهب إليه الإباضيـَّة، وممـَّا يردُّونه، وممـَّا يحكمون بالشرك على معتنقيه.
          5 - بدأ الإباضيـَّة بالفعل في تأليف الكتب منذ القرن الثاني الهجري وتسلسلت الكتب وتسلسل العلماء والأئمـَّة إلى اليوم وليس في هذه السلاسل شيء مِمَّا نسب إليهم أبو الحسن.
          6 - عاش أبو الحسن الأشعريُّ في القرن الثالث الهجريِّ، وعاش ثلاثين سنة في القرن الرابع، وقد كان للإباضيـَّة إمامات بالمشرق وإمامات بالمغرب واشتهر لهم أئمـَّة وعلماء ومفسِّرون ومحدِّثون ومتكلِّمون، وفقهاء في أكثر العواصم الإسلامـيَّة حينئذ وَلَكِـنَّهُ لم يذكر أحدًا منهم ولم يشر إلى كتاب من كتبهم.
          7 - الفترة التي عاش فيها أبو الحسن كانت فترة ازدهار علميٍّ للإباضيـَّة في المشرق والمغرب ورغم ذلك فإنَّ أبا الحسن لم يشر إلى أحد من معاصريه من علماء الإباضيـَّة.
          ومعنى هذا كلّه أن الإباضيـَّة الذين كتب عنهم أبو الحسن لا وجود لهم في الواقع، وأنَّ الإباضيـَّة الموجودين في الواقع، والذين كانوا يعيشون كما يعيش سائر الناس لا وجود لهم فيما كتبه عنهم أبو الحسن، أي أنَّ أبا الحسن لم يكتب عن الإباضيـَّة الحقيقيـِّيـن.
          ومنذ ألـَّف أبو الحسن الأشعريُّ كتابه «مقالات الإسلاميـِّيـن» أصبح مصدرًا يستقي منه الكتـَّاب، ومرجعًا يعود إليه المؤلِّفون، فينقلون ما فيه من أخطاء وصواب، وحقٍّ وباطل، تارة بالنص وتارة بالمعنى، وتارة يشيرون إليه وأحيانًا يغفلون عن الإشارة.
          ولقائل أن يقول: إنَّ هناك مؤلِّفين آخرين كتبوا في الموضوع، في عصر أبي الحسن من قبلـه أيضًا، وهذا صحيح، غير أنـَّني أستطيع أن أزعم أنَّ شهرة أبي الحسن ومركزه العلميَّ، ومواقفه في مجالات المحاججة والجدل جعلته يطغى على الآخرين جميعـًا. فأصبح أهمَّ مرجع وأوثق حجَّة عند المؤلِّفين الذين جاؤوا من بعده.
          ولا يسعني وأنا أختتم هذا الفصل إِلاَّ أن أبدي ملاحظة ربـَّما تساعد على تبـريـر ما بلغ إلى الإمام الأشعريِّ كما بلغه، وذلك أنـَّه ربـَّما كان من طلاَّب جابر أو طلاَّب أبي عبيدة من عرف بتلقِّيه العلم عن أحدهما واشتهر بذلك وظنـَّه الناس إباضيـًا بينما هو لم يكن من الإباضيـَّة، أو أنـَّه قال ببعض تلك المقالات فأعرض عنه الإباضيـَّة ولم يحسبوه منهم ولم يذكروه في سيرهم وتوهمه غيرهم أنـَّه منهم رغم ما يقول به.

          تعليق

          • منصور بن سعيد الحارثي
            طالب علم
            • Feb 2010
            • 75

            #6
            البـَغـدَادِيُّ والإباضيـَّة
            بعد أبي الحسن الأشعريِّ بنحو قرن تقريبـًا جاء مؤلِّف آخر اهتمَّ بالحديث عن الفرق والمقالات الإسلامـيَّة، هذا المؤلف هو:
            عبد القادر بن طاهر بن محمَّد البغداديُّ، وقد اشتهر بنسبته الأخيرة بين المؤلِّفين.
            كتب البغداديُّ عن الإباضيـَّة كما كتب عن غيرهم من الفرق الإسلامـيَّة في كتَابه «الفَرْقُ بين الفِرَقِ» الذي حقَّقه الأستاذ محمَّد محيي الدين عبد الحميد وعلَّق عليه ونشره.
            إنَّ القارئ بمجرَّد البدء في قراءة مقدِّمة كتَاب البغداديِّ (الفَرْقُ بين الفِرَقِ) يحس كأنـَّه داخل في معمعة حامية الوطيس، وكأنـَّه يرافق محاربًا شديد المراس، قد دجَّج نفسه بجميع أنواع الأسلحة استعدادًا لدخول معركة ينبغي له أن يقضي فيها على عدد من الخصوم.
            أو كأنـَّه يقف إلى جانب شخص وضعه الله سبحانه وتعالى في طريق الناس يوم الحساب، وأعطاه صلاحية التحكُّم في مصائرهم، فهو يقف مزهوًّا يعترض طريق المحشورين. وكلَّما مرَّت به طائفة وجَّههم حسب رأيه فيهم حيث يريد! أو صاح: أيـُّها الطائفة أنتم من أهل السنـَّة مغفور لكم، اسلكوا هذا الطريق إلى الجـنَّة. فإذا جاءت طائفة أخرى صاح بهم: أنتم من أهل الأهواء اذهبوا مع هذا الطريق إلى الجحيم، وتبدوا له طائفة مقبلة فيصيح بها بأعلى صوته: أنتم يا من تسيرون هناك إنـَّكم معتزلة فأنتم فرقة ضالَّة أدخلوا النار. أمـَّا أنتم أيـَّتها الفرقة التعسة فقد قيل إنـَّكم خرجتم من الإسلام فادخلوا النار وبئس القرار.
            وإذا شئت أن تـتَّضح لك هذه الصورة فما عليك أيـُّها القارئ الكريم إِلاَّ أن تقرأ كتاب (الفَرْقُ بين الفِرَقِ)، وإذا شئت أن أضع بين يديك نموذجـًا فلا بأس، وها أنا أنقل لك فقرات مِمَّا قاله في مقدِّمة كتابه( ) السابق الذكر بأسلوبه القويِّ البليغ:
            «سألتم أسعدكم الله بمطلوبكم، شرح معنى الخبر الـمأثور عن النبيء (ص) في افتراق الأمـَّة ثلاثـًا وسبعين فرقة، منها واحدة ناجية، تصير إلى جـنَّة عالية؛ وبواقيها عادية، تصير إلى الهاوية، والنارِ الحامية؛ وطلبتم الفرق بين الفرقة الناجية، التي لا تزلُّ بها القدم، ولا تزول عنها النعم، وبين فرق الضلال، الذين يرون ظلام الظلم نورًا، واعتقاد الحقِّ ثبورًا، وسيصلون سعيرًا، ولا يجدون من دون الله نصيرًا، فرأيت إسعافكم بمطلوبكم من الواجب في إبانة الدين القويم، والصراط المستقيم، وتمييزها من الأهواء المنكوسة، والآراء المعكوسة».

            تعليق

            • منصور بن سعيد الحارثي
              طالب علم
              • Feb 2010
              • 75

              #7
              - الفرق بين الفرق صفحة ثلاثة وستة

              تعليق

              • منصور بن سعيد الحارثي
                طالب علم
                • Feb 2010
                • 75

                #8
                وفي الصفحة الرابعة من الكتَاب ذكر أنَّ كتَابه يشمل على خمسة أبواب:
                الأول: في بيان الحديث الـمأثور في افتراق الأمـَّة ثلاثًا وسبعين فرقـة.
                الثاني: في بيان فرق الأمـَّة على الجملة ومن ليست منها على الجملة.
                الثالث: في بيان فضائح كلِّ فرقة من فرق الأهواء الضالَّة.
                الرابع: في بيان الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منه.
                الخامس: في بيان الفرقة الناجية وتحقيق نجاتها، وبيان محاسن دين الإسلام.
                وهكذا استطاع المؤلِّف في إيجاز أن يقسِّم الناس ثلاثة أقسام قسم خارج عن الأمـَّة الإسلامـيَّة فلا حديث له معه، وقسم هو أهل الأهواء، وفي هذا القسم ألـَّف الكتَاب ليكشف عن فضائحهم، أمـَّا القسم الثالث فهم الفرقة الناجية.
                ويقول المؤلِّف في الفصل الأوَّل من نفس الكتَاب صفحة 13، بعد أن ناقش معنى كلمة أمـَّة الإسلام وعلى من تدلُّ، ما يلي:
                «وإن كانت بدعته من جنس بدع المعتزلة أو الخوارج أو الرافضة أو الإماميـَّة، أو الزيديـَّة، أو من بدع النجاريـَّة أو الجهميـَّة أو الضراريـَّة، أو المجسَّمة، فهو من الأمـَّة في بعض الأحكام، وهو في جواز دفنه في مقابر المسلمين، وفي ألاَّ يمنع حظُّه في الفيء والغنيمة إذا غزا مع المسلميـن، وفي ألاَّ يمنع من الصلاة في المساجد.
                وليس من الأمـَّة في أحكام سواها، وذلك أنـَّه لا تجوز الصلاة عليه، ولا خلفه ولا تحلُّ ذبيحته، ولا نكاحه لامرأة سنِّـيـَّة، ولا يحلُّ للسنِّـيِّ أن يتزوَّج المرأة منهم إذا كانت على اعتقادهم».
                ولا شكَّ أنَّ القارئ الكريم عندما يقرأ مقدِّمة الكتاب يـتَّضح لديه أنَّ المؤلِّف قد قرَّر أن يقسِّم الأمـَّة إلى أقسام ثلاثة: قسم حكم بخروجهم من الملَّة رغم انتسابهم إلى الإسلام، وقسم ما أوردهم إلاَّ لذكر فضائحهم والتشنيع عليهم، وتلمُّس أخطائهم، وإظهار ما به ضلُّوا في نظره.
                ثمَّ حكم على القسمين بالضلال وقذف بهم جميعًا في جهنـَّم.
                أمـَّا القسم الثالث فقد حكم عليهم بالسعادة مسبقًا أيضًا، لأنـَّهم في نظره من أهل السنـَّة، على طريقة الشاعر الذي يقول:
                ولو كنت بوَّابًا على باب جـنَّة لقلت لهمذان: ادخلوا بسلام
                هكذا على العموم دون مراجعة.
                وليته حين تلمَّس أخطاء تلك الفرق التي عزلها عن السنَّة وفتَّش عن فضائحهم رجع إلى مصادرهم ولم يأخذها من مصادر خصومهم ــ إن صحَّ هذا التعبير ــ وهو ولا شكَّ واجد ما يتشبَّث به إن كان لا يهمُّه إِلاَّ أن يدفع بتلك الفرق اليائسة إلى النار.
                وقد كتب البغداديُّ عن الإباضيَّة فيمن كتب في الفرق، ومن المؤسف أنَّ هذا المؤلِّف أيضًا لم يهتمَّ مطلقًا بأن يتـَّصل بأئمـَّة الإباضيَّة الحقيقيـِّين وعلمائهم، ولا بأن يطَّلع على عقائدهم ومقالاتهم في كتبهم، وإنـَّما رجع إلى ما كتبه وقاله عنهم غيرهم، وييدو أنـَّه اعتمد على أبي الحسن الأشعريِّ كثيرًا، فنقل ما قاله عنهم تارة بنفس العبارة، وتارة بتصرُّف قليل. على أنـَّه لم يذكر أنـَّه نقل عنه أو اعتمد عليه.
                يقول في كتابه: «الفرق بين الفرق» ص 103 ما يلي:
                «أجمعت الإباضيَّة على القول بإمامة عبد الله بن إباض، وافترقت فيما بينها فرقًا يجمعها القول بأنَّ كفَّار هذه الأمـَّة ــ يعنون مخالفيهم من هذه الأمـَّة ــ برآء من الشرك والإيمان، وأنـَّهُم ليسوا مؤمنين ولا مشركين، ولكـنَّهم كفَّار، وأجازوا شهادتهم، وحرَّموا دماءهم في السرِّ واستحلُّوها في العلانيـَّة، وصحَّحوا مناكحتهم والتوارث منهم، وزعموا أنـَّهم في ذلك محاربون لله ورسوله، لا يدينون دين الحقِّ، وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض، والذي استحلُّوه الخيل والسلاح، فأمـَّا الذهب والفضَّة فإنـَّهم يردُّونها على أصحابها عند الغنيمة.
                ثمَّ افترقت الإباضيَّة فيما بينها أربع فرق وهي: الحفصيـَّة، والحارثيـَّة، واليزيديـَّة، وأصحاب طاعة لا يراد الله بها».
                بعد هذا قال إنَّ اليزيديَّة غلاة وأنـَّه سوف يعود إليهم فيذكر مقالاتهم عندما يتحدَّث عن الغلاة، وتحدَّث عن الحفصيـَّة والحارثيـَّة وأصحاب طاعة لا يراد الله بها، فأورد عنها ما أورده أبو الحسن، ثُمَّ قال في نفس الكتاب ص 106 ما يلي:
                «وزعمت الإبـَاضِـية كلُّـها أنَّ دار مخالفيهم من أهل مكَّة دار توحيد، إِلاَّ معسكر السلطان فإنـَّه دار بغي عندهم».
                ثُمَّ ذكر ثلاثة أقوال في النفاق( ) نسبها إليهم وبعد ذلك قال: تعدُّ الجملة التي حكيناها عنهم شذوذًا في الأقوال انفردوا بها: منها أنَّ فريقـًا منهم زعموا أنَّ لا حجَّة لله تعالى على الخلائق في التوحيد وغيره إِلاَّ بالخبر وما يقوم مقام الخبر من إشارة وإيـماء.
                ومنها أنَّ قومـًا منهم قالوا: كلُّ من دخل في دين الإسلام وجبت عليه الشرائع والأحكام، سمعها أو عرفها أو لم يسمعها ولم يعرفها.
                ومنها: أنَّ قوما منهم قالوا بجواز أن يبعث الله تعالى إلى خلقه رسولاً بلا دليل يدلُّ على صدقة.
                ومنها أنَّ قومـًا منهم قالوا: من ورد عليه الخبر بأنَّ الله تعالى قد حرَّم الخمر أو أنَّ القبلة قد حوِّلت فعليه أن يعلم أنَّ الذي أخبره به مؤمن أو كافر.
                وعليه أن يعلم ذلك بالخبر، وليس عليه أن يعلم أنَّ ذلك عليه بالخبر.
                ومنها: قول بعضهم ليس على الناس المشي إلى الصلاة، ولا الركوب والمسير إلى الحجِّ ولا شيء من الأسباب التي يتوصَّل بها إلى أداء الواجب، وإنـَّما يجب عليهم فعل الطاعات الواجبة بأعيانها دون أسبابها الموصلة إلـيـها.
                ومنها: قولهم جميـعـًا بوجوب استتابة مخالفيهم في تنزيل أو تأويل، فإن تابوا وإلاَّ قتلوا، سواء كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لا يسع جهله.
                وقالوا: من زنى أو سرق أقيم عليه الحدُّ ثُمَّ استتيب، فإن تاب، وإلاَّ قتل.
                وقالوا: إنَّ العالم يفنى كلُّه إذا أفنى الله أهل التكليف، ولا يجوز إِلاَّ ذلك لأَنـَّهُ إِنـَّمَا خلقه لهم.
                وأجازت الإبـَاضِـية وقوع حكمين مختلفين في شيء واحد في وجهين كمن دخل زرعـًا بغير إذن مالكه فإنَّ الله قد نهاه عن الخروج منه إذا كان خروجه منه مفسدًا للزرع، وقد أمره الله به.
                وقالوا: لا يتبع المدبر في الحرب إذا كان من أهل القبلة موحِّدًا، ولا تقتل منهم امرأة ولا ذرِّيـَّة، وأباحوا قتل المشبِّهة وأتباع مدبريهم وسبي نسائهم وذراريهم وقالوا: إنَّ هذا كما فعل أبو بكر بأهل الردَّة».
                وبعد هذا يعيد قصَّة بيع الإماء وسوقهنَّ الحامية التي نقلتها لك عن أبي الحسن الأشعريِّ، ولعلَّ القارئ الكريم يدرك بعد قراءة ما سبق أنَّ البغداديَّ قد اعتمد كلَّ الاعتماد على الأشعريِّ، ورغم حرصه على التصرُّف القليل فإنَّ عبارة الأشعريِّ بحروفها كثيرًا ما تطلُّ من هنا أو هناك.
                والذي يدعو إلى التأمُّل هو أنَّ البغداديَّ قد اعتبر الإبـَاضِـية من الخوارج، وأنـَّهُم لذلك فرقة ضالَّة ويجب أن يقال عنها فضائح ويلتمس لها شنائع، وذهب يورد تلك الفضائح أو الشنائع حينـًا بدعوى أنـَّها مقالة الإباضـيَّة جميعـًا وحينـًا آخر بدعوى أنـَّها قول بعضهم أو قوم منهم.
                إنَّ البغداديَّ كان يعيش في القرنين الرابـع والخامـس، وفي هذا العصر كان الإبـَاضِـيَّة قد عرفوا في أغلب البلاد الإسلامـيَّة من خراسان إلى الأندلس، واشتهرت لهم مؤلَّفات في أغلب فروع الثقافة الإسلامـيَّة ــ لا سيما علم الكلام ــ ودوِّنت تواريخهم وسيرهم وعرف علماؤهم وأئمَّتهم في طبقات يأخذ بعضها عن بعض إلى أصحاب رسول الله (ص).
                كما أنَّ أكثر المذاهب الإسلامـيَّة قد تميـَّز بعضها عن بعض في أصولها وفروعها، وآرائها ومقالاتها وأئمَّتها وعلمائها. ومع ذلك فإنَّ أولئك الذين ذكرهم البغداديُّ هم أولئك الذين ذكرهم الأشعريُّ من قبله حاشرين إيـَّاهم في الإبـَاضِـيـَّة، والإبـَاضِـيـَّة لا يعرفون عنهم شيـئًا لم يذكروهم لا في كتبهم ولا في طبقات علمائهم.
                إنَّ البغداديَّ قد سلك المسلك الذي سلكه من قبله الأشعريُّ، وقد علمت في الفصول السابقة أنَّ أغلب ما كتبه عن الإبـَاضِـيـَّة ونسبه إليهم لا يمتُّ إليهم بصلـة ــ وأنَّ البغداديَّ وهو يسلك نفس المسلك ويعتمد نفس المصادر هو الآخر لا يعرف شيـئًا عن الإبـَاضِـيـَّة. وأنَّ كلّ ما كتبه عنهم سواء كان حقًّا أو باطلاً فإنـَّما هو تشنيعات وتلفيقات إليه عن ناس يريدون أن يوقدوا نار الفتنة ضدَّ الإبـَاضِـيـَّة، وأن يجعلوهم مكروهين من بقيَّة إخوانهم المسلمين فينسبون إليهم عقائد ومقالات يبرأون منها وممـَّن يقول بها، ويسوقون عنهم أقوالاً في غاية الغموض والإبهام، لإثارة الرأي العامِّ ضدَّهم وقد يفسِّرون بعض الجمل أو الكلمات تفسيرًا غير صحيح ولا مقصود عند الإبـَاضِـيـَّة لزرع وَهْم في نفوس الآخرين. ولا شكَّ أنَّ أصابع السياسة الماكرة وراء كلّ ذلك وأنَّ هؤلاء العلماء الذين يكتبون إِنـَّمَا تلقَّوا معلوماتهم عن مصادر مستغلَّة أو مستغفلة، مع العلم أنَّ لديهم الاستعداد الكافي لتلقِّي وتصديق كلِّ ما يقال لهم عن تلك الفرق التي حكموا عليها بالضلال مسبقـًا.
                ومن نافلة القول أن نعيد هنا ما أشرنا إليه سابقـًا من أنَّ البغداديَّ قد زعم كما زعم غيره أنَّ الإبـَاضِـيـَّة من الخوارج، وأنَّ هذه الفرقة من الفرق التي لا يجوز للسنـِّـيِّ أن يصلِّي عليها ولا أن يصلِّي وراءها، وأنـَّه لا يجوز للسنِّيِّ حسب زعمه أن يتزوَّج منها، ولا أن يأكل من ذبائحها. وقد ردَّد هذا الكلام في مقدِّمة الكتاب، وفي الفصول الختاميـَّة منه أورد هذه الأحكام بشيء من التفصيل وزاد عليها ونسب بعض هذه الأحكام إلى أئمـَّة عظام.
                وأحسب أنـَّه لا دعوة أشدُّ إيقادًا لنار الفتنة، وشقًّا لصفوف الأمـَّة، وتفريقًا لوحدة الكلمة وتمزيقـًا لشمل المسلمين، من هذه الدعوة.
                وعلى كلّ حال فقد طوى التاريخ البغداديَّ فيما قد طوى كثيرًا من تلك الفرق التي كانت تملأ فراغـًا ضخمـًا في حياة المسلمين، وبقي كتابه يحمل آراء شاذَّة كما تحمل كثير من الكتب في كثير من المذاهب.
                وقد عرفت الأمـَّة الـمسلمة، وخبرت وأيقنت، النتائج والآثار التي تسبَّبت عن العصبيـَّة المذهبيـَّة والجنسيـَّة، والاتـِّباع الأعمى للخطط السياسيـَّة، ورأت رأي العين وذاقت في مرارة ما لحقها في جرَّاء ذلك من أضرار.
                وهي اليوم تحاول أن تجمع الكلمة، وتردَّ الشارد وتسكت الداعي إلى الفـتـنـة، ولكن من حين إلى آخر تقوم أقلام هنا أو هناك فتعود إلى ما طواه التاريخ في أخطاء لترسمه من جديد في بلاهة وسذاجة وغفلة.
                يـسَّـر الله للعالمين المخلصين سبيل الوفاق، وأعانهم على جمع كلمة الأمـَّة التي فرَّقتها المذاهب الديـنيـَّة والمطامع السياسيـَّة في العهد الماضي، وتفرِّقهم السياسة، ومناصب التحكُّم ومذاهب الاقتصاد، وفتنة الأسماء والألقاب، والشعارات الكذَّابة في العصر الحاضر.
                وفي ختام هذا الفصل يهمُّني أن أقول للقارئ الكريم: إنَّ بعض الأقوال التي نسبها إلى الإبـَاضِـيـَّة تحمل تكذيبها في نفسها وهي التي نسبها فيما زعم إلى فرقة من الفرق التي ألحقها بالإبـَاضِـيـَّة وكذلك الأقوال التي زعم فيها أنَّ بعضـًا من الإبـَاضِـيـَّة أو قومـًا منهم كان يقول بها، فهذه الأقوال المنسوبة إلى بعض أولئك أو إلى قوم لا تحتاج إلى تكذيب لأنـَّها هي نفسها لم تستطع أن تنهض فتقف وإِنـَّمَا لاذت بجناح من الإبـَاضِـيـَّة؛ وَأَمـَّا ما نسبه إليهم جميعـًا فسوف نعود إليه بالنقاش في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى مع ما يتحصَّل لدينا من أقوال غيره فنؤكِّد ما يقول به الإبـَاضِـيـَّة حقيقة ونؤكِّد ما لا يقولون به حقيقة، ونكشف عمـَّا أورد بطريقة موهمة أو مبهمة والله المستعان.

                ///ص55///

                تعليق

                • منصور بن سعيد الحارثي
                  طالب علم
                  • Feb 2010
                  • 75

                  #9
                  أبـُو المظفَّر الأسـفـرَاييـنِي والإباضيـَّة
                  من علماء القرن الخامس الذين كتبوا عن فرق الأمـَّة الإسلامـيَّة: أبو المظفَّر الأسفراييني، وقد كتب عن الإباضيـَّة فيمن كتب عنه من الفرق. والقارئ الكريم حين يقرأ كتاب أبي المظفَّر يجده صورة أخرى باهتة للبغداديِّ، فهو يدخل الموضوع كما يدخل محارب محتمِّس إلى ساحة معركة حربيـَّة حاسمة يتقابل فيها خصمان عنيدان، وهو يُعِدُّ قبل ذلك كلَّ ما يستطيع من أسلحة، أو كلَّ ما أوتي من قوَّة لينتصر الفريق الذي يريده، ويحطِّم خصمه تحطيمـًا لا يقوم من بعده.
                  بهذه الروح يبدأ أبو المظفَّر كتابه (التبصير) وفي المقدِّمة قسَّم الأمـَّة الإسلامـيَّة إلى قسمين: حكم بالهدى والاستقامة ثُمَّ الجـنَّة لقسم وحكم بالزيغ والضلال ثُمَّ النار للقسم الآخر. وهي صورة تكاد تكون طبق الأصل مِمَّا عند أستاذه البغداديِّ، وليس يهمُّنا في هذا الفصل ــ بطبيعة الحال ــ إِلاَّ حديثه عن الإباضيـَّة.
                  قال في كتابه التبصير طبعة 1955 ص 56 ما يلي:
                  «الفرقة السادسة الإباضيـَّة، وهم أتباع عبد الله بن إباض، ثُمَّ هم فيما بينهم فرق، وكلُّهم يقولون إنَّ مخالفيهم من فرق هذه الأمـَّة كفَّار لا مشركون ولا مؤمنون، ويجوِّزون شهاداتهم، ويحرِّمون دماءهم في السرِّ، ويستبيحونها في العلانيـَّة، ويجوِّزون مناكحتهم ويثبتون التوراث بينهم، ويحرِّمون بعض غنائمهم، ويحلِّلون بعضها. ويحلِّلون ما كان من جملة الأسلاب والسلاح ويحرِّمون ما كان من ذهب أو فضَّة، ويردُّونها إلى أربابها».
                  بعد هذه المقدِّمة الصغيرة التي سبقه إليها البغداديُّ وأبو الحسن انتقل إلى ذكر الفرق السابقة التي ذكرها من قبله أبو الحسن والبغداديُّ، والعبارة في الغالب عبارة البغداديِّ مع تصرُّف بسيط واضح التصنُّع، وبعد أن ذكر تلك الفرق ومقالات كلٍّ منها بما فيها من شناعات وأباطيل كما عرضناها من قبل، عرض إلى قصَّة الجارية التي نقلناها بتفاصيلها عن أبي الحسن، وقد اختصرها الأسفرايـينيُّ ولم يهتمَّ بها اهتمام الأشعريِّ والبغداديِّ. والأسفرايينيُّ فيما كتبه عن الإباضيـَّة في هذا الكتاب لم يبذل هو الآخر أيَّ مجهود لمعرفة أيِّ شيء حقيقيٍّ عن الإباضيـَّة. وإنـَّما انساق مع تـيَّار من سبقه مِمـَّن كتب عنهم من غيرهم، فاعتبرهم فرقة من فرق الخوارج كما فعل الأشعريُّ والبغداديُّ وابن حزم من قبله، ثُمَّ نسب إليهم تلك المقالات التي رأيتها عند الأشعريِّ، وجعل من أئمـَّتهم أولئك الأشخاص الذين نسبهم إليهم من سبق دون تحقيق أو تمحيص أو تعليق، وكلُّ ما امتاز به عن سابقيه أنـَّه تتملَّكه ــ أثناء كتابته ــ من حين إلى آخر ثورة غضب عارمة فيصبُّ على تلك الفرق وأصحابها سيلاً من الشتائم واللعنات.
                  وقد أحسن محقِّق الكتاب الشيخ محمَّد زاهد الكوثري بملاحظتين عن مؤلِّف الكتاب، فقال في مقدِّمته للكتاب ص 13 ما يلي:
                  «والمصنِّف رحمه الله استوفى في هذا الكتاب ــ في غير إملال ولا إخلال ــ بيان عقائد أصحاب الملل والنحل ببعض عنف في بعض المواقف» ويقول بعد أسطر:
                  «وقد غمز الرازي في الأجوبة النجَّارية أبا منصور البغدادي بالتعصُّب والقسوة، وأبا الفتح الشهرستانيَّ الساري وراءه بذلك أيضًا، ولكنَّ الثاني ألطف لهجة بكثير».
                  ويقول بعد أسطرٍ:
                  «وقصارى ما يؤخذ به علماء هذا الشأن عدم التثبـُّت في عزو الأقوال كما سبق». والقارئ الكريم حين يقرأ هذه الفقرة الأخيرة من كلام الشيخ الكوثريِّ يدرك أنَّ الشيخ قد رأى أنَّ أقوالاً تنسب إلى غير أصحابها، وأنَّ ناسـًا يقوَّلون ما لم يقولوا، كما أنـَّه اقتنع بملاحظة الرازي على بعضهم شدَّة التعصُّب، وعبارة شيخنا الكوثريِّ الناعمة التي تشير إلى الملاحظات السابقة تحمل معنى الاعتذار عن هذا التصرُّف من علماء هذا الشأن، وكأنـَّه لا يرى في ذلك كبير بأس، بل إنـَّه حاول أن يبرِّر موقفهم العنيف ضدَّ الفرق المخالفة. ويبدو لي أنَّ هذه النقطة بالذات ــ نقطة عدم التثبـُّت في عزو الأقوال ــ نقطة مهمَّة؛ فإنَّ عدم التثبـُّت في نسبة الأقوال إلى أصحابها وعدم التحقُّق من معرفة ذلك معرفة صحيحة، يؤدِّي إلى نسبتها إلى قوم هم برآء منها. وقد يؤدِّي ذلك إلى الحكم على ناس بالفسق أو الكفر أو البدعة أو الضلال. وهم أبرياء من ذلك وأصحُّ عقيدة مِمـَّن يرميهم بذلك.
                  وفي الصفحات السابقة أوضحتُ للقارئ الكريم أمثلة كثيرة في عدم التثبـُّت والتحرِّي فيما نسبه بعض إلى الإباضيـَّة، وأنَّ بعض ما نسبوه إليهم على أنـَّه من مقالاتهم يحكم الإباضيـَّة على القائلين به بأنـَّه مرتدٌّ كافر. أبو المظفَّر كما أشرت إليه في السابق كان متأثـِّرًا بالبغداديِّ تأثـُّرًا كبيرًا، ويظهر هذا واضحًا جلـيًّا في أسلوب الكتابة وفي المنهج الذي سلكه وفي الحنق الشديد على أصحاب الفرق والمقالات التي تناولها. وفي العنف الذي طبع أحاديثه به، وفي عدم التحرُّز من الحكم عليها بأحكام المشركين إلى درجة التبجُّح بذلك. ثُمَّ المغالاة في مدح الفرق الموافقة إلى درجة الاعتزاز والافتخار بالملوك الظالمين وما شادوه من أبنية وأزهقوه من أرواحٍ.
                  يقول الأسفرايينيُّ في كتابه التبصير ص 176 وهو يعدِّد مآثر أهل السنَّة ما يلي:
                  «وأمـَّا أنواع الاجتهادات الفعليـَّة التي مدارها على أهل السنَّة والجماعة في بلاد الإسلام فمشهورة مذكورة، مثل المساجد والرباطات المثبتة في بلاد أهل السنَّة، إمـَّا في أيـَّام بني أميـَّة، وإمـَّا في أيـَّام بني العبـَّاس، مثل مسجد دمشق المبنيِّ في أيـَّام الوليد بن عبد الملك، وكان سـنِّـيا قتل في أيـَّامه من الخوارج والروافض».
                  ويقول بعد أسطر:
                  «وكان بعض المصريِّين يتغلَّبون ويسعون في عمارة شيء منه ولكن لا موقع لما كانوا يفعلونه مع سوء اعتقادهم».
                  وبقطع النظر عن دين الوليد بن عبد الملك الذي يقول عنه أكثر المؤرِّخين أنـَّه كان جبـَّارًا عنيدًا كما جاء في مروج الذهب للمسعوديِّ ص 166 من الجزء الثالث ما يلي:
                  «وكان الوليد جبـَّارًا عنيدًا ظلومـًا غشومـًا».
                  فإنَّ الوليد توفِّي سنة 96 والمذاهب التي يطلق عليها لفظ أهل السنَّة لم توجد بعد، فإنَّ أبا حنيفة كان حينئذٍ غلامـا ومالك كان ابن سنة واحدة، أمـَّا الشافعيُّ وأحمد فلم يولدا بعد، فلو فرض أنَّ الوليد قدَّم من أعمال الخير ما يعتزُّ به المسلمون أو يذكرونه في مقام الاحتجاج فإنَّ ذلك يكون سابقـًا لنشأة المذاهب والفرق ولا حقَّ فيه لهم. ودعوى أنـَّه كان سنِّــيًّا دعوى لا تقوم على أساس، ولو صحَّ هذا لكان الاعتزاز بعمر بن عبد العزيز أولى وأحقُّ، وإذا افتخر أهل السنَّة بما قام به الملوك والأمراء ونسبوه إلى أنفسهم فهل يعتبر من أعمال أهل السنَّة المنجنيقات التي وجِّهت إلى الكعبة، والأعمال الوحشية التي قام بها قادة الدولة الأمويـَّة في المدينة المنوَّرة مثلاً، لا شكَّ أنَّ القارئ الكريم يلحظ هنا أصابع السياسة الماكرة وهي توجِّه أقلام العلماء في دهاء لما تريده، فتزيِّن أعمال الدولة الأمويـَّة وتعتبرها من أمجاد أعمال أهل السنَّة، بينما تنـثـني إلى ما يشابه تلك الأعمال لما قام به العبيديـُّون فأسقطوه من الحساب بدعوى فساد نياتهم.
                  هذا بعض ما تفعله السياسة الماكرة في توجيه الأقلام.
                  أمـَّا تعبير المؤلِّف عن الوليد: «وكان سنِّـيًّا قتل في أيـَّامه من الخوارج والروافض» فيوهم أنـَّه إِنـَّمَا اعتبر الوليد سنِّـيًّا لأَنـَّهُ أمعن في قتل الروافض والخوارج، ولا شكَّ أنَّ الإمعان في قتل المسلمين للمخالفتهم في قول أو رأي يناقض السنَّة، ولا يكون دليلاً على التمسُّك بها ما لم يكن إقامة لحدٍّ من حدود الله، وقد قال الرسول (ص):
                  «أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله فإذا قالوها فقد عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إِلاَّ بحقِّها». وإذا جاز له أن يعتبر الوليد بن عبد الملك سنِّـيًّا وأعجبه أنـَّه قتل في أيـَّامه من المسلمين الآخرين أفلا يعتبر الحجَّاج أيضًا سنِّـيًّا ويعجبه أيضًا العدد الهائل الذي قتله الحجاج!، قال المسعوديُّ في مروج الذهب ص 175 من الجزء الثالث ما يلي:
                  «وأحصى من قتله سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد مائة وعشرين ألفـًا، ومات في حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهنَّ سـتَّة عشر ألفـًا مجرَّدة، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد».

                  تعليق

                  • منصور بن سعيد الحارثي
                    طالب علم
                    • Feb 2010
                    • 75

                    #10
                    أبـُو الفـتـح الشـهـرسـتانِي والإباضيـَّة
                    اشتهر أبو الفتح محمَّد بن عبد الكريم الشهرستانيُّ في النصف الأوَّل من القرن السادس الهجريِّ، وقد ذاع صيته بين كتـَّاب المقالات في العقائد. ويعتبر كتابه (الملل والنحل) من أهمِّ المراجع في هذه المواضيع وكثير من كـتَّاب اليوم يعتمدون عليه كمصدر محقَّق ثابت لا يناقش. ويهمُّنا أن نرافق هذا المؤلِّف الكبير بعض الوقت لنستجلي موقفه، ونرى هل استطاع أن يتجنـَّب الأخطاء التي وقع فيـها من سبقوه؟
                    يقول أبو الفتح في كتابه (الملل والنحل) الجزء الأوَّل من الطبعة الأولى مكتبة الحسين التجاريَّة ص 4 ما يلي:
                    «ومن المعلوم الذي لا مراء فيه، ليس كلّ من تميـَّز عن غيره بمقالة ما في مسألة ما عُدَّ صاحب مقالة».
                    ويقول ص 6 ما يلي:
                    «وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كلّ فرقة على ما وجدته في كتبهم من غير تعصُّب لهم، ولا كسر عليهم، دون أن أبيـِّن صحيحه من فاسده، وأعيـِّن حقَّه من باطله».
                    فهل وفَّى أبو الفتح لما خطَّطه لوضع كتابه، وشرطه على نفسه من استقاء الآراء والعقائد من مصادر أصحابها؟
                    يؤسفني أن أقول: إنـَّه لم يفعل ذلك، وإنـَّه سلك نفس المسلك الذي مرَّ به سابقوه، فهو يبحث عن أسماء الرجال وينسب إليهم الأقوال ليبلغ بعدد الفرق إلى اثنين وسبعين فرقة يدفعها جميعـًا ــ محسنها ومسيئها ــ إلى النار، ويستخلص منها الثالثة والسبعين فيقودها إلى الجـنَّة، وقد اعتمد في ذلك كلّه على من سبقه من أصحاب الكتب التي ناقشنا بعضها وإن كان قد خالفهم في جزئيات يسيرة ربـَّما عرضنا لبعضها في نهاية هذا الفصل.
                    وَعَد أبو الفتح أنـَّه سيذكر الفرق بتجرُّد، وأنـَّه لا يصحِّح ولا ينتقد، ولا يصوِّب ولا يخطِّئ، ولا يميِّز بين الصحيح والفاسد، والحقِّ والباطل، وَلَكِـنَّهُ ناقض نفسه من الخطوة الأولى، ومن مقدِّمة الكتاب جرَّد سيفه وجعل ينظِّم صفوف الفرق ويصفِّفها في طوابير طويلة تمتدُّ جذورها في أعماق التاريخ من عصره إلى عهد إبليس متَّخذة في كلّ عصر مظهرًا مناسبـًا من موقف إبليس إلى موقف المشركين المنافقين إلى موقف الفرق الضالَّة، ويحاول أن يربط العلائق الوثيقة بين هذه الفرق الضالَّة وأسلافها في نظره من المنافقين أو المشركين أو الشياطين، وهو يرجع جميع الفرق الضالَّة في نظره إلى أصول أربعة. يقول في ص 10 من كتابه ما يلي: «فللعين الأوَّل لـمَّا أن حكَّم العقل على من لا يحكم عليه العقل لزمه أن يجري عليه حكم الخالق في الخلق أو حكم الخلق في الخالق، والأوَّل غلوٌّ والثاني تقصير، فثار من الشبهة الأولى مذاهب الحلولية والتناسخيـَّة والمشبِّهة والغلاة من الروافض حيث غلوا في حقِّ شخص من الأشخاص حتَّى وصفوه بصفات الجلال. وثار من الشبهة الثانية مذاهب القدريـَّة والجبريـَّة والمجسِّمة حيث قصَّروا وصفه تعالى بصفات المخلوقين، فالمعتزلة مشبِّهة الأفعال والمشـبِّهة حلوليـَّة الصفات وكلُّ واحد منهم أعور بأيِّ عينيه شاء، فإنَّ من قال إِنـَّمَا يحسن منه ما يحسن منـَّا، ويقبح منه ما يقبح منـَّا، فقد شبَّه الخالق بالخلق. ومن قال: يوصف البارئ تعالى بما يوصف به الخلق، أو يوصف الخلق بما يوصف به البارئ تعالى عزَّ اسمه فقد اعتزل عن الحقِّ.
                    وسِنْخ القدريـَّة طلب العلَّة في كلّ شيء وذلك من سِنْخ اللعين الأوَّل إذ طلب العلَّة في الخلق أولاً والحكمة في التكليف ثانيـًا، والفائدة في تكليف السجود لآدم عليه السلام ثالثـًا. وعنه نشأ مذهب (الخوارج) إذ لا فرق بين قولهم (لا حكم إِلاَّ الله)( )، ولا يحكَّم الرجال، وبين قوله: لا أسجد إِلاَّ لك، {آسجد لبشرٍ خلقته من صلصال} وبالجملة «كلا طرفي قصد الأمور ذميم». (فالمعتزلة) غلوا في التوحيد بزعمهم حتَّى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات (والمشبـِّهة) قصَّروا حتَّى وصفوا الخالق بصفات الأجسام (والروافض) غلوا في النبوَّة والإمامة حتَّى وصلوا إلى الحلول. (والخوارج) قصَّروا حيث نفوا تحكيم الرجال، وأنت ترى أنَّ هذه الشبهات كلُّها ناشئة من شبهات اللعين الأوَّل. وتلك في الأوَّل مصدرها، وهذه في الآخر مظهرها».
                    وهكذا ترى من أوَّل الأمر أنـَّه حاول أن يربط بين إبليس وأصول الفرق بتلك الخيوط الضعيفة التي توهَّم صلاحيتها للربط، فهو قد حكم عليها مسبقـًا بالضلال والزيغ واتـِّباع الهوى، وإنـَّما يوردها ليحدِّد بها الإحصائية ويلتمس لها المبرِّرات التي تجعلها ضمن الموكب الضخم الذي يدفعه كتـَّاب المقالات إلى الهاوية.
                    وفيما يَتَعَلَّق بوعده أَلاَّ يكتب عن أيـَّة فرقة إِلاَّ بناء على ما يجده في كتب علماء تلك الفرقة فيؤسفني أن أقول: إنَّ الإمام الشهرستانيَّ قد أخلَّ بوعده ولم يوف به، ولم يعمل بالشرط الذي شرطه على نفسه، هذا على الأقلِّ بالنسبة إلى الإباضيـَّة، ولست أدري موقفه من كتب الفرق الأخرى، وإن كنت أحسب أنـَّه لا يختلف.
                    والحقيقة أنَّ هذا الموقف من نسبة الآراء والعقائد إلى مصادر أصحابها موقف خطير. فالكاتب حين يعد قرَّاءه بأنـَّه يعتمد في نسبة الأقوال على مصادر أصحابها، يضع الثقة به في الميزان، فإن وفَى كان أهلاً للثقة والتصديق في كلّ شيء، وإن أخلَّ بوعده، كان موضعا للشكِّ يجري البحث من ورائه لتحقيق ما يلي:
                    قال أبو الفتح الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) الجزء الأوَّل ص 212 ما يلي:
                    - هذه الكلمة مقتبسة من القرآن الكريم في قوله تعالى: {إنِ الحكمُ إِلاَّ لله} (سورة الأنعام وفي سورة يوسف). كلُّ ما فعله من قال هذه الكلمة أنـَّه أتى بـ«ما» [كذا لعلَّ الصواب: لا] النافية بدلاً من «إن» النافية.

                    تعليق

                    • منصور بن سعيد الحارثي
                      طالب علم
                      • Feb 2010
                      • 75

                      #11
                      «الإباضيـَّة أصحاب عبد الله بن إباض الذي خرج في أيـَّام مروان بن محمَّد فوجَّه إليه عبد الملك بن محمَّد بن عطية فقاتله بثبالة، وقيل إنَّ عبد الله بن يحيى الإبـَاضِـيَّ كان رفيقـًا له في جميع أحواله وأقواله.
                      وقال (أي ابن إباض): إنَّ مخالفينا من أهل القبلة كفَّار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام، وحرام قتلهم وسبيهم في السر غيلة، إلاَّ بعد نصب القتال، وإقامة الحجَّة.
                      وقالوا: إنَّ دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد إِلاَّ معسكر السلطان فإنـَّه دار بغي، وأجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم، وقالوا في مرتكبي الكبائر: إنـَّهم موحِّدون لا مؤمنون».
                      ثُمَّ ذكر عدَّة مقالات، قال إنَّ الكعبيَّ حكاها عنهم ويهمُّني أن يعرف القارئ الكريم الملاحظات الآتية عن مرافقتنا لأبي الفتح الشهرستانيِّ:
                      1 - ذكر أنَّ عبد الله بن إباض خرج أيـَّام مروان بن محمَّد وقتل بثبالة، وهذا خطأ تسرَّب إلى أبي الفتح وإلى جملة مِمـَّن كتب عن الموضوع، لأنَّ عبد الله بن إباض لم يعش إلى زمن مروان وإنـَّما توفِّي في أواخر أيـَّام عبد الملك، ولعلَّ الذين ذكروا هذا القول اشتبه عليهم بأحد الرجلين: المختار بن عوف، أو بلج بن عقبة، من أصحاب عبد الله بن يحيى طالب الحقِّ، وهم جميعـًا من الإباضيـَّة.
                      2 - والمقالات التي نسبها إلى الإباضيـَّة هي بعض ما نسبه إليه من تحدَّثنا عنهم سابقـًا وسوف نعرض لها في بعض فصول هذا الكتاب ونوضِّح فيها ما كان منها موافقـًا لمقالات الإباضيـَّة، وما كان مخالفـًا لها، وما صيغ بغموض وإبهام يحتاج إلى شيء من الإيضاح والبيان.
                      3 - ذكر جملة من المقالات المنسوبة إلى الإباضيـَّة، ونصَّ على أنَّ الكعبيَّ حكاها عنهم. وهذا موقف سليم من أبي الفتح حين تخلَّص من عهدة تلك الأقوال ونسبها إلى من حكاها بما فيها من صدق أو غيره.
                      4 - حسب الحفصيـَّة والحارثـيَّة واليزيديـَّة فرقـًا مستقلَّة ولم يدخلها في الإباضيـَّة وهو موقف فيه تمحيص وتحقيق خالف فيه السابقين مِمـَّن كتبوا في الموضوع.
                      5 - لم يذكر قصَّة ثعلبة ولا قصَّة بيع الأمة وما بُني على ذلك، فسلم كتابه من تلك النزعات الفارغة، والأباطيل الجوفاء.
                      ويتـَّضح من هذا أنَّ أبا الفتح وإن سلك طريق الآخرين في تقسيم الفرق والحكم عليها إِلاَّ أنـَّه كان أكثر دقَّة واجتهادًا وتحرِّيــًا من سابقيه، وخالفهم في عدد من المواقف تقدَّر له، ولا نأخذ عليه شيـئًا غير ما ذكرناه سابقًا في تورُّطه كما تورَّط غيره في حكمه على مجموعة من الفرق بالضلال مسبقـًا مع شرطه على نفسه أنـَّه سيقف من الجميع موقفـًا سلبيـًّا لا يصوِّب ولا يخطِّئ، ثُمَّ وعده بالرجوع إلى مصادر الفرق في نسبة الأقوال وعدم وفائه بذلك. وبالنسبة إلى الإباضيـَّة بدلاً من أن يرجع إلى علمائهم أو كتبهم التجأ إلى الكعبيِّ وغيره مِمـَّن لم يذكره فوقع في أخطاء كان حريا ألاَّ يقع فيها. أمـَّا خطؤه في تاريخ عبد الله بن إباض فهذا خطأ قد لا يسلم من مثله الكثير من الكتـَّاب.
                      وعلى كلّ حال فأبو الفتح عندما كتب عن الإباضيـَّة لم يأخذ مقالاتهم من مصادرهم وإنـَّما أخذها من مصادر غيرهم ولكن ذكره لتلك المقالات كان يتـَّسم بدقَّة الملاحظة والمعرفة لآراء الفرق، ولذلك فقد نسب ما قيل له عن الإباضيـَّة إلى روَّاته، وجعل بعض من كان يحسب على الإباضيـَّة وليس منهم فرقـًا مستقلَّة وأغفل قصَّة النزاع على الأمة والطفلة، وهذا وحده يعتبر منه نقدًا وردًّا على كتـَّاب المقالات السابقين، وهي خطوة تستحقُّ الثناء والتقدير.
                      مختصر من كتاب الإباضية بين الفرق الإسلامية
                      تأليف الشيخ علي معمر
                      الرابط
                      حمّل تطبيق 1xBet الرسمي للأندرويد في عُمان (إصدار 2026). طريقة سهلة وآمنة للتثبيت، دعم اللغة العربية، مكافأة تصل إلى 160 ريالاً عُمانياً للمستخدمين الجدد.

                      تعليق

                      • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
                        مـشـــرف
                        • Jun 2006
                        • 3723

                        #12
                        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

                        أخي منصور،

                        لنا أن نقول إنَّ حاصل مدّعاك هنا تجاه الإمام الشيخ الأشعري رضي الله عنه هو في أنَّه قد ذكر في الإباضيّة ما لم تجد -أو يجد من تنقل عنه-...

                        فقلتَ:
                        1 - إنَّ جميع الأشخاص الذين اعتبرهم أبو الحسن إمـَّا رؤساء لفرق من الإباضيـَّة ومن مؤلِّفيهم ومتكلِّميهم لا وجود لهم عند الإباضيـَّة.
                        2 - الإباضيـَّة لا يعرفون شيـئًا عن هؤلاء الرجال ولا عن فرقهم.

                        فالإمام الشيخ عندما ينقل إمَّا أن يقول (حكي) كما نقلت أنت عنه فيكون بريئاً من أن يكون هو قد نسب هذا القول إليهم...

                        أو إنَّه يسند أو يذكر المصدر...

                        فلعلّك أنت لا تدري هؤلاء الأشخاص الذين عاشوا في ذلك الوقت...

                        ثمَّ كيف لي أن أصدّقك -ليس شخصياً فلا عداوة بيننا- في شيء من مصلحتك نفيه وهو كون الإباضية ليسوا على قول واحد...

                        ولئن كان الإمام الشيخ ناقلاً عن أشخاص متشخصين من الإباضيّة فالرجل عندنا ثقة ليس بكاذب...

                        فالأصل صحة ما ينقل إلا إن هو ضعّف الرواية بقوله (حكي).......

                        سلّمنا تنزلاً كون الإباضيّة مظلومين من أهل الإسلام جميعاً!

                        فهات عرّفنا معتقدك بلسانك لنقرّر الحقّ!

                        والسلام عليكم...
                        فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

                        تعليق

                        • منصور بن سعيد الحارثي
                          طالب علم
                          • Feb 2010
                          • 75

                          #13
                          بارك الله فيك أخي محمد أكرم
                          أخي محمد أكرم يفترض تقرا المقال كاملا ما أعتقد قرأت المقال كاملا
                          المهم الشيخ الأشعرية رحمة الله لما تحدث الإباضية لما يتحدث من كتبهم ولا من مصادرهم يفترض من الشيخ الأشعري رحمة الله قبل عن يتحدث عن الإباضية أن يقرا من كتبهم ومصادرهم

                          تعليق

                          • علاء حسام داود
                            طالب علم
                            • Mar 2009
                            • 406

                            #14
                            أخي منصور أظنك أنت الذي لم تقرأ السطرين الذين كتبهما أكرم !!

                            فقد كتب ما كتبت بعده !

                            على كل أرنا أخي العزيز معتقدكم كما هو حتى نحكم عليه ...

                            تعليق

                            • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
                              مـشـــرف
                              • Jun 2006
                              • 3723

                              #15
                              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

                              جزاك الله خيراً أخي علاء...

                              أخي منصور،

                              قد قرأت هذه المقالة قبل سنين -أو مثلها تماماً!-...

                              ثمَّ إنّي بناء على قراءتي لها اهتممت بأن أدقق فيما قد ذكر الإمام الشيخ الأشعري رحمه الله عن الإباضيّة.

                              المهمّ الآن أنَّ الاحتمال الذي ذكرتُ قائم...

                              وهو كون الإباضيّة على غير قول واحد...

                              ثمَّ إنَّ بعضهم أنكر أن يكون بعض منهم إباضياً لمخالفتهم في بعض القول...

                              ثمَّ لي أن أقول إنَّ الإباضيّة -الذين امتدَّ بهم المذهب إلى الآن- في عزلة ما مقارنة بباقي الفرق...

                              وهذه العزلة جغرافيّة...

                              فلذلك لي أن أقول باحتماليّة أن يكون بعضهم لم يعرف ببعض.

                              ثمَّ أقول إنَّ الذي لك ليس إنكار نسبة شخص إلى الإباضيّة...

                              إنَّما لك أن تقول إنَّ شخصاً ما ليس بإباضيّ بمفارقة أصليّة عنهم ذكر الإمام الشيخ الأشعريّ رحمه الله أنَّه منهم...

                              لا تقولنَّ إنَّ ذلك حاصل كما نقلت في هذه المقالة.

                              لأنّي سأجيبك بأنَّ المخالفة التي قلتم إنَّ هذا الشخص بها ليس بإباضيّ لا أحكم بأنَّها مخالفة أصليّة...

                              فتكون كأنَّها مخالفة داخليّة في مذهب الإباضيّة...

                              فعدم اعتراف بعض الإباضيّة ببعض ليس مشكلة عندنا لأنَّا سنسمّي الفريقين بأنَّهم من فرق الإباضيّة.

                              ثمَّ انتهاءً:

                              لو قال شخص إنَّه إباضيّ ووجدنا أنَّه يزعم تبع عبد الله بن أباض ووجدناه قائلاً بالأصول التي فارق بها الإباضيّة الفرق الأخرى ثمَّ وجدنا هذا الشخص مخالفاً الإباضيّة في كلّ قول بعد ذلك فسنبقى مسمّين له بأنَّه إباضيّ!

                              وموافقاً أخي العزيز علاء أطلب منك تبيان معتقدك أنت!

                              والسلام عليكم...
                              فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

                              تعليق

                              يعمل...