جواب نفيس لإمام الحرمين الجويني في شرح حديث الجارية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
    طالب علم
    • Apr 2010
    • 760

    #1

    جواب نفيس لإمام الحرمين الجويني في شرح حديث الجارية

    قال إمام الحرمين أبي المعالي الجويني رحمه الله في كتابه الشامل في أصول الدين ص 326


    فإن قال قائل : فما بال إطلاق الخلق إلى الإشارة نحو السماء بالدعوات ؟ وربما عضدوا سؤالهم ذلك الحديث المشهور في السوداء التي سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال :
    أين الله ؟ فأشارت إلى السماء ولم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها , بل قررها وتقريره صلى الله عليه وسلم نازل منزلة صريح لفظه .

    الجواب عن ذلك أن نقول : أما إشارة الداعين في دعواهم , فلا مستروح فيه . فإنا لا نمنع أن يكون العرش وجْهة قبلة للدعوات وجهة مثبتة لها شرعاً , وهذا كما أن البيت المحرم قبلة للطواف
    ثم لم يدل استقبال جهة البيت في أصل العبادات بعد الإيمان على تثبيت المعبود بجهة استقبال المصلين , وكذلك السجود يتخصص بجهة مخصوصة مع الاتفاق على استحالة كون القديم مختصاً بجهة السجود , وإنما ذلك بجهة لأن الشرع ورد بتخصيص بعض العبادات ببعض الأماكن كتخصيص الاعتكاف بالمساجد , وتخصيص المناسك في الحج والعمرة ببقاع متعينة وكما خصص الشرع بعض العبادات ببعض الأماكن , فكذلك خصص بعضها باستقبال بعض الجهات .


    ثم نقول : هذا لو ساعدناكم على الإطباق على الإشارة ؛ وليس الأمر كما تظنون فإن المعول فيما يدعي من الخلاف والإجماع على قول العلماء , وهم أهل الحل والعقد ولا يستمر للسائل ادعاء إجماعهم فعلاً ولا قولاً , وإنما يتشبث السائل بعادات لو بحثنا عنها , لاستندت إلى العوام , فكيف وقد روى في صحيح الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أعربياً , رافعاً يديه نحو السماء , مبالغاً في رفعهما فزجره عن ذلك . وكان صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الدعاء حيال صدره كاستطعام المسكين(1) هكذا قاله ابن عباس , ووائل بن حجر , وابن مسعود رضي الله عنهم وغيرهم من نقلة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقد بطل ما قالوه من كل وجه .


    [COLOR="blue"]وأما حديث السوداء وقول الرسول لها , وإشارتها نحو السماء , فسبيل الكلام عليه أن نقول :
    إنما سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حسبها من عبدة الأوثان , وقدرها مشركة بالل
  • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
    طالب علم
    • Apr 2010
    • 760

    #2
    قال إمام الحرمين أبي المعالي الجويني رحمه الله في كتابه الشامل في أصول الدين ص 326


    فإن قال قائل : فما بال إطلاق الخلق إلى الإشارة نحو السماء بالدعوات ؟ وربما عضدوا سؤالهم ذلك الحديث المشهور في السوداء التي سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال :
    أين الله ؟ فأشارت إلى السماء ولم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها , بل قررها وتقريره صلى الله عليه وسلم نازل منزلة صريح لفظه .

    الجواب عن ذلك أن نقول : أما إشارة الداعين في دعواهم , فلا مستروح فيه . فإنا لا نمنع أن يكون العرش وجْهة قبلة للدعوات وجهة مثبتة لها شرعاً , وهذا كما أن البيت المحرم قبلة للطواف
    ثم لم يدل استقبال جهة البيت في أصل العبادات بعد الإيمان على تثبيت المعبود بجهة استقبال المصلين , وكذلك السجود يتخصص بجهة مخصوصة مع الاتفاق على استحالة كون القديم مختصاً بجهة السجود , وإنما ذلك بجهة لأن الشرع ورد بتخصيص بعض العبادات ببعض الأماكن كتخصيص الاعتكاف بالمساجد , وتخصيص المناسك في الحج والعمرة ببقاع متعينة وكما خصص الشرع بعض العبادات ببعض الأماكن , فكذلك خصص بعضها باستقبال بعض الجهات .


    ثم نقول : هذا لو ساعدناكم على الإطباق على الإشارة ؛ وليس الأمر كما تظنون فإن المعول فيما يدعي من الخلاف والإجماع على قول العلماء , وهم أهل الحل والعقد ولا يستمر للسائل ادعاء إجماعهم فعلاً ولا قولاً , وإنما يتشبث السائل بعادات لو بحثنا عنها , لاستندت إلى العوام , فكيف وقد روى في صحيح الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أعربياً , رافعاً يديه نحو السماء , مبالغاً في رفعهما فزجره عن ذلك . وكان صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الدعاء حيال صدره كاستطعام المسكين(1) هكذا قاله ابن عباس , ووائل بن حجر , وابن مسعود رضي الله عنهم وغيرهم من نقلة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقد بطل ما قالوه من كل وجه .


    وأما حديث السوداء وقول الرسول لها , وإشارتها نحو السماء , فسبيل الكلام عليه أن نقول :
    إنما سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حسبها من عبدة الأوثان , وقدرها مشركة بالله تعالى وكان الذي حملها إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن اجزائها في الكفارة إذا عتقت , فامتحنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لستبين أنها من عبدة اللات والعزى , أم هي من عبدة الرحمن ثم لم يصدر منها إلا إشارة, ولقد كانت خرساء , والإشارات لا ظواهر لها , و إنما الظواهر الألفاظ , ولو قربت الإشارات إلى الألفاظ , لشابهت محملاتها , إذ الإشارة تردد بين وجوه من الاحتمالات , كاللفظة المبهمة , المشتركة بين وجوه من المعاني .

    ثم نقول : لو قلتم إنها عنت بإشارتها : إثبات الجهة لله , فبم تنكرون على من يزعم أنها أرادت بإشارتها أن إلهي من دبّر السماء ورفعها بغير عمد ؟

    فإن قيل : فلم خصصت السماء والعالم بأسره مدبر بتدبير الله ؟

    قلنا : لو خصص بعض الناطقين استدلاله على الإله ببعض المخلوقات , لما كان عليه معترض . كيف وقد اشتمل حجاج القرآن في بعض الآيات على تخصيص بعض المخلوقات بالذكر , فلا معترض إذاً في مثل ذلك على أنها ربما علمت أن عبدة الأصنام يسندون تدبير الأرض إلى الأصنام , ليس فيهم من يعترف بإله السماء فَعَنت بإشارتها ما لا يتوهم به تدبير الأصنام لتوضيح أنها ليست من عبدتها .

    فإن قال قائل : فما وجه كلامكم في قوله صلى الله عليه وسلم لها : أين الله ؟

    قلنا في ذلك وجهان :
    أحدهما : أنه صلى الله عليه وسلم كلمها على ما قدرها عليه , وحسبها معتقدة له , كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأم جميل : كم تعبدين من إله ؟ قالت خمسة . وإنما يسأل عما يتوقع تعدده و لايجوز حمل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على توقع العدد , فكذلك لايحمل سؤاله على توقع المكان ولكن سلك بمثل هذا الكلام مسلك الاستنطاق بالحق والاسكشاف عن المعتقد . وهذا نحو قوله تعالى ( أين شركائي ) { النحل 27} فليس المراد به تثبيت الشركاء , ولكن المراد به استنطاق المشركين بما يخزيهم ويفضحهم على الملأ الأعظم .

    على أنا نقول : لا بعد في إطلاق أين , من غير قصد التعرض للمكان اتساعاً في الكلام وتجوزا
    إذ قد يقول القائل : أين هذا الحديث من هذا الحديث .وليس القصد منه تباعدهما بمكانين وأمثلة ذلك تكثر فكأنه صلى الله عليه وسلم قال : أين موقع معرفة الله منك ؟ والدليل عليه ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قيل له : أين الله ؟ قال: ليس لمن أيّن أيّن الأين أين . وقد يروى ذلك مرفوعاً عن علي رضي الله عنه فظهر سقوط استدلالهم .) أهـ


    (1) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 8/63

    تعليق

    يعمل...