بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد.
فقد سآني وساء الكثير من إخواني طلبة العلم ما صرح به وما زال عدنان إبراهيم، من آراء مستهجنة، وطريقة قبيحة في البحث والنظر!!
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد.
فقد سآني وساء الكثير من إخواني طلبة العلم ما صرح به وما زال عدنان إبراهيم، من آراء مستهجنة، وطريقة قبيحة في البحث والنظر!!
ويبدو لي أن مسألة معاوية بن أبي سفيان تجاوزت حدها عند الشيخ، لتؤثر في فكره إلى مدى أبعد مما تستحق، فيتجرأ على عموم الأمة الإسلامية في كلمات أقل ما يمكن وصفها، بالمتهورة وغير اللائقة.
ولأن أصل المسألة ليس بمجال بحثي، فلا يخلو الأمر من التعليق على بعض ما يقول، مذكراً القارئ بأن لا يعطي له الحق ويعتذر عنه في استخدامه ألفاظاً غير لائقة في حق العلماء، ويمنعني من حق النقد وبيان ما أراه ولست سوى طالب علم-، فيُرد ما أقول لخروجه عن لائق الكلام في نظره. مع تعمدي لاستخدام عبارات استخدمها هو في حق مخالفيه، من كأس يسقيهم إياه!!
كما أود لفت الانتباه إلى أن التحقق من كلام الشيخ يستدعي طول الجلوس للاستماع إلى ما يقوله، فإنه لم يكتب ما قال في أوراق، بل جعلها مسموعة في الهواء، لكنه على حد زعمه- باحث علمي يطلب الحقيقة أيا كان مصدرها وحيثما كانت، فكلامه حينئذ بمثابة ما يكتبه، ينبغي أن يكون دقيقاً وخيانة التعبير لا تتجاوز في مثل هذا الطرح، كما أن الكلام ليس عن النوايا الباطنة، ولكن النوايا التي يظهرها، ثم ما يلزم عليه منها.
منهج عدنان إبراهيم في تناول مسألة معاوية والنصب
يتناول الشيخ موضوع الصحابة الكرام، ومسألة تعديلهم وتجريحهم، باكتشاف جديد بالنسبة له، وهو ما ذكره أئمة الأصول من تقييد للصحابي بأنه من عاش مع النبي سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين، ليصل بذلك إلى إخراج معاوية ابن أبي سفيان ومن ناصره من الصحابة، مع أن بناء مسألة معاوية لا علاقة له بهذه الاختلاف؛ فإن القائلين بذلك لم يخرجوه من زمرة الصحابة، ولم يطعنوا فيه بما طعن به عدنان إبراهيم!! فقد بنى فرعاً على غير أصلٍ صحيح.
وبغض النظر عن مسألة معاوية والكلام فيه، فإن أهل السنة والجماعة قد ذهبوا إلى أمرين، مجمعين عليهما، لا يخالف فيه إلا قلة قليلة جداً تعد على أصابع اليد الواحدة: أولاً: أن الصواب كان في جانب سيدنا علي رضي الله عنه، ولم يكن في جانب معاوية رضي الله عنه. ثانياً: السكوت عن النزاع بين الصحابة، وإثبات الاجتهاد لمعاوية رضي الله عنه فيما فعل.
لكن الشيخ تجاوز هذه المسألة ليجعل أصل الخلل في الأمة سياسياً واجتماعياً هو هذه المسألة.
وهنا لا بد من الوقوف على مجموعة من التساؤلات توجه إلى عدنان إبراهيم، والذي مازال منتسباً لأصول أهل السنة والجماعة:
1- هل ما فعله معاوية كفرٌ أو يستلزم الكفر؟ إن قال نعم: فنطالبه بالحجة، وهيهات أن يجدها على حسب أصول أهل السنة والجماعة، الذي ينتسب إليهم، بل ومذهب سيدنا علي نفسه. وإن قال: لا، فإن غاية ما فعله معاوية في هذا معصية من المعاصي لا يصح الطعن بها في دينه أو نسبته إلى تحريف الدين!! وذلك حسب قواعد أهل السنة أيضاً.
2- ما يحتج به عدنان من الأخبار التاريخية، هل نظر في أسانيدها وتحقق منها حسب قواعد البحث العلمي (الذي درسه وكان يدرسه)، أم قبل ما وجده من روايات في كتب التاريخ؟ مع ملاحظة أن الذين ينقل عنهم هذه المرويات هم من علماء أهل السنة والجماعة، وبالتالي فإن عدالتهم ناقصة بسبب نصبهم على حد زعمه-؟ أم أن النصب مسقط للعدالة فيما يخالفهم فيه من آراء، وغير مسقطها في المرويات التي توافق رأيه؟
3- الأصل في الاجتهاد في هذه المسألة التي يخالف فيها معتمد ومشهور رأي أهل السنة والجماعة، أن لا يلتفت إلى التقليد واتباع آراء الآخرين؛ لأن آراءهم متساوية في الحجية طالما أنه يجوز تقليدهم، فقبول طعن أحد التابعين في معاوية، ورد توثيق وتزكية آخر، خارج عن أصول الاجتهاد، التي لا يصح فيها التقليد!! مع ملاحظة عدم بحثه في أسانيد ما ذكر من نقول عن بعض التابعين في هذه المسألة أقصد الطعن في معاوية رضي الله عنه-.
4- تقسيمه المسألة على قسمة ثنائية: من كان مع سيدنا علي فهو ممن يحب آل البيت، ومن كان مع معاوية فهو مبغض لآل البيت رضي الله عنهم. وبالتالي فكل من نافح عن معاوية أو اعتذر عنه هو ممن فيه نصب: والنصب نوعان لديه: خفيف وثقيل!!، فصارت القسمة ثلاثية!! خوفاً من وصف جمهور الأمة المسلمة بالنصب!!
ولا أدري هل وجد عدنان لدى سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما نصباً إذ دافع عن معاوية ضد من طعن فيه؟ كما في صحيح البخاري!!
5- التفريق بين العلماء مع اتحاد مواقفهم في الكلام عن مسألة يزيد، فبينما عدنان يطعن في القاضي الإمام أبي بكر ابن العربي، بكل وقاحة!! لما كتبه من توجيه مردود عند النظر والتحقيق- ويتهمه بالنصب، مع أنه منه بريء، لا يقول ذلك في حق الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، مع شهرة فتواه المتعلقة بيزيد!! ذلك أنه في خطبة أخرى استشهد بنص نقله من أحد كتب أبي حامد في غضب الله تعالى يوم مقتل الحسين رضي الله عنه، ولعن قاتليه. فهل يمكن أن يكون غير الهوى سبباً لذلك؟
وأهدي هذا النص لعدنان، إن لم يكن قد اطلع عليه، وإن كان قد اطلع عليه فهديتي إليه عاصمة إن شاء الله تعالى:
قال الإمام القاضي أبو بكر ابن العربي: (فيا أسفاً على المصائب مرة، ويا أسفاً على مصيبة الحسين ألف مرة؛ وإن بوله يجري على صدر النبي صلى الله عليه وسلم، ودمه يراق على البوغاء ولا يحقن! يا لله ويا للمسلمين .. أردنا أن نطهر الأرض من خمر يزيد، فأرقنا دم الحسين، فجاءت المصيبة لا يجبرها سرور الدهر.
أترجو أمة قتلت حسيناً .. شفاعة جده يوم الحساب
كما أوجه النظر إلى أن القاضي أبي بكر ابن العربي قد توجه باللوم إلى سيدنا الحسين لو تنازل كما تنازل من قبل سيدنا الحسن، ولم يطعن في دين ولا عدالة ولا تقوى ولا صلاح ولا إمامة ولا محبة الإمام الحسين عليه السلام. فإن خانه اللفظ، فالتمس له عذرا آخر!! كما وسعك أن تسكت على أبي حامد رضي الله عنه.
هذا ما يتعلق بهذه المسألة، موجهاً النقد فيها إلى بعض منهجه، لا باحثاً عن أصل المسألة، فإني مكتفٍ بما قرره أئمة أهل السنة والجماعة، رغم أنف اعتراض من شنع عليهم!!
أما مسائل عدنان الأخرى، فأمر محيِّر، ومؤسف:
1- يستشهد بـ(الإمام ابن تيمية!) ليدافع عن القرضاوي، في حين أن ابن تيمية من كبار النواصب!!
2- يدافع عن القرضاوي رغم كل مخالفاته للنصوص، واتباع الأهواء في مسائل الشريعة- بأنه ممن دافع عن الإسلام، ونصر الدين في هذا الزمان، ومن ذوي الشيبة في الإسلام، ولم يتلفت إلى هذا الأمر ولا بالكذب في حق القاضي أبي بكر ابن العربي، بل تجرأ في الكلام عن نواياه، ونسب إليه قصة لا أدري مصدره الأصلي فيها، نقلها عن العلامة المناوي، في حين أن منهج البحث الذي يدعيه يلزمه بالنظر في مصدر أصلي لحادثة استباحة دم أحد عامة المسلمين!!
ولا أدري كيف يجيز هذا الرجل لنفسه الكلام عن مسألة قضائية نسبت إلى القاضي، دون أن ينظر في بيناته أو تفاصيلها لديه؟ وكيف لم يعتذر له بغيرته على أن تنال رسول الله صلى الله عليه وسلم شائنة من أي كانت!؟!
بل يتعدى هذا الإنسان ليقول لبعض عوام فيينا وهو أثبت لهم العاميّة في خطبته نفسها- أن قضاء ابن العربي في هذه المسألة مبني على الإرهاب واستباحة الدماء!! الذي بني على مسألة قتل معاوية رضي الله عنه، لحجر بن عدي رضي الله عنه!!
3- الاختلاط في مرجعيات الشيخ بما يدلل على ضعف عقله، فخلطة عجيبة لديه: الإمام ابن تيمية وابن القيم، الإمام محمد عبده، المرحوم محمد الغزالي، أئمة الأشاعرة، إجماع آل البيت. وللأسف فإنه لا يأخذ من كل هؤلاء سوى المسائل الشاذة، وقد قبحُت عبارته في جوابه عن مسألة رؤية الله تعالى في الآخرة، بما يشير إلى أنها مسألة لا تكاد تثبت، فإن ثبت إنكار آل البيت لها، فلا بد من القول بذلك!! في الوقت الذي كان فيه سابقاً يدافع عن إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة!! بمنهج أهل السنة، فهل تغير منهج أهل السنة أم قل عقل الشيخ؟! أما زيادته مع هذه الحالة فلا أقبله-.
4- حالة الشيخ العجيبة في التعامل مع أحاديث الصحيحين، بما لا يقبلها عقله!! كما لم يقبل قبل زيادة عدد الصحابة أو كثرة مرويات أبي هريرة!! عندما شنع في خطبته المعنونة بـ( اكذب ازن اقتل ولك الجنة)، على القول بأن الله تعالى له أن يعفو عن مرتكبي الكبائر في الآخرة، بأن يجعل لبعضهم لا كلهم كما ثبت بالقطع من دخول بعض عصاة المؤمنين إلى النار وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيهم- بديلاً له من اليهود أو النصارى، عوضاً عنه!! واحتجاجه بأن القرآن الكريم هو الأصل الوحيد في فهم هذه المسألة، فما خالفه مما يمكن أن يخصصه أو يقيده مرفوضٌ مردودٌ!! وأعجب من ذلك وأفحش أنه جعل هذا الحديث المروي في صحيح مسلم وغيره من كتب الإسلام، وأمثاله مما يرجو به المؤمن رحمة الله تعالى بعد عصيانه، سبباً في ارتكاب المؤمنين للمعاصي!! وأن ذلك الخطأ نشأ مع المسلمين جمعياً، فقد لقِّن ذلك وهو صبي!! ولا أدري هل نسي أنه لقِّن أيضاً أن الله تعالى خلق النار أيضاً، وأن من يفعل المعاصي يدخل النار! اللهم إلا إذا نشأ في بيت مرجئة خالصين!! وهذا مستبعدٌ جداً!!
ولن أذكر الشيخ هنا بما في القرآن من المحكم والمتشابه، وبما فيه من المقيد والمطلق، والعام والخاص، والذي يفترض أن يكون الشيخ قد رآها أثناء بحثه في كتب الأصول عن مسألة عدالة الصحابة!! فلو جاء بعض ما في القرآن الكريم من ألفاظ مؤولة، في بعض من السنة الشريفة لسارع إلى إبطال تلك الأحاديث!!
ثم إن كلامه الذي زعم فيه أن بعض الأحاديث قد تسربت من الإسرائيليات إلى السنة الشريفة، بمجرد وجود تشابه في عبارة مع مرويات أهل الكتاب، أو مخالطة بعض الرواة لأهل الكتاب، ثم تطبيق ذلك على أحاديث بعينها!! دعوى مؤداها إلى الكفر، بوضع التشكيك في السنة الشريفة، على ما هو مشهور مذهب العلمانيين العرب، والمستشرقين، والقرآنيين!! مع تنزيهي للشيخ عدنان أن يكون هذا مقصده أو التفت إلى ذلك أثناء كلامه!! لكن العاقل من نظر في العواقب وتأملها!!
ومن جميل ما يقوله الشيخ عن مخالفيه مما يلزمه على أحد الوجوه: أن ليس كل من اعتلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز له أن يتحدث في مسائل الدين!! ونسي أنه واحدٌ منهم!! وأنه يلقي بمثل هذه المسائل إلى عامة من الناس!! وأنه يستخدم المنبر ليفسق ويطعن ويضلل من يخالف ما وصل إليه بحثه!! أما غيره ممن يخالفه الرأي فليس من حقه ذلك!! مع أن الواجب إما السماح لهما، أو منعهما، طالما أنه لا توجد سلطة شرعية تضع شروط من يتحدث على المنابر إلى عامة مسلمي أهل السنة والجماعة.
قصدت بقولي (على أحد الوجوه) مسألة أشار لها العلاء البخاري في شرح البزدوي، عند حديثه عن مراتب دلالة الألفاظ.
أسأل الله تعالى لي وله الهداية والثبات، والتوبة والإنابة، قبل الغرغرة بزمانٍ، برحمة الله المنان.
تعليق