بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
أحياناً عند دعوة العاصي إلى ترك معصيته يحتجُّ بأنَّ معصيته مكتوبة عليه، فلا يستطيع تركها لذلك، وقد يعدِّل الملحد هذا الاعتذار اعتراضاً بأن يقول إنَّ كان الله تعالى هو الذي خلق العاصي فهو قادر على منعه عن معصيته.
ويعترض على قول أهل السُّنَّة خاصَّة إنَّ الله تعالى خالق العبيد وأفعالهم بأن يقول إنَّ الله تعالى لو كان هو خالق أفعالهم لكان مرتضياً لها، فيلزم أن لا يعاقبهم على ما هو مرتضيه.
وجعل المعتزلة هذا حجَّة لهم في أنَّ الله تعالى ليس هو خالق أفعال العبيد، واتَّخذوا قول الله تعالى: «سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرَّمنا من شيء كذلك كذَّب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل لكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظنَّ وإن أنتم إلا تخرصون»[الأنعام:148] حجَّة لهم.
وجهة استدلالهم هي بأنَّ الذين كفروا قد احتجُّوا بأنَّ الله تعالى مريد لأفعالهم التي يفعلون، فهم فيها معذورون، ولو شاء الله تعالى لما تركهم يشركون.
فلمَّا كانوا غير معذورين فإذن هم قد كذبوا في قولهم إنَّ شركهم مراد لله تعالى.
فأجاب الإمام القاضي البيضاويُّ رحمه الله في تفسيره بأنَّ المشيئة في هذه الآية الكريمة بمعنى مشيئة الارتضاء، فيكون المعنى أنَّ الكافرين يقولون إنَّ الله تعالى مرتضٍ لحالهم -فهو آمِرٌ به- فلذلك لم يغيِّره.
ومن مثل ذلك قول الله تعالى: «وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إنَّ الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون»[الأعراف:28].
فالمشركون يكذبون بأنَّهم مأمورون بفعل هذا القبيح والمذكور في التفاسير أنَّه الطَّواف حول الكعبة المشرَّفة عراةً-.
إذن: قوله تعالى في آية سورة الأنعام «كذلك كذَّب الذين من قبلهم» معناه تكذيبهم لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم تسليماً بأنَّ الله تعالى منع من الشِّرك كما قال القاضي البضاوي-، وليس أنَّهم كذبوا في أنَّ أفعالهم غير مرادة له تعالى.
فالحاصل أنَّ هناك فرقاً بين إرادة الشَّيء والأمر به عند أهل السُّنَّة، فقد يريد الله تعالى ما أمر به كإيمان سيدنا أبي بكر رضي الله عنه، وقد يريد ما أمر بعكسه كإيمان أبي جهل، وقد ينهى عمَّا لا يريد كالكفر من سيدنا أبي بكر رضي الله عنه، وقد ينهى عمَّا يريده ككفر أبي جهل.
ويدُّلك على هذا الآية التَّالية في سورة الأنعام: «قل فلله الحجَّة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين»[الأنعام: 149]. فهو تعالى ليس مكذِّباً لقول المشركين إنَّ الله تعالى لو شاء ما أشركوا.
فليست الحجَّة للكافر بأنَّ كفره مقدَّر، بل الحجَّة لله تعالى على عبيده...
فقد قال تعالى إنَّ سيدنا نوحاً على نبينا وعليه الصلاة السلام قد قال لقومه: «ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يُغويكم هو ربُّكم وإليه تُرجعون»[هود:34].
فكونهم غووا أو صلحوا أمر بيد الله تعالى.
فالعاصي الذي يعصي ويقول إنَّ الله تعالى قد كتب عليه ذلك يُقال له إنَّ الله تعالى قد أراد إذلاله بفعل المعصية، فإن لم يرجع إلى ربِّه فإنَّ الله تعالى قد أراد إذلاله دنيا وآخرة والعياذ بالله تعالى.
والله تعالى أعلم.
والسلام عليكم...
تعليق