من هم أهل الإثبات في كلام ابن تيمية
________________________
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه وبعد ...
فقد سبق وأن يبنا منهج شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في مناظراته لأهل البدع وخاصة في رده على الرازي إمام الأشاعرة ، وذكرنا من كلامه ما يؤكد ذلك وينص عليه بما لا يدع مجالا للتقول عليه ،ومع ذلك فكثيرا ما يشغب المشغبون أمثال سعيد فودة على شيخ الإسلام رحمه الله بحجة أنه ينصر قول أهل الأثبات وأن أهل الإثبات هم أهل الحق وهم السلف عند شيخ الاسلام ، ويستغل هذه الكذبه ليضلل أتباعه البسطاء الذي سلَموا له أنفسهم وألغوا عقولهم لعقله حتى صار الكذب الصريح لا يحرك فيهم مروءة ، ولا يتمعر منه وجه ،ولا يغضب فيه لله ،بل يبرره لهم ويصدقوه كأنهم سكارى بين يديه ،وهو يعلم يقينا أن أهل الاثبات عند شيخ الاسلام ليسوا بالضرورة السلف ولا أهل الحق بل قد نص كما سياتي أنهم أصناف ،ولكن لضعف الحجة وإمعانا في الكذب على شيخ الاسلام يستعين بمثل هذه الدقائق ليروج الأكاذيب تلو الأكاذب في كتابه الكاشف الحقير وما هو إلا كاشف لكذبه وافتراءاته ، فيدخل على هؤلاء الصبية الذين فتنهم بمكره وألاعيبه فيقول انظروا أليس ابن تيمية من أهل الاثبات ها هو ينتصر لهم ويقول عنهم أنهم أقوى حجة وقولهم أقرب للعقل والشرع والفطرة من النفاة إذن هو ينصر قول المجسمة ، وهذا دليل على أنه يرى التجسيم ويقول به ، ولذلك فنحن في هذا المبحث الصغير نبين من كلام شيخ الاسلام من هم أهل الاثبات وكيف يعارض بكلامهم كلام الرازي فيضحضه ويبين عواره وتناقضه وفق المنهج والطريقة التي سبق وذكرناها والله الموفق :
قال رحمه الله :
(( ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات أربعة أصناف :
1- صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقا كما هي طريق الكلابية والأشعرية وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره وهو قول طوائف من الحنبلية والمالكية والشافعية والحنفية كأبي الحسن التميمي وابنه أبي الفضل ورزق الله التميمي والشريف أبي علي ابن أبي موسى والقاضي أبي يعلى والشريف أبي جعفر وأبي الوفاء ابن عقيل وأبي الجسن ابن الزاغوني لا حصى كثرة يصرحون بإثبات هذه الصفات وينفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزئ والانقسام ونحو ذلك وأول من عرف أنه قال هذا القول هو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله .
2- وصنف يثبتون هذه الصفات ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة لا بنفي ولا إثبات لكن ينزهون الله عما تزه عنه نفسه ويقولون إنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ويقول من يقول منهم مأثور عن ابن عباس وغيره أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزيه بمعنى انفصال شيء منه عن شيء وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها وعليه أئمة الفقهاء وأئمة أهل الحديث وأئمة الصوفية وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة ولا يطلقون على الله نفيا وإثباتا إلا ما جاء به الأثر وما كان في معناه
3- وصنف ثالث يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها ويقولون هو جسم لا كالأجسام ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين
4- وصنف رابع يصفونه مع كونه جسما بما يوصف به غيره من الأجسام فهذا قول المشبهة الممثلة وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم
فلفظ الجسم لم يتكلم به أحد من الأئمة والسلف في حق الله لا نفيا ولا إثباتا ولا ذموا أحدا ولا مدحوه بهذا الاسم ولا ذموا مذهبا ولا مدحوه بهذا الاسم وإنما تواتر عنهم ذم الجهمية الذين ينفون هذه الصفات وذم طوائف منهم كالمشبهة وبينوا مرادهم بالمشبهة))
بيان التلبيس 1/46
فالصنف الأول من أها الإثبات من أنهم يثبتون الصفات الخبرية والفعلية وينفون الجسم عن الله سبحانه وتعالى وهؤلاء هم الكلابية والأشعري ومتقدمي الاشاعرة يثبتون الصفات وينفون الجسمية فيقولون إن الله مستو على عرشه وليس بجسم فإذا قيل لهم إن كونه فوق العرش يلزم منه وجوده في مكان وجهة ويلزم منه الحيز والحد ردوا عليهم بأن هذا يصح إذا كان ما فوق العرش جسم ، فإن نفينا كونه جسما لم تلزم تلك اللوازم .
فهنا كما ذكرنا يعترض شيخ الاسلام بكلام هؤلاء على كلام الرازي ويقول له لو كانت هذه اللوازم لازمة للعلو وكون الله سبحانه فوق العرش لما نفاها هؤلاء النظار ، فإما أنها لا تلزم وإما أنها باطلة ، وفي كلا القولين فقولك متناقض مع قول أئمتك والفرض أن الكلام عقلي فكيف يتناقض ؟!
أما الطائفة الثانية من أهل الإثبات فهؤلاء هم سلف الأمة وهؤلاء يعترض شيخ الإسلام بنصوصهم عندما يزعم الرازي أن طريقته هي طريقة السلف ولا يعترض بكلامهم على الحجج العقلية الكلامية حيث أنهم لم يتعرضوا لها ولم يدخلوا فيها وليست هي طريقتهم ..
أما الطائفة الثالثة من أهل الإثبات فهؤلاء جملة من النظار من أهل الكلام أثبتوا الصفات وأثبتوا أن الله جسم ولكن باصطلاح آخر لمعنى لجسم ،وهي أن الجسم هو الموجود القائم بنفسه ،فقالوا إذا ثبت أن الله سبحانه فوق العرش ويلزم من ذلك كونه جسما فليكن جسما ولكنه جسم لا كالأجسام ،والجسم عندهم كما سبق هو الموجود القائم بنفسه ، فهؤلاء ليسوا مجسمة على الحقيقة حيث فسروا الجسم بمعنى صحيح وإن لم يوافقهم عليه المعارضون لهم من أهل الكلام ،وشنعوا عليهم بأن هذا القول شاذ ولا يتفق مع اللغة وغير ذلك، ولكن كونه شاذا لا يعني عدم اعتباره عند نقض حججهم .
أما الطائفة الرابعة فهؤلاء هم المجسمة الحقيقيون الذين ذمهم السلف والأئمة .
فتلخص عندنا أربع طوائف كلهم يسمون أهل الإثبات :
فالطائفة الاولى أثبتت الصفات ونفت الجسم
والطائفة الثانية أثبتت الصفات ولم تتعرض لهذه المصطلحات بنفي ولا إثبات وهؤلاء هم سلف الأمة وأئمة الشريعة
والطائفة الثالثة أثبتت الصفات وأثبتت الجسم ولوازمه ولكن فسرت الجسم بمعنى صحيح
والطائفة الرابعة أثبتت الصفات واثبتت الجسمية مع تمثيل الرب سبحانه بخلقه في ذاته وصفاته .
فابن تيمية يعارض الرازي بكلام الطائفة الأولى والثالثة إذا كانت الحجج عقلية كلامية ، وكلاهما عنده مبتدعة مخالفون لمنهج السلف .
ويعارض بأقوال الفرقة الثانية الحجج النقلية التي يزعم الرازي أنه تدعم منهجه .
وقد يقول قائل لماذا لا يرد ابن تيمية بكلامه هو المدعم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ويدعمه بكلام السلف ؟ أو لماذا لا يرد هو بالحجج العقلية من عند نفسه ؟
والجواب هو أولا :
أنه ليست هناك أرضية مشتركة بين علم الكلام وبين الشريعة واللغة ، فعلم الكلام نقل الألفاظ من دلالتها اللغوية إلى دلالة إصطلاحية محتلفة عما هو في كلام العرب فكلامهم ليس هو الكلام المعروف في لغة العرب وليس هو بالطبع المتفق مع الفاظ الشريعة ، فالحيز ليس هو الحيز في اللغة والحادث ليس هو الحادث في اللغة والقديم ليس هو القديم في اللغة والجسم ليس هو الجسم في اللغة والجوهر ليس هو الجوهر في اللغة ،قد تكون أحيانا ثمة صلة ولكن بما يضاف إليه من معنى يخرجها عن المدلول اللغوي تماما ،مما يجعل دلالتها اللغوية لا فائدة منها .
فلما لم تكن هناك أرضية مشتركة بينهما كان النظر في إبطال هذه الأقوال من داخلها وهو بيان تناقضها وتعارضها في نفسها حيث يزعم كل من الفريقين أنها حجج عقلية وأدلة يقينية برهانية .
وثانيا : موقف ابن تيمية رحمه الله من هذه المصطلحات التي ينفيها النفاة ويثبتها المثبتون لا هو موقف النافي فيعارض النفاة ولا هو موقف المثبت فيعارض المثبتين بل كلامه فيها واضح ومنهجه فيها مشهور وهو أن هذه المصطلحات لم يرد بنفيها أو إثباتها دليل شرعي ولم يتكلم بها النبي صلي الله عليه وسلم ولا صحابته ولا التابعون لهم بإحسان والأمر في الصفات هو التوقيف على الدليل نفيا وإثباتا وهو ماذكره في نهاية الكلام عن الصنف الرابع .
. ولكن لما كان هؤلاء المثبتون خلا الصنف الرابع المذموم مطلقا يتفقون في النتائج مع السلف وهو إثبات هذه الصفات وإمرار نصوصها على ظاهرها ،كثر أن يقول عنهم شيخ الإسلام أن كلامهم أقرب للعقل والفطرة والحق وما إلى ذلك ، وذلك لقوة حججهم في مقابل حجج النفاة ،ولأن إثبات هذه الصفات هو الموافق للحق والفطرة والعقل ، ومع ذلك فشيخ الإسلام يحكم على الجميع بالبدعة والخروج عن السنة وذلك لأمرين :
الأول : أنهم اتبعوا السبل المبتدعة في إثبات هذه الصفات وهي الطرق الكلامية التي نهى عنها السلف وبدعوا السالكين لها ..
والثاني : أنهم التزموا إثبات مالم يرد بإثباته نص كالقول بالجهة والحيز والجسم وغير ذلك ..
فمع قرب قولهم للحق وموافقة أقوالهم للعقل والفطرة في مسالة الإثبات إلا أن هذا ليس على إطلاقه بل لأنهم وافقوا أهل السنة في الننتائج فقط ،وهم في منهجخم الكلامي مبتدعة متناقضون كالنفاة .
وفي هذا يقول شيخ الإسلام :
(فيقال لهؤلاء أنتم لم تنفوا ما نفيتموه بكتاب ولا سنة ولا إجماع فإن هذه الألفاظ ليس لها وجود في النصوص بل قولكم لو رؤي لكان في جهة وما كان في جهة فهو جسم وما كان جسما فهو محدث كلام تدعون أنكم علمتم صحته بالعقل وحينئذ فتطالبون بالدلالة العقلية على هذا النفي وينظر فيها بنفس العقل
ومن عارضكم من المثبتة أهل الكلام من المرجئة وغيرهم كالكرامية والهشامية وقال لكم فليكن هذا لازما للرؤية وليكن هو جسما أو قال لكم أنا أقول إنه جسم وناظركم على ذلك بالمعقول وأثبته بالمعقول كما نفيتموه بالمعقول لم يكن لكم أن تقولوا له أنت مبتدع في إثبات الجسم فإنه يقول لكم وأنتم مبتدعون في نفيه فالبدعة في نفيه كالبدعة في إثباته إن لم تكن أعظم بل النافي أحق بالبدعة من المثبت لأن المثبت أثبت ما أثبتته النصوص وذكر هذا معاضدة للنصوص وتأييدا لها وموافقة لها وردا على من خالف موجبها...)
ومنهج شيخ الإسلام رحمه الله قد نص عليه بكلام لا أصرح منه حيث قال :
( وإثبات لفظ الجسم ونفيه بدعة لم يتكلم به أحد من السلف والأئمة كما لم يثبتوا لفظ التحيز ولا نفوه ولا لفظ الجهة ولا نفوه ولكن أثبتوا الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة ونفوا مماثلة المخلوقات)
فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟!
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وصلى الله على بينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه
________________________
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه وبعد ...
فقد سبق وأن يبنا منهج شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في مناظراته لأهل البدع وخاصة في رده على الرازي إمام الأشاعرة ، وذكرنا من كلامه ما يؤكد ذلك وينص عليه بما لا يدع مجالا للتقول عليه ،ومع ذلك فكثيرا ما يشغب المشغبون أمثال سعيد فودة على شيخ الإسلام رحمه الله بحجة أنه ينصر قول أهل الأثبات وأن أهل الإثبات هم أهل الحق وهم السلف عند شيخ الاسلام ، ويستغل هذه الكذبه ليضلل أتباعه البسطاء الذي سلَموا له أنفسهم وألغوا عقولهم لعقله حتى صار الكذب الصريح لا يحرك فيهم مروءة ، ولا يتمعر منه وجه ،ولا يغضب فيه لله ،بل يبرره لهم ويصدقوه كأنهم سكارى بين يديه ،وهو يعلم يقينا أن أهل الاثبات عند شيخ الاسلام ليسوا بالضرورة السلف ولا أهل الحق بل قد نص كما سياتي أنهم أصناف ،ولكن لضعف الحجة وإمعانا في الكذب على شيخ الاسلام يستعين بمثل هذه الدقائق ليروج الأكاذيب تلو الأكاذب في كتابه الكاشف الحقير وما هو إلا كاشف لكذبه وافتراءاته ، فيدخل على هؤلاء الصبية الذين فتنهم بمكره وألاعيبه فيقول انظروا أليس ابن تيمية من أهل الاثبات ها هو ينتصر لهم ويقول عنهم أنهم أقوى حجة وقولهم أقرب للعقل والشرع والفطرة من النفاة إذن هو ينصر قول المجسمة ، وهذا دليل على أنه يرى التجسيم ويقول به ، ولذلك فنحن في هذا المبحث الصغير نبين من كلام شيخ الاسلام من هم أهل الاثبات وكيف يعارض بكلامهم كلام الرازي فيضحضه ويبين عواره وتناقضه وفق المنهج والطريقة التي سبق وذكرناها والله الموفق :
قال رحمه الله :
(( ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات أربعة أصناف :
1- صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقا كما هي طريق الكلابية والأشعرية وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره وهو قول طوائف من الحنبلية والمالكية والشافعية والحنفية كأبي الحسن التميمي وابنه أبي الفضل ورزق الله التميمي والشريف أبي علي ابن أبي موسى والقاضي أبي يعلى والشريف أبي جعفر وأبي الوفاء ابن عقيل وأبي الجسن ابن الزاغوني لا حصى كثرة يصرحون بإثبات هذه الصفات وينفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزئ والانقسام ونحو ذلك وأول من عرف أنه قال هذا القول هو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله .
2- وصنف يثبتون هذه الصفات ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة لا بنفي ولا إثبات لكن ينزهون الله عما تزه عنه نفسه ويقولون إنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ويقول من يقول منهم مأثور عن ابن عباس وغيره أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزيه بمعنى انفصال شيء منه عن شيء وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها وعليه أئمة الفقهاء وأئمة أهل الحديث وأئمة الصوفية وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة ولا يطلقون على الله نفيا وإثباتا إلا ما جاء به الأثر وما كان في معناه
3- وصنف ثالث يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها ويقولون هو جسم لا كالأجسام ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين
4- وصنف رابع يصفونه مع كونه جسما بما يوصف به غيره من الأجسام فهذا قول المشبهة الممثلة وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم
فلفظ الجسم لم يتكلم به أحد من الأئمة والسلف في حق الله لا نفيا ولا إثباتا ولا ذموا أحدا ولا مدحوه بهذا الاسم ولا ذموا مذهبا ولا مدحوه بهذا الاسم وإنما تواتر عنهم ذم الجهمية الذين ينفون هذه الصفات وذم طوائف منهم كالمشبهة وبينوا مرادهم بالمشبهة))
بيان التلبيس 1/46
فالصنف الأول من أها الإثبات من أنهم يثبتون الصفات الخبرية والفعلية وينفون الجسم عن الله سبحانه وتعالى وهؤلاء هم الكلابية والأشعري ومتقدمي الاشاعرة يثبتون الصفات وينفون الجسمية فيقولون إن الله مستو على عرشه وليس بجسم فإذا قيل لهم إن كونه فوق العرش يلزم منه وجوده في مكان وجهة ويلزم منه الحيز والحد ردوا عليهم بأن هذا يصح إذا كان ما فوق العرش جسم ، فإن نفينا كونه جسما لم تلزم تلك اللوازم .
فهنا كما ذكرنا يعترض شيخ الاسلام بكلام هؤلاء على كلام الرازي ويقول له لو كانت هذه اللوازم لازمة للعلو وكون الله سبحانه فوق العرش لما نفاها هؤلاء النظار ، فإما أنها لا تلزم وإما أنها باطلة ، وفي كلا القولين فقولك متناقض مع قول أئمتك والفرض أن الكلام عقلي فكيف يتناقض ؟!
أما الطائفة الثانية من أهل الإثبات فهؤلاء هم سلف الأمة وهؤلاء يعترض شيخ الإسلام بنصوصهم عندما يزعم الرازي أن طريقته هي طريقة السلف ولا يعترض بكلامهم على الحجج العقلية الكلامية حيث أنهم لم يتعرضوا لها ولم يدخلوا فيها وليست هي طريقتهم ..
أما الطائفة الثالثة من أهل الإثبات فهؤلاء جملة من النظار من أهل الكلام أثبتوا الصفات وأثبتوا أن الله جسم ولكن باصطلاح آخر لمعنى لجسم ،وهي أن الجسم هو الموجود القائم بنفسه ،فقالوا إذا ثبت أن الله سبحانه فوق العرش ويلزم من ذلك كونه جسما فليكن جسما ولكنه جسم لا كالأجسام ،والجسم عندهم كما سبق هو الموجود القائم بنفسه ، فهؤلاء ليسوا مجسمة على الحقيقة حيث فسروا الجسم بمعنى صحيح وإن لم يوافقهم عليه المعارضون لهم من أهل الكلام ،وشنعوا عليهم بأن هذا القول شاذ ولا يتفق مع اللغة وغير ذلك، ولكن كونه شاذا لا يعني عدم اعتباره عند نقض حججهم .
أما الطائفة الرابعة فهؤلاء هم المجسمة الحقيقيون الذين ذمهم السلف والأئمة .
فتلخص عندنا أربع طوائف كلهم يسمون أهل الإثبات :
فالطائفة الاولى أثبتت الصفات ونفت الجسم
والطائفة الثانية أثبتت الصفات ولم تتعرض لهذه المصطلحات بنفي ولا إثبات وهؤلاء هم سلف الأمة وأئمة الشريعة
والطائفة الثالثة أثبتت الصفات وأثبتت الجسم ولوازمه ولكن فسرت الجسم بمعنى صحيح
والطائفة الرابعة أثبتت الصفات واثبتت الجسمية مع تمثيل الرب سبحانه بخلقه في ذاته وصفاته .
فابن تيمية يعارض الرازي بكلام الطائفة الأولى والثالثة إذا كانت الحجج عقلية كلامية ، وكلاهما عنده مبتدعة مخالفون لمنهج السلف .
ويعارض بأقوال الفرقة الثانية الحجج النقلية التي يزعم الرازي أنه تدعم منهجه .
وقد يقول قائل لماذا لا يرد ابن تيمية بكلامه هو المدعم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ويدعمه بكلام السلف ؟ أو لماذا لا يرد هو بالحجج العقلية من عند نفسه ؟
والجواب هو أولا :
أنه ليست هناك أرضية مشتركة بين علم الكلام وبين الشريعة واللغة ، فعلم الكلام نقل الألفاظ من دلالتها اللغوية إلى دلالة إصطلاحية محتلفة عما هو في كلام العرب فكلامهم ليس هو الكلام المعروف في لغة العرب وليس هو بالطبع المتفق مع الفاظ الشريعة ، فالحيز ليس هو الحيز في اللغة والحادث ليس هو الحادث في اللغة والقديم ليس هو القديم في اللغة والجسم ليس هو الجسم في اللغة والجوهر ليس هو الجوهر في اللغة ،قد تكون أحيانا ثمة صلة ولكن بما يضاف إليه من معنى يخرجها عن المدلول اللغوي تماما ،مما يجعل دلالتها اللغوية لا فائدة منها .
فلما لم تكن هناك أرضية مشتركة بينهما كان النظر في إبطال هذه الأقوال من داخلها وهو بيان تناقضها وتعارضها في نفسها حيث يزعم كل من الفريقين أنها حجج عقلية وأدلة يقينية برهانية .
وثانيا : موقف ابن تيمية رحمه الله من هذه المصطلحات التي ينفيها النفاة ويثبتها المثبتون لا هو موقف النافي فيعارض النفاة ولا هو موقف المثبت فيعارض المثبتين بل كلامه فيها واضح ومنهجه فيها مشهور وهو أن هذه المصطلحات لم يرد بنفيها أو إثباتها دليل شرعي ولم يتكلم بها النبي صلي الله عليه وسلم ولا صحابته ولا التابعون لهم بإحسان والأمر في الصفات هو التوقيف على الدليل نفيا وإثباتا وهو ماذكره في نهاية الكلام عن الصنف الرابع .
. ولكن لما كان هؤلاء المثبتون خلا الصنف الرابع المذموم مطلقا يتفقون في النتائج مع السلف وهو إثبات هذه الصفات وإمرار نصوصها على ظاهرها ،كثر أن يقول عنهم شيخ الإسلام أن كلامهم أقرب للعقل والفطرة والحق وما إلى ذلك ، وذلك لقوة حججهم في مقابل حجج النفاة ،ولأن إثبات هذه الصفات هو الموافق للحق والفطرة والعقل ، ومع ذلك فشيخ الإسلام يحكم على الجميع بالبدعة والخروج عن السنة وذلك لأمرين :
الأول : أنهم اتبعوا السبل المبتدعة في إثبات هذه الصفات وهي الطرق الكلامية التي نهى عنها السلف وبدعوا السالكين لها ..
والثاني : أنهم التزموا إثبات مالم يرد بإثباته نص كالقول بالجهة والحيز والجسم وغير ذلك ..
فمع قرب قولهم للحق وموافقة أقوالهم للعقل والفطرة في مسالة الإثبات إلا أن هذا ليس على إطلاقه بل لأنهم وافقوا أهل السنة في الننتائج فقط ،وهم في منهجخم الكلامي مبتدعة متناقضون كالنفاة .
وفي هذا يقول شيخ الإسلام :
(فيقال لهؤلاء أنتم لم تنفوا ما نفيتموه بكتاب ولا سنة ولا إجماع فإن هذه الألفاظ ليس لها وجود في النصوص بل قولكم لو رؤي لكان في جهة وما كان في جهة فهو جسم وما كان جسما فهو محدث كلام تدعون أنكم علمتم صحته بالعقل وحينئذ فتطالبون بالدلالة العقلية على هذا النفي وينظر فيها بنفس العقل
ومن عارضكم من المثبتة أهل الكلام من المرجئة وغيرهم كالكرامية والهشامية وقال لكم فليكن هذا لازما للرؤية وليكن هو جسما أو قال لكم أنا أقول إنه جسم وناظركم على ذلك بالمعقول وأثبته بالمعقول كما نفيتموه بالمعقول لم يكن لكم أن تقولوا له أنت مبتدع في إثبات الجسم فإنه يقول لكم وأنتم مبتدعون في نفيه فالبدعة في نفيه كالبدعة في إثباته إن لم تكن أعظم بل النافي أحق بالبدعة من المثبت لأن المثبت أثبت ما أثبتته النصوص وذكر هذا معاضدة للنصوص وتأييدا لها وموافقة لها وردا على من خالف موجبها...)
ومنهج شيخ الإسلام رحمه الله قد نص عليه بكلام لا أصرح منه حيث قال :
( وإثبات لفظ الجسم ونفيه بدعة لم يتكلم به أحد من السلف والأئمة كما لم يثبتوا لفظ التحيز ولا نفوه ولا لفظ الجهة ولا نفوه ولكن أثبتوا الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة ونفوا مماثلة المخلوقات)
فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟!
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وصلى الله على بينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه
تعليق