بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر الله تعالى أنَّ للمشركين طريقة في منازعة الحقِّ، فقال تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}.
فحال هؤلاء المشركين أنَّهم لا يتقبَّلون حتَّى تدبُّر القرآن الكريم والتَّفكُّر فيه، فضلاً عن تقبُّله.
مع أنَّ المطلوب منهم هو هذا، في أنَّهم إن تفكَّروا فيه وتدبَّروا عرفوا أنَّه الحقُّ من الله تعالى. وليس المطلوب منهم الإيمان بالقرآن الكريم تقليداً.
لكنَّهم لاتِّباعهم أهواءهم ولكونهم قد أشربوا تقليد أكابرهم في قلوبهم امتنعوا عن النَّظر الصَّحيح والتَّفكُّر المستقيم، وبدلاً من ذلك كان لهم طريقة ليقنعوا أنفسهم (لكبرهم وأهوائهم) والغافلين منهم بالبقاء على قبيح معتقدهم في الله تعالى عمَّا يشركون...
هذه الطَّريقة بكلِّ بساطة أن يشاغبوا في الرَّدِّ على القرآن الكريم إمَّا بأصوات عالية لكي لا يُسمع، أو بإظاهر إنكاره ومعاداته ليقع في قلب الغافل كونه مكروها.
فيصلون بهذا إلى صدِّ النَّاس عن استماع القرآن الكريم، وحتَّى إن استمعوه لم يفهموه.
طريقة التشويش هذه لا تنجح مع من يطلب الحقِّ من النَّاس بالطَّريق الحقِّ، فالمنصف طالب الحقِّ لا يصدُّه كلام المشركين عن تدبُّره بنفسه للقرآن الكريم.
وإنَّما تضرُّ هذه الطَّريقة الغافل الجاهل الذي يكون هواه منتظراً لأيِّ سبب ليبقى على تقليده وهواه الرَّاسخين.
اااااا
هذه الطَّريقة طريقة للحشويَّة، يصعب كثيراً أن تجد حشوياً ليس من طريقته المشاغبة بالاستهزاء والتشنيع وإعلاء الصوت بالمعاداة والشتيمة والكذب والتَّمويه بل إنَّ كونه حشويّاً يلزم منه أنَّ هذه طريقته، فإنَّ من لا يحقِّق اعتقاده على علم وفهم سينصره بالباطل.
وإذ إنَّ التيميَّة حشويَّة فهم متشبِّثون بهذه الطَّريقة جدّاً، بدل أن ينشغل أحدهم بمحاولة التَّفكير في حقيقة معتقده فضلاً عن التَّفكير في تحقيق المذاهب الأخرى تجده مشغلاً نفسه بالمشاغبات والردِّ بالاستهزاء وقلَّة الأدب. أو باللَّفِّ والدَّوران الكافي لجعل كلِّ شخص غير مختصٍّ متمكِّن في أصول الدِّين مشوَّشاً من مقصودهم!
فترى أحد هؤلاء الحشوية عندما تلاحقه في معتقده في أيِّ قبيح يثبته لله تعالى متهرِّباً من اللَّفظ مع إثباته المعنى، ومهما كان نقاشك معه في المعنى تهرَّب إلى عدم لزوم اللَّفظ. ومهما نسبتَ إليه المعنى كذَّبك وقال: أنا لا أقول هذا!
ومنهم من يردُّ على خصومه في تقرير مسألة معينة بالاستهزاء ورمي شبهة ضعيفة سخيفة مقارنة للاستهزاء، كأنَّ هذه السَّخافة كانت عين الحقِّ الظَّاهر بالبداهة لدرجة أن لا يخالفها إلا مستهزأ به!
ومنهم من يتشبَّث بلفظ لخصمه يفسِّره بمعنى غير مراد خصمه يكون معنى ضعيفاً ساقطاً، ثمَّ يردُّ على خصمه في هذا الفهم السَّاقط لهذه العبارة مبيِّناً مدى سقوطه. فكأنَّه في إبطاله هذا المعنى السَّاقط قد ردَّ على خصمه! مع أنَّه لم يفعل سوى التَّمويه على القارئ الغافل في مراد خصمه من كلامه، وإظهار ضعف خصمه بالكذب عليه.
ومنهم من يتعمَّد الكذب على خصومه شخصيّاً ويشنِّع عليهم كذباً ويشوِّه سمعتهم ويفرح بذلك.
ومنهم من يتشدَّق بألفاظ إذا ما لاحقتَه فيها والله لا تجد تحتها شيئاً.
كلُّ هذا تجده وغيره من التَّيميَّة هؤلاء، بدل أن يكون أحدهم قادراً على مباحثة معتقده بلا لف ولا دوران، لكن كيف يكون كذلك وإنَّ أصل معتقده لا يقوم عنده هو على منطلق عقليٍّ صحيح تامٍّ؟!
هذا بالضَّبط حال هؤلاء...
وليس اتِّفاق هؤلاء على هذه الطرائق القبيحة في اللَّغو ضدَّ الحقِّ بالصُّدفة، بل إنَّ شيخهم في التَّجسيم والحشو ابن تيميَّة كثير فعل مثله، فهو كثير المشاغبة والتَّشنيع بالباطل والتَّمويه، فمن يقرأ له مغلقاً عين النَّقد متشرِّباً لطريقته الحشويَّة لا بدَّ أن يصير حشويّاً مثله.
فهؤلاء في الحقيقة تلاميذ لابن تيميَّة في هذه الأنواع من المشاغبات في تقرير أصول الدِّين والرَّدِّ على المخالفين، وهي سنَّة سيِّئة سنَّها ابن تيميَّة لمن بعده.
ااااااااا
سأذكر للأفاضل أحد الأمثلة من لغو ابن تيميَّة ومشاغبته بأسلوب ينافي أدب الكتابة باسم العلم فضلاً عن أدب التَّديُّن...
أرى المغالطة باللَّغو هنا واضحة، لكن أذكرها بعد نصِّ ابن تيميَّة ليقرأ المنصف كلام ابن تيميَّة كاملاً أوَّلاً من غير أن أنبِّهه على المغالطة لكي لا أكون قد وجَّهته في الفهم، ثمَّ لينظر ما أذكر، وليرجع إلى نصِّ ابن تيميَّة ليتوكَّد ممَّا أتَّهمه به من المغالطة.
وفي كلام ابن تيمية غير هذه المغالطة، لكن على الأقلِّ هذا اللَّغو.
يقول ابن تيميَّة في مجموعة الفتاوى - شرح سورة الإخلاص
"والذين يقولون أن الجسم مركب من الجواهر يدعى كثير منهم أنه كذلك فى لغة العرب لأن العرب يقولون هذا أجسم من هذا يريدون به أنه أكثر أجزاء منه و يقولون هذا جسم أي كثير الأجزاء. قال و التفضيل بصيغة أفعل إنما يكون لما يدل عليه الإسم فإذا قيل هذا أعلم و أحلم كان ذلك دالا على الفضيلة فيما دل عليه لفظ العلم و الحلم فلما قالوا أجسم لما كان أكثر أجزاء دل على أن لفظ الجسم عندهم المراد به المركب فمن قال جسم و ليس بمركب فقد خرج عن لغة العرب
قالوا و هذه تخليطة في اللفظ و إن كنا لا نكفره اذا لم يثبت خصائص الجسم من التركيب و التأليف و قد نازعهم بعضهم فى قولهم هذا أجسم من هذا و قالوا ليس هذا اللفظ من لغة العرب كما يحكى عن ابى زيد فيقال له لا ريب أن العرب تقول هذا جسيم أي عظيم الجثة و هذا أجسم من هذا أي أعظم جثة لكن كون العرب تعتقد أن ذلك لكثرة الأجزاء التى هي الجواهر الفردة إنما يكون اذا كان أهل اللغة قاطبة يعتقدون أن الجسم مركب من الجواهر الفردة و الجوهر الفرد هو شيء قد بلغ من الصغر و الحقارة إلى أنه لا يتميز يمينه من يساره و معلوم أن أكثر العقلاء من بني آدم لا يتصور الجوهر الفرد و الذين يتصورونه أكثرهم لا يثبتونه و الذين أثبتوه إنما يثبتونه بطرق خفية طويلة بعيدة فيمتنع أن يكون اللفظ الشائع فى اللغة التى ينطق بها خواصها و عوامها و أرادوا به هذا.
وقد علم بالإضطرار أن أحدا من الصحابة و التابعين لهم بإحسان لم ينطق بإثبات الجوهر الفرد و لا بما يدل على ثبوته عنده بل و لا العرب قبلهم و لا سائر الأمم الباقين على الفطرة و لا إتباع الرسل فكيف يدعى عليهم أنهم لم يقولوا لفظ جسم إلا لما كان مركبا مؤلفا و لو قلت لمن شئت من العرب الشمس و القمر و السماء مركب عندك من اجزاء صغار كل منها لا يقبل التجزي أو الجبال أو الهواء أو الحيوان أو النبات لم يتصور هذا المعنى إلا بعد كلفة ثم اذا تصوره قد يكذبه بفطرته و يقول كيف يمكن أن يكون شيء لا يتميز منه جانب عن جانب و أكثر العقلاء من طوائف المسلمين و غيرهم ينكرون الجوهر الفرد فالفقهاء قاطبة تنكره و كذلك أهل الحديث و التصوف".
ااااااااا
أقول: اللَّغو هاهنا أنَّ المتكلِّمين قد قالوا إنَّ الأصل اللُّغويَّ لكلمة (جسم) يدلُّ على التَّأليف والتَّركيب، ولم يقولوا إنَّ هذا الأصل اللُّغويَّ يدلُّ على التَّأليف من أجزاء لا تتجزَّأ...
فإنكار ابن تيميَّة كون العرب الأوائل والصَّحابة والتَّابعين رضي الله عنهم و(الأمم الباقين على الفطرة!!) ووو كانوا يتصوَّرون الجوهر الفرد فضلاً عن إثباته ليس في محلِّ كلام خصم ابن تيميَّة الذي يردُّ عليه في هذا الكلام رأساً.
إنَّما كلام أولئك المتكلِّمين أنَّ لفظ الجسم يدلُّ على الائتلاف، فالأجسم مؤتلف أكثر، فأصل الجسميَّة الائتلاف، فلا يلزمهم بكون العرب لم يتصوَّروا الجوهر الفرد أنَّهم لم يتصوَّروا كون أصل الجسميَّة الائتلاف. ولا يلزمهم ليكونوا مثبتين كون الجسميَّة دالة على الائتلاف لغة أن تكون دالة على الائتلاف من الجواهر الفردة.
فإدخال ابن تيميَّة كلَّ هذا الكلام على الجوهر الفرد تكثير كلام بلغو متعمَّد.
اااااااااا
ملحوظة: ابن تيميَّة قال في بداية كلامه هنا أنَّ من المتكلِّمين من قال إنَّ تركُّب الجسم من الجواهر يُعرف من لغة العرب. لكنَّ هذا كذب عليهم، فإنَّما قالوا إنَّ المدلول في لغة العرب كون الجسم مؤتلفاً، لا مؤتلفاً من الجواهر.
ملحوظة: لن أحلِّل نصَّ ابن تيميَّة السَّابق لكونه متضمِّناً لكذب ومغالطة غير ما أريد التَّنبيه عليه هنا.
وليقرأ العاقل المنصف هذا ولينظر في صنيع ابن تيميَّة إن كان يصدر من متَّقٍ لله تعالى في إحقاق الحقِ وإبطال الباطل.
وليعلم أنَّ ابن تيميَّة ومن تبعه كثيرو اللَّغو بالباطل تشويشاً على المسلمين وتمويها عن قبيح معتقدهم.
تعليق