بسم الله الرحمن الرحيم
تحقيق كتاب نهاية العقول للإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى
الحمد لله ربّ العالمين، القائل في كتابه العزيز: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، صدق الله العظيم. والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فقد تكلم في تحقيق هذا الكتاب بعض المتعالمين، ثمّ تبعهم في كلامهم جوقة المطبلين من أصحابهم المقلدين لهم عن عمى معيدين تفاهاتهم، وتطاول على الأكابر الأصاغر، وشاهد الجميع بأمّ أعينهم ما جرى ويجري، بلا مخافة من الله تعالى، ولا أدنى مراعاة لأدب ولا خلق.
وقد أجلنا النظر في المآخذ التي ذكرت، فما وجدنا شيئاً يستحقّ أن يسمّى نقداً علمياً، ولكن وجدنا شيئاً مخلوطاً بالتعالم وقلّة الأدب، والدعاوى الكاذبة من حرص على تراث الإمام الرازي والأمة ونحو ذلك مما سيأتي تفصيله، وسبب الاهتمام به أنه يبدو لأول وهلة أن كاتبه يحترق على تراث الأمة، فيتوهم القارئ ذلك، ولكونه حسن الترتيب والتنظيم، وما دونه كان مجرد شيء لا أجد له اسماً قبيحاً يفيه حقه، فسأضرب عن ذكر قبيح كلام قائليه، وأذكر مضمون ما قالوه وأجيب عنه أولاً، ثمّ نأتي على مقالة علاء عوض المنشورة في موقع المدينة نيوز بعنوان (العبث بتراث الأمة وهدمه) ونتناول ما قاله فيها بالبحث، إن شاء الله، فهو الذي أشرت إليه، ويبدو لي أنه أول من كتب في نقد التحقيق ولفت النظر إلى الكتاب، فإن مقاله مؤرخ في آب/ أغسطس 2015، وهذه الزوبعات التافهة أثيرت حول الكتاب فيما أعلم- بعد ذلك.
وحين كثر الكلام في ذلك وتردد، كتب د. إياد الغوج وفقه الله صاحب دار الفتح ناشر الكتاب في صفحته على فيسبوك ما يلي، فقال:
اقتباس:
(دارت حواراتٌ في الآونة الأخيرة عن طبعة كتاب «نهاية العقول في دراية الأصول» لعلّامة عصره الإمام فخر الدين الرازي روَّى الله تُربتَه، التي سعى في نشرها أستاذنا الكريم الدكتور سعيد عبد اللطيف فودة نفع الله به، وقمتُ أنا على طباعتها. وكان مما دار في تلك الحوارات انتقاداتٌ لتلك الطبعة من جهة إتقان تحقيقها وتحرير فروقها، إذ وقعت فيها هناتٌ يتنزّه مقامُ عالمٍ في قامة الدكتور سعيد عن الوقوع في مثلها، فتعرَّض له بعض الناس بمثل تلك الهنات، والواقع الذي أشهَدُ عليه أن تلك الطبعة لم يحققها الدكتور سعيد، وأنّ وضْعَ اسمه الكريم على غلافها مسبوقًا بكلمة (عُني بتحقيقه) كان من اجتهاد المشرِف على الطبع، إذ كان عملُ الشيخ سعيد يتمثَّلُ في الإشراف العام على طبع الكتاب، والسعي في نشره، وكتابة مقدمته، ونظر فيه نظرةً عجلى أبدى فيها عددًا من الملاحظات، لكنه لم يقف مع الكتاب وقفةَ المحقق المدقق المتتبِّع. وعليه فنسبة تلك الهنات إليه خطأ، فالعاملون في تحقيق الكتاب كانوا عددًا من الباحثين الكرام في مؤسستنا، وكان مما اعتَرضَ عليه الدكتور سعيد في ذلك الوقت بعضُ الاختيارات في فروق النسخ الخطية، بحكم تخصُّصه في علم الكلام عامّة وفي كتب الإمام الفخر الرازي خاصّة، إذ كانت بعض الاختيارات تتعيَّن عنده بحكم تلك الخبرة، في حين كان الفضلاء العاملون في الكتاب يعتمدون في الترجيح بين الفروق على الدلالة اللغوية ومقدار فهمهم للعبارات، وهذا بمفرده ليس كافيًا في الترجيح.
هذا وأرجو أن نحظى قريبًا بالطبعة التي يعمل في تحقيقها الدكتور سعيد من مدّة، وأن تكون على ما خيرَ ما يُرتَجَى تجويدًا وإتقانًا وخدمة. والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات.) انتهى كلامه
فهذا بيان واضح شافٍ كافٍ مع اختصاره- لكل عاقل أن يرعوي ولا يطلق لسانه في عرض الشيخ، كافٍ لتخرس الألسنة المغرضة، ويتوقف أكل لحوم البشر، فالرجل يقول بكل وضوع ويشهد أنّ الشيخ سعيداً لم يحقق بنفسه الكتاب من أوله إلى آخره فلا يجوز أن ينسب إليه كلّ عيب وجد فيه، وأنّ وضع عبارة (عني بتحقيقه) قبل اسمه هو من اجتهاد الأستاذ المشرف على فريق تحقيق الكتاب. وبذلك فلا يلزمنا الردّ على أيّ دعوى تؤسس على كون الشيخ هو من استقل بتحقيق الكتاب وحده، اللهم إلا بعض توضيحات تتعلق بالمقدمة. ومع ذلك فإننا كما قلنا سننظر في ما وقفنا عليه من نقد للتحقيق إن شاء الله تعالى، لنرى إن كان يجوز أن يوصف التحقيق بأنه مسخ للكتاب كما قيل أو لا.
وما إن نشر د. إياد منشوره حتى ثارت ثائرة القوم، وبدأت التحليلات والاجتهادات والاستنتاجات البائسة المريضة الممرضة، وبدأت التهم تكال بلا مراعاة لذمة، فيالفساد الذمم! وزاد القوم في اتهام الشيخ سعيد بتهم جديدة، وزادوا في النيل منه.
فعاد د. إياد لينشر تعقيباً على منشوره قال فيه:
اقتباس
(لم أتوقع كمَّ الاحتقان المتبادَل إثرَ كلمتي في طبعة «نهاية العقول» للإمام الرازي، والحاصل من ذلك كله:
- ما ذكرتُه في المنشور هو حقيقة ما وقع، أيًّا كان تفسيرُه، يشهد بذلك صديقايَ الدكتور علي زينو والشيخ أنور طالب، إذ كانا حاضرَين على الأمر آنذاك. والكتاب من التصانيف الكلامية الدقيقة العالية، عملتْ فيه أيدي باحثين قبلنا من طرف الشيخ سعيد فودة، ثم صار إلينا فتمّمنا ما كان مطلوبًا منا، وبقي الكتاب يراوح بيننا وبين الشيخ سعيد مدةً. فوقوع الهنات في مثل هذه الملابسات واردٌ بل متوقعٌ، بخلاف ما لو كان العمل لدى فريقٍ واحد، أو بيد باحثٍ منفردٍ بالعمل متفرِّغٍ له، متبنٍّ لكل كلمةٍ فيه.
- حيث إن الشيخ سعيدًا يعمل على إخراج الكتاب في طبعة محققة تمثّله تمثيلًا كاملًا؛ فلتكن هي معتمَد الباحثين في الحكم على مستوى عمله في التحقيق والتعليق، هي وغيرها من أعماله العلمية المقطوع بنسبتها إليه وتبنِّيه لها.
- خلطُ الأوراق في موضوع اليوم بين تحكيم عملٍ علميّ، وبين تصفية حساباتٍ فكريةٍ وشخصية؛ معترَكٌ غيرُ نزيه، لا أدخله ولا أرتضِيه.
وختامًا.. هذه قضيةٌ استُشهِدتُ فيها فشهدتُ بما كان، وكل ما بعد ذلك وما قبله فلا شأنَ لي به، وكلٌّ يمثِّل نفسَه فحسب، والسلام.) انتهى كلامه.
فكما هو واضح أكد الرجل شهادته، وبين أسباباً وجيهة لوقوع أمثال تلك الهنات في مثل تلك الظروف: من كون الكتاب قد عملتْ فيه أيدي باحثين قبل قسم التحقيق في دار الفتح وكانوا من طرف الشيخ سعيد فودة، ثم صار الكتاب إليهم فتمّموا ما كان مطلوبًا منهم، وبقي الكتاب يراوح بينهم وبين الشيخ سعيد مدةً. فوقوع الهنات في مثل هذه الملابسات واردٌ بل متوقعٌ، بخلاف ما لو كان العمل لدى فريقٍ واحد، أو بيد باحثٍ منفردٍ بالعمل متفرِّغٍ له، متبنٍّ لكل كلمةٍ فيه.
وكلّ من اشتغل بنشر الكتب يعرف تماماً عن أيّ شيء يتكلم الرجل، وأنّ إدخال التصحيحات ومراجعتها هو من أضجر الأعمال، والاعتماد على الغير في تصحيح الأخطاء أو التحقق من تصحيحها غالباً ما يكون سبباً في ظهور هكذا أخطاء. وكم من خطأ ظهر في طبعة لا علم لمحقق الكاتب أو كاتبه به، ولا يمت إليه بسبب. واستشهد الرجل شهيدين يعملان معه هما د. علي زينو الذي سارع بالتعليق على منشور د. إياد وشهد بمضمونه، والشيخ أنور طالب ولا أدري إن كان كتب شيئاً فلم أطلع عليه.
وحتى بعد ذلك استمرّ الكلام الهمجي النائي عن كلّ علم وخلق وأدب. ولم نحبّ يوماً، ولا نحبّ الدخول في بحوث تافهة؛ لأننا قوم مشغولون، وقد أحسن د. إياد حين قطع الكلام ولم يخض في الترهات والأباطيل، ونزه نفسه عن ذلك، ومعلوم أن د. إياد بعيد عن أمثال هذه الحوارات ولم يخف عليه وجود هذا الاحتقان وهذا الهوس وخلط الأوراق، وأي إنسان محايد يقرأ ما كتبوا يرى ذلك بوضوح، فلا القضية قضية نقد لتحقيق ولا الغاية من كل كلامهم شيء من ذلك، وإنما الغاية النيل من شخص الشيخ سعيد، وهذا واضح كالشمس لا ينكره إلا أعمى البصر والبصيرة.
ولسنا مضطرين لدرء هذه التهم عن الشيخ كما ذكرت بعد بيان دار الفتح، ولا نقول إنه معصوم يستحيل عليه أن يقع في خطأ، بل إنه صرّح في مقدمة الكتاب أنه حرص على أن يخرج الكتاب قليل الأخطاء؛ لأنه لا يوجد عمل كامل. ولكن لما كثر الإلحاح علي أن أكتب شيئاً أرد به ما يقال عن الشيخ سعيد، فعلت ذلك لكوني مطلعاً على تفاصيل قد لا يعلمها كثيرون، ولولا ذلك لما كتبت هذا فإن القائمين على تلك التهم قوم ليس لهم غرض علمي، وأحسب أن أولئك البعداء الحانقين الحاقدين الحاقنين لا شغل لهم إلا تلك التفاهات التي يضيعون بها أعمارهم الثمينة، ثمّ تكون عليهم وبالاً في الدنيا والآخرة إن لم يتّقوا الله تعالى في عباده. وكان اللائق بمن ينسبون أنفسهم إلى العلم وأهله وآدابه أن يرسلوا أسئلتهم بصورة لائقة إلى الناشر أو إلى الشيخ سعيد أو يسألوا بعض طلابه بطريقة لائقة، ولو فعلوا لوجدوا لكل سؤال جواباً وتفسيراً، أما الطريقة التي كتبوا بها، وكيلهم الشتائم وإلحاقهم المعايب بأهل الفضل قبل السؤال والبحث، وما سببه هجومهم الهمجي المتعمّد على الشيخ وطلابه من إثارة التعصبات وسائر ما ظهر من القبائح فليس من خلق الإسلام في شيء فضلاً عن أن يمتّ إلى العلم وأهله بصلة.
وعلى أيّ حال، فلنبدأ بالأمور المتفرقة أولاً لنفرغ بعد ذلك لمقالة علاء عوض. وسأجعل أهم مآخذهم في ثلاث نقاط، وأكمل طرفاً من الحكاية لم يذكره د. إياد في منشوريه الموجزين في أثناء الجواب عنها. فمما قالوه:
أولاً: لم كتب على الكتاب (عني بتحقيقه د. سعيد فودة) وهو لم يحقق الكتاب كما تدعون
فالجواب: معلوم أنّ عبارة عني بتحقيقه لا تستلزم أن يكون حققه بنفسه، فمجرد سعيه في ذلك من استجلاب للمخطوطات، والترتيب مع دار النشر وما إلى ذلك كاف في صدق عبارة (عني بتحقيقه) عليه، فإذا أضيف إلى ذلك ما هو معلوم من مشاركته في التقديم للكتاب والبحوث التي أوردها في مطلعه والنظر في مسودات العمل، وأنه كان قد عمل مع بعض أصحابه فيه أولاً كما ذكره في مقدمته، وما بذله من جهد ومال في سبيل تحقيق الكتاب كان ذلك آكد في صدق العبارة عليه. فليس في عبارة (عني بتحقيقه) كذب أصلاً ولا خيانة علميّة من أيّ نوع.
وقد أتفهم -كما قال بعض الإخوة- أنّ لدور النشر أغراضاً تجارية وتسويقية فأرادت أن تلفت النظر إلى الكتاب وترغّب الباحثين في شرائه، وهذا أمر متعالَم مشهور عن دور النشر.
والذي لم يذكره د. إياد أن الشيخ سعيداً طلب بحضور د. حمزة البكري الذي كان مشرفاً على فريق التحقيق، أن لا يذكر على غلاف الكتاب أنّ الشيخ سعيداً حققه، بل وطلب وأن يذكر على الغلاف أسماء كلّ من شارك في التحقيق، وهذا د. حمزة البكري حيّ يرزق، ويمكن استشهاده، فقد أخبرني الشيخ سعيد أنه كان قد اجتمع به وبالدكتور إياد، وطلب منهما ذلك، وأنّ الدكتور حمزة أثنى على طلبه، وذكر أن ذلك موقف يشكر الشيخ عليه.
وإني بصرف النظر عن الباعث على وضع عبارة (عني بتحقيقه) قبل اسم الشيخ على غلاف الكتاب، وبصرف النظر عن كون العبارة لا شيء فيها من حيث الأمانة العلمية، فإنّ دار الفتح، مع كل ما يجب لها وللقائمين عليها والعاملين فيها وما يستحقونه من التقدير والاحترام، لم تلتزم بما طلبه الشيخ سعيد منها من وضع أسماء من شاركوا في تحقيق الكتاب بحسب وظائفهم وجهودهم، ولا استشارت الشيخ قبل وضع اسمه على غلاف الكتاب بهذا الوصف. ولو أنهم فعلوا لعلنا ما كنا بحاجة لأن نكتب هذا الكلام الآن.
وأما ما تعلقوا به من وجود ما يدلّ على تحقيق الشيخ سعيد للكتاب في المقدّمة، فهذا سببه إضافة منهج التحقيق وطريقة العمل إلى مقدّمة الشيخ التي كانت خالية عن ذلك أصلاً في نسختها الأولى. وللقارئ أن يتخيّل حال العمل في كتاب من ألفين ومائتي صفحة في أربعة مجلدات، واشتغال أطراف متعددة فيه من نسخ، وصف وتدقيق، ثمّ انتقال العمل إلى مجموعة تحقيق أخرى لإكمال العمل وإخراجه، وتداول الكتاب بين الشيخ ودار الفتح، وإثبات التصحيحات والإضافات وإعادتها للدار..إلخ. لك أن تتخيل ما يمكن أن يقع في خضم ذلك، وكم هي احتمالات وقوع الأخطاء. ولقد وقفت على أول نسخة من المقدمة التي أرسلها الشيخ سعيد لدار الفتح، وهي من صفحة واحدة ليس فيها شيء من ذلك، وإذا رجعتم إلى مقدمة الكتاب الذي أرفقت رابطاً لتنزيله بجميع أجزائه في نهاية الموضوع، فستجدون أن المقدّمة من أربع صفحات، وهذه الزيادة حصلت في مراحل مراجعة الكتاب النهائية فزاد الشيخ سعيد شيئاً يتعلق بالكتاب والإمام الرازي، وثمة إضافات أخرى لم يزدها بنفسه وهي التي اتكأ عليها أصحاب الدعوى، والتي تحكي منهج التحقيق والقواعد المتبعة فيه على لسان الشيخ. وحتى لو كان هو من كتب ذلك وهو لم يكتبه- فما هي عند التأمل فيها- إلا حكاية منهج التحقيق العام الذي أقرّه واتفق عليه مع المحققين، فلو حكاه هو بنفسه بأسلوب المتكلّم لم يلزم من ذلك أنه قام بكلّ تفاصيله بنفسه عند من يفهم الكلام العربيّ. ولكن هؤلاء القوم لا يريدون أن يفهموا، فإنما هم قوم لدّ متغرضون!
وما نذكره هنا في منشورنا هذا وما ذكره الدكتور إياد فهو -كما قال- حقيقة ما وقع، أياً كان تفسيره. أما المتغرض فسوف يفسره بما يوافق قبح نفسه ونواياه، وسيراه كما يهوى أن يراه، وأما المنصف العارف بطبيعة هذا النوع من العمل، فسيلتمس للشيخ سعيد ولكلّ إنسان عمل في هذا الكتاب أعذاراً، والله تعالى بكلّ ما جرى وكلّ ما قيل وبمن قاله ولأيّ شيء قاله وبما في قلبه من نية عليم خبير. فاتقوا الله يا عباد الله!
ثالثاً: أن الشيخ سعيداً لا يميّز بين أبي علي الجبائي وأبي علي ابن سينا!
جاء في طبعة كتاب "نهاية العقول" محلّ البحث في صفحة 486 من الجزء الأول الموجودة في المرفقات ما يلي: قال الرازي: (وقد اعترف أبو عليّ بذلك في الشفاء)، ووُضعت في الحاشية رقم (2) من الصفحة المذكورة ترجمةٌ لأبي عليّ الجبائي بدلاً من أبي عليّ ابن سينا. فطار القوم بها فرحاً كأنما قد وقعوا على كنز، وصار التافه الأول ومن تبعه في نشر هذه الملحوظة التافهة من جمهور التافهين من أمثاله يتندرون ويتهمون الشيخ بأنه لا يعرف أن أبا عليّ صاحب الشفا هو ابن سينا وأنه يحسبه الجبّائي!
ويتبجح تافه آخر فيقول يبدو أننا نحن الوحيدون الذين قرأنا الكتاب...، يشير إلى أننا كيف لم نقف على تلك الفظائع الموجودة في تحقيقه! فسبحانك اللهمّ! ما أتفه هؤلاء القوم!
ولو كان قد قرأه حقاً لكان مرّ بترجمة صاحب الشفا في الجزء الأول نفسه ص520! فلماذا يحب هؤلاء القوم التعريف ببعض الحقيقة والإعراض عن بعض! وهل يعقل أنّ أحداً -حتى وإن كان لا يعرف ابن سينا ولم يسمع بالشفا- وضع هاتين الحاشيتين بيده ولم يتنبه إلى ربط الشفا بابن سينا! كيف تفسر ذلك يا وحيد دهرك!؟
فالذي حصل أن أبا عليّ ابن سينا ورد ذكره في الجزء الأول في موضع هكذا (أبو عليّ في الشفا)، وفي موضع آخر هكذا: (ابن سينا قال في مجسطي الشفا..). فترجم لأبي علي خطأ في حاشية الموضع الأول على أنه أبو علي الجبائي المعتزلي، وفي الموضع الثاني ترجم ابن سينا بترجمته الصحيحة. والربط بين أبي عليّ وابن سينا واضح تماماً، وأنّ هذا هو هذا؛ لذكر الشفا في الموضعين، فلو فرضنا أن واضع الحاشية متنبه للنص الذي وضعه عند كلّ منهما وحتى لو كان لا يعرف أن صاحب الشفا هو ابن سينا، فسيتنبه لذلك ويصلحه. ولا يمكن لأحد أن يترجم أبا عليّ بترجمة الجبائي عند ملاحظة أنه صاحب الشفا المذكور في الموضع الآخر، فهذا عمل لا يمكن أن يكون متعمداً بل هو من باب السهو والخطأ الذي يعذر العقلاء الناس به.
والأمر ببساطة أنّ دور النشر عادة ما يكون لديها ترجمات جاهزة للأعلام، وقد يعهد للبعض بإدراج ما يحتاج إليه منها في حواشي الكتب، والذي عهد إليه بذلك، قام بإدراج ترجمة أبي عليّ الجبائي بدلاً من أبي عليّ ابن سينا سهواً منه وخطأ؛ لأنّ هذه العملية العبقرية لا تتطلب غالباً أكثر من قص ولصق إلا أن يريد المحقق إضافة تعليق معيّن في ذلك الموضع. هكذا بكل بساطة يفسر الإنسان السويّ شيئاً كهذا حين يراه في حاشية كتاب كهذا الكتاب لا يعقل أن يكون من حققه غافلاً عن معلومة كهذه لو كان محققه فعل ذلك بنفسه؛ فإنه لا يمكن أن يخطر ببال إنسان سويّ أن يوجد دارس للمنطق والكلام والفلسفة حتى ولو كانت دراسته إجمالية مقتضبة، أو يوجد مثقف ثقافة عامة بهذه العلوم لا يعرف أن الشفا لابن سينا! فكيف ينسب عدم معرفة ذلك للشيخ سعيد الذي اقتنى كتاب الشفا وطالعه قبل أن يخلق هؤلاء الأحداث!
أرأيتم! هذا هو المستوى الأخلاقيّ لهؤلاء! يستغلون كلّ صغيرة ويضخمونها وينشرونها بين الناس، ويكررونها بلا ملل! وكأنّ هذه هي قضيّة الإسلام والمسلمين الكبرى! فأين هذا من أخلاق طالب العلم! بل أين هذا من الأعراف والأخلاق العامة! هؤلاء الشرذمة المتفلسفة يفتشون عن أتفه زلّة، ويذرون جليل الخلاف بينهم وبين خصومهم، ويتعلقون بقشات لا هي تنقذ مذهبهم الفاسد من الغرق، ولا ينالون بها من عدوّهم نيلاً، ولا هي ترفع من شأنهم؛ لأنها عبارة عن تفاهات وشكليّات وليست نقوداً علميّة حقيقيّة.
هذا وإنني أقسم بالله أني سألت الشيخ سعيداً عن هذه الحاشية بالتحديد فقال لي: إنه صحّحها بعينها، كأنها أمامه، وأنه يذكر ذلك ويراه كما يراني، ولكن لم يتم إصلاحها في التعديلات النهائية، وأن هنالك تصحيحات أخرى له أيضاً لم يتم تصحيها، وأضع لها مثالاً في المرفقات ص 255 من ج1 حيث تجد في الحاشية رقم (6): (لا داعي لهذه الحاشية..إلخ)، وما هي إلا ملاحظة كتبها الشيخ سعيد للمصحح فأدخلها المصحح كتعليق للشيخ! وهنالك مواضع أخرى لمن يدقق. والأمر هيّن لا يحتاج إلى كلّ هذه الضجة التي اصطنعوها كما قلنا، فلنتوقف عن ذكر تفاهاتهم التي توجع البطن، ولننتقل إلى النظر في المقالة.
المقالة
نشرت مقالة تحت اسم علاء عوض في موقع المدينة نيوز في آب/ أغسطس 2015، ينتقد فيها الكاتب تحقيق كتاب نهاية العقول محلّ البحث. ولما تأملناها عرفنا أن ما دفعه لكتابتها ليس أمراً علمياً: لا هو حرصه على الرازي الذي كان شوكة في حلوق المجسمة والمبتدعة والمتفلسفة المخالفين للحق وأهله، ولا هو حرصه على تراث الأمة كما يوهم هذا الكاتب العباد في مقاله، بل غاية مراده إنما هو الطعن في شخص الشيخ سعيد، تلك الغاية نفسها التي يحاولها من حين لآخر بعض المرضى بوسائل دنيئة، وقد عايشناها واعتدنا على رؤية ذلك في السنين الطويلة الماضية؛ فليس علاء عوض بدعاً من الكتاب ولا أولئك التافهون الذين يتناقلون كلامه ببدع من المغرضين. ولا نريد الوقوف كثيراً على تحليل غرضه ومقاصده، فإن ذلك ظاهر تماماً من كلامه غير خاف على ذي عقل. فلنشرع في التعليق على تلك المقالة بحسب تقسيم صاحبها لها. ......يتبع
تحقيق كتاب نهاية العقول للإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى
الحمد لله ربّ العالمين، القائل في كتابه العزيز: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، صدق الله العظيم. والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فقد تكلم في تحقيق هذا الكتاب بعض المتعالمين، ثمّ تبعهم في كلامهم جوقة المطبلين من أصحابهم المقلدين لهم عن عمى معيدين تفاهاتهم، وتطاول على الأكابر الأصاغر، وشاهد الجميع بأمّ أعينهم ما جرى ويجري، بلا مخافة من الله تعالى، ولا أدنى مراعاة لأدب ولا خلق.
وقد أجلنا النظر في المآخذ التي ذكرت، فما وجدنا شيئاً يستحقّ أن يسمّى نقداً علمياً، ولكن وجدنا شيئاً مخلوطاً بالتعالم وقلّة الأدب، والدعاوى الكاذبة من حرص على تراث الإمام الرازي والأمة ونحو ذلك مما سيأتي تفصيله، وسبب الاهتمام به أنه يبدو لأول وهلة أن كاتبه يحترق على تراث الأمة، فيتوهم القارئ ذلك، ولكونه حسن الترتيب والتنظيم، وما دونه كان مجرد شيء لا أجد له اسماً قبيحاً يفيه حقه، فسأضرب عن ذكر قبيح كلام قائليه، وأذكر مضمون ما قالوه وأجيب عنه أولاً، ثمّ نأتي على مقالة علاء عوض المنشورة في موقع المدينة نيوز بعنوان (العبث بتراث الأمة وهدمه) ونتناول ما قاله فيها بالبحث، إن شاء الله، فهو الذي أشرت إليه، ويبدو لي أنه أول من كتب في نقد التحقيق ولفت النظر إلى الكتاب، فإن مقاله مؤرخ في آب/ أغسطس 2015، وهذه الزوبعات التافهة أثيرت حول الكتاب فيما أعلم- بعد ذلك.
وحين كثر الكلام في ذلك وتردد، كتب د. إياد الغوج وفقه الله صاحب دار الفتح ناشر الكتاب في صفحته على فيسبوك ما يلي، فقال:
اقتباس:
(دارت حواراتٌ في الآونة الأخيرة عن طبعة كتاب «نهاية العقول في دراية الأصول» لعلّامة عصره الإمام فخر الدين الرازي روَّى الله تُربتَه، التي سعى في نشرها أستاذنا الكريم الدكتور سعيد عبد اللطيف فودة نفع الله به، وقمتُ أنا على طباعتها. وكان مما دار في تلك الحوارات انتقاداتٌ لتلك الطبعة من جهة إتقان تحقيقها وتحرير فروقها، إذ وقعت فيها هناتٌ يتنزّه مقامُ عالمٍ في قامة الدكتور سعيد عن الوقوع في مثلها، فتعرَّض له بعض الناس بمثل تلك الهنات، والواقع الذي أشهَدُ عليه أن تلك الطبعة لم يحققها الدكتور سعيد، وأنّ وضْعَ اسمه الكريم على غلافها مسبوقًا بكلمة (عُني بتحقيقه) كان من اجتهاد المشرِف على الطبع، إذ كان عملُ الشيخ سعيد يتمثَّلُ في الإشراف العام على طبع الكتاب، والسعي في نشره، وكتابة مقدمته، ونظر فيه نظرةً عجلى أبدى فيها عددًا من الملاحظات، لكنه لم يقف مع الكتاب وقفةَ المحقق المدقق المتتبِّع. وعليه فنسبة تلك الهنات إليه خطأ، فالعاملون في تحقيق الكتاب كانوا عددًا من الباحثين الكرام في مؤسستنا، وكان مما اعتَرضَ عليه الدكتور سعيد في ذلك الوقت بعضُ الاختيارات في فروق النسخ الخطية، بحكم تخصُّصه في علم الكلام عامّة وفي كتب الإمام الفخر الرازي خاصّة، إذ كانت بعض الاختيارات تتعيَّن عنده بحكم تلك الخبرة، في حين كان الفضلاء العاملون في الكتاب يعتمدون في الترجيح بين الفروق على الدلالة اللغوية ومقدار فهمهم للعبارات، وهذا بمفرده ليس كافيًا في الترجيح.
هذا وأرجو أن نحظى قريبًا بالطبعة التي يعمل في تحقيقها الدكتور سعيد من مدّة، وأن تكون على ما خيرَ ما يُرتَجَى تجويدًا وإتقانًا وخدمة. والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات.) انتهى كلامه
فهذا بيان واضح شافٍ كافٍ مع اختصاره- لكل عاقل أن يرعوي ولا يطلق لسانه في عرض الشيخ، كافٍ لتخرس الألسنة المغرضة، ويتوقف أكل لحوم البشر، فالرجل يقول بكل وضوع ويشهد أنّ الشيخ سعيداً لم يحقق بنفسه الكتاب من أوله إلى آخره فلا يجوز أن ينسب إليه كلّ عيب وجد فيه، وأنّ وضع عبارة (عني بتحقيقه) قبل اسمه هو من اجتهاد الأستاذ المشرف على فريق تحقيق الكتاب. وبذلك فلا يلزمنا الردّ على أيّ دعوى تؤسس على كون الشيخ هو من استقل بتحقيق الكتاب وحده، اللهم إلا بعض توضيحات تتعلق بالمقدمة. ومع ذلك فإننا كما قلنا سننظر في ما وقفنا عليه من نقد للتحقيق إن شاء الله تعالى، لنرى إن كان يجوز أن يوصف التحقيق بأنه مسخ للكتاب كما قيل أو لا.
وما إن نشر د. إياد منشوره حتى ثارت ثائرة القوم، وبدأت التحليلات والاجتهادات والاستنتاجات البائسة المريضة الممرضة، وبدأت التهم تكال بلا مراعاة لذمة، فيالفساد الذمم! وزاد القوم في اتهام الشيخ سعيد بتهم جديدة، وزادوا في النيل منه.
فعاد د. إياد لينشر تعقيباً على منشوره قال فيه:
اقتباس
(لم أتوقع كمَّ الاحتقان المتبادَل إثرَ كلمتي في طبعة «نهاية العقول» للإمام الرازي، والحاصل من ذلك كله:
- ما ذكرتُه في المنشور هو حقيقة ما وقع، أيًّا كان تفسيرُه، يشهد بذلك صديقايَ الدكتور علي زينو والشيخ أنور طالب، إذ كانا حاضرَين على الأمر آنذاك. والكتاب من التصانيف الكلامية الدقيقة العالية، عملتْ فيه أيدي باحثين قبلنا من طرف الشيخ سعيد فودة، ثم صار إلينا فتمّمنا ما كان مطلوبًا منا، وبقي الكتاب يراوح بيننا وبين الشيخ سعيد مدةً. فوقوع الهنات في مثل هذه الملابسات واردٌ بل متوقعٌ، بخلاف ما لو كان العمل لدى فريقٍ واحد، أو بيد باحثٍ منفردٍ بالعمل متفرِّغٍ له، متبنٍّ لكل كلمةٍ فيه.
- حيث إن الشيخ سعيدًا يعمل على إخراج الكتاب في طبعة محققة تمثّله تمثيلًا كاملًا؛ فلتكن هي معتمَد الباحثين في الحكم على مستوى عمله في التحقيق والتعليق، هي وغيرها من أعماله العلمية المقطوع بنسبتها إليه وتبنِّيه لها.
- خلطُ الأوراق في موضوع اليوم بين تحكيم عملٍ علميّ، وبين تصفية حساباتٍ فكريةٍ وشخصية؛ معترَكٌ غيرُ نزيه، لا أدخله ولا أرتضِيه.
وختامًا.. هذه قضيةٌ استُشهِدتُ فيها فشهدتُ بما كان، وكل ما بعد ذلك وما قبله فلا شأنَ لي به، وكلٌّ يمثِّل نفسَه فحسب، والسلام.) انتهى كلامه.
فكما هو واضح أكد الرجل شهادته، وبين أسباباً وجيهة لوقوع أمثال تلك الهنات في مثل تلك الظروف: من كون الكتاب قد عملتْ فيه أيدي باحثين قبل قسم التحقيق في دار الفتح وكانوا من طرف الشيخ سعيد فودة، ثم صار الكتاب إليهم فتمّموا ما كان مطلوبًا منهم، وبقي الكتاب يراوح بينهم وبين الشيخ سعيد مدةً. فوقوع الهنات في مثل هذه الملابسات واردٌ بل متوقعٌ، بخلاف ما لو كان العمل لدى فريقٍ واحد، أو بيد باحثٍ منفردٍ بالعمل متفرِّغٍ له، متبنٍّ لكل كلمةٍ فيه.
وكلّ من اشتغل بنشر الكتب يعرف تماماً عن أيّ شيء يتكلم الرجل، وأنّ إدخال التصحيحات ومراجعتها هو من أضجر الأعمال، والاعتماد على الغير في تصحيح الأخطاء أو التحقق من تصحيحها غالباً ما يكون سبباً في ظهور هكذا أخطاء. وكم من خطأ ظهر في طبعة لا علم لمحقق الكاتب أو كاتبه به، ولا يمت إليه بسبب. واستشهد الرجل شهيدين يعملان معه هما د. علي زينو الذي سارع بالتعليق على منشور د. إياد وشهد بمضمونه، والشيخ أنور طالب ولا أدري إن كان كتب شيئاً فلم أطلع عليه.
وحتى بعد ذلك استمرّ الكلام الهمجي النائي عن كلّ علم وخلق وأدب. ولم نحبّ يوماً، ولا نحبّ الدخول في بحوث تافهة؛ لأننا قوم مشغولون، وقد أحسن د. إياد حين قطع الكلام ولم يخض في الترهات والأباطيل، ونزه نفسه عن ذلك، ومعلوم أن د. إياد بعيد عن أمثال هذه الحوارات ولم يخف عليه وجود هذا الاحتقان وهذا الهوس وخلط الأوراق، وأي إنسان محايد يقرأ ما كتبوا يرى ذلك بوضوح، فلا القضية قضية نقد لتحقيق ولا الغاية من كل كلامهم شيء من ذلك، وإنما الغاية النيل من شخص الشيخ سعيد، وهذا واضح كالشمس لا ينكره إلا أعمى البصر والبصيرة.
ولسنا مضطرين لدرء هذه التهم عن الشيخ كما ذكرت بعد بيان دار الفتح، ولا نقول إنه معصوم يستحيل عليه أن يقع في خطأ، بل إنه صرّح في مقدمة الكتاب أنه حرص على أن يخرج الكتاب قليل الأخطاء؛ لأنه لا يوجد عمل كامل. ولكن لما كثر الإلحاح علي أن أكتب شيئاً أرد به ما يقال عن الشيخ سعيد، فعلت ذلك لكوني مطلعاً على تفاصيل قد لا يعلمها كثيرون، ولولا ذلك لما كتبت هذا فإن القائمين على تلك التهم قوم ليس لهم غرض علمي، وأحسب أن أولئك البعداء الحانقين الحاقدين الحاقنين لا شغل لهم إلا تلك التفاهات التي يضيعون بها أعمارهم الثمينة، ثمّ تكون عليهم وبالاً في الدنيا والآخرة إن لم يتّقوا الله تعالى في عباده. وكان اللائق بمن ينسبون أنفسهم إلى العلم وأهله وآدابه أن يرسلوا أسئلتهم بصورة لائقة إلى الناشر أو إلى الشيخ سعيد أو يسألوا بعض طلابه بطريقة لائقة، ولو فعلوا لوجدوا لكل سؤال جواباً وتفسيراً، أما الطريقة التي كتبوا بها، وكيلهم الشتائم وإلحاقهم المعايب بأهل الفضل قبل السؤال والبحث، وما سببه هجومهم الهمجي المتعمّد على الشيخ وطلابه من إثارة التعصبات وسائر ما ظهر من القبائح فليس من خلق الإسلام في شيء فضلاً عن أن يمتّ إلى العلم وأهله بصلة.
وعلى أيّ حال، فلنبدأ بالأمور المتفرقة أولاً لنفرغ بعد ذلك لمقالة علاء عوض. وسأجعل أهم مآخذهم في ثلاث نقاط، وأكمل طرفاً من الحكاية لم يذكره د. إياد في منشوريه الموجزين في أثناء الجواب عنها. فمما قالوه:
أولاً: لم كتب على الكتاب (عني بتحقيقه د. سعيد فودة) وهو لم يحقق الكتاب كما تدعون
فالجواب: معلوم أنّ عبارة عني بتحقيقه لا تستلزم أن يكون حققه بنفسه، فمجرد سعيه في ذلك من استجلاب للمخطوطات، والترتيب مع دار النشر وما إلى ذلك كاف في صدق عبارة (عني بتحقيقه) عليه، فإذا أضيف إلى ذلك ما هو معلوم من مشاركته في التقديم للكتاب والبحوث التي أوردها في مطلعه والنظر في مسودات العمل، وأنه كان قد عمل مع بعض أصحابه فيه أولاً كما ذكره في مقدمته، وما بذله من جهد ومال في سبيل تحقيق الكتاب كان ذلك آكد في صدق العبارة عليه. فليس في عبارة (عني بتحقيقه) كذب أصلاً ولا خيانة علميّة من أيّ نوع.
وقد أتفهم -كما قال بعض الإخوة- أنّ لدور النشر أغراضاً تجارية وتسويقية فأرادت أن تلفت النظر إلى الكتاب وترغّب الباحثين في شرائه، وهذا أمر متعالَم مشهور عن دور النشر.
والذي لم يذكره د. إياد أن الشيخ سعيداً طلب بحضور د. حمزة البكري الذي كان مشرفاً على فريق التحقيق، أن لا يذكر على غلاف الكتاب أنّ الشيخ سعيداً حققه، بل وطلب وأن يذكر على الغلاف أسماء كلّ من شارك في التحقيق، وهذا د. حمزة البكري حيّ يرزق، ويمكن استشهاده، فقد أخبرني الشيخ سعيد أنه كان قد اجتمع به وبالدكتور إياد، وطلب منهما ذلك، وأنّ الدكتور حمزة أثنى على طلبه، وذكر أن ذلك موقف يشكر الشيخ عليه.
وإني بصرف النظر عن الباعث على وضع عبارة (عني بتحقيقه) قبل اسم الشيخ على غلاف الكتاب، وبصرف النظر عن كون العبارة لا شيء فيها من حيث الأمانة العلمية، فإنّ دار الفتح، مع كل ما يجب لها وللقائمين عليها والعاملين فيها وما يستحقونه من التقدير والاحترام، لم تلتزم بما طلبه الشيخ سعيد منها من وضع أسماء من شاركوا في تحقيق الكتاب بحسب وظائفهم وجهودهم، ولا استشارت الشيخ قبل وضع اسمه على غلاف الكتاب بهذا الوصف. ولو أنهم فعلوا لعلنا ما كنا بحاجة لأن نكتب هذا الكلام الآن.
وأما ما تعلقوا به من وجود ما يدلّ على تحقيق الشيخ سعيد للكتاب في المقدّمة، فهذا سببه إضافة منهج التحقيق وطريقة العمل إلى مقدّمة الشيخ التي كانت خالية عن ذلك أصلاً في نسختها الأولى. وللقارئ أن يتخيّل حال العمل في كتاب من ألفين ومائتي صفحة في أربعة مجلدات، واشتغال أطراف متعددة فيه من نسخ، وصف وتدقيق، ثمّ انتقال العمل إلى مجموعة تحقيق أخرى لإكمال العمل وإخراجه، وتداول الكتاب بين الشيخ ودار الفتح، وإثبات التصحيحات والإضافات وإعادتها للدار..إلخ. لك أن تتخيل ما يمكن أن يقع في خضم ذلك، وكم هي احتمالات وقوع الأخطاء. ولقد وقفت على أول نسخة من المقدمة التي أرسلها الشيخ سعيد لدار الفتح، وهي من صفحة واحدة ليس فيها شيء من ذلك، وإذا رجعتم إلى مقدمة الكتاب الذي أرفقت رابطاً لتنزيله بجميع أجزائه في نهاية الموضوع، فستجدون أن المقدّمة من أربع صفحات، وهذه الزيادة حصلت في مراحل مراجعة الكتاب النهائية فزاد الشيخ سعيد شيئاً يتعلق بالكتاب والإمام الرازي، وثمة إضافات أخرى لم يزدها بنفسه وهي التي اتكأ عليها أصحاب الدعوى، والتي تحكي منهج التحقيق والقواعد المتبعة فيه على لسان الشيخ. وحتى لو كان هو من كتب ذلك وهو لم يكتبه- فما هي عند التأمل فيها- إلا حكاية منهج التحقيق العام الذي أقرّه واتفق عليه مع المحققين، فلو حكاه هو بنفسه بأسلوب المتكلّم لم يلزم من ذلك أنه قام بكلّ تفاصيله بنفسه عند من يفهم الكلام العربيّ. ولكن هؤلاء القوم لا يريدون أن يفهموا، فإنما هم قوم لدّ متغرضون!
وما نذكره هنا في منشورنا هذا وما ذكره الدكتور إياد فهو -كما قال- حقيقة ما وقع، أياً كان تفسيره. أما المتغرض فسوف يفسره بما يوافق قبح نفسه ونواياه، وسيراه كما يهوى أن يراه، وأما المنصف العارف بطبيعة هذا النوع من العمل، فسيلتمس للشيخ سعيد ولكلّ إنسان عمل في هذا الكتاب أعذاراً، والله تعالى بكلّ ما جرى وكلّ ما قيل وبمن قاله ولأيّ شيء قاله وبما في قلبه من نية عليم خبير. فاتقوا الله يا عباد الله!
ثالثاً: أن الشيخ سعيداً لا يميّز بين أبي علي الجبائي وأبي علي ابن سينا!
جاء في طبعة كتاب "نهاية العقول" محلّ البحث في صفحة 486 من الجزء الأول الموجودة في المرفقات ما يلي: قال الرازي: (وقد اعترف أبو عليّ بذلك في الشفاء)، ووُضعت في الحاشية رقم (2) من الصفحة المذكورة ترجمةٌ لأبي عليّ الجبائي بدلاً من أبي عليّ ابن سينا. فطار القوم بها فرحاً كأنما قد وقعوا على كنز، وصار التافه الأول ومن تبعه في نشر هذه الملحوظة التافهة من جمهور التافهين من أمثاله يتندرون ويتهمون الشيخ بأنه لا يعرف أن أبا عليّ صاحب الشفا هو ابن سينا وأنه يحسبه الجبّائي!
ويتبجح تافه آخر فيقول يبدو أننا نحن الوحيدون الذين قرأنا الكتاب...، يشير إلى أننا كيف لم نقف على تلك الفظائع الموجودة في تحقيقه! فسبحانك اللهمّ! ما أتفه هؤلاء القوم!
ولو كان قد قرأه حقاً لكان مرّ بترجمة صاحب الشفا في الجزء الأول نفسه ص520! فلماذا يحب هؤلاء القوم التعريف ببعض الحقيقة والإعراض عن بعض! وهل يعقل أنّ أحداً -حتى وإن كان لا يعرف ابن سينا ولم يسمع بالشفا- وضع هاتين الحاشيتين بيده ولم يتنبه إلى ربط الشفا بابن سينا! كيف تفسر ذلك يا وحيد دهرك!؟
فالذي حصل أن أبا عليّ ابن سينا ورد ذكره في الجزء الأول في موضع هكذا (أبو عليّ في الشفا)، وفي موضع آخر هكذا: (ابن سينا قال في مجسطي الشفا..). فترجم لأبي علي خطأ في حاشية الموضع الأول على أنه أبو علي الجبائي المعتزلي، وفي الموضع الثاني ترجم ابن سينا بترجمته الصحيحة. والربط بين أبي عليّ وابن سينا واضح تماماً، وأنّ هذا هو هذا؛ لذكر الشفا في الموضعين، فلو فرضنا أن واضع الحاشية متنبه للنص الذي وضعه عند كلّ منهما وحتى لو كان لا يعرف أن صاحب الشفا هو ابن سينا، فسيتنبه لذلك ويصلحه. ولا يمكن لأحد أن يترجم أبا عليّ بترجمة الجبائي عند ملاحظة أنه صاحب الشفا المذكور في الموضع الآخر، فهذا عمل لا يمكن أن يكون متعمداً بل هو من باب السهو والخطأ الذي يعذر العقلاء الناس به.
والأمر ببساطة أنّ دور النشر عادة ما يكون لديها ترجمات جاهزة للأعلام، وقد يعهد للبعض بإدراج ما يحتاج إليه منها في حواشي الكتب، والذي عهد إليه بذلك، قام بإدراج ترجمة أبي عليّ الجبائي بدلاً من أبي عليّ ابن سينا سهواً منه وخطأ؛ لأنّ هذه العملية العبقرية لا تتطلب غالباً أكثر من قص ولصق إلا أن يريد المحقق إضافة تعليق معيّن في ذلك الموضع. هكذا بكل بساطة يفسر الإنسان السويّ شيئاً كهذا حين يراه في حاشية كتاب كهذا الكتاب لا يعقل أن يكون من حققه غافلاً عن معلومة كهذه لو كان محققه فعل ذلك بنفسه؛ فإنه لا يمكن أن يخطر ببال إنسان سويّ أن يوجد دارس للمنطق والكلام والفلسفة حتى ولو كانت دراسته إجمالية مقتضبة، أو يوجد مثقف ثقافة عامة بهذه العلوم لا يعرف أن الشفا لابن سينا! فكيف ينسب عدم معرفة ذلك للشيخ سعيد الذي اقتنى كتاب الشفا وطالعه قبل أن يخلق هؤلاء الأحداث!
أرأيتم! هذا هو المستوى الأخلاقيّ لهؤلاء! يستغلون كلّ صغيرة ويضخمونها وينشرونها بين الناس، ويكررونها بلا ملل! وكأنّ هذه هي قضيّة الإسلام والمسلمين الكبرى! فأين هذا من أخلاق طالب العلم! بل أين هذا من الأعراف والأخلاق العامة! هؤلاء الشرذمة المتفلسفة يفتشون عن أتفه زلّة، ويذرون جليل الخلاف بينهم وبين خصومهم، ويتعلقون بقشات لا هي تنقذ مذهبهم الفاسد من الغرق، ولا ينالون بها من عدوّهم نيلاً، ولا هي ترفع من شأنهم؛ لأنها عبارة عن تفاهات وشكليّات وليست نقوداً علميّة حقيقيّة.
هذا وإنني أقسم بالله أني سألت الشيخ سعيداً عن هذه الحاشية بالتحديد فقال لي: إنه صحّحها بعينها، كأنها أمامه، وأنه يذكر ذلك ويراه كما يراني، ولكن لم يتم إصلاحها في التعديلات النهائية، وأن هنالك تصحيحات أخرى له أيضاً لم يتم تصحيها، وأضع لها مثالاً في المرفقات ص 255 من ج1 حيث تجد في الحاشية رقم (6): (لا داعي لهذه الحاشية..إلخ)، وما هي إلا ملاحظة كتبها الشيخ سعيد للمصحح فأدخلها المصحح كتعليق للشيخ! وهنالك مواضع أخرى لمن يدقق. والأمر هيّن لا يحتاج إلى كلّ هذه الضجة التي اصطنعوها كما قلنا، فلنتوقف عن ذكر تفاهاتهم التي توجع البطن، ولننتقل إلى النظر في المقالة.
المقالة
نشرت مقالة تحت اسم علاء عوض في موقع المدينة نيوز في آب/ أغسطس 2015، ينتقد فيها الكاتب تحقيق كتاب نهاية العقول محلّ البحث. ولما تأملناها عرفنا أن ما دفعه لكتابتها ليس أمراً علمياً: لا هو حرصه على الرازي الذي كان شوكة في حلوق المجسمة والمبتدعة والمتفلسفة المخالفين للحق وأهله، ولا هو حرصه على تراث الأمة كما يوهم هذا الكاتب العباد في مقاله، بل غاية مراده إنما هو الطعن في شخص الشيخ سعيد، تلك الغاية نفسها التي يحاولها من حين لآخر بعض المرضى بوسائل دنيئة، وقد عايشناها واعتدنا على رؤية ذلك في السنين الطويلة الماضية؛ فليس علاء عوض بدعاً من الكتاب ولا أولئك التافهون الذين يتناقلون كلامه ببدع من المغرضين. ولا نريد الوقوف كثيراً على تحليل غرضه ومقاصده، فإن ذلك ظاهر تماماً من كلامه غير خاف على ذي عقل. فلنشرع في التعليق على تلك المقالة بحسب تقسيم صاحبها لها. ......يتبع
تعليق