بسم الله الرحمن الرحيم
ادعى بعض أهل العلم (كما نقل الإمام اللقاني عن الإمام الماتريدي، وما قال الإمام الغزالي في بعض رسائله، رضي الله عن جميعهم) بأن العلم بوجود إله علم ضروري، أي إن الإنسان يعلم بوجود الإله تعالى ابتداء بغير فكر ولا نظر، وبعضهم عبر عن ذلك العلم بكونه فطريا، أي هو غريزي حاصل في خلقة الإنسان، فإن الفطرة هي الخِلقة.
وقد تمسّك بهذا القول الحشوية، ليتهربوا من لزوم إفادة النظر العقلي (صحيح الشرط) العلم اليقيني، ليتهربوا من إلزامهم بقبيح معتقدهم في الله تعالى.
ثم اغتر بعض من لم يتعمق في الأصول بقول هؤلاء المزخرف ووهمه حقا، مع أنه ساقط عند التحقيق (أطلق البعض أن العلم بوجود الله تعالى فطري بمعنى أن الإنسان ذو خلقة تؤهله لأن يصل إلى وجود الله تعالى بفكره، أي إن الإنسان إن ترك بغير مؤثر خارجي فسيكفيه ما له من صفات وعقل في أن يصل إلى وجود الله تعالى. وهذا القول ليس في محل النقاش لخروجه عن محل النزاع).
والذي ندعي أن العلم بوجود الإله تعالى ليس فطريا، بل هو نظري، وأن النظر يجب على كل مكلف بحسب طاقته (فليس يجب على كل مكلف أن ينظر في أدلة المتكلمين، بل يكفيه النظر ولو إجمالا كالأعرابي الذي استدل على وجود الله تعالى بمثل دلالة البعرة على البعير والأثر على المسير)، وأن المقصر في النظر مع قدرته عليه آثم، مع كونه مؤمنا.
وندَّعي أنَّ دعوى العلم الفطريِّ بالله تعالى باطلة، وأنَّها حتَّى لو صدقت فلا عبرة بها رأساً.
ولتكن مناقشة دعوى من قال بأن العلم بوجود الإله تعالى فطري بخطوات خلفيَّة، أي بعد تقرير كلِّ خطوة أرجع إلى الوراء بحيث أسلِّم تنزُّلاً عدم ثبوت الخطوة السَّابقة والتَّسليم تنزُّلاً ليس فيه إقرار ببطلان ما قُرِّر سابقاً، بل هو لتبيين أنَّ ضعف دعوى الخصم من جهات عدَّة لدرجة السُّقوط-...
الخطوة الأولى: أن نثبت بالدَّليل أنَّ العلم بوجود الإله تعالى ليس فطريّاً
وذلك من جهتين:
الأولى: من ضرورة الواقع، وذلك من أن عدم علم الإنسان فطريا بوجود الله تعالى ظاهر جداً، فإن دعوى كون العلم بوجود الإله تعالى فطريا يعني يكون ثبوته للإنسان بحسب خلقته، فيلزم ثبوته للإنسان من بداية وجوده ومن بداية طفولته. لكننا بالمشاهدة نجد كذب هذه الدعوى، فالطفل لا يكون منتبها لمفهوم الصانع لما يراه من أشياء -فضلا عن مفهوم الإله-، وإنما ينتبه لذلك بعد تنبيه الأهل له.
وهذا الأمر حاصل لكل طفل، ليس هناك طفل يثبت عنده مفهوم (الإله) أو (صانع الكون) أو ما يقرب منهما بغير ملقّن خارجي. بل إن الطفل من ولادته إلى عمر معين ينحصر معلومه وفكره في المحسوسات وتفسيرها وطرد الاقترانات بينها، ولو كان عنده إدراك لمفهوم صانع العالم لوجب أن يكون تفكيره مرتبطا بهذه المعلومة بأي شكل، وإذ لم يتحقق ذلك فظاهر جدا عدم علم الطفل بوجود الإله.
طرفة: أحد العوام سمع بعض الحشوية يقول إن العلم بالعلو المكاني لله (تعالى الله عما يقولون) فطري -فضلا عن دعوى كون العلم بوجوده تعالى فطريا-، فرجع إلى طفلَيه الصغيرين فسألهما: أين الله؟ فلم يعرف الطفلان بم يجيبان، فانزعج والدهما وصار يعنفهما ويضربهما ويعيد السؤال وهما لا يجيبانه!
وإنَّما يفعل مثل هذا الشَّخص مثل هذا الفعل لانفعاله بتلك الدَّعوى التي سمع لكونها موافقة لهواه، فإنَّ فرض أنَّ الإله تعالى يخلق في الإنسان علماً ضروريّاً بوجوده تعالى يتضمَّن ما فيه خير للإنسان، ولمَّا كان الإله محبّاً للنَّاس حكيماً فيلزم أن يعطي الإنسان طريقاً قويّاً لمعرفته تعالى. ومبنى هذا الإلزام للإله تعالى على تشبيهه تعالى بالإنسان، فربُّ الأسرة يجب أن يكون محبّاً لأسرته، والإنسان يقبح منه أن لا يريد الخير لمن يقدر عليهم، فيقيسون الله تعالى على البشر في أنَّه يجب عليه فعل الأصلح للبشر. ولذا يستقرب العامِّيُّ هذه الفكرة وأمثالها، ولاستقراب العوامِّ لها تنتشر بينهم بسهولة. ومن هذا تجد من النَّصارى كذلك يحبُّون هذه الفكرة لأنَّ الإله محبٌّ للبشر.
ملحوظة: حاصل هذه الجهة أننا ندعي ضرورة واقعية مشاهدة بطلان دعوى العلم الفطري، فالمخالف في هذا يكون مخالفا للضرورة، فإنما علينا تنبيهه على الصواب، فلئن أنكر بعد التنبيه فهو معاند.
وإنَّما المشكلة مع المنخدع بكلام الحشويَّة لدرجة أن يتشرَّبه فيتوهَّم أنَّه ضروريُّ الثُّبوت في نفسه، فلا يسائل نفسه حتَّى عن ثبوت مدَّعاهم في الواقع.
الثَّانية: دلالة النص الشريف، فذلك بنصوص شريفة كثيرة، منها:
النص الشريف الأول: قول الله تعالى: ((والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)) [النحل: ٧٨].
فهذا النص الشريف صريح بأن الإنسان ولد لا يعلم شيئا، فلا يكون بخلقته عالما بأي شيء، فلا يكون عالما بوجود الله تعالى علما فطريا.
والقول بأن دلالة الآية الكريمة عامة مخصوصة عن العلم بوجود الله تعالى باطل ظاهر البطلان، فإن باقي الآية الكريمة دال على أن الوصول إلى شكر الله تعالى يكون بعد حصول السمع والبصر والفؤاد، فهو حاصل بعد تحقق الفكر. فهذا يوكّد أن الإنسان لم يولد عالما يوجود الله تعالى.
فإن قيل: الطفل يولد عالما بطريقة الرضاعة، فلذلك يقدر على تحريك فمه للرضاعة بعد ولادته مباشرة.
أجيب: هذا ليس علما للطفل، بل هذه حركات آلية لا تكون متعلَّقة الإدراك الواعي، كما أنك يمكن أن تمشي مسافة بعيدة من غير أن تنتبه أنت لزاوية انثناء الركبة ومفاصل الرجل الأخرى.
فإن قيل: العلم بوجود الله تعالى ضروري بعد الولادة.
أجيب: هذه دعوى بلا مستند، وهي باطلة بالمشاهدة. على أنه يلزم أن يظهر أي شيء على الإنسان عند حصول هذه المعلومة، وليس كذلك.
فإن قيل: مشي بعض الحيوان أوَّل ولادته وتحريك الطِّفل شفتيه لرضاعة الحليب أوَّل ولادته فطريٌّ، فلا بدَّ من تخصيص دلالة هذه الآية الكريمة.
أجيب: هذه الأفعال آليَّة يمكن أن تحصل للجنين في بطن أمِّه، وهي تجهيز من الله تعالى لما بعد الولادة، لكنَّها ليست بعلوم لكونها آليَّة، فالخِلقة الآليَّة يمكن تحقُّقها بغير علم. وقد يكون منشأ الوهم هاهنا أنَّ الفعل للكائن الحيِّ معلوم له ما دام إراديّاً، لكنَّا لا نسلِّم أن ذلك الكائن الحيَّ مريد لتلك الحركات التَّفصيليَّة.
النص الشريف الثاني: قول الله تعالى: ((قالت رسلهم أفي الله شك فاطرِ السموات والأرض))[إبراهيم: ١٠].
ودلالة هذا النص الشريف صريحة في أن العلم بوجود الله تعالى يتحقق بالعلم بكون السموات والأرض مفطورتين مخلوقتين، فهنا تعريف للإله تعالى بوصفه كونه خالقا للسموات والأرض، وهذا إنَّما يُعلم بالدَّليل العقليِّ في النَّظر في السَّموات والأرض. فلو كان العلم بوجوده تعالى فطريا لما استدلوا على وجوده تعالى بتعريفه بكون السموات والأرض مفطورتين منه تعالى، بل لكفاهم بكلِّ يسر أن ينبِّهوا النَّاس على ما يعلمون بخلقتهم، بدل أن يدلُّوهم على أدلَّة عقليَّة في التَّفكُّر في المخلوقات.
النص الشريف الثالث: قول الله تعالى: ((فأتيا فرعون فقولا إنَّا رسولا ربِّ العالمين))[الشُّعراء: 16] ثمَّ أخبر تعالى عن سؤال فرعون عن معنى (رب العالمين)، فقال تعالى: ((قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. قال لمن حوله ألا تستمعون. قال ربكم ورب آبائكم الأوَّلين. قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون))[الشعراء: 23-28].
فهذا الحوار يتضمَّن استفهام فرعون عن معنى (رب العالمين)، وتعريف سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لرب العالمين بأنَّه تعالى رب السموات والأرض وغيرهما، والربُّ المدبِّرُّ، فهو يعرِّف الله تعالى من حيث هو المدبِّر للكون. ثمَّ يحيل العلم بوجود رب العالمين إلى تعقُّل من يخاطبهم ((إن كنتم تعقلون))، فدلَّ ذلك على أنَّ تحقُّق العلم بذلك بالنَّظر والفكر، فبالضَّرورة ليس بالخِلقة.
النَّصُّ الشَّريف الرَّابع: قول الله تعالى: ((يا أيُّها النَّاس إن كنتم في ريب من البعث فإنَّا خلقناكم من تراب ثمَّ من نطفة ثمَّ من علقة ثمَّ من مضغة مخلَّقة وغير مخلَّقة لنبيِّن لكم ونقرُّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمَّى ثمَّ نخرجكم طفلاً ثمَّ لتلبغوا أشدَّكم ومنكم من يُتوفَّى ومنكم من يُردُّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزَّت وربت وأنبتت من كلِّ زوج بهيج. ذلك بأنَّ الله هو الحقُّ وأنَّه يحيي الموتى وأنَّه على كلِّ شيء قدير))[الحج: 5-6].
ففي الآيتين الكريمتين ذكر كون خلق الإنسان على مراحل وأنَّ الماء ينزل على الأرض فتهتز وتنبت، ثمَّ ذكر كون هذين الأمرين دالَّين على أنَّ الله تعالى موجود على كلِّ شيء قدير. وليس فيهما بيان جهة دلالة كون خلق الإنسان على مراحل وإنزال الماء ثمَّ النبات على كون الله تعالى موجوداً حقّاً، وإنَّما تُعرف جهة الدَّلالة بنظرنا وتفكُّرنا في هذين الأمرين. فإذن تكون الدَّلالة هنا على الدَّلالة المعلومة بالعقل.
ويفيدنا هذا أمرين:
الأوَّل: أنَّ العلم بوجود الله تعالى يتحقَّق بالنَّظر.
الثَّاني: أنَّ العلم بوجود الله تعالى ليس فطريّاً، فلا معنى لدلالة الخلق على الأدلَّة النَّظريَّة لشيء يعلمونه بالضَّرورة (وعلى التَّسليم تنزُّلاً بالعلم الفطريِّ فإنَّ هذه النُّصوص الشَّريفة تفيد أنَّ العلم الفطريَّ ليس معتبراً، بل المعتبر الدَّلالة بالفكر والنَّظر).
وهناك نصوص شريفة عدَّة فيها ذكر ما به الدَّلالة لمن يتفَّكرون كدلالة هذه الآية الكريمة.
النَّصُّ الشَّريف الخامس: قول الله تعالى: ((قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق))[العنكبوت: 20]، وكذلك هناك نصوص شريفة كثيرة فيها الحضُّ على النَّظر والتَّفكُّر. فالنَّظر العقليُّ واجب علينا معتبر للعلم بوجود الله تعالى، فليس العلم فطريّاً.
وهناك نصوص شريفة أخرى فيها مدح المتفكِّرين في خلق السَّموات والأرض، وهي دالَّة على هذا المعنى.
فدلَّ ذلك كلُّه أنَّ طريق العلم بالله تعالى وعدد من صفاته تعالى يكون بالنَّظر والتَّفكُّر منَّا، فلا يكون العلم به تعالى ضروريّاً. فتكون دعوى العلم الفطريِّ ظاهرة البطلان.
ولو استقرينا النُّصوص الشَّريفة التي تدلُّ على هذا المعنى الكلِّيِّ لوجدناها كثيرة بحيث لا يبقى شكٌّ في أنَّ العلم بالله تعالى ليس فطريّاً لكنَّ المشكلة في انحصار تفكير البعض في ما يريدون هم إثباته، فما يوافق مرادهم أخذوا به وما يخالفه لا ينتبهون إليه رأساً-.
فإن قيل: صحَّة الاستدلال العقليِّ على وجود الإله تعالى لا ينافي ثبوت العلم به تعالى بالفطرة، فإنَّ الأدلة تصلح لمن انتكست فطرته.
أجيب: بل لو كان العلم فطريّاً لكان الأيسرَ جدّاً والأعمَّ فائدة التَّذكيرُ به بدل ذكر أدلَّة عقليَّة يُحتاج فيها إلى جهد في التَّفكُّر.
سلَّمنا تنزُّلاً أن ليس يثبت دليل على أنَّ العلم بوجود الله تعالى
الخطوة الثَّانية: لا نسلِّم أنَّ هناك ما يدلُّ على أنَّ هناك علماً فطريّاً بوجود الله تعالى
فقد ادَّعى الخصم أدلَّة تجريبيَّة ونقليَّة على حصول الفطرة الإنسانيَّة بالعلم بالله تعالى...
أمَّا التَّجريبيَّة فقالوا: التَّديُّن حاصل في المجتمعات البشريَّة كلِّها عبر الزَّمان كلِّه، فهذا يدلُّ على أنَّ هذا الأمر الطَّبيعيُّ عند البشر. والبشر عند حصول الشِّدَّة عندهم يلتجئون إلى الله تعالى حتَّى لو كانوا مشركين أو ملحدين. والإنسان عنده أسئلة طبيعيَّة عن الوجود والمبدأ والمعاد. والإنسان يشعر بحاجته إلى الإله المدبِّر لشعوره بنقصه.
فيجاب بأنَّ هذه كلُّها ضعيفة لا تفيد هذا المطلوب، لأنَّ كلَّ واحد منها يمكن تفسيره تفسيراً قريباً بما لا يوجب أنها عن الفطرة.
أمَّا أنَّ التَّديُّن في كلِّ المجتمعات الإنسانيَّة فلأنَّ الله تعالى أراد أن يرسل إلى كلِّ مجتمع رسولاً.
وأمَّا أنَّ الإنسان يلجأ في الشِّدَّة إلى الله تعالى فهذا بعد أن طرق سمعه السَّابق أن هناك إلها، فحتَّى لو كان ملحداً فهو في تلك اللَّحظة سيتعلَّق بأيِّ شيء ولو كان وهماً عنده. والنُّصوص الشَّريفة تذمُّ المشركين الذين يعتقدون بالإله تعالى ويعتقدون معه آلهة أضعف منه، فلئن أصابتهم شدَّة التجؤوا إلى الأقوى بحسب ما يعتقدون. وليس لكون الأمر فطريّاً.
وأمَّا الأسئلة الطَّبيعيَّة للإنسان عن وجوده ومبدأه ومعاده فطبيعيٌّ ما دام عاقلاً، فهذا الأمر مهمٌّ. بل لو كان العلم بالإله تعالى فطريّاً لما كان هناك حاجة لمثل هذه التَّساؤلات أصلاً.
وأمَّا الشُّعور بالحاجة إلى الإله فدعوى باطلة، بل يكون هناك شعور بالحاجة إلى الغير بحسب ما يصيب الإنسان وما يراه من عجزه، وليس لإله.
وقد ترجم بعضهم كتب بعض النَّصارى في أنَّ العلم الفطريَّ بالإله مدرك بالتَّجربة! أي إنَّهم قد أجروا تجارب مع الأطفال فوجودهم مفضِّلين للقول بصانع للعالم.
والحقُّ هاهنا أنَّ هناك مشاهدات يشاهدها الأهل لأحوال تحصل لأولادهم، ثمَّ يفسِّرها الأهل والمجرِّبون بما يوافق تصوُّراتهم، فالإنسان لحصول فكرة العلم الفطريِّ عنده إذا عرض على طفل مثلاً أنَّ العالم قديم ليس له صانع ورأى الطِّفل مستغرباً لهذا القول فسيقول إنَّ هذا دليل على أنَّ الطِّفل عنده علم فطريٌّ بالخالق. وهذه مغالطة في الاستدلال لا تخفى عن منصف. وهناك تفسيرات كثيرة يمكن أن يُفسَّر بها أقوال الأطفال وتصرُّفاتهم بما لا يوجب صحَّة هذا التَّفسير بعينه.
ثمَّ إنَّ المغالطة كذلك من جهة أخرى وهي أن يدَّعى حصول العلم الفطريِّ لجميع الأطفال مع أنَّ المجرَّب قليل نادر منهم، والتَّجربة مع الأغلب الأعمِّ جدّاً لا تفيد هذه النَّتيجة، بل تفيد نقيضها، فكيف يدَّعى ثبوت شيء بناء على تفسيرات لمشاهدات نادرة في مقابل تجارب أكثر جدّاً تناقضها؟! إلا أن يقال إنَّ هذا العلم الفطريَّ حاصل للبعض الأطفال دون بعض، وهذا لا يقول به أحد. هذا لو سلَّمنا صحَّة روايات القصص وسلَّمنا تفسيرها بما يدَّعون.
وعلى كلِّ حال...
لن نجد طفلاً قادراً على التَّعبير يبتدئ من نفسه بذكر صانع للعالم، وإنَّما يحتمل أن نجد طفلاً إن سألناه عن شيء متعلِّق بهذا أجاب بما يُتوهَّم منبنيأً على علم فطريٍّ، فمثلاً لو عرضنا هذه القضيَّة على طفل فربما نجد عنده اندهاشاَ أو سروراً بما تمَّ تلقينه به، فيُتوهَّم أن هذا دليل على موافقة الطِّفل لكونه عالماً به أصلاً، لكنَّ الواقع أنَّ الطِّفل يوافق أهله على ما يلقنونه به ثقة بهم كأيِّ معلومة أخرى في أيِّ مجال آخر ما لم تكن مخالفة لمحسوسه هو.
وكذلك هاهنا أمر ظاهر إنَّما أنبِّه عليه، وهو أنَّ الطِّفل في مراحله الأولى يبني أحكامه على اكتشاف المحسوسات وتتقوَّى له قوانين قياس الغائب على الشَّاهد، فإن عرَّفه أهله مفهوم الصَّانع، وأخبروه بأنَّ هذا الطعام مصنوع وهذا البيت مصنوع... ثمَّ عرضوا عليه أنَّ لمجموع الأشياء صانعاً فالطِّفل سيوافق على هذا قياساً على ما عرفه، وبعد ذلك يتوهَّم الهل أنَّ هذا علم فطريٌّ عند الطِّفل وليس حاصلاً عن تفكير منه.
أمَّا نقلاً فقد استدلَّ ببعض النُّصوص الشَّريفة عليه، فلننظر فيها...
النَّصُّ الشَّريف الأوَّل: ((وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين))[الأعراف: 172].
وجهة الدَّلالة أنَّ النَّصَّ الشريف صريح بأنَّ الإنسان قبل ولادته عالم بوجود الله تعالى، وأخبر تعالى عن أنَّ هذا لكي لا يقول النَّاس يوم القيامة إنَّهم كانوا غافلين عن العلم بالله تعالى، فلو لم يولد الإنسان على العلم به تعالى لما كان هناك فائدة في الإشهاد.
وضعف هذا الاستدلال أنَّنا بالضَّرورة الواقعيَّة لا نتذكَّر هذا الإشهاد كما لا نتذكر العلم بوجود الله تعالى، والذي يدَّعي وجوب بقاء العلم بوجود الله تعالى مع الإشهاد يلزمه القول بتذكُّر الإشهاد نفسه، وهذا ظاهر البطلان.
فالمفاد من الآية الكريمة أنَّ هناك إشهاداً قبل الولادة، والمدَّعى من المستدلِّ أنَّ الآية الكريمة تفيد حصول العلم بالله تعالى حصولاً مستمرّاً لما بعد الولادة، فالآية الكريمة لا تفيد مطلوبه.
وقد يقال إنَّ هذا الإشهاد ليكون تحمُّل الإنسان للتَّكليف بعلمه، فهو قد أقرَّ في عالم الذَّرِّ بكونه مكلَّفاً. وهذا لكي لا يحتجَّ يوم القيامة بانَّه قد كلِّف بما هو غافل عنه.
والحاصل أنَّ الاستدلال بهذه الآية الكريمة على دعوى العلم الفطريِّ مبطل بحسب الواقع الظَّاهر، ثمَّ يبقى أن كيف نفهم النَّصَّ الشَّريف.
النَّصُّ الشَّريف الثَّاني: قول الله تعالى: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ))[الرُّوم: 30].
وجهة الاستدلال بأنَّه لمَّا كانت إقامة الوجه للدِّين هي فطرة الله تعالى وخلقته للنَّاس فالتَّديُّن بأصل الخِلقَة.
وضعف هذا الاستدلال بأنَّ قوله تعالى: ((فطرة الله التي فطر النَّاس عليها)) يحتمل أن يكون بياناً لـ ((حنيفاً))، فيكون كون الإنسان حنيفاً هو الذي خلق عليه، وكونه حنيفاً يعني كونه مستقيماً إلى شيء مائلاً عن كلِّ ما سواه، أي: كن مستقيماً كما خلقك الله.
ويحتمل أن يكون متعلَّق: ((للدين))، فيكون فطرة النَّاس وخلقتهم ليكونوا مأمورين بالإيمان، فـ ((عليها)) محتمل لأن يفيد هنا معنى أنَّ الخلق مخلوقون لهذا الأمر، وليس أنَّهم مخلوقون متحقِّقين به.
ويدلُّ على هذا المعنى ما روى البخاريُّ في صحيحه أنَّ سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به)، وجهة الدَّلالة أنَّ من يموت على الإقرار بهذه الأمور فقد مات على ما خلقه الله تعالى له. ويزيد الدَّلالة على هذا أنَّ ممَّا ذكر من الأمور هنا الكتاب الكريم والنَّبي صلى الله عليه وسلَّم، ولا خلاف في أن ليس العلم بهما فطرّياً بحسب خلقة الإنسان.
ويدلُّ على بطلان مراد الخصم هاهنا أنَّ الدِّين لو كان فطريّاً للزم أن يكون معلوماً للخلق قبل بعثة الرُّسل عليهم صوات الله تعالى وسلامه، وهو ظاهر البطلان.
وكذلك يدلُّ على بطلان مراد الخصم في الآية الكريمة قول الله تعالى: ((لا تبديل لخلق الله))، فلو كان المقصود بالفطرة هنا العلم بوجود الله تعالى للزم أن لا يتبدَّل هذا العلم بشيء، لكنَّه متبدِّل بالجهل والكفر، فباطل أنَّ الفطرة هي العلم بوجود الله تعالى.
وكذلك يدلُّ على بطلان مراد الخصم ((ولكن أكثر النَّاس لا يعلمون))، فهناك شيء يجهله أكثر النَّاس، فلو كانت الفطرة هي العلم بوجود الله تعالى، والخصم يدَّعي تحقُّق ذلك لجميع النَّاس، للزم أن يكون بعض النَّاس عالمين بالفطرة جاهلين بها معاً، وهو تناقض ظاهر.
والحاصل أنَّ الآية الكريمة في نفسها تمنع فهم الخصم.
وقد يصحُّ إطلاق أنَّ الإسلام دين الفطرة بمعنى أنَّه الموافق لخلقة الإنسان ومصالحه، ثملاً الإسلام يدعو للنَّظافة التي فيها حماية للإنسان، ويدعو لحفظ الأنساب لما فيه من مصالح للبشر بحسب خلقتهم، ويدعو إلى ما يوائم حبَّ التَّملُّك وغير ذلك من الأمور المفيدة للأفراد والمجتمع...
النَّصُّ الشَّريف الثَّالث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) . ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}.
وجهة الدَّلالة أنَّ صيرورة الإنسان يهوديّاً أو نصرانيّاً أو مجوسيّاً بتصيير والديه إيَّاه إلى ذلك، وبالمخالفة إن لم يصيِّره والداه لواحد من تلك الأديان فهو مسلم، وإلا للزم ذكر أنَّ الوالدين يجعلان الطفل مسلماً.
وقد روي عن بعض العلماء تفسير الفطرة بالإسلام.
وضعف هذا الاستدلال من جهات:
الأولى: أن قد روى مسلم في صحيحه أن سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: (كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها). وهذه الرِّواية وإن كان إسنادها أقلَّ صحَّة من غيرها إلا أنَّها لا تنزل عن الحسن، وإيراد مسلم إيَّاها في صحيحه الأصل أنَّه تصحيح لها.
وجهة الدَّلالة أن قد ذكر أنَّه لو كان الوالدان مسلمين فهو مسلم كما أنَّهما لو كانا يهوديَّين فيكون يهوديّاً أو نصرانيَّين فنصرانيّاً... فهذا صريح في أن ليست الفطرة الإسلام.
الثَّانية: أنَّ الاستدلال على أنَّ الفطرة الإسلام لكون غير الإسلام مذكوراً يكون بدلالة المخالفة، ودلالة المخالفة ضعيفة عند الأصوليِّين، فالاستدلال نفسه ضعيف.
الثَّالثة: أنَّ من قال إنَّ كلَّ مولود يولد على الإسلام فإمَّا أن يكون المقصود المعنى اللُّغويُّ للإسلام أو المعنى الشَّرعيُّ.
فإن كان المعنى اللُّغويَّ فالإسلام لغة لا يتضمَّن العلم بالله تعالى، بل هو يكون التسليم لما وصل إليه. فلا يفيد مطلوب الخصم.
وإن كان المعنى الاصطلاحيَّ الشَّرعيُّ فهو ظاهر البطلان، لأنَّ الإسلام كلٌّ يتضمَّن هذه العبادات بخصوصيَّاتها كالصلاة بحركاتها، وهذا بالضَّرورة ليس معلوماً للإنسان لولا التعليم. وكذلك الدِّين مجموع أمور اعتقاديَّة وأمور عمليَّة، ومن الأمور الاعتقاديَّة ما لا خلاف في كونه ليس معلوماً للإنسان بحسب خلقته كالعلم بالملائكة والأنبياء والكتب واليوم الآخر وغير ذلك.
الرَّابعة: أنَّ قول سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) يدلُّ على أنَّ هناك حالة بعد تغير الإنسان عن الأصل الذي يكون عليه، وتلك الحالة بتغيير الوالدين. وبالضَّرورة يُعلم أنَّ الطِّفل لو كان والداه مسلمين فهو سيتغيَّر عن حاله لو لم يكن له والدان أو لو لم يؤثِّر والداه في اعتقاده وأخلاقه وغير ذلك.
الخامسة: أن قد روى مسلم في صحيحه عن سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (وأمَّا الغلام فطبع يوم طبع كافراً).
وجهة الدَّلالة أنَّه قد ولد على الفطرة ككلِّ مولود، فلو كان الفطرة عين الإيمان لكان قد خلق مسلماً كافراً معاًن وهو تناقض.
ويفيد هذا المعنى ما رواه البيهقيُّ في كتاب القضاء والقدر وغيره بإسناد صحيح عن سيدنا ومولانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت كافرا ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت مؤمنا).
وهذا نصٌّ صريح في معارضة كون كلِّ إنسان قد ولد مؤمناً. والمقصود بأن الإنسان يولد مؤمناً أو كافراً بكونه ملحقاً بأهله فله حكمهم، وإذ هو ملحق فليس له قبل تعليهم إيَّاه معتقداً آخر لمعتقدهم، بل يكون خالياً عن الاعتقاد.
والحقُّ أنَّ الفطرة هي الاستعداد الذي خلق الله تعالى الإنسان به بما يتضمَّن قدرته على السَّمع والبصر والتَّفكير، هذه الأمور التي خلق الله تعالى الإنسان بها، وبها يمكن أن يصل إلى العلم بالله تعالى. وعلى هذا فإن قلنا إنَّ الإنسان يعلم الله تعالى بفطرته فيصحُّ هذا المعنى، فخِلقة الإنسان توصله إلى العلم بالله تعالى كما سبق.
سلَّمنا تنزُّلاً أنَّ هذه النُّصوص الشَّريفة تفيد كون الإنسان عالماً بوجود الله تعالى بالفطرة.
يتبع...
ادعى بعض أهل العلم (كما نقل الإمام اللقاني عن الإمام الماتريدي، وما قال الإمام الغزالي في بعض رسائله، رضي الله عن جميعهم) بأن العلم بوجود إله علم ضروري، أي إن الإنسان يعلم بوجود الإله تعالى ابتداء بغير فكر ولا نظر، وبعضهم عبر عن ذلك العلم بكونه فطريا، أي هو غريزي حاصل في خلقة الإنسان، فإن الفطرة هي الخِلقة.
وقد تمسّك بهذا القول الحشوية، ليتهربوا من لزوم إفادة النظر العقلي (صحيح الشرط) العلم اليقيني، ليتهربوا من إلزامهم بقبيح معتقدهم في الله تعالى.
ثم اغتر بعض من لم يتعمق في الأصول بقول هؤلاء المزخرف ووهمه حقا، مع أنه ساقط عند التحقيق (أطلق البعض أن العلم بوجود الله تعالى فطري بمعنى أن الإنسان ذو خلقة تؤهله لأن يصل إلى وجود الله تعالى بفكره، أي إن الإنسان إن ترك بغير مؤثر خارجي فسيكفيه ما له من صفات وعقل في أن يصل إلى وجود الله تعالى. وهذا القول ليس في محل النقاش لخروجه عن محل النزاع).
والذي ندعي أن العلم بوجود الإله تعالى ليس فطريا، بل هو نظري، وأن النظر يجب على كل مكلف بحسب طاقته (فليس يجب على كل مكلف أن ينظر في أدلة المتكلمين، بل يكفيه النظر ولو إجمالا كالأعرابي الذي استدل على وجود الله تعالى بمثل دلالة البعرة على البعير والأثر على المسير)، وأن المقصر في النظر مع قدرته عليه آثم، مع كونه مؤمنا.
وندَّعي أنَّ دعوى العلم الفطريِّ بالله تعالى باطلة، وأنَّها حتَّى لو صدقت فلا عبرة بها رأساً.
ولتكن مناقشة دعوى من قال بأن العلم بوجود الإله تعالى فطري بخطوات خلفيَّة، أي بعد تقرير كلِّ خطوة أرجع إلى الوراء بحيث أسلِّم تنزُّلاً عدم ثبوت الخطوة السَّابقة والتَّسليم تنزُّلاً ليس فيه إقرار ببطلان ما قُرِّر سابقاً، بل هو لتبيين أنَّ ضعف دعوى الخصم من جهات عدَّة لدرجة السُّقوط-...
الخطوة الأولى: أن نثبت بالدَّليل أنَّ العلم بوجود الإله تعالى ليس فطريّاً
وذلك من جهتين:
الأولى: من ضرورة الواقع، وذلك من أن عدم علم الإنسان فطريا بوجود الله تعالى ظاهر جداً، فإن دعوى كون العلم بوجود الإله تعالى فطريا يعني يكون ثبوته للإنسان بحسب خلقته، فيلزم ثبوته للإنسان من بداية وجوده ومن بداية طفولته. لكننا بالمشاهدة نجد كذب هذه الدعوى، فالطفل لا يكون منتبها لمفهوم الصانع لما يراه من أشياء -فضلا عن مفهوم الإله-، وإنما ينتبه لذلك بعد تنبيه الأهل له.
وهذا الأمر حاصل لكل طفل، ليس هناك طفل يثبت عنده مفهوم (الإله) أو (صانع الكون) أو ما يقرب منهما بغير ملقّن خارجي. بل إن الطفل من ولادته إلى عمر معين ينحصر معلومه وفكره في المحسوسات وتفسيرها وطرد الاقترانات بينها، ولو كان عنده إدراك لمفهوم صانع العالم لوجب أن يكون تفكيره مرتبطا بهذه المعلومة بأي شكل، وإذ لم يتحقق ذلك فظاهر جدا عدم علم الطفل بوجود الإله.
طرفة: أحد العوام سمع بعض الحشوية يقول إن العلم بالعلو المكاني لله (تعالى الله عما يقولون) فطري -فضلا عن دعوى كون العلم بوجوده تعالى فطريا-، فرجع إلى طفلَيه الصغيرين فسألهما: أين الله؟ فلم يعرف الطفلان بم يجيبان، فانزعج والدهما وصار يعنفهما ويضربهما ويعيد السؤال وهما لا يجيبانه!
وإنَّما يفعل مثل هذا الشَّخص مثل هذا الفعل لانفعاله بتلك الدَّعوى التي سمع لكونها موافقة لهواه، فإنَّ فرض أنَّ الإله تعالى يخلق في الإنسان علماً ضروريّاً بوجوده تعالى يتضمَّن ما فيه خير للإنسان، ولمَّا كان الإله محبّاً للنَّاس حكيماً فيلزم أن يعطي الإنسان طريقاً قويّاً لمعرفته تعالى. ومبنى هذا الإلزام للإله تعالى على تشبيهه تعالى بالإنسان، فربُّ الأسرة يجب أن يكون محبّاً لأسرته، والإنسان يقبح منه أن لا يريد الخير لمن يقدر عليهم، فيقيسون الله تعالى على البشر في أنَّه يجب عليه فعل الأصلح للبشر. ولذا يستقرب العامِّيُّ هذه الفكرة وأمثالها، ولاستقراب العوامِّ لها تنتشر بينهم بسهولة. ومن هذا تجد من النَّصارى كذلك يحبُّون هذه الفكرة لأنَّ الإله محبٌّ للبشر.
ملحوظة: حاصل هذه الجهة أننا ندعي ضرورة واقعية مشاهدة بطلان دعوى العلم الفطري، فالمخالف في هذا يكون مخالفا للضرورة، فإنما علينا تنبيهه على الصواب، فلئن أنكر بعد التنبيه فهو معاند.
وإنَّما المشكلة مع المنخدع بكلام الحشويَّة لدرجة أن يتشرَّبه فيتوهَّم أنَّه ضروريُّ الثُّبوت في نفسه، فلا يسائل نفسه حتَّى عن ثبوت مدَّعاهم في الواقع.
الثَّانية: دلالة النص الشريف، فذلك بنصوص شريفة كثيرة، منها:
النص الشريف الأول: قول الله تعالى: ((والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)) [النحل: ٧٨].
فهذا النص الشريف صريح بأن الإنسان ولد لا يعلم شيئا، فلا يكون بخلقته عالما بأي شيء، فلا يكون عالما بوجود الله تعالى علما فطريا.
والقول بأن دلالة الآية الكريمة عامة مخصوصة عن العلم بوجود الله تعالى باطل ظاهر البطلان، فإن باقي الآية الكريمة دال على أن الوصول إلى شكر الله تعالى يكون بعد حصول السمع والبصر والفؤاد، فهو حاصل بعد تحقق الفكر. فهذا يوكّد أن الإنسان لم يولد عالما يوجود الله تعالى.
فإن قيل: الطفل يولد عالما بطريقة الرضاعة، فلذلك يقدر على تحريك فمه للرضاعة بعد ولادته مباشرة.
أجيب: هذا ليس علما للطفل، بل هذه حركات آلية لا تكون متعلَّقة الإدراك الواعي، كما أنك يمكن أن تمشي مسافة بعيدة من غير أن تنتبه أنت لزاوية انثناء الركبة ومفاصل الرجل الأخرى.
فإن قيل: العلم بوجود الله تعالى ضروري بعد الولادة.
أجيب: هذه دعوى بلا مستند، وهي باطلة بالمشاهدة. على أنه يلزم أن يظهر أي شيء على الإنسان عند حصول هذه المعلومة، وليس كذلك.
فإن قيل: مشي بعض الحيوان أوَّل ولادته وتحريك الطِّفل شفتيه لرضاعة الحليب أوَّل ولادته فطريٌّ، فلا بدَّ من تخصيص دلالة هذه الآية الكريمة.
أجيب: هذه الأفعال آليَّة يمكن أن تحصل للجنين في بطن أمِّه، وهي تجهيز من الله تعالى لما بعد الولادة، لكنَّها ليست بعلوم لكونها آليَّة، فالخِلقة الآليَّة يمكن تحقُّقها بغير علم. وقد يكون منشأ الوهم هاهنا أنَّ الفعل للكائن الحيِّ معلوم له ما دام إراديّاً، لكنَّا لا نسلِّم أن ذلك الكائن الحيَّ مريد لتلك الحركات التَّفصيليَّة.
النص الشريف الثاني: قول الله تعالى: ((قالت رسلهم أفي الله شك فاطرِ السموات والأرض))[إبراهيم: ١٠].
ودلالة هذا النص الشريف صريحة في أن العلم بوجود الله تعالى يتحقق بالعلم بكون السموات والأرض مفطورتين مخلوقتين، فهنا تعريف للإله تعالى بوصفه كونه خالقا للسموات والأرض، وهذا إنَّما يُعلم بالدَّليل العقليِّ في النَّظر في السَّموات والأرض. فلو كان العلم بوجوده تعالى فطريا لما استدلوا على وجوده تعالى بتعريفه بكون السموات والأرض مفطورتين منه تعالى، بل لكفاهم بكلِّ يسر أن ينبِّهوا النَّاس على ما يعلمون بخلقتهم، بدل أن يدلُّوهم على أدلَّة عقليَّة في التَّفكُّر في المخلوقات.
النص الشريف الثالث: قول الله تعالى: ((فأتيا فرعون فقولا إنَّا رسولا ربِّ العالمين))[الشُّعراء: 16] ثمَّ أخبر تعالى عن سؤال فرعون عن معنى (رب العالمين)، فقال تعالى: ((قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. قال لمن حوله ألا تستمعون. قال ربكم ورب آبائكم الأوَّلين. قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون))[الشعراء: 23-28].
فهذا الحوار يتضمَّن استفهام فرعون عن معنى (رب العالمين)، وتعريف سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لرب العالمين بأنَّه تعالى رب السموات والأرض وغيرهما، والربُّ المدبِّرُّ، فهو يعرِّف الله تعالى من حيث هو المدبِّر للكون. ثمَّ يحيل العلم بوجود رب العالمين إلى تعقُّل من يخاطبهم ((إن كنتم تعقلون))، فدلَّ ذلك على أنَّ تحقُّق العلم بذلك بالنَّظر والفكر، فبالضَّرورة ليس بالخِلقة.
النَّصُّ الشَّريف الرَّابع: قول الله تعالى: ((يا أيُّها النَّاس إن كنتم في ريب من البعث فإنَّا خلقناكم من تراب ثمَّ من نطفة ثمَّ من علقة ثمَّ من مضغة مخلَّقة وغير مخلَّقة لنبيِّن لكم ونقرُّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمَّى ثمَّ نخرجكم طفلاً ثمَّ لتلبغوا أشدَّكم ومنكم من يُتوفَّى ومنكم من يُردُّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزَّت وربت وأنبتت من كلِّ زوج بهيج. ذلك بأنَّ الله هو الحقُّ وأنَّه يحيي الموتى وأنَّه على كلِّ شيء قدير))[الحج: 5-6].
ففي الآيتين الكريمتين ذكر كون خلق الإنسان على مراحل وأنَّ الماء ينزل على الأرض فتهتز وتنبت، ثمَّ ذكر كون هذين الأمرين دالَّين على أنَّ الله تعالى موجود على كلِّ شيء قدير. وليس فيهما بيان جهة دلالة كون خلق الإنسان على مراحل وإنزال الماء ثمَّ النبات على كون الله تعالى موجوداً حقّاً، وإنَّما تُعرف جهة الدَّلالة بنظرنا وتفكُّرنا في هذين الأمرين. فإذن تكون الدَّلالة هنا على الدَّلالة المعلومة بالعقل.
ويفيدنا هذا أمرين:
الأوَّل: أنَّ العلم بوجود الله تعالى يتحقَّق بالنَّظر.
الثَّاني: أنَّ العلم بوجود الله تعالى ليس فطريّاً، فلا معنى لدلالة الخلق على الأدلَّة النَّظريَّة لشيء يعلمونه بالضَّرورة (وعلى التَّسليم تنزُّلاً بالعلم الفطريِّ فإنَّ هذه النُّصوص الشَّريفة تفيد أنَّ العلم الفطريَّ ليس معتبراً، بل المعتبر الدَّلالة بالفكر والنَّظر).
وهناك نصوص شريفة عدَّة فيها ذكر ما به الدَّلالة لمن يتفَّكرون كدلالة هذه الآية الكريمة.
النَّصُّ الشَّريف الخامس: قول الله تعالى: ((قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق))[العنكبوت: 20]، وكذلك هناك نصوص شريفة كثيرة فيها الحضُّ على النَّظر والتَّفكُّر. فالنَّظر العقليُّ واجب علينا معتبر للعلم بوجود الله تعالى، فليس العلم فطريّاً.
وهناك نصوص شريفة أخرى فيها مدح المتفكِّرين في خلق السَّموات والأرض، وهي دالَّة على هذا المعنى.
فدلَّ ذلك كلُّه أنَّ طريق العلم بالله تعالى وعدد من صفاته تعالى يكون بالنَّظر والتَّفكُّر منَّا، فلا يكون العلم به تعالى ضروريّاً. فتكون دعوى العلم الفطريِّ ظاهرة البطلان.
ولو استقرينا النُّصوص الشَّريفة التي تدلُّ على هذا المعنى الكلِّيِّ لوجدناها كثيرة بحيث لا يبقى شكٌّ في أنَّ العلم بالله تعالى ليس فطريّاً لكنَّ المشكلة في انحصار تفكير البعض في ما يريدون هم إثباته، فما يوافق مرادهم أخذوا به وما يخالفه لا ينتبهون إليه رأساً-.
فإن قيل: صحَّة الاستدلال العقليِّ على وجود الإله تعالى لا ينافي ثبوت العلم به تعالى بالفطرة، فإنَّ الأدلة تصلح لمن انتكست فطرته.
أجيب: بل لو كان العلم فطريّاً لكان الأيسرَ جدّاً والأعمَّ فائدة التَّذكيرُ به بدل ذكر أدلَّة عقليَّة يُحتاج فيها إلى جهد في التَّفكُّر.
سلَّمنا تنزُّلاً أن ليس يثبت دليل على أنَّ العلم بوجود الله تعالى
الخطوة الثَّانية: لا نسلِّم أنَّ هناك ما يدلُّ على أنَّ هناك علماً فطريّاً بوجود الله تعالى
فقد ادَّعى الخصم أدلَّة تجريبيَّة ونقليَّة على حصول الفطرة الإنسانيَّة بالعلم بالله تعالى...
أمَّا التَّجريبيَّة فقالوا: التَّديُّن حاصل في المجتمعات البشريَّة كلِّها عبر الزَّمان كلِّه، فهذا يدلُّ على أنَّ هذا الأمر الطَّبيعيُّ عند البشر. والبشر عند حصول الشِّدَّة عندهم يلتجئون إلى الله تعالى حتَّى لو كانوا مشركين أو ملحدين. والإنسان عنده أسئلة طبيعيَّة عن الوجود والمبدأ والمعاد. والإنسان يشعر بحاجته إلى الإله المدبِّر لشعوره بنقصه.
فيجاب بأنَّ هذه كلُّها ضعيفة لا تفيد هذا المطلوب، لأنَّ كلَّ واحد منها يمكن تفسيره تفسيراً قريباً بما لا يوجب أنها عن الفطرة.
أمَّا أنَّ التَّديُّن في كلِّ المجتمعات الإنسانيَّة فلأنَّ الله تعالى أراد أن يرسل إلى كلِّ مجتمع رسولاً.
وأمَّا أنَّ الإنسان يلجأ في الشِّدَّة إلى الله تعالى فهذا بعد أن طرق سمعه السَّابق أن هناك إلها، فحتَّى لو كان ملحداً فهو في تلك اللَّحظة سيتعلَّق بأيِّ شيء ولو كان وهماً عنده. والنُّصوص الشَّريفة تذمُّ المشركين الذين يعتقدون بالإله تعالى ويعتقدون معه آلهة أضعف منه، فلئن أصابتهم شدَّة التجؤوا إلى الأقوى بحسب ما يعتقدون. وليس لكون الأمر فطريّاً.
وأمَّا الأسئلة الطَّبيعيَّة للإنسان عن وجوده ومبدأه ومعاده فطبيعيٌّ ما دام عاقلاً، فهذا الأمر مهمٌّ. بل لو كان العلم بالإله تعالى فطريّاً لما كان هناك حاجة لمثل هذه التَّساؤلات أصلاً.
وأمَّا الشُّعور بالحاجة إلى الإله فدعوى باطلة، بل يكون هناك شعور بالحاجة إلى الغير بحسب ما يصيب الإنسان وما يراه من عجزه، وليس لإله.
وقد ترجم بعضهم كتب بعض النَّصارى في أنَّ العلم الفطريَّ بالإله مدرك بالتَّجربة! أي إنَّهم قد أجروا تجارب مع الأطفال فوجودهم مفضِّلين للقول بصانع للعالم.
والحقُّ هاهنا أنَّ هناك مشاهدات يشاهدها الأهل لأحوال تحصل لأولادهم، ثمَّ يفسِّرها الأهل والمجرِّبون بما يوافق تصوُّراتهم، فالإنسان لحصول فكرة العلم الفطريِّ عنده إذا عرض على طفل مثلاً أنَّ العالم قديم ليس له صانع ورأى الطِّفل مستغرباً لهذا القول فسيقول إنَّ هذا دليل على أنَّ الطِّفل عنده علم فطريٌّ بالخالق. وهذه مغالطة في الاستدلال لا تخفى عن منصف. وهناك تفسيرات كثيرة يمكن أن يُفسَّر بها أقوال الأطفال وتصرُّفاتهم بما لا يوجب صحَّة هذا التَّفسير بعينه.
ثمَّ إنَّ المغالطة كذلك من جهة أخرى وهي أن يدَّعى حصول العلم الفطريِّ لجميع الأطفال مع أنَّ المجرَّب قليل نادر منهم، والتَّجربة مع الأغلب الأعمِّ جدّاً لا تفيد هذه النَّتيجة، بل تفيد نقيضها، فكيف يدَّعى ثبوت شيء بناء على تفسيرات لمشاهدات نادرة في مقابل تجارب أكثر جدّاً تناقضها؟! إلا أن يقال إنَّ هذا العلم الفطريَّ حاصل للبعض الأطفال دون بعض، وهذا لا يقول به أحد. هذا لو سلَّمنا صحَّة روايات القصص وسلَّمنا تفسيرها بما يدَّعون.
وعلى كلِّ حال...
لن نجد طفلاً قادراً على التَّعبير يبتدئ من نفسه بذكر صانع للعالم، وإنَّما يحتمل أن نجد طفلاً إن سألناه عن شيء متعلِّق بهذا أجاب بما يُتوهَّم منبنيأً على علم فطريٍّ، فمثلاً لو عرضنا هذه القضيَّة على طفل فربما نجد عنده اندهاشاَ أو سروراً بما تمَّ تلقينه به، فيُتوهَّم أن هذا دليل على موافقة الطِّفل لكونه عالماً به أصلاً، لكنَّ الواقع أنَّ الطِّفل يوافق أهله على ما يلقنونه به ثقة بهم كأيِّ معلومة أخرى في أيِّ مجال آخر ما لم تكن مخالفة لمحسوسه هو.
وكذلك هاهنا أمر ظاهر إنَّما أنبِّه عليه، وهو أنَّ الطِّفل في مراحله الأولى يبني أحكامه على اكتشاف المحسوسات وتتقوَّى له قوانين قياس الغائب على الشَّاهد، فإن عرَّفه أهله مفهوم الصَّانع، وأخبروه بأنَّ هذا الطعام مصنوع وهذا البيت مصنوع... ثمَّ عرضوا عليه أنَّ لمجموع الأشياء صانعاً فالطِّفل سيوافق على هذا قياساً على ما عرفه، وبعد ذلك يتوهَّم الهل أنَّ هذا علم فطريٌّ عند الطِّفل وليس حاصلاً عن تفكير منه.
أمَّا نقلاً فقد استدلَّ ببعض النُّصوص الشَّريفة عليه، فلننظر فيها...
النَّصُّ الشَّريف الأوَّل: ((وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين))[الأعراف: 172].
وجهة الدَّلالة أنَّ النَّصَّ الشريف صريح بأنَّ الإنسان قبل ولادته عالم بوجود الله تعالى، وأخبر تعالى عن أنَّ هذا لكي لا يقول النَّاس يوم القيامة إنَّهم كانوا غافلين عن العلم بالله تعالى، فلو لم يولد الإنسان على العلم به تعالى لما كان هناك فائدة في الإشهاد.
وضعف هذا الاستدلال أنَّنا بالضَّرورة الواقعيَّة لا نتذكَّر هذا الإشهاد كما لا نتذكر العلم بوجود الله تعالى، والذي يدَّعي وجوب بقاء العلم بوجود الله تعالى مع الإشهاد يلزمه القول بتذكُّر الإشهاد نفسه، وهذا ظاهر البطلان.
فالمفاد من الآية الكريمة أنَّ هناك إشهاداً قبل الولادة، والمدَّعى من المستدلِّ أنَّ الآية الكريمة تفيد حصول العلم بالله تعالى حصولاً مستمرّاً لما بعد الولادة، فالآية الكريمة لا تفيد مطلوبه.
وقد يقال إنَّ هذا الإشهاد ليكون تحمُّل الإنسان للتَّكليف بعلمه، فهو قد أقرَّ في عالم الذَّرِّ بكونه مكلَّفاً. وهذا لكي لا يحتجَّ يوم القيامة بانَّه قد كلِّف بما هو غافل عنه.
والحاصل أنَّ الاستدلال بهذه الآية الكريمة على دعوى العلم الفطريِّ مبطل بحسب الواقع الظَّاهر، ثمَّ يبقى أن كيف نفهم النَّصَّ الشَّريف.
النَّصُّ الشَّريف الثَّاني: قول الله تعالى: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ))[الرُّوم: 30].
وجهة الاستدلال بأنَّه لمَّا كانت إقامة الوجه للدِّين هي فطرة الله تعالى وخلقته للنَّاس فالتَّديُّن بأصل الخِلقَة.
وضعف هذا الاستدلال بأنَّ قوله تعالى: ((فطرة الله التي فطر النَّاس عليها)) يحتمل أن يكون بياناً لـ ((حنيفاً))، فيكون كون الإنسان حنيفاً هو الذي خلق عليه، وكونه حنيفاً يعني كونه مستقيماً إلى شيء مائلاً عن كلِّ ما سواه، أي: كن مستقيماً كما خلقك الله.
ويحتمل أن يكون متعلَّق: ((للدين))، فيكون فطرة النَّاس وخلقتهم ليكونوا مأمورين بالإيمان، فـ ((عليها)) محتمل لأن يفيد هنا معنى أنَّ الخلق مخلوقون لهذا الأمر، وليس أنَّهم مخلوقون متحقِّقين به.
ويدلُّ على هذا المعنى ما روى البخاريُّ في صحيحه أنَّ سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به)، وجهة الدَّلالة أنَّ من يموت على الإقرار بهذه الأمور فقد مات على ما خلقه الله تعالى له. ويزيد الدَّلالة على هذا أنَّ ممَّا ذكر من الأمور هنا الكتاب الكريم والنَّبي صلى الله عليه وسلَّم، ولا خلاف في أن ليس العلم بهما فطرّياً بحسب خلقة الإنسان.
ويدلُّ على بطلان مراد الخصم هاهنا أنَّ الدِّين لو كان فطريّاً للزم أن يكون معلوماً للخلق قبل بعثة الرُّسل عليهم صوات الله تعالى وسلامه، وهو ظاهر البطلان.
وكذلك يدلُّ على بطلان مراد الخصم في الآية الكريمة قول الله تعالى: ((لا تبديل لخلق الله))، فلو كان المقصود بالفطرة هنا العلم بوجود الله تعالى للزم أن لا يتبدَّل هذا العلم بشيء، لكنَّه متبدِّل بالجهل والكفر، فباطل أنَّ الفطرة هي العلم بوجود الله تعالى.
وكذلك يدلُّ على بطلان مراد الخصم ((ولكن أكثر النَّاس لا يعلمون))، فهناك شيء يجهله أكثر النَّاس، فلو كانت الفطرة هي العلم بوجود الله تعالى، والخصم يدَّعي تحقُّق ذلك لجميع النَّاس، للزم أن يكون بعض النَّاس عالمين بالفطرة جاهلين بها معاً، وهو تناقض ظاهر.
والحاصل أنَّ الآية الكريمة في نفسها تمنع فهم الخصم.
وقد يصحُّ إطلاق أنَّ الإسلام دين الفطرة بمعنى أنَّه الموافق لخلقة الإنسان ومصالحه، ثملاً الإسلام يدعو للنَّظافة التي فيها حماية للإنسان، ويدعو لحفظ الأنساب لما فيه من مصالح للبشر بحسب خلقتهم، ويدعو إلى ما يوائم حبَّ التَّملُّك وغير ذلك من الأمور المفيدة للأفراد والمجتمع...
النَّصُّ الشَّريف الثَّالث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) . ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}.
وجهة الدَّلالة أنَّ صيرورة الإنسان يهوديّاً أو نصرانيّاً أو مجوسيّاً بتصيير والديه إيَّاه إلى ذلك، وبالمخالفة إن لم يصيِّره والداه لواحد من تلك الأديان فهو مسلم، وإلا للزم ذكر أنَّ الوالدين يجعلان الطفل مسلماً.
وقد روي عن بعض العلماء تفسير الفطرة بالإسلام.
وضعف هذا الاستدلال من جهات:
الأولى: أن قد روى مسلم في صحيحه أن سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: (كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها). وهذه الرِّواية وإن كان إسنادها أقلَّ صحَّة من غيرها إلا أنَّها لا تنزل عن الحسن، وإيراد مسلم إيَّاها في صحيحه الأصل أنَّه تصحيح لها.
وجهة الدَّلالة أن قد ذكر أنَّه لو كان الوالدان مسلمين فهو مسلم كما أنَّهما لو كانا يهوديَّين فيكون يهوديّاً أو نصرانيَّين فنصرانيّاً... فهذا صريح في أن ليست الفطرة الإسلام.
الثَّانية: أنَّ الاستدلال على أنَّ الفطرة الإسلام لكون غير الإسلام مذكوراً يكون بدلالة المخالفة، ودلالة المخالفة ضعيفة عند الأصوليِّين، فالاستدلال نفسه ضعيف.
الثَّالثة: أنَّ من قال إنَّ كلَّ مولود يولد على الإسلام فإمَّا أن يكون المقصود المعنى اللُّغويُّ للإسلام أو المعنى الشَّرعيُّ.
فإن كان المعنى اللُّغويَّ فالإسلام لغة لا يتضمَّن العلم بالله تعالى، بل هو يكون التسليم لما وصل إليه. فلا يفيد مطلوب الخصم.
وإن كان المعنى الاصطلاحيَّ الشَّرعيُّ فهو ظاهر البطلان، لأنَّ الإسلام كلٌّ يتضمَّن هذه العبادات بخصوصيَّاتها كالصلاة بحركاتها، وهذا بالضَّرورة ليس معلوماً للإنسان لولا التعليم. وكذلك الدِّين مجموع أمور اعتقاديَّة وأمور عمليَّة، ومن الأمور الاعتقاديَّة ما لا خلاف في كونه ليس معلوماً للإنسان بحسب خلقته كالعلم بالملائكة والأنبياء والكتب واليوم الآخر وغير ذلك.
الرَّابعة: أنَّ قول سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) يدلُّ على أنَّ هناك حالة بعد تغير الإنسان عن الأصل الذي يكون عليه، وتلك الحالة بتغيير الوالدين. وبالضَّرورة يُعلم أنَّ الطِّفل لو كان والداه مسلمين فهو سيتغيَّر عن حاله لو لم يكن له والدان أو لو لم يؤثِّر والداه في اعتقاده وأخلاقه وغير ذلك.
الخامسة: أن قد روى مسلم في صحيحه عن سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (وأمَّا الغلام فطبع يوم طبع كافراً).
وجهة الدَّلالة أنَّه قد ولد على الفطرة ككلِّ مولود، فلو كان الفطرة عين الإيمان لكان قد خلق مسلماً كافراً معاًن وهو تناقض.
ويفيد هذا المعنى ما رواه البيهقيُّ في كتاب القضاء والقدر وغيره بإسناد صحيح عن سيدنا ومولانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت كافرا ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت مؤمنا).
وهذا نصٌّ صريح في معارضة كون كلِّ إنسان قد ولد مؤمناً. والمقصود بأن الإنسان يولد مؤمناً أو كافراً بكونه ملحقاً بأهله فله حكمهم، وإذ هو ملحق فليس له قبل تعليهم إيَّاه معتقداً آخر لمعتقدهم، بل يكون خالياً عن الاعتقاد.
والحقُّ أنَّ الفطرة هي الاستعداد الذي خلق الله تعالى الإنسان به بما يتضمَّن قدرته على السَّمع والبصر والتَّفكير، هذه الأمور التي خلق الله تعالى الإنسان بها، وبها يمكن أن يصل إلى العلم بالله تعالى. وعلى هذا فإن قلنا إنَّ الإنسان يعلم الله تعالى بفطرته فيصحُّ هذا المعنى، فخِلقة الإنسان توصله إلى العلم بالله تعالى كما سبق.
سلَّمنا تنزُّلاً أنَّ هذه النُّصوص الشَّريفة تفيد كون الإنسان عالماً بوجود الله تعالى بالفطرة.
يتبع...
تعليق