مما يعين على المعنى عند الإشكال أمور
-----------------------------------------------------------------
أحدها رد الكلمة لضدها كقوله تعالى ) ولا تطع منهم آثما أو كفورا ( أي ولا كفورا والطريقة أن يرد النهى منه إلى الأمر فنقول معنى أطع هذا أو هذا أطع أحدهما وعلى هذا معناه فى النهى ولا تطع واحدا منهما
الثانى ردها إلى نظيرها كما فى قوله تعالى ) يوصيكم الله في أولادكم ( فهذا عام وقوله ) فوق اثنتين ( قول حد أحد طرفيه وأرخى الطرف الآخر إلى غير نهاية لأن أول ما فوق الثنتين الثلاث وآخره لا نهاية له وقوله ) وإن كانت واحدة (محدوده الطرفين فالثنتان خارجتان من هذا الفصل وأمسك الله عن ذكر الثنتين وذكر الواحده والثلاث وما فوقها وأما قوله في الأخوات ) إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ( الآية فذكر الواحده والاثنتين وأمسك عن ذكر الثلاث وما فوقهن فضمن كل واحد من الفصلين ما كف عن ذكره في الاخر فوجب حمل كل واحد منهما فيما امسك عنه فيه على ما ذكره في غيره
الثالث
ما يتصل بها من خبر أو شرط او ايضاح في معنى آخر كقوله تعالى ) من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ( يحتمل أن يكون معناها من كان يريد أن يعز أو تكون العزة له لكن قوله تعالى ) فلله العزة جميعا ( يحتمل أن يكون معناها من كان أن يعلم لمن العزة فإنها لله
وكذلك قوله ) إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ( فإنه لا دلالة فيها على الحال التي هي شرط في عقوبته المعينة وأنواع المحاربة والفساد كثيرة وإنما استفيدت الحال من الادلة الدالة على أن القتل على من قتل ولم يأخذ المال والصلب على من جمعها والقطع على من أخذ المال ولم يقتل والنفي على من لم يفعل شيئا من ذلك سوى السعي في الأرض بالفساد
الرابع
دلالة السياق فإنها ترشد الى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن اهمله غلط في نظيره وغالط في مناظراته وانظر إلى قوله تعالى ) ذق إنك أنت العزيز الكريم (
كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير
الخامس
ملاحظة النقل عن المعنى الأصلي وذلك أنه قد يستعار الشيء لمشابهة ثم يستعار من المشابه لمشابه المشابه ويتباعد عن المسمى الحقيقي بدرجات فيذهب عن الذهن الجهة المسوغة لنقه من الأول إلى الآخر وطريق معرفة ذلك بالتدريج كقوله تعالى ) لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ( وذلك أن اصل دون للمكان الذي هو أنزل من مكان غيره ومنه الشيء الدون للحقير ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو في العلم والشرف ثم اتسع فيه فاستعير في كل ما يتجاوز حدا إلى حد وتخطى حكما إلى حكم آخر كما في الآية المذكورة والتقدير لا تتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين
وكذلك قوله تعالى ) وادعوا شهداءكم من دون الله ( أي تجاوزوا الله في دعائكم إلى دعاء آلهتكم الذين تزعمون أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أي لاتستشهدوا بالله فإنها حجة يركن إليها العاجز عن البينات من الناس بل ائتوا ببينة تكون حجة عند الحكام وهذا يؤذن بأنه لم يبق تشبث سوى قولهم الله يشهد لنا عليكم هذا إذا جعلت من دون الله متعلقا بادعوا فإن جعلته متعلقا ب ) شهداءكم ( احتمل معنيين أحدهما أن يكون المعنى ادعوا الذين تجاوزتم في زعمكم شهادة الله أي شهادتهم لكم يوم القيامة والثاني على أن يراد بشهدائكم آلهتكم أي ادعوا الذين تجاوزتم في اتخاذكم ألوهية الله إلى ألوهيتهم
ويحتمل أن يكون التقدير من دون الله أي من غير المؤمنين يشهدون لكم أنكم آمنتم بمثله وفي هذا إرخاء عنان الاعتماد على أن فصحاءهم تأنف نفوسهم من مساجلة الحق الجلي بالباطل اللجلجي وتعليقه بادعوا على هذا جائز
ومنه قوله تعالى ) أو كالذي مر على قرية ( فإنه عطفه على قوله ) ألم تر ( لأنها بمعنى هل رأيت
السادس
معرفة النزول وهو من أعظم المعين على فهم المعنى وسبق منه في أول الكتاب جملة وكانت الصحابة والسلف يعتمدونه وكان عروة بن الزبير قد فهم من قوله تعالى ) فلا جناح عليه أن يطوف بهما ( أن السعي ليس بركن فردت عليه عاشئة ذلك وقالت لو كان كما قلت لقال فلاجناح عليه ألا يطوف بهما وثبت أنه إنما أتى بهذه الصيغة لأنه كان وقع فزع في قلوب طائفة من الناس كانوا يطوفون قبل ذلك بين الصفا والمروة للأصنام فلما جاء الإسلام كرهوا الفعل الذي كانوا يشركون به فرفع الله ذلك الجناح من قلوبهم وأمرهم بالطواف رواه البخاري في صحيحه فثبت أنها نزلت ردا على من كان يمتنع من السعي
ومن ذلك قصة مروان بن الحكم سؤاله ابن عباس لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعبذن اجمعون فقال ابن عباس هذه الآيات
نزلت في أهل الكتاب ثم تلا ) وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ( وتلا ) لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ( قال ابن عباس سألهم النبي صلى الله عليه وسلّم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سالهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه
وقد سبق فيه كلام في النوع الآول في معرفة سبب النزول فاستحضره ومن هذا ما قاله الشافعي في قوله تعالى ) قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما ( انه لا متمسك فيها لمالك على العموم لأنهم سألوا رسول الله عن اشياء فأجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء وحكاه غير سعيد بن جبير
السابع
السلامة من التدافع كقوله تعالى ) وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ( فإنه يحتمل ان الطوائف لا تنفر من أماكنها وبواديها جملة بل بعضهم لتحصيل التفقه بوفودهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا رجعوا إلى قومهم أعلموهم بما حصل لهم والفائدة في كونهم لاينفرون جميعا عن بلادهم حصول المصلحة في حفظ من يتخلف من بعضهم ممن لا يمكن نفيره
ويحتمل أن يكون المراد بالفئة النافرة هي من تسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه وسراياه والمعنى حينئذ انه ما كان لهم ان ينفروا اجمعين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه لتحصيل المصالح المتعلقة ببقاء من يبقى في المدينة والفئة النافرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفقه في الدين بسبب ما يؤمرون به ويسمعون منه فإذا رجعوا إلى من بقي بالمدينة اعلموهم بما حصل لهم في صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم من العلم والاحتمالان قولان للمفسرين
قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد والأقرب عندي هو الاحتمال الأول لأنا لو حملناه على الاحتمال الثاني لخالفه ظاهر قوله تعالى ) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ( وقوله تعالى ) فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ( فإن ذلك يقتضي اما طلب الجميع بالنفير او أباحته وذلك في ظاهره يخالف النهي عن نفر الجميع وإذا تعارض محملان يلزم من احدهما معارضته ولا يلزم من الآخر فالثاني اولى ولا نعني بلزوم التعارض لزوما لا يجاب عنه ولا يتخرج على وجه مقبول بل ما هو اعم من ذلك فإن ما أشرنا إليه من الآيتين يجاب عنه بحمل ) أو ( في قوله ) أو انفروا جميعا ( على التفصيل دون التخيير كما رضيه بعض المتأخرين من النحاة فيكون نفيرهم ثبات مما لايدعون الحاجة الى نفيرهم فيه جميعا ونفيرهم جميعا فيما تدعو الحاجة اليه ويحمل قوله ) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ( على ما اذا كان الرسول هو النافر للجهاد ولم تحصل الكفاية الا بنفير الجميع ممن يصلح للجهاد فهذا اولى من قول من يقول بالنسخ
او ان تكون هذه الاية ناسخة لما اقتضى النفير جميعا
ومن المفسرين من يقول عن منع النفير جميعا حيث يكون رسول الله عليه الصلاة والسلام بالمدينة فليس لهم ان ينفروا جميعا ويتركوه وحده
والحمل ايضا على هذا التفسير الذي ذكرناه اولى من هذا لآن اللفظ يقتضي ان نفيرهم للتفقه في الدين والإنذار ونفيرهم مع بقاء رسول الله عليه الصلاة والسلام بعدهم لايناسبه التعليل بالتفقه في الدين اذ التفقه منه عليه الصلاة والسلام وتعلم الشرائع من جهته فكيف يكون خروجهم عليه معللا للتفقه في الدين
ومنه قوله تعالى ) فاتقوا الله ما استطعتم ( فإنه يحتمل ان يكون من باب التسهيل والتخفيف ويحتمل ان يكون من باب التشديد بمعنى انه ما وجدت الاستطاعة فاتقوا أي لاتبقى من الاستطاعة شيء
وبمعنى التخفيف يرجع الى ان المعنى فاتقوا الله ماتيسر عليكم او ما امكنكم من غير عسر قال الشيخ تقي الدين الفشيري ويصلح معنى التخصيص قوله عليه الصلاة والسلام" اذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "
-----------------
الزركشي
البرهان قي علوم القرآن
-----------------------------------------------------------------
أحدها رد الكلمة لضدها كقوله تعالى ) ولا تطع منهم آثما أو كفورا ( أي ولا كفورا والطريقة أن يرد النهى منه إلى الأمر فنقول معنى أطع هذا أو هذا أطع أحدهما وعلى هذا معناه فى النهى ولا تطع واحدا منهما
الثانى ردها إلى نظيرها كما فى قوله تعالى ) يوصيكم الله في أولادكم ( فهذا عام وقوله ) فوق اثنتين ( قول حد أحد طرفيه وأرخى الطرف الآخر إلى غير نهاية لأن أول ما فوق الثنتين الثلاث وآخره لا نهاية له وقوله ) وإن كانت واحدة (محدوده الطرفين فالثنتان خارجتان من هذا الفصل وأمسك الله عن ذكر الثنتين وذكر الواحده والثلاث وما فوقها وأما قوله في الأخوات ) إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ( الآية فذكر الواحده والاثنتين وأمسك عن ذكر الثلاث وما فوقهن فضمن كل واحد من الفصلين ما كف عن ذكره في الاخر فوجب حمل كل واحد منهما فيما امسك عنه فيه على ما ذكره في غيره
الثالث
ما يتصل بها من خبر أو شرط او ايضاح في معنى آخر كقوله تعالى ) من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ( يحتمل أن يكون معناها من كان يريد أن يعز أو تكون العزة له لكن قوله تعالى ) فلله العزة جميعا ( يحتمل أن يكون معناها من كان أن يعلم لمن العزة فإنها لله
وكذلك قوله ) إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ( فإنه لا دلالة فيها على الحال التي هي شرط في عقوبته المعينة وأنواع المحاربة والفساد كثيرة وإنما استفيدت الحال من الادلة الدالة على أن القتل على من قتل ولم يأخذ المال والصلب على من جمعها والقطع على من أخذ المال ولم يقتل والنفي على من لم يفعل شيئا من ذلك سوى السعي في الأرض بالفساد
الرابع
دلالة السياق فإنها ترشد الى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن اهمله غلط في نظيره وغالط في مناظراته وانظر إلى قوله تعالى ) ذق إنك أنت العزيز الكريم (
كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير
الخامس
ملاحظة النقل عن المعنى الأصلي وذلك أنه قد يستعار الشيء لمشابهة ثم يستعار من المشابه لمشابه المشابه ويتباعد عن المسمى الحقيقي بدرجات فيذهب عن الذهن الجهة المسوغة لنقه من الأول إلى الآخر وطريق معرفة ذلك بالتدريج كقوله تعالى ) لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ( وذلك أن اصل دون للمكان الذي هو أنزل من مكان غيره ومنه الشيء الدون للحقير ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو في العلم والشرف ثم اتسع فيه فاستعير في كل ما يتجاوز حدا إلى حد وتخطى حكما إلى حكم آخر كما في الآية المذكورة والتقدير لا تتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين
وكذلك قوله تعالى ) وادعوا شهداءكم من دون الله ( أي تجاوزوا الله في دعائكم إلى دعاء آلهتكم الذين تزعمون أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أي لاتستشهدوا بالله فإنها حجة يركن إليها العاجز عن البينات من الناس بل ائتوا ببينة تكون حجة عند الحكام وهذا يؤذن بأنه لم يبق تشبث سوى قولهم الله يشهد لنا عليكم هذا إذا جعلت من دون الله متعلقا بادعوا فإن جعلته متعلقا ب ) شهداءكم ( احتمل معنيين أحدهما أن يكون المعنى ادعوا الذين تجاوزتم في زعمكم شهادة الله أي شهادتهم لكم يوم القيامة والثاني على أن يراد بشهدائكم آلهتكم أي ادعوا الذين تجاوزتم في اتخاذكم ألوهية الله إلى ألوهيتهم
ويحتمل أن يكون التقدير من دون الله أي من غير المؤمنين يشهدون لكم أنكم آمنتم بمثله وفي هذا إرخاء عنان الاعتماد على أن فصحاءهم تأنف نفوسهم من مساجلة الحق الجلي بالباطل اللجلجي وتعليقه بادعوا على هذا جائز
ومنه قوله تعالى ) أو كالذي مر على قرية ( فإنه عطفه على قوله ) ألم تر ( لأنها بمعنى هل رأيت
السادس
معرفة النزول وهو من أعظم المعين على فهم المعنى وسبق منه في أول الكتاب جملة وكانت الصحابة والسلف يعتمدونه وكان عروة بن الزبير قد فهم من قوله تعالى ) فلا جناح عليه أن يطوف بهما ( أن السعي ليس بركن فردت عليه عاشئة ذلك وقالت لو كان كما قلت لقال فلاجناح عليه ألا يطوف بهما وثبت أنه إنما أتى بهذه الصيغة لأنه كان وقع فزع في قلوب طائفة من الناس كانوا يطوفون قبل ذلك بين الصفا والمروة للأصنام فلما جاء الإسلام كرهوا الفعل الذي كانوا يشركون به فرفع الله ذلك الجناح من قلوبهم وأمرهم بالطواف رواه البخاري في صحيحه فثبت أنها نزلت ردا على من كان يمتنع من السعي
ومن ذلك قصة مروان بن الحكم سؤاله ابن عباس لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعبذن اجمعون فقال ابن عباس هذه الآيات
نزلت في أهل الكتاب ثم تلا ) وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ( وتلا ) لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ( قال ابن عباس سألهم النبي صلى الله عليه وسلّم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سالهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه
وقد سبق فيه كلام في النوع الآول في معرفة سبب النزول فاستحضره ومن هذا ما قاله الشافعي في قوله تعالى ) قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما ( انه لا متمسك فيها لمالك على العموم لأنهم سألوا رسول الله عن اشياء فأجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء وحكاه غير سعيد بن جبير
السابع
السلامة من التدافع كقوله تعالى ) وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ( فإنه يحتمل ان الطوائف لا تنفر من أماكنها وبواديها جملة بل بعضهم لتحصيل التفقه بوفودهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا رجعوا إلى قومهم أعلموهم بما حصل لهم والفائدة في كونهم لاينفرون جميعا عن بلادهم حصول المصلحة في حفظ من يتخلف من بعضهم ممن لا يمكن نفيره
ويحتمل أن يكون المراد بالفئة النافرة هي من تسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه وسراياه والمعنى حينئذ انه ما كان لهم ان ينفروا اجمعين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه لتحصيل المصالح المتعلقة ببقاء من يبقى في المدينة والفئة النافرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفقه في الدين بسبب ما يؤمرون به ويسمعون منه فإذا رجعوا إلى من بقي بالمدينة اعلموهم بما حصل لهم في صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم من العلم والاحتمالان قولان للمفسرين
قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد والأقرب عندي هو الاحتمال الأول لأنا لو حملناه على الاحتمال الثاني لخالفه ظاهر قوله تعالى ) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ( وقوله تعالى ) فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ( فإن ذلك يقتضي اما طلب الجميع بالنفير او أباحته وذلك في ظاهره يخالف النهي عن نفر الجميع وإذا تعارض محملان يلزم من احدهما معارضته ولا يلزم من الآخر فالثاني اولى ولا نعني بلزوم التعارض لزوما لا يجاب عنه ولا يتخرج على وجه مقبول بل ما هو اعم من ذلك فإن ما أشرنا إليه من الآيتين يجاب عنه بحمل ) أو ( في قوله ) أو انفروا جميعا ( على التفصيل دون التخيير كما رضيه بعض المتأخرين من النحاة فيكون نفيرهم ثبات مما لايدعون الحاجة الى نفيرهم فيه جميعا ونفيرهم جميعا فيما تدعو الحاجة اليه ويحمل قوله ) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ( على ما اذا كان الرسول هو النافر للجهاد ولم تحصل الكفاية الا بنفير الجميع ممن يصلح للجهاد فهذا اولى من قول من يقول بالنسخ
او ان تكون هذه الاية ناسخة لما اقتضى النفير جميعا
ومن المفسرين من يقول عن منع النفير جميعا حيث يكون رسول الله عليه الصلاة والسلام بالمدينة فليس لهم ان ينفروا جميعا ويتركوه وحده
والحمل ايضا على هذا التفسير الذي ذكرناه اولى من هذا لآن اللفظ يقتضي ان نفيرهم للتفقه في الدين والإنذار ونفيرهم مع بقاء رسول الله عليه الصلاة والسلام بعدهم لايناسبه التعليل بالتفقه في الدين اذ التفقه منه عليه الصلاة والسلام وتعلم الشرائع من جهته فكيف يكون خروجهم عليه معللا للتفقه في الدين
ومنه قوله تعالى ) فاتقوا الله ما استطعتم ( فإنه يحتمل ان يكون من باب التسهيل والتخفيف ويحتمل ان يكون من باب التشديد بمعنى انه ما وجدت الاستطاعة فاتقوا أي لاتبقى من الاستطاعة شيء
وبمعنى التخفيف يرجع الى ان المعنى فاتقوا الله ماتيسر عليكم او ما امكنكم من غير عسر قال الشيخ تقي الدين الفشيري ويصلح معنى التخصيص قوله عليه الصلاة والسلام" اذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "
-----------------
الزركشي
البرهان قي علوم القرآن
تعليق